أتذكر جيدًا حينما كنت طالبًا صغيرًا في إحدى المدارس السعودية. لم أكن أملك – بحكم سني الصغيرة – القدرات التي أمتلكها اليوم من القدرة على التحليل والتمييز، ولكنني ما زلت أتذكر عندما كنت في الصف السادس الابتدائي كتابَ التاريخ الذي يدرس للطلبة تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى والثانية مرورًا بتأسيس الدولة الثالثة على يد الملك عبد العزيز آل سعود إلى يومنا هذا، لقد كان كتابًا مشوهًا إلى أبعد حد أقل ما يوصف به أنه كتاب مزور يحكي أساطيرَ خيالية وأحداثًا حقيقية تم تشويهها بصورة كبيرة حتى باتت أقرب ما يكون للأساطير، ناهيك عن عشرات المعلومات الهامة التي حذفت عمدًا لتغيير الحقيقة وتزويرها.
من بين المواقف التي لن أنساها صور ملوك السعودية التي أُفردت لكل واحد منهم صفحة بأكملها، كانت البداية مع الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة وهو أب لكل الملوك الذين تبعوه إلى يومنا هذا، حاول الكتاب تصويره بصورة أسطورية مطلقة ومحاولة تعديل صوره بشتى السبل الممكنة، مع تذييلها بلقب “صقر الجزيرة” لكن كل محاولات التجميل تلك لم تنجح في إنكار أن صقر الجزيرة في الحقيقة أعور العين! نعم لقد كان الملك عبد العزيز أعور العين، وبالرغم من أن العائلة المالكة تزعم أن العين قد فقدت بسبب مرض الرمد إلا أن هناك الكثير من الأقاويل تحكي أن العين فقدت من خلال إحدى المعارك وقيل أيضًا أنها فقدت بفعل امرأة شمرية “من قبيلة شمر” سبيت فقامت بفقء عينه انتقامًا لما فعله عبد العزيز برجال قبيلتها أثناء إحدى الغزوات وأنه شعر بالعار ولم يفعل شيئًا تجاهها.
تاريخ مشوه وقصص مليئة بالمبالغة والكذب تسمعها كل يوم في وسائل الإعلام المختلفة، على سبيل المثال قصة سمعتها في الإذاعة السعودية تتحدث أن الملك عبد العزيز رفض تناول الخمر قبل إجراء أحد الجراحين الأجانب عملية له، ولم يشعر بالألم لأنه ببساطة كان أقوى من الألم؟!
بالتأكيد لم تكن هذه القصص الأسطورية هي الأهم، فهناك الكثير منها مثل محاولات تصوير غزواته بالمعارك الأسطورية مع أنها لم تكن سوى أعمال سبي وقتل بين القبائل وبعضها البعض، فيكفيك مثلًا أن تعلم أن فصلًا كاملًا في كتاب التاريخ مسطر تحت عنوان “فتح الدرعية” والدرعية لمن لا يعلم هي المدينة القديمة التي يتوسطها قصر المصمك، وبالطبع فالقصر لم يكن سوى قصر من الطين والمدينة هي مدينة من البيوت الطينية في قلب الصحراء، أما الدرعية فهي المدينة القديمة التي تقع بجوارها على بعد بضعة كيلومترات الآن من العاصمة الرياض، أما المعركة الأسطورية التي أطلق عليها فتح الدرعية فلم تكن سوى غزوة لبضع رجال لا يتجاوز عددهم 40 شخصًا ومعهم الملك عبد العزيز الذين أغاروا ليلًا على آل رشيد للاستيلاء على مركز الحكم وقتها.
القصة الثانية التي ما زلت أتذكرها هي تولي الملك سعود ابن الملك عبد العزيز قيادة الدولة بعد وفاة والده، الغريب أن الكتاب لم يحكِ أي تفاصيل عن سعود، بل اكتفى بصورة له كباقي ملوك المملكة، وبالرغم من أنه حكم السعودية في إحدى أهم مراحلها التاريخية ما بين عامي 1953 – 1964 بعد وفاة الأب المؤسس إلا أنه لم يتم سرد اسم الملك إلا بصورة مقتضبة انتهت بذكر تنحيه عن الحكم لشقيقه الملك فيصل؟! أتذكر جيدًا عندما استفسرت من مدرسي عن سبب تنحيه عن الحكم، مما أصابه بالتوتر وأجابني باقتضاب مصحوب بالارتباك: كان ذلك بسبب تراجع سعر الريال أمام الدولار؟!
حقيقة لم أجد التفسير منطقيًا وقتها، ولا حتى بعدها. لكنني عرفت فيما بعد الكثير؛ فمن خلال متابعتي للصحف الأجنبية، وقراءاتي على مواقع الإنترنت المختلفة، وكذلك لعدد من الأوراق البحثية من أهمها البحث الذي نشره الباحث السعودي محمد فهد القحطاني والذي درس الاقتصاد في الولايات المتحدة وعمل مذيعًا تلفزيونيًا وكذلك حقوقيًا اعترض على العديد من الممارسات والانتهاكات التي يقوم بها النظام السعودي لتختاره مجلة فورين بوليسي من بين أكثر 100 مفكر على مستوى العالم، ومن الطبيعي أن تنتهي قصة معارضته لآل سعود بتقديمه للقضاء والحكم عليه بالسجن لعشر سنوات ومنعه من السفر أخرى مثلها.
استند القحطاني في بحثه على العديد من الكتب والمراجع أهمها كتاب “المملكة” للكاتب لروين لوسي المقرب من العائلة الحاكمة، والذي حاولت المملكة التأثير عليه بشتى السبل وشراء كتابه أو حذف وإضافة بعض العبارات منه لكنه رفض كل هذه الإغراءات ، كما أنه واجه صعوبة كبيرة في الوصول لبعض المعلومات في ظل حالة التعتيم الشديدة التي تقوم بها السعودية للتغطية على عوراتها وفضائحها؟
بذلت المملكة على مدار سنوات طويلة مليارات الدولارات لتلميع وتحسين صورتها أمام مواطنيها والعالم على حد سواء، استخدمت أساليب القمع ضد معارضيها، والترغيب والترهيب في التعامل مع الخارج، وذلك لمنع تسريب هذه الفضائح للرأي العام، وبالرغم من نجاحها في حماية سمعتها بصورة كبيرة أمام العموم، إلا أن هذا لم يمنع تسرب بعض الفضائح من وقت لآخر للرأي العام، ولا يمثل كل ما تم تسريبه سوى رأس الجبل الجليدي الذي يقع معظمه تحت الماء!
في هذه السلسلة من المقالات سأحاول بقدر المستطاع أن ألخص وأجمع أبرز هذه العورات وعمليات التزوير التاريخية، وبالرغم من أنني كشخص أرفض فكرة اللعب على صحافة الفضائح، إلا أنني أجد أنه في حالة آل سعود يبدو الأمر أخلاقيًا إلى حد بعيد لسببين:
– الأول: هو أن آل سعود يحيطون أنفسهم بقدسية دينية تبيح لهم فعل الكثير من الجرائم والمنكرات بحق الإنسانية، سواء على المستوى الحقوقي أو السياسي أو الإنساني، مما جعل كسر هذه القدسية أمرًا أخلاقيًا إلى أبعد حد ممكن من وجهة نظري.
– الثاني: هو أن دول العالم تعلم أكثر منا بحجم جرائم هذا النظام وتغض الطرف عنها خوفًا من رد فعل السعودية والذي غالبًا ما يكون من خلال عقوبات اقتصادية أو فسخ تعاقدات مع هذه الدولة، وغالبًا ما يأتي مصحوبًا بموقف مماثل من دول خليجية أخرى من باب ما يسمى بدعم المصالح المشتركة بين دول التعاون الخليجي، مثلما حدث مع السويد مؤخرًا عندما ألغت السعودية صفقات عديدة معها وتطور الأمر لسحب السفراء وبالطبع كان موقف الدول الخليجية في صالح السعودية، ربما خوفًا من نشر فضائحهم أيضًا.
– الخلاصة هي أننا نجد أنفسنا في النهاية أمام حالة من التعتيم لا يحظى بها أي نظام في العالم، فإذا ما نظرنا للولايات المتحدة أو إسرائيل أو أقوى دول العالم، نجد الكثير من فضائح ساستها متداولة عبر وسائل الإعلام، ولكن أموال النفط نجحت في خلق حالة مختلفة تمامًا مع المملكة، فيما يقبع المعارضون السعوديون في السجون ولا يعلم أحد بمصيرهم إلى يوم الدين للأسف الشديد.
دعونا لا نكثر من الحديث، كي أبدأ في تقديم مختصر سريع لأهم القضايا التي أخفاها آل سعود منذ التأسيس وحتى اليوم، فقط من باب كسر حظر النشر الذي فرضته على الجميع:
قبل أن نبدأ حديثنا يجب علينا أولًا أن نذكر أن المملكة العربية السعودية التي نشاهدها الآن هي الدولة السعودية الثالثة، والتي تأتي بعد دولتين تم تدميرهما فيما مضى، لن أطيل في الحديث عن الدولتين الأولى والثانية ولكنني سأمر على بعض النقاط بهما سريعًا نظرًا لأن المملكة العربية السعودية في الوقت الحالي ما هي إلا امتداد للدولتين السابقتين اللتين تم تدميرهما.
ويكفينا أن نعلم أنه في الدولة السعودية الأولى التي تأسست عام 1744م بعد وفاة سعود بن محمد تم التنازع على الحكم بين إخوته وأبناء عمومته وانتهى الصراع بقتل مقرن بن محمد على يد أبناء أخيه ونصّبوا زيدًا بن فرحان مكانه، ولكنه كان ضعيف الرأي والشخصية وانتهى الأمر بقتله هو الآخر، اتسمت هذه الفترة بعمليات التصفية داخل الأسرة الحاكمة، والنزاع على السلطة وكان ذلك سببًا رئيسًا في تدميرها، وبالطبع قامت السعودية بإخفاء جميع عمليات التصفية التي حدثت داخل العائلة المالكة.
كانت الدولة السعودية منذ نشأتها صداعًا في رأس الدولة العثمانية، استغلت الدولة الوليدة الحركة الوهابية، واستخدمت دعوة محمد بن عبد الوهاب في فرض سيطرتها على القبائل العربية التي تسكن الجزيرة العربية باللين والسيف، وإن غلب السيف على اللين في أغلب الأحيان، رأت بعض القبائل في الوهابية تشددًا غير مسبوق، واستنكرت قبائل أخرى الضرائب التي فرضت عليهم لصالح آل سعود، لكن آل سعود نجح في توحيد الكثير من القبائل تحت لوائه والبطش بكل معارضيه.
