ماذا تعرف عن عرف "التسامح العشائري" في العراق؟

في الثلاثاء ٢٠ - يناير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

في بلدٍ أثقلته الحروب والفتن والانقسامات، يُحافظ العراق على "خيط" اجتماعي متين يمتد عميقاً في تاريخه، هو "التسامح العشائري" الذي شكّل على مدى قرون أحد أهم مرتكزات الأمن المجتمعي. ويعود هذا العرف اليوم ليظهر بين فترة وأخرى كبوابة لوأد الفتن وتقوية أواصر المجتمع، متحدياً لغة العنف والتحريض، ومتغلباً في بعض الحالات على صرامة القانون وخطابات حزبية وسياسية غذت الكراهية لسنوات طويلة.

وعُرفت العشائر العراقية العريقة بمنظومة قيم متوارثة تقوم على الكرم والنجدة وحقن الدماء وحل النزاعات بطرق سلمية، وتغليب التسامح حتى أثناء "الفصل العشائري" أو ما يُعرف بـ"الدية" التي تُستوفى وفق "السانية" (قانون العشائر) من الجاني. إذ دأبت عشائر وعائلات ضحايا على التنازل عن الدية جملةً، إكراماً للوسطاء وحرصاً على التصالح وإعادة التوازن الاجتماعي، حتى شاع المثل الشعبي في البلاد: "دية الكرام السماح"، في إشارة إلى أن العفو بحد ذاته أسمى من المال.

التسامح العشائري... إرث عريق وتحديات راهنة
قبل عام 2003، كانت هذه الأعراف تمثل ركيزة أساسية في ضبط السلوك الاجتماعي، وتعمل غالباً بالتوازي مع القانون لا في مواجهته. غير أن التحولات العنيفة التي شهدها العراق لاحقاً، وما رافقها من انهيار للمؤسسات وانتشار للسلاح وصعود قوى متناحرة، أدت إلى تراجع واضح في حضور هذه القيم. ولا يمكن إنكار أن المشهد العشائري شابه كثير من التشوهات، خصوصاً مع بروز ظواهر سلبية مثل "الدكة العشائرية" والنزاعات المسلحة، واستخدام السلاح المنفلت لتصفية خلافات شخصية أو اقتصادية. هذه الممارسات حجّمت من محتوى العرف العشائري وحولته أحياناً إلى أداة تهديد، لكن كل ذلك لم يخفِ تلك القيم الأصيلة أو يتسبب بتلاشيها بالكامل.

وفي الفترات الأخيرة، سجلت محافظات عراقية عدة، منها بغداد وديالى والأنبار وكركوك وصلاح الدين والبصرة والمثنى وذي قار، مواقف مغايرة تماماً أعادت الاعتبار للوجه الأصيل للعشيرة. ففي حوادث مختلفة، منها حوادث سير مميتة وأخطاء غير مقصودة أدت إلى إصابات جسيمة أو وفيات، شهدت محاكم وأقسام شرطة حالات تنازل لافتة؛ حيث قدمت عائلات الضحايا عفوهم الصريح قضائياً وعشائرياً، وأسقطوا الشكاوى القانونية، ما أدى لإطلاق سراح المتسببين.

التسامح... قصص من الواقع العراقي
في محافظة المثنى (جنوب)، تسبب حادث سير بوفاة شاب، وأُلقي القبض على السائق وأودع السجن بانتظار الحكم. غير أن عائلة الضحية سامحت السائق رافضة استلام أي دية. وقال أحد أقرباء الضحية، الحاج فاضل الظالمي، لـ"العربي الجديد": "لن نعيد ابننا بسجن الجاني، لكننا نعيد إنسانيتنا بالعفو وتغليب لغة التسامح"، مبيناً أن "الحوادث غير المتعمدة هي قضاء وقدر، والتسامح أولى بها". وفي حادثة أخرى وسط محافظة صلاح الدين، دُهس طفل أثناء لعبه في أحد الأحياء السكنية وأصيب إصابات بالغة. ورغم الغضب الأولي، أصر والد الطفل على التنازل عن الدعوى، ورفض أي دية أو تعويض مالي عن مصاريف العلاج.

ويرى الشيخ إبراهيم الجبوري، وهو أحد وجهاء محافظة ديالى، أن "العشيرة وُجدت لحماية الناس لا لترهيبهم. الفصل العشائري الحقيقي يقوم على الإصلاح وحقن الدماء، وليس على استعراض السلاح أو فرض الإتاوات". وأضاف الجبوري لـ"العربي الجديد": "هناك من استغل العرف العشائري لتحقيق مكاسب مالية، ما انعكس سلباً على سمعة عشائرنا"، لافتاً إلى أن العراقيين يعيشون اليوم صراعاً بين ثقافتين؛ "ثقافة التسامح التي ورثناها، وثقافة التحريض التي يغذيها بعض الأحزاب والجهات المنتفعة".

العرف والقانون: تكامل لا تناقض
من جانبهم، يرى قانونيون أن هذه المبادرات، رغم بعدها الإنساني، تطرح إشكالية دقيقة بين العرف والقانون. ويقول المحامي شاكر العبيدي لـ"العربي الجديد"، إن "القانون يجب أن يبقى المرجع الأساس لضمان العدالة ومنع الإفلات من العقاب". لكنه يقر في الوقت ذاته بأن "العفو العشائري يسهم في تخفيف الاحتقان ومنع الثأر"، مشدداً على أن التسامح العشائري "ليس نقيضاً للقانون، بل يمكن أن يكون مكملاً له إذا جرى ضمن أطر أخلاقية واضحة".ومع هذه النماذج المضيئة، تقف لغة التسامح العشائري في مواجهة خطاب سياسي وإعلامي يغذي الانقسام، خاصة من جانب أحزاب السلطة وبعض الوجهاء المحسوبين عليها الذين استغلوا النزاعات لتوسيع النفوذ. وفي هذا السياق، يعتبر الناشط المجتمعي سليم الكروي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "إحياء قيم التسامح يمثل أحد أهم الردود المجتمعية على الخطاب التحريضي؛ لأنه يعيد القرار إلى المجتمع نفسه". وشدد على ضرورة تسليط الضوء إعلامياً على قصص التسامح، مشيراً إلى أنها "دليل حي على أن المجتمع العراقي ما زال قادراً على إنتاج بدائل سلمية، وتذكير بأن العشيرة حين تعود لجذورها تكون عامل استقرار لا وقود صراع".

يجري ذلك في وقت يبحث العراق عن التماسك بعد سنوات من الأزمات، ليبرز هذا الوجه الناصع شاهداً على أن العفو، حين يصدر عن قوة أخلاقية، يكون "فعل مقاومة" في وجه العنف ومحاولات تمزيق النسيج الاجتماعي.