كيف أدت سياسات إدارة ترامب إلى تراجع الحقوق والحريات في الولايات المتحدة؟

في الإثنين ١٩ - يناير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

بعد عام على تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الثانية، تتسارع وتيرة التراجع عن المكتسبات في مجال حقوق الإنسان والحريات الفردية داخل الولايات المتحدة. من الحق في التظاهر، مرورا بحقوق مجتمع الميم (LGBTQ+)، وصولا إلى حرية الصحافة: قراءة في حصيلة مرحلة أولى وُسمت بتشدد غير مسبوقمنذ عودته إلى السلطة في 20 يناير/كانون الثاني 2025، شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل كبير نهج تعامل الدولة الفيدرالية مع حركات الاحتجاج. وشكلت التعبئة التي شهدتها الجامعات عام 2024 ضد الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة حقل تجارب لهذا النهج الجديد. ففي بعض الحالات، جرى توقيف طلاب أجانب وتفعيل مساطر الترحيل ضدهم بسبب مشاركتهم في المظاهرات.

الحق في التظاهر... تشدد أمني متصاعد
في مارس/آذار 2025، خلف اعتقال محمود خليل، أحد أبرز وجوه الحراك المؤيد للفلسطينيين في جامعة كولومبيا، والحاصل على بطاقة الإقامة الدائمة (غرين كارد)، صدمة على المستوى الوطني. اتهمته إدارة ترامب بأنه "داعم لحماس". فتم احتجازه لعدة أشهر ولا يزال إلى اليوم يواجه إجراء يقضي بترحيله.

وفي الشهر نفسه، أوقفت أيضا رميساء أوزتورك، وهي طالبة تركية تحمل تأشيرة دراسية، من قبل عناصر أمنية بملابس مدنية تابعين لشرطة الهجرة (ICE) أثناء وجودها في الشارع. وكانت أوزتورك قد انتقدت، في مقال نشرته بصحيفة طلابية، طريقة تعامل جامعة تافتس في ولاية ماساتشوستس مع حركة الاحتجاج..تزامنا مع ذلك، أمر الرئيس بنشر قوات من مشاة البحرية (المارينز) والحرس الوطني في شوارع لوس أنجلس، عقب مظاهرات اندلعت احتجاجا على توقيف أشخاص يُشتبه في تواجدهم بشكل غير قانوني على الأراضي الأمريكية من قبل شرطة الهجرة. ولاحقا، تم اعتماد إجراءات مماثلة في عدة مدن أخرى، بذريعة مكافحة الجريمة و"حماية" العناصر الفيدرالية.

أما أحدث الإشارات المقلقة، فكانت في 15 يناير/كانون الثاني، حين هدد الرئيس مجددا بتفعيل "قانون التمرد" (Insurrection Act)، وهو تشريع استثنائي يتيح نشر قوات فدرالية أو الحرس الوطني لقمع الاضطرابات المدنية. تأتي هذه التصريحات في وقت تعيش مدينة مينيابوليس احتجاجات أعقبت مقتل رينيه غود، برصاص أحد عناصر شرطة الهجرة خلال عملية ميدانية.

حقوق الأجانب... الوعيد بالترحيل الجماعي يتحول إلى إجراءات واقعية
مع عودته إلى السلطة، سارع دونالد ترامب إلى ترجمة وعوده الانتخابية المتعلقة بالهجرة إلى سياسة ميدانية واسعة النطاق. وخلال عام واحد فقط، بلغت عمليات الاحتجاز والترحيل مستويات غير مسبوقة. إذ ارتفع عدد المحتجزين لدى شرطة الهجرة بنحو 75% خلال عام 2025، ليصل إلى 66 ألف شخص مطلع ديسمبر/كانون الأول، مقارنة بـ40 ألفا في بداية العام، وفق تقرير صادر عن المجلس الأمريكي للهجرة.