لم يكن الأمر صراعًا داخليًا فلم تعرف هذه المنطقة مفهوم الدولة على مر التاريخ، فلم تكن سوى مجموعة من القبائل تدير كل قبيلة نفسها بعيدًا عن القبيلة الأخرى، فكان ما يفعله آل سعود غزوًا وتعديًا على القبائل الأخرى في حقيقة الأمر، لكن قوة آل سعود كانت في تنامٍ مستمر مقارنة بالقبائل الأخرى، وكثيرًا ما سبى آل سعود نساء وزوجات القبائل الأخرى واتخذوهن جاريات لديهم، مما دفع بعض القبائل باللجوء إلى والي البصرة والشكوى للوالي العثماني، وبدأ الأمر في التطور إلى مناوشات ومعارك بين العراق التابعة للخلافة العثمانية والدولة السعودية، فشلت معظم حملات العراق على الدولة السعودية، بل إن الأمر وصل إلى أن بدأت قوات آل سعود في غزو أراضي العراق، وكذلك نجحت في كسر شوكة العثمانيين، بل إن الأمر قد تطور ليستولي آل سعود على مكة والمدينة التي كانت خاضعة لحكم الأشراف التابعين للخلافة العثمانية.
كان استيلاء آل سعود ممثلة التيار الوهابي على الحجاز بمثابة جرس إنذار تحول بعدها الصراع بين الدوليتن إلى صراع بقاء لما تمثله الحجاز من قدسية يستطيع حاكمها الفوز بمكانة ضخمة في العالم الإسلامي، فما كان من الخليفة العثماني سليم الثالث إلا أن أوعز إلى محمد علي للقضاء على هذه الدولة، فأرسل عدة حملات أبرزها حملة ابنه طوسون ومن بعده إبراهيم باشا إلى الدرعية ما بين عامي 1811 – 1818 والتي قوبلت بمقاومة عنيفة من قبل آل سعود وحلفائهم.
بعد معارك شرسة نجح إبراهيم باشا في دخول الدرعية، قام بتدمير قلاعها وقطع نخيلها منكلًا بآل سعود ومن تحالف معهم، أعدم المئات منهم ومن القبائل الأخرى في الدرعية وأرسل عبد الله بن سعود ملك السعودية إلى إسطنبول، تم التنكيل به وطاف الأتراك به الشوارع 3 أيام متتالية، قطع بعدها رأسه ووضع في فوهة مدفع ثم تم قذفه وعلق جسده في ساحة آيا صوفيا وذلك وفق ما ذكره الكولونيل روتير في كتابه “رحلة من تفليس إلى إسطنبول”.
لم يكن الحديث عن تاريخ الدولة السعودية الأولى من باب التسلية أو الشماتة، ولكن سقوط الدولة السعودية الأولى جعل حكام السعودية الحاليين يتعلمون الكثير من الدروس المستفادة، والتي من الممكن أن نلخصها في التالي:
1- قامت الدولة السعودية منذ اللحظة الأولى على أساس ديني متمثل في الحركة الوهابية وكانت تحاول باستمرار بسط سيطرتها على الأماكن المقدسة في الحجاز من أجل تقديم نفسها على أنها حامية المقدسات والكيان الديني الحامي للمسلمين كافة، لذلك فإن التفريط في السيادة على الأماكن المقدسة يعني زوال حكمهم مرة أخرى.
2- التاريخ الذي تقدمه السعودية إلى أبنائها في المدارس تاريخ مشوه بعيد كل البعد عن الواقع، فقد تعمدت وزارة المعارف في السعودية حجب الكثير من المعلومات عن الطلبة مثل الاقتتال الداخلي، وكذلك تحالفات آل سعود مع دول غربية مثل بريطانيا ضد الدولة العثمانية، نظرًا لأنها تعلم الأطفال في المدارس أن موالاة غير المسلم ضد المسلم كفر، فكيف ستفسر ذلك إلى طلبتها الذين ملأت رؤوسهم بالفكر الوهابي المتشدد؟!
3- من بين المعلومات التي حجبتها السعودية في مناهجها الدراسية أنها قامت بالاستيلاء على أراضٍ عديدة كانت تخضع لقبائل أخرى، وصورت الأمر على أن القبائل انضمت لآل سعود من أجل نشر الدعوة الوهابية.
4- الدولة السعودية كانت منذ اللحظة الأولى دولة استعمارية توسعية، بغت على القبائل الأخرى واحتلت أراضيَ لم تخضع يومًا لآل سعود، ويكفينا أن نذكر أن الدولة السعودية الأولى كانت أكبر من الدولة الحالية، فقد استولى آل سعود فيها على العديد من الأراضي التي تخضع لحكم قبائل أخرى، منها أراضٍ تخضع لقبائل تحكم الآن دولًا أخرى مثل الإمارات وقطر والبحرين وعمان واليمن والأردن وسيطرت عليها بقوة السيف.
ومن يظن أن العلاقات الخليجية تقوم على مبدأ الوحدة الخليجية والتكافؤ فهو واهم، فما زال آل سعود يتحكمون في قرارات وسياسات الدول الخليجية الأخرى بالقوة وإن تغيرت لغة السيف إلى لغة الضغوط السياسية وبأساليب تلائم العصر الحالي، ولعل أقرب مثال ما مارسه الملك عبد الله رحمه الله ضد قطر لإجبارها على التهدئة مع النظام المصري، والذي ردت الأخيرة عليه بتوقيع اتفاق عسكري للدفاع المشترك مع تركيا.
5- علّم التاريخ آل سعود أن الخطر الحقيقي عليهم لن يأتي من الدول الغربية طالما استمرت في حماية مصالحهم في المنطقة، ولكن الخطر الأكبر يأتي من الدول العربية والإسلامية الكبرى التي تحيط بها مثل مصر والعراق وتركيا والشام وإيران، فقد لعبت تركيا ومصر والعراق دورًا هامًا في إسقاط الدولة السعودية الأولى، لذلك تحاول السعودية جاهدة السيطرة على هذه الدول بشتى السبل الممكنة، وتتخوف من أن تفوقها تلك الدول قوة، وهو ما سيبرز في الأجزاء القادمة من مقال “عورات آل سعود المستورة”.
كان هذا المقال تمهيدًا لباقي المقالات التي ستتحدث عن باقي عورات آل سعود عبر التاريخ وحتى يومنا هذا.
---------------------------------------------------------------
كنا قد تحدثنا في الجزء الأول من هذا المقال “عورات آل سعود المستورة” عن الدولة السعودية الأولى كيف تأسست وكيف سيطرت وفرضت نفسها على القبائل الأخرى مستفيدة بقوة من الدعوة الوهابية، وكيف احتمت بستار الدين لسنوات طويلة، ومحاولات آل سعود المستمرة بتصوير الدعوة الوهابية على أنها إعادة لنشر رسالة التوحيد، والذي ادعت أن كثيرًا من القبائل قد حادت عن الإسلام وبدأت البدع والخرافات ومظاهر للشرك في الانتشار!! بالرغم من أن جميع القبائل العربية كانت تدين بالإسلام قبل ظهور آل سعود بمئات السنوات وإلى يومنا هذا؟! وتحدثنا كيف استبد آل سعود وتوسعت مملكتهم إلى أن قضى على دولتهم محمد علي والي مصر لدى الدولة العثمانية فكانت نهاية دولتهم الأولى مذلة ومهينة قتل على أثرها جدهم عبد الله بن سعود بصورة مذلة وعلقت جثته في إسطنبول.
دعونا الآن نعود إلى الجزيرة العربية بعد انهيار الدولة السعودية الأولى، ولكن الأمر يحتاج إلى تركيز شديد نظرًا لتشابه الأسماء إلى حد بعيد.
بعد أن نجح إبراهيم باشا في دخول نجد وتحديدًا الدرعية موطن آل سعود الأساسي، ودمر دولتهم.. ماذا حدث بعدها؟!
اكتفى إبراهيم باشا بما حققه من نصر ورفض مطاردة آل سعود في المناطق الشرقية واكتفى بتدمير الدرعية وإعدام الكثير من المتمردين وذلك لعدة أسباب، وهي:
1- لم يكن الاستمرار في التوغل في قلب الصحراء ذا فائدة بالنسبة لمحمد علي والي مصر والذي كان يطمح لتكوين إمبراطورية ضخمة، خاصة وأنه كان يعلم أن الدولة العثمانية في الأصل سعت لتوريطه في حرب مع آل سعود لتضرب عصفورين بحجر واحد، القضاء على آل سعود وشغل محمد علي ودولته القوية بمعارك تستنزفه.
2- لم يكن النفط قد اكتشف بعد، والدخول في صراعات وملاحقة رجال القبائل سيكلفه الكثير دون مقابل، فقد كان الأمر أشبه بمطاردة أشباح بائسة في الصحراء.
3- المنطقة الوحيدة ذات الأهمية وقتها كانت منطقة الحجاز بكل ما تحتويه من مقدسات وقد نجح بالفعل في السيطرة عليها وطرد آل سعود منها.
4- تراجعت الدولة السعودية عن حدود الدول المجاورة ذات الأهمية، ولم تعد هجماتهم تسبب خطرًا على الدولة العثمانية، فقد انكمشت حدودها من ناحية العراق والأردن والحجاز واليمن، ولم يعودوا يسيطرون سوى على بضع مناطق نائية في قلب صحراء نجد وكانوا متحالفين مع قبائل الإمارات وقطر، ويستخدمون نفوذهم في إخضاع أهل مسقط والبحرين.
كان اكبر دليل اكبر دليل على ذلك حجم الحامية التي تركوها في الدرعية، لم يكن يتجاوز عددها الـ 600 جندي فقط، في ظل هذه الحالة حاول شخص يدعى مشاري بن معمر ان يوحد قبائل نجد وان يكون حليفا لمحمد علي، الذي لم يكن مهتما كما ذكرنا بالسيطرة على منطقة نجد الصحراوية القحلة، لكن مخططات مشاري بن معمر اصطدمت بمشاري بن سعود شقيق عبد الله بن سعود اخر ملوك الدولة السعودية الاولى والذي كان قد نجح في الفرار من الاسر من القوات المصرية.
سيطر ابن عمر على الدرعية واعتقل مشاري آل سعود ثم تقدم للرياض مركز آل سعود الجديد بجوار الدرعية، هرب منها حاكمها تركي بن عبد الله، وهكذا سيطر ابن عمر على نجد، ولكي يضمن استتباب حكمه أرسل للدولة العثمانية يؤكد الولاء لها، وبالطبع لم تهتم الدولة العثمانية بمن يحكم طالما أنه سيحجم نفوذ آل سعود، وكعربون ثقة أرسل ابن عمر مشاري بن سعود للقوات المصرية – بقيادة خليل أغا في عنيزة.
حصل ابن عمر على تأييد العديدين ومن بينهم تركي ابن عبد الله “من قبيلة آل سعود”، لكنه وبعد أن قام قريبه مشاري بن سعود بالتمرد على حكم ابن معمر بدأ تركي يطمع في السيطرة على الحكم، فجمع تركي بن عبد الله عددًا من رجال القبائل وأغار على حين غرة على ابن معمر في الدرعية، ثم هاجم الرياض وألقى القبض على ابن معمر، واتخذ الرياض عاصمة له لأنها أكثر تحصينًا من الدرعية التي هدم إبراهيم باشا أسوارها.
حاول تركي مبادلة ابن معمر بمشاري ابن سعود، لكن الأخير كان في قبضة العثمانيين، لكن محاولته باءت بالفشل وبموت مشاري بن سعود في السجن عام 1820 قام تركي بن عبد الله بقتل ابن مشاري بن معمر وابنه.
