ثراء الفسطاط

آحمد صبحي منصور في الأحد ٣١ - مايو - ٢٠٠٩ ١٢:٠٠ صباحاً

مقدمة
المدن كالبشر ، تولد ، وتنمو، وتزدهر ..ثم تندثر ..
يقول تعالى عن البشر "( اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) (الروم 54 ) .
ويقول تعالى عن القرية ـ وتعني في القرآن المدينة والمجتمع البشري – (وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا )( الاسراء 58 ).
ينطبق ذلك على الفسطاط ، أول مدينة إسلامية في مصر ..
إذا رأيتها الآن لا تتخيل ما كان فيها من ثراء وحضارة ..

أولا : نشأة الفسطاط وتوسعها

1 ـ بنى عمرو بن العاص مدينة الفسطاط سنة 21 هـ وجعلها عاصمة لمصر واختط فيها الجامع العتيق ، أول مسجد أنشئ في مصر ، ثم اختطت القبائل العربية منازلها حوله.
وزاد من أهمية الفسطاط أن عمرو بن العاص أعاد حفر قناة قديمة كانت تصل النيل بالبحر الأحمر عند مدينة القلزم " السويس " وبذلك أصبح الاتصال البحري بين الفسطاط والبحر الأحمر والجزيرة العربية أمرا ميسورا ، وعن طريق تلك القناة كانت الغلال المصرية تصل إلى الحجاز ..

2 ـ ثم أسس العباسيون مدينة العسكر حين استولوا على مصر سنة 132 .
وكان مروان بن محمد آخر خليفة أموي قد فر إلى مصر وأحرق جزءا من الفسطاط قبل أن يهرب إلى الصعيد ، ثم لحق به العباسيون وقتلوه في مدينة أبوصير بالصعيد ، وانشأوا عاصمة جديدة لهم بجوار الفسطاط أسمها العسكر، وبنى فيها الوالي العباسي صالح بن علي دار الإمارة وثكنات الجند ، ثم شيد الفضل بن صالح مسجد العسكر.
وبمرور الزمن اتصلت مباني العسكر بالفسطاط وأصبحتا مدينة كبيرة أنشأت فيها الشوارع والمساجد والبساتين والأسواق . وسكن في العسكر خمسة وستون واليا حكموا مصر مدة 118 عاما عن الخلافة العباسية.

3 ـ ثم جاء أحمد بن طولون وأسس في مصر الدولة الطولونية .. فأنشأ مدينة جديدة لجنوده ، وأسماها القطائع ، وذلك سنة 256 هـ ، واختط فيها قصره والمسجد الشهير الذي حمل أسمه ، وأصبحت القطائع مدينة كبيرة .
وما لبثت أن اتصلت الشوارع والمباني بين القطائع والفسطاط والعسكر ، وأصبحت المدن الثلاث مدينة واحدة تسمى " مصر ".

4 ـ وأنشأ جوهر الصقلى القاهرة عاصمة جديدة للفاطميين سنة 360 ، وقد دخل الخليفة الفاطمي المعز لدين الله القاهرة سنة 362 ، فانتقلت إليها الأضواء ، ثم ما لبث أن اتصلت مبانى القاهرة بمبانى الفسطاط وضواحيها العسكر والقطائع وتم اطلاق اسم ( مصر)على الجميع .
وبينما إزدهرت القاهرة واتسعت نواحى الغرب والجنوب والشمال خصوصا فى الدولة المملوكية فقد آل حال الفسطاط وضواحيها العسكر والقطائع إلى أن ماتت بالجوع والحريق بانهيار الدولة الفاطمية .


ثانيا : ونتوقف مع الفسطاط في عصرها المزدهر ..

1 ـ يذكر المؤرخون أنه كان في الفسطاط 36 ألف مسجد ، وثمانية آلاف شارع مسلوك وألف ومائة وسبعون حماما ، وكان الزحام حول حمام جنادة في القرافة شديدا ، وكانت الضريبة المقررة عليه يوم الجمعة خمسمائة درهم .

وروى أحدهم أنه دخل الفسطاط في عصر ابن طولون واتجه إلى حمام بناه الروم فيها وطلب من يخدمه في الحمام فلم يجد واحدا منهم متفرغا ، مع أنه يوجد في ذلك الحمام سبعون خادما ، فخرج من ذلك الحمام وبحث عن غيره ، ووجد واحدا بصعوبة ووجد فيه نائب خادم ..

2 ـ وتحليل الروايات السابقة يدل على ما كانت عليه الفسطاط من ازدهار سكاني وحضاري وثراء مالي .. إذ كانت العادة أن يذهب الناس إلى الحمامات للنظافة والراحة ، وهذا إذا كانوا على قدر كاف من الرخاء والرقي الحضاري ، فإذا كان الازدحام شديدا على حمامات الفسطاط بحيث يصل عددها 1170 ثم لا تكاد تكفي سكانها فذلك ابلغ دليل على ثراء المدينة وسكانها .