وفي الوقت نفسه، تسارعت وتيرة الترحيل. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نُفذت أكثر من 14 عملية ترحيل مباشرة مقابل كل شخص أُفرج عنه في انتظار جلسة قضائية، مقارنة بـ1,6 فقط في ديسمبر/كانون الأول 2024. وتؤكد وزارة الأمن الداخلي ترحيل أكثر من 600 ألف شخص منذ عودة ترامب، فيما غادر نحو 2,5 مليون آخرين البلاد طوعا.

ميدانيا، تجسدت هذه السياسة في مداهمات واسعة النطاق، لا سيما بمنطقة لوس أنجلس، حيث نفذ عناصر من شرطة الهجرة عمليات في مواقف متاجر كبرى ومحطات غسل سيارات ومؤسسات تشغّل عمالا من أصول أمريكية لاتينية، وفق تقارير لمنظمات حقوقية. وغالبا ما نُفذت هذه العمليات من قبل عناصر ملثمة. ما أثار موجة استياء واسعة ودعاوى قضائية من قبل المدافعين عن حقوق الإنسان.

وامتدت هذه المقاربة المتشددة إلى سياسة اللجوء، إذ قلصت الإدارة بشكل حاد عدد المستفيدين من برنامج استقبال اللاجئين، محددة سقفه عند 7,500 شخص للسنة المالية 2026، مقارنة بـ125 ألفا في العام السابق. كما منحت أولوية استثنائية للبيض من جنوب أفريقيا، في سياق تصريحات رئاسية غير مدعومة بأدلة حول "إبادة جماعية" مزعومة يتعرض لها "الأفريكانر"، أحفاد المستوطنين الأوروبيين الأوائل الذين استقروا في المنطقة.

وفي أحدث قراراتها، أعلنت الإدارة في 14 يناير/كانون الثاني تعليق إجراءات منح تأشيرات الهجرة لمواطني 75 دولة، بذريعة مكافحة إساءة استخدام نظام الهجرة الأمريكي.

الحقوق الإنجابية... تفكيك تدريجي دون حظر صريح
لم يُقدِم دونالد ترامب على فرض حظر شامل على الإجهاض، كما كان يخشى المدافعون عن هذا الحق. غير أن إدارته عملت تدريجيا على إفراغ الضمانات القائمة من مضمونها، من خلال اعتماد استراتيجية أقل صخبا لكنها لا تقل فاعلية.

ويتمثل أحد أبرز أوجه هذا التراجع في التخلي عن الحماية الفيدرالية المرتبطة بقانون إيمتالا (قانون العلاج الطبي الطارئ والعمل – Emergency Medical Treatment and Labor Act)، الذي كان يضمن الوصول إلى الرعاية الصحية الطارئة.

ففي عهد إدارة الرئيس السابق جو بايدن، كان هذا القانون يشمل الحق في الإجهاض عندما تكون حياة الأم في خطر، حتى في الولايات التي تحظر الإجهاض. أما اليوم، فلم تعد الدولة الفيدرالية تفرض عقوبات على المستشفيات أو الأطباء الذين يرفضون التدخل، حتى في حالات الإجهاض التلقائي أو المضاعفات الصحية الخطيرة.

وفي هذا المناخ المطبوع بعدم اليقين، تتكاثر القضايا القضائية. ففي مارس/آذار 2025، أُوقفت سيلينا ماريا تشاندلر-سكوت في ولاية جورجيا ووجّهت إليها تهمتا "إخفاء وفاة" و"التخلي عن جثة" عقب تعرضها لإجهاض تلقائي، قبل أن يُفرج عنها في نهاية المطاف.

وبالتوازي، تقلص الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية بفعل اقتطاعات مالية واسعة. فبين يناير/كانون الثاني ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، أُغلق نحو 50 مركزا تابعا لمنظمة "بلاند بارنتهود" (المعادلة لتنظيم الأسرة)، من بينها قرابة عشرين مركزا بعد إقرار قانون الميزانية المعروف باسم «One Big Beautiful Bill»، الذي ألغى عشرات ملايين الدولارات من الدعم الفيدرالي.