بعد ذلك قام زعيم قبيلة مطير فيصل الدويش بمهاجمة الرياض بمعاونة قوة عثمانية، لكن آل سعود نجحوا في الصمود هذه المرة، واستمر حصار الرياض، إلى أن أرسلت القوات العثمانية – المصرية قوة أخرى نجحت في دخول الرياض بينما هرب تركي بن عبد الله سرًّا من المدينة، وهنا قرر العثمانيون ترك حاميات لهم في المدن الكبرى في نجد من أجل قطع الطريق على آل سعود وأهل نجد للتمرد مرة أخرى، ولكن هذه الحاميات تعرضت لأعمال قتل واغتيالات طالت جنودها، حتى إن القوات المصرية– العثمانية حوصرت عدة مرات وكان العون يأتيها من مطير الدويش، استمرت الإغارات على الحاميات العثمانية بصورة مستمرة، مما دفعها لترك الرياض والانسحاب لخارج نجد، خاصة وأن طول المسافة بين أقرب حامية مصرية لنجد “في الحجاز” جعل فكرة البقاء دون هدف أو جدوى.
بعد أن نجح تركي في تحييد القوات المصرية، فطن إلى أن التوسع غربًا أو شمالًا سيثير عليه الدولة العثمانية مرة أخرى، فأخذ في التوسع شرقًا وأخضع أهالي مسقط لحكمه بالقوة وأجبرهم على دفع الضرائب له.
هنا عاد الصراع الداخلي بين الإخوة والأشقاء وبدأت المؤامرات وصراع الحكم يدب بين آل سعود كالعادة، فقتل تركي بن عبد الله على يد ابن أخته مشاري بن عبد الرحمن آل سعود، لكن لم يمض سوى 40 يومًا حتى استطاع فيصل بن تركي الانتقام لوالده والسيطرة على الحكم مرة أخرى.
في هذه الأثناء كانت الخريطة السياسية تتغير، فقد قام محمد علي بالتمرد على الدولة العثمانية، وكان يحلم بتكوين إمبراطورية ضخمة، وكان محمد علي يفضل ضمان توسعه وسيطرته على نجد كي يأمن من خلالها على منطقة الحجاز وكي يريح باله من قلاقل أهلها، مع التمتع بميزة الوصول إلى السواحل الشرقية المطلة على الخليج العربي وإيران، لكنه تعلم صعوبة التعامل مع البدو بشكل عام، الذين لا يعتمدون على المواجهة ولكن على أسلوب الكر والفر، فقرر الاعتماد على شخص يعرف طباعهم ولا يشعرون بأنه غريب عنهم، فاستمال إلى جانبه خالد بن سعود الكبير – شقيق الملك عبد الله بن سعود آخر ملوك الدولة السعودية الأولى- ليجسد ذلك حجم الغدر والصراع داخل أسرة آل سعود، فقد تحالف الأخ مع قاتل شقيقه ومدمر مملكتهم الأولى. بعد أن أنعم عليه برتبة قائم مقام مرسلًا معه قوة عسكرية بقيادة إسماعيل بك.
بعد مقاومة ضعيفة استسلم خالد بن فيصل وتم نفيه إلى القاهرة عام 1838م، وسيطر محمد علي على حكم نجد كلها من خلال خالد، لكن الأمر لم يدم طويلًا مع خسارة محمد علي الحرب وتوقيعه اتفاقية لندن 1840م، وإجباره عل الانسحاب من جميع الأراضي التي احتلها، فاضطر لسحب قواته من منطقة نجد.
بالطبع لم يدم بعدها حكم خالد بن سعود طويلًا، وثار ضده أحد أفراد عائلة آل سعود ويدعى عبد الله بن ثنيان واستولى على الحكم، ليعود بعدها فيصل بن تركي من منفاه في مصر، ويتولى الحكم مرة أخرى، وقد اختلف في طريقة الإفراج عنه فمنهم من يرى أن الأمر تم بموافقة محمد علي، ومنهم من يرى أن حفيده عباس حلمي الأول هو من قام بتهريبه.
هنا نزل فيصل عند صديقه في جبل شمر من آل رشيد “سيصبح مستقبلًا العدو الأكبر لآل سعود” وقام بمساعدته لاسترداد ملكه من عبد الله بن ثنيان.
سادت فترة من الهدوء على المملكة، تفطن فيها فيصل إلى خطورة الاصطدام بالدول الكبرى، فأقام علاقات طيبة بالدولة العثمانية ومصر، لكن الأمور تغيرت تمامًا بعد وفاة الملك فيصل عام 1865م، فقد عاد الصراع العائلي للواجهة مرة أخرى بتصارع أبنائه على الحكم، وكان طرفا الصراع ابنه عبد الله بن سعود الذي اختاره والده كولي للعهد وأخيه سعود الطامع في الحكم، وتطور الأمر إلى الحرب، فانتصر عبد الله في معركة “المثلى”، وهرب سعود إلى البحرين مصابًا، ولكنه عاد وهاجم الأحساء وسيطر عليها في معركة “جودة”، ثم التقى الاثنان في معركة “البرة”، وانهزم عبد الله ليسيطر سعود على الحكم، فقام عبد الله بترك الرياض خوفًا من شقيقه وأرسل الهدايا إلى والي العراق، وطلب معونته، فأرسل عددًا من رجال القبائل وعلى رأسهم آل صباح “الأسرة التي تحكم الكويت الآن” فاستولوا على الأحساء من المملكة السعودية، واستولوا على الساحل الشرقي بأكمله من السعودية لتتقلص مساحة الدولة بشكل كبير، وأطلقوا سراح شقيقه محمد الذي كان معتقلًا، ولكن المفاجأة هي أن الوالي العراقي لم يعيد هذه المناطق لفيصل أو لأخيه، ولكنه ضمها للدولة العثمانية وأطلق عليها اسم “متصرفية نجد”.
لم ينتهِ الصراع داخل العائلة عند هذا الحد، ولم يكتفوا بتمزق ملكهم جراء صراعاتهم الداخلية، فقد ثار أهالي الرياض على سعود، وعلى رأس الثائرين عمه عبد الله بن تركي، فخرج خارجها وحاول محاربة العثمانيين في الأحساء فهزم، ليتسلل عبد الله من الأحساء سرًّا برفقة إخوته ليستولوا على الرياض، ولكن حكمهم لم يدم إلا أربعة أشهر استطاع بعدها سعود العودة والسيطرة على الرياض، وانتقم من عمه عبد الله بن تركي وقتله، أما عبد الله فقد هرب إلى بادية قحطان.
في عام 1875 توفي سعود، فبويع شقيقه عبد الرحمن ملكًا، لكنه دخل في صراع معارك على الحكم مع شقيقه محمد، وبعد وساطات اتفقا على تولي شقيقهم الكبير عبد الله الحكم وتم ذلك، وبمرور السنوات نال المرض من عبد الله بن فيصل فاستغل أبناء سعود الوضع وثاروا عليه وسجنوه ليتولى محمد بن سعود الحكم.
استنجد عبد الله بمحمد بن رشيد حاكم دولة آل رشيد الذي تدخل لصالح عبد الله بن فيصل، وبعد نجاحه في احتلال الرياض أخذ عبد الله وعبد الرحمن “والد الملك عبد العزيز” معه إلى حائل، وعين أحد رجاله سالم بن سبهان حاكمًا عليها بدلًا من أن يعيد الحكم لعبد الله بن فيصل، واستمر الوضع على ذلك حتى مرض فيصل وطلب منه أن يسمح له بالعودة للرياض، فوافق شريطة ألا يثيروا القلاقل، لكن وبعد وفاة عبد الله بشهور قليلة قام عبد الرحمن بالاستيلاء على الرياض وقام بسجن سبهان، فجمع آل رشيد جيشه لمهاجمة الرياض، لتقوم وساطات تنتهي بإطلاق سراح سبهان على أن يترك آل رشيد لعبد الرحمن حكم الرياض.
لكن عبد الرحمن نقض عهده مرة أخرى وهاجم القصيم في معركة شهيرة اسمها “المليداء” انتصر فيها آل رشيد وقتل فيها 3000 مقاتل من أهل القصيم، فكان عدد هائل بالنسبة لتعداد البدو وقتها، حتى أن كل بيت في القصيم كان له نصيب من القتلى، فضجت القبائل بآل سعود وسرعان ما قام آل رشيد بمهاجمة المناطق التابعة لعبد الرحمن ليقضي على الدولة السعودية الثانية عام 1891م، ويفر عبد الرحمن بن سعود إلى الكويت ويلجأ إلى آل صباح “حكام الكويت” الذين أكرموه، وعبد الرحمن بن سعود هو والد الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية الثالثة التي تحكم الآن وهو جد جميع ملوك السعودية إلى يومنا هذا.
من خلال الدولة السعودية الثانية نخرج ببعض الاستنتاجات:
– اتسمت هذه المرحلة بالصراعات الداخلية بين أفراد عائلة آل سعود التي أدت إلى انهيار الدولة السعودية الثانية، وكانت الخيانة والغدر بين الأشقاء والأقارب أمرًا اعتياديًّا.
– أيقن حكام آل سعود أنه لا جدوى من محاولة التوسع باتجاه الشرق والشمال، فليس لديهم القوة الكافية لمواجهة الدول الكبرى، وكانوا يعتمدون على الاستنزاف والهروب في أعماق الصحراء وأساليب الإغارة ليلًا.
– سببت المنطقة صداعًا مستمرًا للدولة العثمانية وكانت أحد أسباب ضعفها.
– أيقن حكام آل سعود أن الاقتتال الداخلي لن يجلب عليهم سوى الويل والمذلة وهو ما تداركونه نوعًا ما في الدولة الثالثة.
– استمر تعاون آل سعود مع المملكة البريطانية في وجه الدولة العثمانية من خلال الاتصال المستمر مع الكولونيل البريطاني لويس بيلي، وهو التعاون الوثيق منذ الدولة الأولى وحتى الثانية والثالثة أيضًا، وهي الحقيقة التي تحاول السعودية حجبها باستمرار أو تهميشها على أقل تقدير.
– كان لحكام الكويت آل صباح دور كبير في دعم آل سعود للعودة للحكم مرة أخرى باستضافتهم عبد الرحمن والد عبد العزيز المؤسس، وهو الجميل الذي لم تنساه السعودية إلى يومنا هذا واستضافت آل صباح عقب احتلال صدام حسين للكويت عام 1990م ردًّا للجميل.
في هذا المقال انتهينا من سرد تاريخ الخيانة والغدر بين أفراد العائلة الواحدة والذي اتسمت به الدولة السعودية الثانية، وهو التاريخ الذي تسعى السعودية دائمًا لحجبه عن شعبها، في الأجزاء القادمة سنتحدث عن الدولة الثالثة “الحديثة” وعن عوراتها المستترة… فتابعونا.
---------------------------------------------------------------
حدثنا في الجزء الأول من هذا المقال عن دولة آل سعود الأولى وكيف انهارت على يد محمد علي باشا، وفي الجزء الثانيحكينا كيف انتهت الدولة الثانية بسبب الصراعات بين أبناء العائلة الواحدة، وكيف تسبب الغدر والخيانة في انهيار هذه الدولة، أما في الجزء الثالث فتحدثنا فيه عن الدولة الثالثة التي لا تزال قائمة، وكيف همش الملك عبد العزيز أبناء قبيلته وكذلك كيف استغل القبائل وخدعها بأساليب عديدة من أهمها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك كيف أسس دولته على نظام يحمي آل سعود من غدر القبائل من خلال ما يعرف بالحرس الوطني الذي يعتبر قوة مكافئة لقوة الجيش السعودي.
