سلة غذاء المصريين في رمضان تجني انفجار التضخم خلال 10 سنوات

في الجمعة ٢٠ - فبراير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

شهدت أسعار السلع الغذائية في مصر تحركات سريعة على مدار الأسبوع الجاري، مواكبة لإقبال المصريين على شراء احتياجاتهم من سلال الغذاء، خلال شهر رمضان.

شملت التحركات منتجات اللحوم الحمراء والدواجن والبيض والألبان والخضروات والسكر والتمور في اتجاه تصاعدي، يعتبره موزعون انعكاساً لزيادة الطلب الكبير من جمهور ترتفع معدلات استهلاكه للمنتجات الغذائية بأنواعها بنسبة 50% عن باقي الشهور.

رغم تراجع أسعار السلع الغذائية عالمياً وفقاً لمؤشر منظمة الأغذية والزراعة الدولية "الفاو" لشهر يناير/ كانون الثاني 2026، والاستقرار النسبي للجنيه أمام الدولار المتراجع عالمياً، لما يقرب من عام، يشير محللو الأسواق إلى أن سرعة تغير الأسعار في مصر في اتجاه معاكس لتيار عالمي يؤثر بشدة على السوق المصرية التي تستورد نحو 70% من احتياجاتها الغذائية من الخارج، يظهر التناقضات التي يعيشها الاقتصاد، على مدار السنوات الماضية.
ويبقى موسم رمضان اختباراً حقيقياً لقدرة السياسات الحكومية النقدية والاجتماعية والدعم السلعي على ضبط الأسعار وحماية المستهلك ومواجهة تذبذب سعر الصرف.
أكد مسؤول في اتحاد الغرفة التجارية أن ارتفاع أسعار السلع قبيل شهر رمضان يظهر كيف تحولت ملامح سلة الغذاء الرمضانية، بصورة غير مسبوقة، بعدما انتقلت من مستويات سعرية شبه مستقرة قبل 2016 إلى موجات تضخمية متلاحقة دفعت أسعار معظم السلع الأساسية إلى الارتفاع بين ثلاثة وستة أضعاف خلال عشر سنوات.أوضح المصدر المسؤول، الذي رفض ذكر اسمه، أنه وفقاً لبيانات رسمية للغرفة التجارية تكشف مؤشرات عامي 2025 و2026 عن بداية تهدئة نسبية، مدفوعة بتحسن توافر السلع والنقد الأجنبي، مع توسع إجراءات الحماية الاجتماعية الحكومية، بما جعل موسم رمضان الحالي، أقل توتراً مقارنة بالسنوات الماضية، وإن ظل العبء مرتفعاً على المستهلك.

يكشف تقرير الغرفة الذي حصل "العربي الجديد" على نسخة منه أن موجتي التعويم، التي بدأت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 ثم مارس/أكتوبر 2022، كانت العامل الأكثر تأثيراً في انفجار أسعار السلع الرمضانية، حيث سبّب تعويم 2016 في قفز الدولار من نحو ثمانية جنيهات إلى أكثر من 18 جنيهاً، ثم قفز إلى مستويات 47 جنيهاً حالياً.

وفقاً للتقرير الصادر الأسبوع الماضي، فإن هذه التحولات لم تكن مجرد أرقام، بل ترجمتها الأسواق سريعاً إلى ارتفاعات ضخمة في كلفة جميع السلع المرتبطة بالاستيراد، سواء مباشرة مثل الزيوت والسكر الخام ولبن البودرة والياميش، أو بشكل غير مباشر عبر مدخلات الإنتاج.
تكشف بيانات الغرف التجارية زيادة حادة في أسعار السلع الجافة، على مدار عشر سنوات، حيث قفز جوال الدقيق وزن 50 كيلوغراماً، من 147 جنيهاً عام 2016 إلى 850 جنيهاً في 2026 بنسبة ارتفاع 478%، وكيلو الفاصوليا البيضاء من 16 إلى 70 جنيهاً بنسبة 337% والأرز السائب من 7 إلى 23 جنيهاً بنسبة 228%.
يوضح التقرير أن هذه الزيادات لم تكن نتيجة الاستهلاك الموسمي لرمضان، بل كانت انعكاساً مباشراً لانخفاض القوة الشرائية للجنيه وارتفاع تكاليف الشحن والتوريد، والتي ظهر أثرها المباشر على أسعار الألبان والزيوت والياميش، التي ظلت القطاعات الأكثر تأثراً بسعر الصرف، منوّهاً إلى ارتفاع سعر الزبادي بنسبة 380% وزيت دوار الشمس من 37 إلى 210 جنيهات بنسبة 468%.وفقاً لقرير الغرفة التجارية، تجاوزت الزيادات أي موجة عرض وطلب موسمية، لتعكس بصورة دقيقة أثر التحول في سعر الصرف على مدار عشر سنوات، التي واكبت جائحة كوفيد 19، والحرب الأوكرانية، أدت إلى تأثر الأسواق المصرية بحالة اضطرابات سلاسل التوريد العالمية وارتفاع أسعار الشحن البحري ونقص الحاويات والارتفاع العالمي في أسعار القمح والزيوت الخام، صاحبت موجات تضخم دولي بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وأدت إلى ارتفاعات سعرية، خصوصاً في السلع المستوردة أو المعتمدة على مدخلات أجنبية.

تشير البيانات إلى أنه رغم التهدئة الحكومية، فإن الأسعار لا تزال أعلى ما يتراوح ما بين ثلاثة إلى ستة أضعاف سعرها مقارنة بعام 2016.
بدورها أطلقت الحكومة مطلع الأسبوع الجاري، إجراءات دعم عاجلة تشمل توجيه ثمانية مليارات جنيه دعماً نقدياً إضافياً لعشرة ملايين أسرة من حاملي البطاقات التموينية بقيمة 400 جنيه تُصرف على دفعتين في مارس/ آذار وإبريل/ نيسان المقبلين، ومنح أربعة مليارات جنيه لـ 5.2 ملايين أسرة مستفيدة من برنامج "تكافل وكرامة" المخصص للأسرة التي تعاني الفقر المدقع.
يقول رئيس لجنة التجارة الداخلية بالشعبة العامة للمستوردين، متّى بشاي لـ" العربي الجديد" إن ملف الحماية الاجتماعية لم يعد مجرد استجابة لأزمة الأسعار، بل أصبح ركيزة موازية لمسار الإصلاح الاقتصادي، لافتاً إلى أن تجاهلها قد يترك آثاراً سلبية على الاستقرار المجتمعي والسوق.
ويضيف أن تبكير صرف الرواتب وزيادة المعاشات وتوسيع برامج الدعم يعزز القدرة الشرائية، ويضمن للمواطن تلبية احتياجاته الأساسية خلال ذروة الإنفاق الموسمي، وهو ما ينعش التجارة الداخلية ويضمن دورة اقتصادية أكثر توازناً. يعتبر بشاي أن استمرار تنفيذ هذه الإجراءات حتى يونيو 2026 يشير إلى قناعة حكومية بأن استكمال الإصلاح الاقتصادي يحتاج غطاء اجتماعياً متيناً يحد من آثار التضخم على الأسر الأكثر هشاشة.