الرخاء وكثرة السكان
1 ـ ومع ذلك الثراء فقد عرفت الفسطاط أوقاتا من الرخاء ورخص الأسعار.
يروي الليث بن سعد أن أحدهم وقف على جزار يسأله عن سعر اللحم فقال : بأربعة أفلس الرطل ، وكان ذلك في بداية العصر العباسي . وفي زمن أحمد بن طولون كان العشرة أرادب من القمح تباع بدينار واحد . وقبله بقليل كان الدينار يشتري خمسة أرادب .

2 ـ وكان الاستهلاك في الفسطاط هائلا ..
ونستدل عليه من تلك الرواية التي يذكرها ابن سعيد في كتابه " المعرب " يقول أنه في الفسطاط توجد دار تعرف بدار عبد العزيز يحتاج أهلها كل يوم إلى 400 رواية ماء ، والرواية هي مكيال الماء الذي يحمله السقاة على البيوت .. فإذا كانوا يستهلكون من الماء هذا القدر فكيف بإجمالي الطعام ؟

ويقول ابن المتوج في كتابه " إيقاظ المتغفل " أنه توجد على ساحل النيل في الفسطاط 16 ألف سطل وهي تحمل ماء النيل عن طريق بكرات وآنية تلقي في النيل ثم تعود ملأى بالماء .

3 ـ ونعرف كثرة السكان وازدهار العمائر في الفسطاط من ذلك الخبر الذي يرويه المقريزي ويقول : كانت الفسطاط نحو ثلث بغداد ، أي " فرسخ " وكانت غاية في العمارة والخصب والطيبة واللذة ، وكانت مساكن أهلها خمس طبقات وستا وسبعا ، وربما سكن في الدار الواحدة المائتان من الناس ..
ومعناه أن الفسطاط عرفت العمارات ذات الطوابق المتعددة التي تصل إلى سبعة .. وعرفت أيضا المنازل المتسعة الأرجاء التي تحوي عددا من الأفران والحمامات ..

البذخ والثراء في الفسطاط

1 ـ كان ثراء الفسطاط يزيد عن الحد ، كانت حدائقها المجاورة لها تأتي بغرائب الإنتاج .
يذكر أبو داود في كتابه السنن أنه وجدت بالفسطاط ثمرة قثاء طولها ثلاثة عشر شبرا ، ورأى فيها أترجه حملها بعير قطعتين ، واشتهرت بساتين بني سنان خارج الفسطاط ، وقد ذكر المقريزي أنه لم ير أبدع منها .
ولما قدم الخليفة المأمون مصر سنة 217 رأى بساتين بني سنان وأعجبته وسأل إبراهيم بن سنان عما يدفعه من خراج عنها فقال إنه يدفع عنها عشرين ألف دينار سنويا وسأله عن إيرادها السنوي فقال لا أستطيع حصره ، إلا أن ما زاد على مائة ألف دينار أتصدق به ولو كان درهما ..
وإذا عرفنا رخص الأسعار للمستهلك العادي فإن إنتاج هذه البساتين كان يفوق الحد ..

2 ـ وبالنسبة لوفرة الإنتاج الصناعي في الفسطاط فإن القضاعي يذكر في كتابه " الخطط " أن خمارويه بن أحمد بن طولون ـ أثناء تجهيز ابنته قطر الندى ـ طلب شراء ألف تكة ثياب لها ، ثمن كل تكة بعشرة دنانير ، فوجدوها له في أسواق الفسطاط في أيسر وقت وبأهون سعر ..
أي كانت أسواق الفسطاط تزدحم بمتطلبات السادة المترفين ونسائهم من شتى المصنوعات والتحف والتجهيزات . ومن أسواق الفسطاط قام خمارويه بشراء جهاز ابنته قطر الندى الذي صار مضرب الأمثال في البذخ والترف .

أخيرا: اندثار الفسطاط
وانتقلت الأضواء من الفسطاط للقاهرة بعد إنشائها .. وكان من الممكن أن تظل الفسطاط مزدهرة مع ازدهار القاهرة لولا أن الفسطاط أصيبت بكارثتين هائلتين ،
الأولى : الشدة العظمى التي لحقت بمصر في خلافة المستنصر الفاطمي سنة 446 ، وكانت مجاعة هائلة أعقبها وباء ، واستمر ذلك حتى سنة 454 وصحبه انهيار سياسي عانت منه الفسطاط أكثر من غيرها .
أما الكارثة الأخرى فهي الحريق الذي دمر الفسطاط ، وقد ارتكبه شاور وزير العاضد آخر خلفاء الفاطميين ، وذلك حتى لا يستولى عليها الصليبيون ، وبعث شاور إلى الفسطاط بعشرين ألف قارورة نفط وعشرة ألاف مشعل ، ووزع ذلك في شوارعها وأشعلها فاستمرت النار تأكل الفسطاط أربعة وخمسين يوما .. وكان ذلك سنة 564 .

وبعد أن أتى الحريق على كل شيء تسرب إليها اللصوص يبحثون عن الدفائن وما يستطيعون سلبه ونهبه ..
وانتهت الفسطاط وانتقلت إلى متحف التاريخ بمن فيها ..
آخر السطر :
سبحان الذي يرث الأرض ومن عليها ..

اجمالي القراءات 5972