دعونا الآن ننظر لحال الدولة بعد أن فرض الملك عبد العزيز سيطرته على القبائل وبعد أن اكتشف النفط، وبات أمر توريث السلطة مطمعًا بين الكثيرين من أبنائه وأقاربه.
كان سعود هو الابن الأكبر لعبد العزيز بعد وفاة تركي – الابن الأكبر- عام “1919”، وهو ما دعم من مركز سعود وجعله أحد أبرز المرشحين لخلافة والده ولكنه لم يكن الوحيد بالطبع، فعلى مدار 77 عامًا عاشها الملك عبد العزيز، تزوج الملك المؤسس عددًا كبيرًا جدًّا من الزيجات، لا نستطيع أن نحصي منها سوى 29 زيجة على الأقل هي التي أنجب منها 36 ولدًا و27 بنتًا، وبالطبع سيتساءل كثيرون كيف له هذا وقد حدد الإسلام عدد الزيجات بالأربعة، فنجيبهم أن لفظ زيجات هو لفظ تستخدمه الدولة السعودية للتجميل.
ولكن الحقيقة أن الكثير منهن كن جواري وسبايا أسرهن من خلال معاركه، وهو بالطبع ما يجد مباركة واسعة من رجال الدين ومشايخ السلفية بأنه أمر جائز شرعًا، وللعلم فإن هذه العادة لم تتوقف عند حدود الأب المؤسس، بل امتدت عبر جيل الأبناء وأبناء الأبناء فلكل منهم عشرات الزوجات أو المحظيات اللاتي يجلبن من كل بقاع العالم كعبيد ولكن بصورة أكثر حداثة من خلال عقود توقع تتنازل فيها الفتيات عن جميع حقوقهن ليصبحن أشبه بالداعرات أو الجواري، ومع انتهاء العقد تخير الفتاة بين العودة أو الاستمرار في عملها، ولمن يريد البحث سيجد أن الكثير من أبناء الملك عبد العزيز قد تزوجن العشرات وأنجبن نفس الرقم، وبالطبع طالما أنه في إطار إسلامي فإنه يجوز شرعًا!!
دعونا الآن من الدعارة المقننة التي تمارس في قصور آل سعود على مر التاريخ.. ولنتحدث عن توريث الحكم في عهد عبد العزيز، فقبل أن توافي المنية الملك عبد العزيز عام 1953 عن عمر يناهز 77 عامًا، أيقن الجميع صعوبة انتزاع الملك منه، لكن لم يمنع ذلك الجميع عن محاولة البحث عن سبيل للوصول إلى الحكم عقب وفاته، وبالرغم من اختياره ابنه الأكبر سعود لولاية العهد بحضور كبار رجال الدين عام 1933م، إلا أن ذلك لم ينهِ أطماع الكثيرين في الوصول للحكم، فقد كان وقتها أبناء عبد العزيز في مهد شبابهم، وكل أم تحاول أن تبحث لابنها على دور ومنصب بين إخوانهم الـ36.
فمثلًا.. تشيرالرسائل والوثائق التابعة لوزارة الخارجية البريطانية أن محمد بن عبد العزيز الشهير بـ”أبي الشرين” قد اعترض لوالده في رسالة على تنصيب شقيقه “سعود” وليًّا للعهد، كما تشير الوثائق المؤرخة بين المملكة البريطانية وأمير الكويت المقرب من الأسرة الحاكمة في السعودية إلى تشكيكه في قدرة سعود في السيطرة على الحكم عقب وفاة والده بسبب الصراعات بين أبناء عبد العزيز على الحكم.
لم تتوقف المعارضة عند هذا الحد فقد كان من أبرز المعارضين شقيق الملك عبد العزيز “محمد بن عبد الرحمن” الذي كان يسعى لأن يفوز بولاية العهد لابنه “خالد” إلى الحد الذي وصل به إلى محاولة اغتيال سعود بن عبد العزيز مرتين عامي 1927 و1930 وفي الأخيرة أخطأ الهدف ومات أحد الخادمين بدلًا من سعود!! وقد حاول الملك عبد العزيز أن يتحايل على الخلاف بتزويج إحدى بنات ابنه “فيصل” لخالد لكن ذلك لم يجدِ.
ازدادت مطامع السلطة، إلى الحد الذي توقع فيه الكثيرون أن يقوم الوالد بالتنازل عن الحكم لصالح ابنه الأكبر، لكن ذلك لم يحدث، وقام الأب المؤسس بدعوة جميع أبنائه وأبناء آل سعود عام 1934م لتجديد البيعة لابنه كولي للعهد كي يقطع الطريق على أي محاولة انقلابية ضده في المستقبل، ولكن هذا لم يمنع شقيقه محمد وابنه خالد ومجموعة من الحانقين من مغادرة الرياض إلى الحجاز للتهرب من المبايعة، وفي خطوة ذكية قام محمد بن عبد الرحمن بتزويج ابنه خالد من ابنة عبد الله آل الشيخ الذي يملك مكانة دينية واسعة هناك، فما كان من الملك عبد العزيز إلا أن منح عبد الله آل الشيخ رئاسة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لترضيته وكسبه في صفه، كما استجاب لطلبه بحصر برامج الإذاعة في الأخبار والقرآن الكريم فقط!! ليتبين هنا دور الدين والمشايخ في السيطرة على الحكم في السعودية!!
واستمرارًا في محاولات ترضية شقيقه، قام عبد العزيز بعد ذلك بإرسال آلاف الريالات إليه لشراء صمته، لكن كل هذه المحاولات لم تجدِ نفعًا، حتى نشر خبر في جريدة أم القرى يفيد بوفاة خالد بن محمد بن عبد الرحمن في رحلة صيد، وهو حادث مجهول يرجح أن يكون اغتيالًا بعد أن استنفذ عبد العزيز كل السبل الممكنة لإقناع شقيقه وابنه بمبايعة سعود كولي للعهد.
في هذه الأثناء كان صراع آخر يتم في الخفاء بين سعود “ولي العهد” الذي خاض الكثير من المعارك وله صلات عشائرية قوية بقبائل نجد، وشقيقه فيصل الذي حكم الحجاز وكان له اتصالات وأسفار عديدة للإنجليز والدول الأجنبية منذ صغر سنه، لذلك ظهر فيصل بمظهر أكثر ذكاءً وحنكةً سياسيةً من شقيقه الذي سيطر عليه الجانب القبلي.
كان التنافس كبيرًا بين الشقيقين؛ فعلى سبيل المثال كان سعود يعاني من مرض مزمن في العين، لكنه كان يخاف أن يسافر للعلاج في الخارج خوفًا من أن يستغل فيصل الفرصة ويقنع والده بالتنازل عن الحكم له كما تشير إحدى الوثائق البريطانية المؤرخة بتاريخ 6 نوفمبر عام 1934م.
كان سعود وفيصل هما المنافسان الأقوى على خلافة والديهما، ولكن بالطبع كان هناك منافسون كثر بين الأخوة، فهناك منصور الذي ولد لجارية أرمنية وتولى منصب وزارة الدفاع، وكان هو الوحيد الذي يجرؤ على مخالفة أوامر والده، فكان يرفض قتل من يعترضون موكب والده كما جرى العرف وقتها، وما زاده قوة هو دعم الدول الغربية له، وكانت بريطانيا تدعم أن يقود منصور انقلابًا للسيطرة على الحكم عقب وفاة والده كما ورد في الوثائق الإنجليزية، لكنه مرض وتوفي في الخارج عام 1955م، وسط شبهات أثيرت حول اغتياله!!
إضافة إلى منصور كان هناك ناصر ومحمد المعروف باسم “أبي الشرين” لكن فضائحمها الجنسية وإدمانهما للخمور تسببا في إقصائهما من الحكم، ويذكر أن الملك عبد العزيز قام بجلد ابنه “أبي الشرين” أمام العامة بسبب كثرة تناوله للخمور.
لكن وبرغم كل ذلك كان الأقرب للحكم سعود وفيصل، وقد استطاع الملك الداهية أن يتنبه لخطورة الموقف مبكرًا، فحاول إزالة الاحتقان بطرق عديدة، فقام بتزويج فهد ابن سعود إلى ابنة فيصل في مايو عام 1943م، لكن ذلك لم يجدِ نفعًا!! ويروى أيضًا أن الملك عبد العزيز قد دعا ذات مرة الأخين وجعلهما يقسمان على دعم بعضهما البعض، حتى أن الملك العجوز لم ينسى أن يوصيهما ببعضهما البعض وهو في سكرات موته!! لكن بمجرد تولي سعود الحكم عام 1953 بدأت الخلافات تتصاعد بين الأخين وأهمها:
1- اعتماد سعود على الحكم بواسطة مستشاريه، من خلال الحكم المباشر وتهميش مجلس الوزراء والوزراء أيضًا وذلك لأن فيصل “ولي العهد” كان رئيسًا للوزراء وقتها.
2- بدأ سعود يعتمد على شخصيات من خارج أمراء آل سعود ويسند لها مناصب هامة، وهو ما سبب حالة من الغضب داخل الأسرة الحاكمة، مثلما فعل عندما قام بتعيين محمد سرور الصبان وزيرًا للمالية، وكذلك ضغطه لإجبار وزير المواصلات طلال على الاستقالة.
3- بدأ سعود في تهميش إخوته وتعيين أبنائه في مناصب قيادية وحساسة بدلًا منهم، مثل إقالة الأمير مشعل من وزارة الدفاع عام 1957 وتعيين ابنه فهد بدلًا منه، وكذلك ابنه مساعد للحرس الملكي، وخالد للحرس الوطني “الجيش الأبيض سابقًا”، وسعد للحرس الخاص.
4- دخول الملك سعود في أزمة مع الإنجليز بسبب واحة البريمي التي كان السعوديون يعتبرونها أرضًا لهم، لكن الإنجليز الذين كانوا متواجدين في سواحل عمان والإمارات قاموا بالاستيلاء عليها وطرد الأمير السعودي منها ظنًّا منهم أنها غنية بالنفط، وبالرغم من تصعيد سعود للقضية على المستوى العام إلا أنه فشل في استردادها، فيما كان فيصل يفضل التهدئة.
5- فشله في إدارة العلاقات الخارجية، ويبدو ذلك واضحًا مع محاولة سعود اغتيال عبد الناصر، وهو ما قام عبد الناصر بفضحه على الهواء عام 1958 مخرجًا الشيكات التي حررها الملك سعود لاغتياله بقيمة 1.9 مليون جنيه إسترليني.
6- تدهور الأوضاع الداخلية والاقتصادية في البلاد بسبب سوء الإدارة.
الانقلاب:
في مارس عام 1958، اجتمع مجموعة من إخوة الملك في قصر الأمير طلال بن عبد العزيز “والد رجل الأعمال الشهير الوليد بن طلال”، ووضع الأخير خطة لإعادة السيطرة على البلاد من حالة الفوضى، وقابل طلال سعود وطرح الأمر عليه، إلا أن الأخير رفض الاتهامات الموجهة إليه وعنف شقيقه.