وتحت ضغط مسؤولين منتخبين محافظين وجماعات مناهضة للإجهاض، أعلن وزير الصحة روبرت كينيدي الابن عن إعادة تقييم حبوب الإجهاض "ميفيبريستون"، المستخدمة في غالبية عمليات الإجهاض في البلاد.

ولا تستبعد إدارة ترامب تقييد وصف هذه الحبوب عبر خدمات الطب الإلكتروني عن بُعد، وهو خيار بات لا محيد عنه للنساء المقيمات في ولايات يُحظر فيها الإجهاض.حرية الصحافة... تضييق مستمر
دخلت الإدارة الأمريكية الحالية في مواجهة مفتوحة مع الصحافيين ووسائل الإعلام. فمنذ عودة ترامب إلى السلطة، يواجه الصحافيون وهيئات التحرير تصاعدا ملحوظا في الضغوط، شمل دعاوى قضائية مكلفة، وقيودا مشددة على الوصول إلى المعلومات، وتهديدات بفرض عقوبات، إلى جانب هجمات لفظية متكررة.

وقد استهدف البيت الأبيض وكالة "أسوشيتد برس"، إذ مُنع صحافيوها من حضور بعض الفعاليات، ومن دخول مناطق معينة، بل وحتى من مرافقة الرئيس على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان"، بسبب استمرار الوكالة في استخدام تسمية "خليج المكسيك" بدل "خليج أمريكا"، التزاما بالمصطلح المعتمد دوليا، وخلافا للمرسوم الذي وقعه دونالد ترامب عند تنصيبه. وعلى الرغم من أن قاضيا فدراليا أبطل هذا الإجراء في أبريل/نيسان 2025، فإن قرار ترامب كشف بجلاء نزعة رئاسية إلى التحكم في كيفية تقديم المعلومات إلى الرأي العام.

الولايات المتحدة: البيت الأبيض يمنع مراسلا من التغطية بسبب تسمية "خليج المكسيك"
لعرض هذا المحتوى من اليوتيوب من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات اليوتيوب.

قبول
أعدل اختياراتي
Trump on Gulf of Mexico

02:14
وفي البنتاغون، شهد شهر سبتمبر/أيلول محاولة جديدة لتشديد الخناق، حين فرضت وزارة الدفاع على الصحافيين المعتمدين شرط الحصول على إذن صريح قبل نشر بعض المعلومات، تحت طائلة سحب بطاقاتهم الصحافية. وأمام هذه الشروط غير المسبوقة، فضلت غالبية وسائل الإعلام، من "نيويورك تايمز" إلى "فوكس نيوز"، مرورا بوكالة الأنباء الفرنسية، التخلي عن اعتمادها ومغادرة مكاتبها داخل الوزارة.

ومنذ الخريف، ازداد تضييق الخناق على وصول الصحافة إلى البيت الأبيض ووزارة الخارجية، عبر فرض تصاريح يومية إلزامية، وتحديد مناطق محظورة على الصحافيين، وتنفيذ عمليات إقصاء انتقائية. وبعد نشر صحيفة "وول ستريت جورنال" في سبتمبر/أيلول مقالا تناول العلاقات السابقة بين دونالد ترامب وجيفري إبستين، المتهم بارتكاب اعتداءات جنسية، حُرمت الصحيفة من الوصول إلى الطائرة الرئاسية، كما ورفعت ضدها دعوى تشهير تطالب بتعويض قدره 10 ملايين دولار.

أما أحدث هذه الوقائع، فتتمثل في قيام مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، في 16 يناير/كانون الثاني، بتنفيذ مداهمة نادرة لمنزل صحافية بجريدة "واشنطن بوست"، هانا ناتانسون، في إطار تحقيق يتعلق بتسريبات مرتبطة بالأمن القومي، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف المتزايدة بشأن حماية مصادر الصحافيين في الولايات المتحدة.