اجتمع الأمراء بشقيقهم فيصل وكذلك عمهم عبد الله بن عبد الرحمن، ووضعوا خطة تقوم على وضع دستور وإحياء مجلس الشورى ووضع مجلس لإدارة المقاطعات، وكذلك إعادة الأمراء في وزارة جديدة يرأسها فيصل.
تحت ضغوط قوية أجبر الملك سعود على التنازل مصدرًا مرسومًا ملكيًّا يحدد فيه اختصاصات مجلس الوزراء ومهامه، وهو المرسوم الذي نزع عن الملك صلاحياته بشكل واسع ومنحها لرئاسة الوزراء برئاسة فيصل.
نجح فيصل في ترشيد نفقات الأسرة الحاكمة التي كانت من قبل في حالة إسراف كبير، ونجح في إعادة الاتزان لاقتصاد البلاد، لكن هذه القرارات أثارت العديدة من الأمراء الذين شعروا أن وضعهم المالي كان أفضل على يد سعود، كما كان لتهميش كثير منهم وعدم حصولهم على مناصب هامة دور في زيادة حالة الغضب ضد فيصل.
وكان على رأس الغاضبين الأمير طلال نفسه الذي ساعد فيصل في الحصول على هذه الصلاحيات، خاصة وأن فيصل لم ينفذ الوعود والاتفاق بإجراء إصلاحات سياسية ووضع دستور للبلاد، مما دفع طلال لتأسيس ما يعرف بـ”الأمراء الأحرار” وهو تحالف بين مجموعة من الأمراء ونخبة من المثقفين بهدف إشراك العامة من خارج الأسرة الحاكمة في أمور الحكم، وطالبوا بإعادة صلاحيات سعود القديمة، ليصدر سعود أمرًا ملكيًّا بإقالة فيصل من رئاسة الوزراء والخارجية وتشكيل وزارة جديدة يرأسها طلال، فيها مزيج من الأمراء والتكنوقراط، وكان من بين المبعدين من الوزارات شقيقيه فهد وسلطان، وفي نهاية عام 1960 أعلنت الإذاعة السعودية وضع دستور جديد للبلاد.
وقام سعود بالتقشف على طريقة فيصل لكي يثبت أنه ناجح ماليًّا، حتى إنه بدأ بنفسه، مما تسبب في غضب الكثير من الأمراء، لكن بمرور الوقت اكتشف طلال أن سعود كان متلاعبًا وبأنه لم يكن جادًا في تنفيذ مطالب الإصلاح التي طالب بها، فقدم استقالته بعد أن شعر أن شقيقيه يتلاعبان به وغادر البلاد، وللعلم ما زالت المملكة تلتف وتتحايل على وضع دستور يرضي طموحات الشعب السعودي بحجة أن دستورهم القرآن وهو أمر عبثي للغاية وخدعة يصدقها الكثيرون للأسف.
في هذه الأثناء انزوى فيصل عن الحياة السياسية ظاهريًّا، لكنه قام بإشعال غضب إخوته، وخاصة فهد وأشقاؤه “السديريون السبعة”، في الوقت الذي مرض فيه الملك سعود بقرحة في الأمعاء، ونصحه الأطباء الأمريكيون بالسفر للخارج، في خطة يصفها البعض بأنها أمريكية بغرض تسهيل الانقلاب عليه بالتعاون مع شقيقه فيصل، لكنه كان متخوفًا ورفض إسناد الحكم بشكل مؤقت إلى فيصل وقرر أن يعين مجلس وصاية مكونًا من أربع شخصيات لينوبوا عنه وقت رحيله، لكنه تراجع عن ذلك بضغط من إخوته ليوافق على منح صلاحياته لشقيقه فيصل، ومنح رئاسة الوزراء له مرة أخرى.
أثناء سفر سعود كان فيصل قد سيطر على مفاتيح الدولة وشكل وزارة جديدة، ثارت الخلافات من جديد وانتهى الأمر بوزارة متفق عليها من قبل الطرفين، يتولى سعود رئاستها اسميًّا.
في هذه الأثناء كان فيصل هو الحاكم الفعلي للبلاد، بينما قاد طلال معارضته لإخوته من الخارج وكان ضيفًا مستمرًا لإذاعة صوت القاهرة المدعومة من الرئيس المصري جمال عبد الناصر ليسحب منه جواز سفره، وعندما اندلعت الثورة اليمنية مدعومة من مصر، شعر آل سعود بالخطر الحقيقي عليهم، كان سعود مريضًا في الطائف وقتها، ليقوم فيصل بدعم من أشقائه بتشكيل وزارة جديدة دون علم سعود، مستندًا لدعم الفرع السديري من العائلة.
وبينما كان سعود يستعد للعودة من فيينا لتولي مهامه، أرسل له إخوته يطالبونه بالموافقة على أن يصبح ملكًا صوريًّا وإلا منع من العودة للبلاد، فوافق ظاهريًّا كي يتسنى له إدارة الصراع من الداخل، وعندما عاد وطالب بحقوقه واجهه فيصل بأنه قد تنازل عن صلاحياته له وفقًا لمرسوم 1960 القديم، وهي حجة ضعيفة لأن الملك سعود سحب هذا المرسوم بعد ذلك، كما أن تشكيل فيصل للوزارة الأخيرة كان غير قانوني على الإطلاق لأنه تم دون موافقة الملك، ولكن فيصل كان قد استفاد من غياب سعود الطويل عن البلاد في رحلة علاجية مقصيًا أبناء سعود وحلفاءه من الحكم، مستعينًا بعبد الله في الحرس الوطني وسلطان في الدفاع وإمارة الرياض لسلمان… إلخ، كما بايع آل الشيخ فيصل لتكون المؤسسة الدينية قد تخلت هي الأخرى عن سعود.
همش سعود.. وطلب منه التوقيع على الميزانية فرفض، ولكن رفضه لم يكن أمرًا مهمًّا، فقام سعود بمغادرة البلاد عام 1963 ليعود بعدها بخطة عسكرية لتصفية شقيقه ومعارضيه، قام بتسليح 1500 من حرسه الشخصي ووضعهم على أهبة الاستعداد، بينما قام فيصل بوضع الجيش والحرس الوطني على أهبة الاستعداد، فيما أرسل سعود رسالة لفيصل يقول فيها: (عندما يمسك عدوي بخناقي فسوف أقاتله بكل ما أوتيت من قوة). قام فيصل بدهاء بإعطاء الرسالة لأخيه “أبي الشرين”
الذي استشاط غضبًا، وذهب لسعود في قصره ورمى الورقة في وجهه، وعندما سأل بعد ذلك أبو الشرين لماذا ساند فيصل قال إنه لم يسانده لكنه كان ليفعل نفس الموقف لو أن فيصل قد أرسل مثل هذه الرسالة، لقد كان موقف أبي الشرين حاسمًا في دفع سعود للتراجع عن أي حماقة، والفضل يعود لدهاء فيصل في استثارة أبي الشرين ضد سعود.
وبإهانة بالغة وافق سعود على أن يصبح ملكًا صوريًّا لصالح فيصل، وفي خطوة مفاجئة عاد الأمراء الأحرار للرياض وطلبوا العفو من شقيقهم فيصل، ونشر بعد ذلك خبرًا مفاده أن طلال عاد وطلب العفو من فيصل الذي رفض طلبه.
وفي 14 من مارس 1964، أرسل أبناء سعود إلى عمهم فيصل يؤكدون له أنهم سيكونون الجسر الذي سيستعيد به والدهم سلطته، فسلم فيصل الرسالة إلى أبي الشرين فتصدى لهم، لكن أبناء سعود لم يفقدوا الأمل ووزعوا منشورات على المواطنين تطالبهم بإعادة الحكم لوالدهم بوصفه إمامًا للمسلمين، ليتحرك عمّا فيصل “عبد الله ومساعد” ويطالبان رجال الدين بإصدار فتوى دينية تبايع فيصل، ليتبين حجم التلاعب بالدين من جميع الأطراف، وبالفعل تم إصدار فتوى تمنح صلاحيات الحكم لفيصل مع الإبقاء على سعود ملكًا صوريًّا، لتحظى الوثيقة بمبايعة جميع الأطراف الفاعلة من وزراء وأمراء ورجال دين.
رفض سعود الموافقة على القرار قائلًا: “أنا لست الملكة إليزابيث” فما كان من فيصل إلا أن قام بعدة قرارات تقضي على ما تبقى من أنياب لسعود وهي: حل الحرس الملكي وأتباعه بالدفاع، إلغاء الديوان الملكي، تخفيض ميزانية الملك وأسرته من 170 مليون ريال إلى 24 مليون ريال.
بعد سبعة شهور على هذه الواقعة وأثناء تواجد فيصل في جدة، أشيع وجود مخطط بتفجير طائرة فيصل أثناء عودته إلى الرياض مما اضطره للعودة برًّا، دعا بعدها لاجتماع وخير الملك بين 3 خيارات: أن يتنازل طواعية، أو يطلب منه التنازل فيتنازل، أو “يقرر الشعب.. وما أدراك ما الشعب” منك التنازل!!
صمم سعود على موقفه، ليصدر بيانًا بعدها باسم الأمة يقرر خلع سعود، وطلب منه بعدها مغادرة البلاد، وأقيم تجمع من الأمراء في المطار لتوديعه، حضره فيصل وانحنى مقبلًا يد شقيقه!! ثم سافر إلى القاهرة وهاجم فيصل من إذاعة صوت العرب بالقاهرة، وبعدها بفترة سافر إلى اليونان حتى توفي هناك.
كانت هذه هي قصة الانقلاب الأول في المملكة السعودية الحديثة.. لقد كان طبيعيًّا أن يتصارع الإخوة على الحكم خاصة وأن لكل واحد منهم نسبًا مساويًا بالآخر من حيث الأب، ولكن الاختلاف كان قويًّا من ناحية نسب الأم وقبيلة الأم، وكذلك من حيث تكتلات المصالح بين الإخوة وهو ما سنكمل الحديث عنه في الأجزاء القادمة.. فانتظروها.
---------------------------------------------------------------
كنا قد تحدثنا في الجزئين الأول والثاني من هذا المقال عن نشأة الدولة السعودية الأولى والثانية، وكيف تسبب بطش آل سعود بالقبائل وبالدول من حولهم بنهاية دولتهم الأولى على يد محمد علي وابنه إبراهيم باشا، حتى أن النهاية كانت مؤسفة ومذلة، وكذلك كيف اتسمت دولتهم الثانية بالغدر والخيانة بين أفراد القبيلة وبين الأخ وأخيه، حتى انهارت دولتهم الثانية أيضا وضاع حكمهم، ليلجأ والد الملك عبد العزيز إلى الكويت في ضيافة آل صباح، ليقوم بعدها عبد العزيز بالعودة مرة أخرى وتأسيس الدولة السعودية الثالثة التي نراها الآن.
لن نستطيع تلخيص الدولة الثالثة في مقال واحد كما هو الحال في الدولتين الأولى والثانية، نظرًا لأننا نملك هنا تفاصيل أكثر بحكم القرب الزمني وكذلك لأهمية الدولة الثالثة مقارنة بالأولى والثانية لأنها هي القائمة حاليًا.
دعونا نعد إلى نهاية الدولة السعودية الثانية وضياع حكم آل سعود، وهروب عبد الرحمن آل سعود والد الملك عبد العزيز إلى الكويت بعد أن قضى آل رشيد على ما تبقى من دولتهم وضجت القبائل بحكمهم غير مأسوف عليهم.
ففي 15 من يناير عام 1902، قام الملك عبد العزيز آل سعود “مؤسس الدولة السعودية الثالثة” بمغامرة جريئة للغاية، جمع عددًا من رجال القبائل بهدف احتلال الرياض وطرد آل رشيد منها وإعادة مُلك آل سعود مرة أخرى، وبغض النظر أن العدد كان قليلًا جدًا واعتمد على أسلوب المباغتة والدهاء، إلا أن النهاية كانت قتل عجلان آل رشيد حاكم الرياض “غدرا” على يد عبد الله بن جلوي، استسلمت الحامية بعدها وأعجب أهل الرياض بجرأة الملك عبد العزيز فبايعوه ملكًا.
هذه هي الرواية الشهيرة المعروفة في كتب التاريخ السعودي، وهي حقيقية لا أحد يستطيع إنكارها، لكن هناك العديد من النقاط التي تم تهميشها لمصلحة نظام الحكم في السعودية وهي كيف استطاع الملك عبد العزيز التخلص من كل معاونيه من القبائل الأخرى، وكذلك من أبناء آل سعود لكي ينفرد بالحكم ويحصره في نسله فقط.
اختلف المؤرخون في عدد الرجال الذين هاجموا الرياض، وتراوحت التقديرات ما بين 40 و67 رجلًا، لكن المفاجأة الحقيقية عندما تكتشف أن عدد أبناء آل سعود الذين شاركوا الملك عبد العزيز هذه المهمة لم يتجاوز الـ10 أشخاص والبقية الباقية من القبائل الأخرى التي تم تهميشها وإسقاطها من كتب التاريخ كما تم إسقاطها من الحكم أيضا، وقد كان العشرة من آل سعود على الشكل التالي:
-
أربعة من آل فرحان (أحد أفرع آل سعود).
-
أربعة من آل جلوي (فرع آخر لآل سعود).
-
واحد من آل مشاري (فرع ثالث لآل سعود).
-
شقيق الملك عبد العزيز (محمد).
ويكفينا أن نعلم أيضا أن الملك عبد العزيز لم يكتفِ فقط بتهميش رجال القبائل الأخرى التي عاونته على فتح الرياض، ولكنه قام أيضا بتهميش أبناء آل سعود الذين عاونوه أيضًا، ليستأثر بالحكم لنفسه ولنسله فقط.
ولكي نكون على دراية بهيكلية الأسرة الحاكمة في السعودية علينا أن نعلم أن الجد الأكبر سعود بن مقرن لديه أربعة أبناء انقسم إليها آل سعود وهم:
-
فرع محمد بن سعود “الفرع الحاكم إلى الآن” وهو الشخص الذي تحالف مع محمد بن عبد الوهاب.
-
ثنيان بن سعود ولم يتولَ الحكم منهم إلا عبد الله الذي قتل في الدولة السعودية الثانية وعاد الحكم بعدها لفرع محمد بن سعود.
-
مشاري بن سعود وهؤلاء شاركوا في الحكم في الدولة السعودية الحالية في بدايتها وفي المناصب الصغيرة لكنهم هُمشوا بعد ذلك.
-
فرحان بن سعود، وهو فرع ضعيف لم يصل إلى مناصب كبرى.
وللعلم، فإن أيًا من الفروع الثلاثة الأخيرة لا يحصلون حاليا على لقب “أمير” وبالتالي لا يحصلون على أي من المميزات التي يحظى بها الأمراء في السعودية.
دعونا نعد لفرع محمد بن سعود مرة أخرى. ولكي نوفر على القارئ عناء التركيز في الأسماء والصلة بالآباء، يمكن ملاحظة الرسم التوضيحي التالي والذي سيلخص الكثير على القارئ، مع ملاحظة أن هذا الرسم مبسط لشجرة عائلة آل سعود بعد أن استثني منها من لم ينجب وانقطع نسله أو من هُمش ولم يلعب دورًا هامًا فيما بعد هو أو أبناؤه.
بملاحظة الرسم سنجد أن المملكة السعودية الأولى كان من المفترض أن تتوارث بين أبناء سعود الأربعة بوجه عام، ولكنه نظرا لعدم وجود قانون محدد يحدد كيفية انتقال السلطة وتداولها بين آل سعود، فقد جرى العرف أن يحكم الملك حتى الممات، وبالتالي تنتقل السلطة لأكبر أبنائه، إلا أن الواقع كان مختلفًا فقد استولى على السلطة الفخذ القوي في القبيلة مستفردًا بالحكم ومهملًا لباقي الأفرع الأخرى، وهو ما تسبب في انهيار الدولة الثانية كما ذكرنا في الجزء السابق.
ونلاحظ من الرسم أن اللون الأحمر مخصص لملوك الدولة الأولى والأزرق للدولة الثانية والأخضر للدولة الحالية “الثالثة” (يمكنك مراجعة الأجزاء السابقة) وبعد أن نجح الملك عبد العزيز “باللون الأخضر” في استعادة حكم أجداده وتأسيس الدولة الثالثة، فطن الملك عبد العزيز إلى خطورة الصراع على السلطة، وأن الخطر الأكبر عليه يكمن من أبناء آل سعود في المقام الأول والقبائل الأخرى في المقام الثاني، فلم يكتفِ الملك عبد العزيز بتهميش رجال القبائل التي ساعدته في الوصول للحكم والاستيلاء على الرياض، بل قام أيضا بتهميش أبناء آل سعود والفروع الأخرى في العائلة ونزع لقب الإمارة من جميع أفرع آل سعود الأخرى، بالرغم من أن كثيرًا منهم ساعدوه وساندوه في إعادة حكم أجداده مرة أخرى كما ذكرنا سابقا، ولم يعتمد إلا على القليل منهم مثل آل جلوي في حكم بعض المناطق الشرقية، ولكن لم يستمر الوضع كثيرًا حيث تم تهميشهم بمرور الوقت نظرا لأن أبناء عبد العزيز كثرٌ وقد كثر من بعدهم أبناؤهم وبات كل منهم يبحث عن منصب أو دور لابنه ليكون الصراع الخفي على السلطة بعكس ما يظهر للعيان بين أبناء الملك عبد العزيز وهو ما سنشرحه في الأجزاء المقبلة.
دعونا نعد ونبحث كيف قام الملك عبد العزيز بفعلته بتهميش الجميع من حوله، فلم يكن الأمر سهلًا بأي حال من الأحوال على مجتمع بدوي متحجر، خاصة وأن الغدر والخيانة كانا أمرين اعتياديين وقتها، لكن الحظ لعب دوره في بعض الأحيان وذكاء الملك عبد العزيز أحيانا أخرى.
فبمجرد أن سيطر الملك عبد العزيز على الرياض ظهر له منافسون كثر، أولهم كان والده عبد الرحمن الذي كان أحق بالحكم منه، نظرا لأنه الوريث الشرعي، وكذلك شقيقاه محمد وسعد اللذان أثبتا كفاءة عالية في القتال، وكانا يستحقان على الأقل ولاية العهد، وكذلك الحال لابن عمه عبد الله بن جلوي الذي قتل ابن رشيد، لكن الملك عبد العزيز كان ذكيًا، فقد نجح في الاستئثار بالحكم لنفسه، فبالنسبة لوالده فقد أرسل له يطلب منه تولي الحكم، وجمع المشايخ والأعيان بعد احتلال الرياض، لكن والده كان ذكيًا وتنازل عن الحكم له، فما كان من عبد العزيز إلا أن أبى أن يكون ملكًا على والده فعينه في مركز شرفي أشبه ما يكون بالمستشار، وتشير الإرساليات والوثائق القديمة بين دول كإنجلترا والدولة العثمانية إلى عبد الرحمن والد عبد العزيز بصفته الحاكم الفعلي لفترة طويلة بعد تولي عبد العزيز الملك، لكن عبد العزيز استطاع بدهاء أن يعطي لنفسه صفة الملكية وأن يهمش والده، وبغض النظر إن كان ذلك قد حدث بحسن نية أو لا، مع أنني أرجح الاحتمال الأول على الأقل في بداية الأمر، لكن النتيجة النهائية هي تهميش والده من الحكم إلى الأبد.
أما منافسوه الثلاثة الآخرون فقد كان اثنان منهم إخوته والثالث من أبناء آل جلوي، وذلك إذا ما استثنينا باقي الأشقاء الذين لم يكونوا مرشحين حقيقيين نظرا لعدم مشاركتهم في المعارك بصورة كبيرة، في النهاية خدمت الظروف عبد العزيز بعد أن قُتل أخوه سعد في إحدى المعارك مع العجمان عام 1916 وتزوج عبد العزيز أرملته، أما ابن عمه ابن جلوي فقد منحه إمارة الأحساء كي ينشغل بها، ويبدو أنه اقتنع بها أو لم يجد سبيلًا للاعتراض.
في هذه الأثناء كان الملك عبد العزيز يتوسع بمملكته التي تصطدم بمملكة آل رشيد من جهة، وبحكم الهاشميين الذين كانوا يحكمون الحجاز “أجداد عبد الله ملك الأردن الحالي” من جهة أخرى، ولكن الأمر كان أكبر من ذلك، فقد كان الصراع صراعًا بالوكالة بين الدولة العثمانية والإنجليز، حيث كان آل رشيد حلفاءً للدولة العثمانية، فيما كان آل سعود وآل صباح حلفاءً للإنجليز، وقد كان هناك محاولات عديدة لعقد الهدنة بين الدولة العثمانية وآل سعود، لقطع الطريق على التدخل الإنجليزي باعتبارهم كفارًا، لكن الملك عبد العزيز رفض مستغلًا إمداد الإنجليز له بالأسلحة الحديثة عبر البحرين والكويت، ومستغلًا ضعف الدولة العثمانية وانهماكها في الحرب العالمية الأولى، والغريب أننا لم نجد أحدًا من علماء ومشايخ السلفية من يتحدث عن ذلك، ففي العقيدة السلفية التي تقوم عليها المملكة قاعدة فقهية تقول: “إن موالاة المسلم لغير المسلم كفر”. بمعنى أن تحالف المسلم مع غير المسلم ضد المسلم كفر، فلماذا لا يُكفر مشايخ السلفية الملك عبد العزيز؟!
أتمنى أن يجيبني أحدهم على هذا السؤال.
في خضم هذه الأحداث والصراعات ظهر للملك عبد العزيز منافسون جدد على الحكم وهم “العرايف”، والعرايف هم أبناء “أبناء العم سعود” فلو نظرنا إلى شجرة العائلة، سنجد أن الأحقية في المُلك أن يحكم أبناء عمه سعود المملكة نظرا لأن والدهم هو الأكبر سنًا بين أشقائه وهو أكبر من عبد الرحمن والد عبد العزيز، ولكن لحسن حظ عبد العزيز أن آل رشيد قد قتلوا 3 من أبناء عمه سعود وهم “عبد الله ومحمد وسعد” ولم يتبق منهم سوى عبد العزيز الذي انزوى عن الحياة السياسية ولم يُعرف عنه الكثير، لكن بعد أن نجح الملك عبد العزيز في استرداد الرياض بدأ “العرايف” يطالبون بالحكم، وتطور الأمر إلى حد موالاة عدد منهم لآل رشيد، ولجأ بعضهم إلى الحجاز في حماية الدولة الهاشمية، وقاتل العرايف الملك عبد العزيز مع آل رشيد مطالبين بالحكم، ومنهم من لجأ لآل ثاني في قطر، لكن عبد العزيز انتصر عليهم في مواقع عديدة، ولأنه كان في غاية الذكاء فقد أيقن أن القضاء على العرايف أمر مستحيل، وأن خصومه لن يتوقفوا عن استخدامهم لإسقاطه، فاستطاع أن يُسكت مطالبهم بالحكم من خلال المصاهرة، فقد زوج عبد العزيز أخواته البنات لسعود المعروف بالكبير وشقيقه محمد المعروف بالمطوع، وبذلك نجح في ترضيتهم وأن يأمن غدرهم.
وبعد أن اطمأن الملك عبد العزيز على استقرار البيت داخل قبيلته، عمل على إضعاف الانتماء القبلي وذلك لضمان عدم تمرد القبائل عليه، فقام بمشروع توطين البدو وهو تشجيع البدو على ترك بلادهم من خلال منحهم أراضيَ أخرى في مناطق مختلفة وبعيدة لزراعتها وذلك لخلخلة النظام القبلي، وكذلك بمنح شيوخ وكبار رجال القبائل الهدايا والإغراءات المالية مستفيدًا من اكتشاف النفط الذي كان ثروة هائلة لرجال قد تعودوا على شظف العيش، إضافة لذلك فقد استغل الملك عبد العزيز الدعوة الدينية وابتكر ما يعرف بوظيفة “المطوع” أو ما يعرف في يومنا هذا بـ”هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” وهي وظيفة وهمية استغل فيها الدين واشترى بها رجال القبائل لإقناعهم بترك أراضيهم للقيام بخدمة الدين، ولكن الحقيقة أنه قد أسس لجهاز ديني أمني يقوده مجموعة من المخابيل فارغي العقول.
وحتى يومنا هذا تخشى الحكومة السعودية من حل الجهاز خوفًا من رد فعل المجتمع الذي صدق أكذوبة عبد العزيز، وسط انتقادات حقوقية واسعة لما يفعله هذا الجهاز المتخلف من انتهاكات مستمرة، ومن يحدثنا عن تطوير الهيئة فهو واهم، فحتى الأمس القريب وتحديدًا عام 2002 شب حريق في مدرسة المتوسطة للبنات رقم 31، وعندما حاول الأهالي إخراج البنات وكذلك حاولت بعض الفتيات الهرب من الحريق تم منع الطرفين من الدخول أو الخروج بحجة عدم وجود محرم؟! أما الكارثة الأكبر فهي أن رجال الهيئة قد منعوا رجال الشرطة والدفاع المدني من الدخول لإطفاء الحريق لنفس السبب مما تسبب في وفاة 15 طالبة وإصابة العشرات؟!
لم يكتف الملك عبد العزيز باستخدام الدين لخدمة أهدافه الشخصية، وأقول الشخصية لأنه كان يبحث عن دولة تخدم آل سعود، مكونة من سادة يتمثلون في آل سعود وعبيد وحرس من القبائل الأخرى، فقد قام بدهاء شديد بإنشاء ما يعرف بالحرس الوطني بجانب الجيش السعودي، والفارق بين الاثنين، أن الأول ولاؤه الكامل والتام والأعمى لآل سعود ونظام الحكم، بينما يتكون الثاني من خليط من القبائل الأخرى، وقد تعمد حكام آل سعود تدعيم الحرس الوطني كي يكون أقوى من الجيش السعودي نفسه، أو على الأقل على نفس القدر من القوة، لضمان السيطرة على الجيش السعودي في حال وجود أي تمرد من القبائل الأخرى، لذلك فقد قام آل سعود ببناء الدولة السعودية التي صبغوها باسمهم كي تحمي مُلكهم فقط.
نستخلص من خلال فترة تأسيس الملك عبد العزيز للمملكة الثالثة ما يلي:
-
الملك كان شديد الذكاء وقد استطاع أن يتلاعب بالدين والسياسة والقوة العسكرية لتنفيذ مراده.
-
اختار الملك عبد العزيز التحالف مع الإنجليز ضد العثمانيين، فقد كان يرغب في بناء مملكة لا تخضع لحكم مملكة أخرى.
-
ساعد النفط الملك عبد العزيز في توزيع ثرواته على رجال القبائل الذين غضوا الطرف عن الصراعات القبلية أمام سطوة الذهب.
-
كان لحكام الكويت والبحرين دور كبير في مساعدة الملك عبد العزيز في استرجاع حكم أجداده وهو الجميل الذي لم تنسه المملكة إلى يومنا هذا مع كلتا الأسرتين فقد عاونت آل صباح أثناء غزو العراق للكويت، وكذلك ساندت حكام البحرين في الانتفاضة الشعبية الأخيرة هناك من خلال التدخل العسكري لقمع الشعب البحريني.
-
كانت الأسرة الهاشمية من ألد أعداء المملكة السعودية، خاصة بعد أن انتزع الملك عبد العزيز الحجاز من حكم مملكتهم، وهي المملكة الوحيدة التي ناصبت آل سعود العداء المتبقية إلى يومنا هذا، وظلت العلاقات حساسة ومتوترة بين البلدين، ولكن تقلص مساحة المملكة الهاشمية بفقدانها حكم العراق إثر انقلاب تموز عام 1958، وكذلك احتلال إسرائيل للقدس الواقعة تحت سيادتها، ومن قبلهم ضياع حكم الحجاز، أدى كل ذلك إلى انحسار حالة القلق واقتناع الأسرة الهاشمية بما تبقى لها من أراضي “الأردن” وبأنها لم تعد منافسًا لآل سعود.
-
الصراع بين أجنحة آل سعود مستمر عبر الأجيال، وفي كل مرحلة كان يتم تهميش عدد كبير من الأفرع والبطون ليظل الحكم في الفرع الأقوى، الذي انحصر في نسل الملك عبد العزيز، ولكن اليوم ومع وفاة معظم أبنائه بدأ الصراع يظهر للسطح من جديد، وهو ما يجعل جميع المراقبين والباحثين يرجحون أن نهاية حكم آل سعود ستكون بالانقسام والاقتتال الداخلي، وهو ما سنشرحه في الأجزاء القادمة، حيث سنتحدث في الجزء القادم “الرابع” عن عورات الملوك والأمراء من أبناء عبد العزيز في الستين سنة الأخيرة وما سيترتب عليه مستقبلا، فتابعونا.
-
-----------------------------------------------------------
-
انتهينا في الجزء السابق “الانقلاب الأول” من الحديث عن انقلاب الملك فيصل على شقيقه الأكبر سعود، وشرحنا أسباب الانقلاب، وكيف لعب الصراع بين أبناء الملك عبد العزيز الـ 36 الذكور دورًا مهمًا في حسم الصراع.
فعقب خلع سعود من الحكم وتولي فيصل الملك، كان من المفترض أن يتولى محمد بن عبد العزيز الشهير بـ”أبو الشرين” ولاية العهد وفق الترتيب العمري بين أبناء الملك عبد العزيز، لكن بدلا من أن يتولى محمد ولاية العهد، تولى شقيقه من نفس الأم خالد المنصب بدلا منه.الرواية الرسمية تؤكد أن محمد صاحب النفوذ القوي في العائلة تنازل عن الحكم برغبته لشقيقه فيصل، ولكن هناك رواية أخرى تؤكد أن محمد “أبو الشرين” ضغط عليه من قبل إخوته، وأقنعوه أنه غير ملائم للحكم لما عرف عنه من انغماسه في الشرب والسهر، فوافق شريطة أن يتولى أخوه خالد ولاية العهد، فوافق الجميع نظرا لأن خالد عرف عنه ضعف شخصيته، وعدم درايته بالأمور السياسية فقد كان خالد أشبه ما يكون للبدوي أو القروي الساذج، مما منح المزيد من الطمأنينة لفيصل خوفا من محاولة الإطاحة به كما أطاح هو بسعود، وكذلك أبقى تولي خالد لولاية العهد على باب المنافسة على الحكم مفتوحا أمام باقي الأخوة الآخرين.
لم تنته الأزمات قبل أو بعد عزل الملك سعود عن الحكم، فالمملكة الوليدة كانت مهددة بشدة، فقد مثل عبد الناصر – الساعي لإسقاط الأنظمة الملكية في المنطقة والتوسع بفكره – تهديدًا كبيرًا لحكم آل سعود، وكان لإسقاط الإمام البدر في اليمن دور كبير في إشعال الداخل السعودي، فقامت السعودية بدعم رجال القبائل في اليمن واستنزاف مصر في حرب طويلة تكبدت خلالها مصر خسائر فادحة على مستوى الأفراد والنفقات، لكن ذلك لم يمنع أن تتسبب الحركة الناصرية في زعزعة الاستقرار الداخلي في السعودية أيضا.
لقد حاول الكثير من السعوديين التمرد على حكم آل سعود، وكان الكثير منهم يبحث عن أنظمة أكثر ديمقراطية، ومنهم من تأثر بالحركة الناصرية مثل حركة “الضباط السعوديين الأحرار”، والتي حاولت قيادة انقلاب فاشل على السلطة عام 1954م انتهت بإعدام كل من شارك فيها، وفي نفس العام قام الطيران السعودي بالإغارة على منطقة جيزان التي طالب فيها رجال القبائل بالمزيد من الحريات الدينية وانضم إليهم 12 ضابطًا لكن تم القضاء عليهم أيضا، ولكن كل ذلك لم يمنع من استمرار عمليات التمرد في الجيش.
استمرت الإعدامات داخل صفوف الجيش وسط وجود حركات عديدة من التمرد ما بين أعوام 1957 – 1962، التي كان من أشهرها خروج تظاهرات قوية من الجنود والضباط ترفض إنهاء إرسال البعثات العسكرية لمصر، وهو القرار الذي اتخذته السعودية خوفا من اختراق مصر للجيش السعودي عن طريق هذه البعثات، ولم ينسَ أبناء آل سعود أن مصر كانت سببا في يوم من الأيام في انهيار مملكتهم الأولى.
كان من ضمن أخطر الظواهر أيضا ما حدث في عام 1962 عندما انضمت أربع مجموعات من القوات الجوية السعودية للقوات المصرية المرابطة في اليمن، وهو ما دفع السعودية لطلب حماية مجالها الجوي من قبل واشنطن، بعد أن شعرت بالخطر يحدها من كل جانب ولم تعد تثق حتى في قواتها السعودية.
لم ينته الصراع بين مصر والسعودية حتى بعد خلع الملك سعود، فالخلاف لم يكن خلافا بين أفراد ولكن بين أنظمة وأيديولوجيات، فقد استضافت القاهرة سعود، واستخدمته لمهاجمة النظام السعودي من خلال إذاعة صوت القاهرة، الذي ادعى أن الولايات المتحدة ساهمت في إسقاطه بسبب عزمه إغلاق قاعدة الظهران الأمريكية، كما قام سعود بإقراض الحكومة المصرية 10 ملايين دولار، وهو مبلغ ضخم للغاية وقتها، والأغرب من ذلك زيارته لصنعاء واعترافه بحكومة السلال الموالية لمصر مقابل اعتراف السلال به ملكًا للسعودية، كما نشرت صحيفة الأهرام أن سعود وافق على التعامل مع فصائل المعارضة السعودية الساعية لإقامة جمهورية.
بينما لم تتوقف أحلام سعود باستعادة السلطة المسلوبة منه، التي استمرت حتى خسارة مصر لحرب اليمن ومن بعدها نكسة 1967 لتأخذ مصر في تغيير سياستها تجاه الخليج ليرحل بعدها سعود إلى اليونان حتى وافته المنية، أما أبناؤه من بعده فما زالوا حتى يومنا هذا يُعاملون كأمراء من الدرجة الثانية، ولا يتمتعون بنفس النفوذ الذي يعامل به باقي أمراء الخليج، حتى على مستوى الأموال التي يتحصلون عليها فهي أقل بكثير من باقي نظرائهم، ولا يسمح لهم إلا بتولي بعض المناصب الشرفية كرئاسة الأندية والقيام ببعض الأعمال التجارية.
الصراع يعود من جديد بين الإخوة عقب تولي فيصل الملك ظهر على السطح صراع جديد، وهو صراع المناصب القيادية والبحث عن دور سياسي بين أبناء الملك عبد العزيز.
كان من أبرز الصراعات محاولة الجناح السديري السيطرة على السلطة، ويعتبر الجناح السديري هو الأقوى في الأسرة الحاكمة في السعودية؛ نظرا لأنه يتكون من سبعة أشقاء بعكس باقي الإخوة الذين ينتمون إلى أمهات مختلفة، مما منح الجناح السديري القوة باعتباره الفخذ الأقوى في القبيلة إلى يومنا هذا.
لقد حاول السديريون السيطرة على مفاصل الحكم، فبالرغم من احتلال العديد منهم لمناصب هامة، إلا أنهم لم يكتفوا بذلك؛ فعلى سبيل المثال حاول الملك فهد عندما كان وزيرا للداخلية الإطاحة بشقيقه الملك عبد الله عندما كان الأخير رئيسا للحرس الوطني، وذلك بدعم من شقيقه سلطان وزير الدفاع والملك سلمان عندما كان حاكما للرياض، لكن الملك فيصل وولي عهده خالد تفطنوا إلى خطورة مثل هذه الخطوة، فإسقاط عبد الله من الحرس الوطني يعني ببساطة سيطرة الجناح السديري على مفاصل الحكم وربما ينتهي بعزلهم وحصر الحكم في الجناح السديري من العائلة، لأنه من المستحيل أن يقدم أحد الأمراء على أي خطوة انقلابية دون ضمان موقف الحرس الوطني الذي يعتبر قوة موازية للجيش كما ذكرنا في الأجزاء السابقة، سنتحدث بالتفصيل عن صراع الأجنحة في الأسرة الحاكمة في الجزء الأخير من هذا المقال.
اغتيال الملك فيصل:
قبل أن نحكي قصة اغتيال الملك فيصل التي يحيطها الكثير من الغموض والأسرار، يجب علينا أولا أن نذكر بعض التفاصيل المتعلقة بقاتله، فقاتل الملك فيصل هو ابن شقيقه فيصل بن مساعد بن عبد العزيز.
يبدو الأمر غريبا في البداية ولكن هناك الكثير من التفاصيل التي ستزيد من غرابة قصة الاغتيال، لقد نشأ فيصل بن مساعد في أجواء غريبة، فجده كان طلال بن آل رشيد آخر أمراء آل رشيد الذين دمر ملكهم الملك عبد العزيز آل سعود، قد يتساءل الكثيرون كيف يكون هناك مصاهرة بين الأعداء؟! الجواب ببساطة أن الأمر لم يكن مصاهرة بل كان سبيا، فقد قام الملك عبد العزيز بسبي ابنتي طلال بعد اعتقاله وتزوج من ابنته جواهر وزَوَّج شقيقتها الأخرى وطفاء لابنه مساعد!
فقد ذكرنا في موضع سابق أن الملك عبد العزيز كان له عشرات الزيجات أنجب منها 36 ذكرا و27 أنثى، كان كثير من هذه الزيجات عبيدًا وجوارٍ، ولم تكن زيجات بالمعنى المتعارف عليه الآن، لم ينجب عبد العزيز من جواهر، وقيل أنها هي من قامت بفقأ عينه بعد الزواج بها.
وبالرغم من أن الأمر استتب لآل سعود وانتهى الصراع، إلا أن الخلافات والحقد القديم بين عائلة آل رشيد وآل سعود انعكس بشكل واضح على تربية الأبناء؛ فلقد قام ابن مساعد الأكبر خالد بعمل جنوني، وذلك بقيامه بالتعاون مع مجموعة دينية متشددة بقيادة مظاهرات حاولت السيطرة على مبنى التلفزيون عام 1965م، والذي كانوا يرون فيه خطرًا على الأمة! أرسلت بعد ذلك قوة لاعتقاله، وانتهى الأمر بمقتله رميا بالرصاص في منزله!
أما شقيقه فيصل بن مساعد فلم يكن هو الآخر في وضع نفسي أفضل حالا من شقيقه الأكبر الذي قتل على يد الشرطة، فقد أقدم على عمل أكثر خطورة، وهو قتل الملك فيصل أثناء استقباله لوفد النفط الكويتي أمام الجميع بعدة طلقات أطلقها من المسدس الخاص به على مسافة قريبة من عمه الذي لم يكن يتوقع غدرًا من ابن شقيقه.
هناك الكثير من التحليلات التي تتهم الولايات المتحدة بالوقوف وراء الحادث للتخلص من الملك فيصل بعد موقفه بقطع النفط أثناء حرب أكتوبر، لكن لا يوجد أدلة صريحة تدعم ذلك، وتظل النظرية مجرد فرضية، ربما يتضح صدقها أو كذبها مستقبلا في حالة ظهور المزيد من الوثائق من أرشيف المخابرات.
لكن ما لا يدع مجالا للشك أن هناك الكثير من العورات تحاول السعودية إخفاءها كعادتها عن حادث الاغتيال؛ لأنها تفتح ملفات قديمة مثل سبي آل رشيد وكذلك فضائح الأسرة الحاكمة.
إن نشأة فيصل بن مساعد المضطربة كانت تلعب دورا كبيرا في تصرفاته، كما أن حادث مقتل شقيقه لعب دورًا لا بأس به بأي حال من الأحوال، ولو تتبعنا حياة فيصل لوجدنا أنه درس في الولايات المتحدة لسنوات طويلة، عرف عنه اللهو وإدمان الخمور والمخدرات والترويج لها وبيعها، قامت الولايات المتحدة بالحيلولة دون تسليمه للقضاء مرات عديدة؛ حرصا على العلاقات مع السعودية، وعرف عن فيصل تأييده القوي للقضية الفلسطينية وبأنه كان معاديا للصهيونية.
كان فيصل بن مساعد معارضا أيضا لسياسات آل سعود في الحكم وكان ينادي بنظام أكثر تحررًا، لكن محاولة العائلة الحاكمة تصويره على أنه مختل عقليا هو أمر مضحك، فشهادات جميع معلميه في الولايات المتحدة، وكذلك صديقته الأمريكية، وكل من يعرفونه أكدت أن فيصل بن مساعد كان يتمتع بقدرات عقلية طبيعية تماما، وإلا فلماذا قامت الأسرة الحاكمة بقطع رأسه بسيف مصنوع من الذهب وتعليق جثته أمام العامة ؟! فالمجنون وفق الشريعة الإسلامية مرفوع عنه القلم ولا يقتل؟!
كما أنني أستبعد فرضية الانقلاب لأنه – بكل بساطة – لو كان لفيصل معاونون يسعون للانقلاب على الحكم لتحركوا لتنفيذ مخططهم، ولو أن هناك من خدع فيصل بن مساعد وغرر به لوشى بهم بعد أن خانوه، ولقطعت رقاب كثيرة أيضا، ولكن أيا من ذلك لم يحدث.
أعتقد – من خلال قراءتي لعدد من الصحف العربية والأجنبية والكتب والتحليلات – أن فيصل بن مساعد تأثر أثناء تواجده في الولايات المتحدة بأفكار الماركسيين العرب، وقد سجلت الكثير من التقارير الصحفية أن فيصل كان دائم الانتقاد لسياسات آل سعود وبأنه رفض العلاوة السنوية التي تدفع لأمراء آل سعود والمقدرة بـ15 ألف دولار سنويا، وبأنه ابتعد أيضا عن مرافقة أفراد الأسرة الحاكمة.
ووفقا لبعض التسريبات من التحقيقات التي أجريت عن الحادث يقول المعارض السعودي عبد الرحمن ناصر الشمراني عن فيصل يبدو أن أفعاله وفضائحه في الولايات المتحدة دفعت الملك فيصل لسحب جواز سفره، وإبقائه رغما عنه في الرياض، وكان الملك فيصل دائم الانتقاد له على هذه الأفعال، والعكس أيضا فقد قام فيصل بن مساعد بمهاجمة سياسة عمه الملك فيصل وجها لوجه، واتهمه عدة مرات بأن سياسته هوجاء وبأنها تقود الجميع للهلاك، لكن الملك فيصل لم يُعِرْ لابن شقيقه اهتماما واعتبره طفلًا يهذي، وصادر جواز سفره واتهمه بالفسق والخلاعة.
لكن الأمير الشاب لم يسكت، ورد على الملك بأنه ليس الوحيد الذي يتعاطى الخمور من الأمراء بل وأن هناك من الأمراء من يتاجر بها أيضا بعلم الملك، لكن الملك نفى علمه بحدوث ذلك وطلب من الأمير الشاب أن يذكر له قائمة بالأمراء الذين يفعلون ذلك.
بعد يومين عاد فيصل إلى عمه ومعه قائمة فيها أسماء عدد كبير من الأمراء المعروف عنهم شرب الخمر وحفلات المجون، مما وضع الملك في موقف محرج؛ فهو بالطبع كان يعلم بذلك، لكن وجود أسماء ذات ثقل في القائمة من الأشقاء والأقارب أجبر الملك على اتهام ابن شقيقه بالتشنيع بالأسرة الحاكمة ومحاولة هدم كيانها، ثم طرده بصلافة وهو ما دفع فيصل بن مساعد لفقدان الأمل في أي إصلاح وأقدم على فعلته المجنونة، فكانت النتيجة اقترافه جريمة قتل الملك.
وبغض النظر عن الجريمة التي أرى أنها كانت تحمل قدرًا كبيرًا من طيش الشباب، إلا أن حادث اغتيال فيصل عكس حجم التفكك والفساد والتستر بالدين والصراع على السلطة الذي تعيشه السعودية إلى يومنا هذا.
سنتحدث عن المزيد من التفاصيل في الأجزاء المقبلة؛ فتابعونا.