تحالف بدر
تحالف بدر.. مشروع لتطويق مكه

د.محمد العودات في الثلاثاء ٠٣ - نوفمبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

تحالف بدر  
تحالف بدر.. مشروع لتطويق مكه
 
في 26 أكتوبر، نشر الكاتب والمحلل الإسرائيلي بنحاس عنبري مقالًا في موقع «زمان إسرائيل»، طرح فيه قراءة سياسية لافتة تحت عنوان «تحالف بدر»، وربط من خلالها بين تحولات التحالفات الإقليمية، والانتخابات الإسرائيلية، ومستقبل التطبيع السعودي الإسرائيلي، ومشاريع الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط. وبحسب الطرح الذي يقدّمه عنبري، قد يكون ما يُسمّى «تحالف بدر» بديل لما أُعلن عنه تحت اسم «تحالف مكة» في أغسطس، والذي يُشار إليه بوصفه إطار للتعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان. أما «تحالف بدر»، فيُطرح ضمن تصور يضم تركيا وباكستان وقطر وإندونيسيا، مع الإشارة إلى أن إيران ليست طرفًا موقّعًا عليه، لكنها قد تكون حاضرة بصورة غير مباشرة في بعض التفاعلات الإقليمية. السؤال : هل نحن أمام مجرد تقارب سياسي بين دول عندها مصالح مشتركة، ام محاولة أوسع لإعادة ترتيب موازين القوى ورسم خريطة جديدة للشرق الأوسط؟
 
 أولًا: لماذا اسم «بدر»؟ وهل يحمل رسالة سياسية للسعودية؟
 
يربط عنبري تسمية التحالف بمعركة بدر التاريخية، ويقرأ في اختيار الاسم رسالة ذات دلالة رمزية وسياسية، خصوصًا في ظل التنافس الإقليمي على النفوذ والقيادة في العالم الإسلامي. ومن وجهة نظره، قد لا يكون الاسم مجرد تسمية عابرة، وإنما يحمل إيحاءات مرتبطة بموازين القوى والاصطفافات الإقليمية، وربما يُفهم منه وجود مواجهة أو مشروع معلن ضد المملكة.
 
 ثانيًا: الانتخابات الإسرائيلية.. هل يتغير شكل الحكومة؟
 
الانتخابات الإسرائيلية ممكن ان تكون نقطة تحوّل مهمة في المشهد الإقليمي، وليس فقط داخل إسرائيل. نتنياهو بحاول يحافظ على سلطته، لكنه معتمد على تحالف يميني متشدد، ومن أبرز أطرافه إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. وهم تيارًا متشددًا في قضايا الضفة الغربية والاستيطان والضم والملف الفلسطيني، ومواقفهم ممكن تشكّل عقبة أمام أي تفاهم سياسي كبير مع السعودية. والسؤال: هل ممكن نتنياهو يضطر يغيّر شكل حكومته حتى يفتح الباب أمام اتفاق إقليمي أوسع؟
 
 ثالثًا: حكومة وحدة وطنية.. هل تكون بوابة التطبيع مع السعودية؟
 
الإسراع بتشكيل حكومة وحدة وطنية في إسرائيل، تضم نتنياهو مع أطراف من المعارضة، مثل يائير لابيد أو نفتالي بينيت أو أفيغدور ليبرمان، أو شخصيات سياسية أخرى. من اجل إعطاء نتنياهو مساحة أوسع للمناورة السياسية، وتخفف اعتماده على الأحزاب اليمينية المتشددة. وبالتالي، قد تصبح عنده قدرة أكبر على التعامل مع المطالب السعودية، وتقديم تنازلات أو ترتيبات سياسية يصعب تمريرها في ظل الحكومة الحالية. ومن المعلوم إن السعودية أعلنت ربط التطبيع مع إسرائيل بوجود مسار واضح وموثوق لإقامة دولة فلسطينية، 
 
 رابعًا: التطبيع السعودي الإسرائيلي.. تغيير في شكل المنطقة
 
إذا وصل الطرفان إلى اتفاق سعودي إسرائيلي، ضمن ترتيبات أمنية واقتصادية وسياسية واسعة، فممكن نشهد تحولًا كبيرًا في شكل الشرق الأوسط. فالسعودية دولة محورية في المنطقة، وأي اتفاق معها ممكن يفتح الباب أمام تعاون اقتصادي وأمني أوسع، ويؤثر على علاقات دول كثيرة مع إسرائيل. لكن نجاح هذا السيناريو مرتبط بمدى التقدم في القضية الفلسطينية، وبقدرة الأطراف على التوصل إلى صيغة مقبولة سياسيًا وإقليميًا من اجل إعادة ترتيب علاقات ومصالح وممرات اقتصادية وأمنية في المنطقة.
 
خامسًا: قطر وتركيا وإيران.. تقاطعات المصالح والتنافس الإقليمي
 
التقارب والتنسيق بين قطر وتركيا في عدد من الملفات الإقليمية، كما أن لكل من قطر وإيران علاقات وتفاهمات مرتبطة بالمصالح المشتركة، خصوصًا في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي.
 
سادسًا: ممرات الطاقة والتجارة.. المعركة الحقيقية على الجغرافيا
 
يمكن أهم جزء في هذا المشهد هو موضوع ممرات الطاقة والتجارة. الشرق الأوسط ليس فقط ساحة صراع سياسي وعسكري؛ هو أيضا منطقة استراتيجية بتتحكم بممرات النفط والغاز والتجارة بين آسيا وأوروبا والبحر المتوسط.
 
ومن التصورات المطروحة تطوير ممرات تربط الخليج بإسرائيل والبحر المتوسط، أو تمر عبر العراق وسوريا وصولًا إلى الساحل السوري، بما في ذلك منطقة طرطوس. وهناك تصورات أخرى لمسارات بديلة تمر عبر دول المنطقة، بحسب الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية.
 
 
الدولة اللتي ستكون ممر رئيسي للطاقة والتجارة سوف تحصل على رسوم عبور وعوائد اقتصادية؛ وايضا سوف تكتسب نفوذًا سياسيًا واستراتيجيًا،  وتاخذ أهمية أكبر في حسابات الدول والشركات العالمية.
 
وإذا نجحت مشاريع من هذا النوع، سوف تستفيد منها دول مثل الأردن ومصر والعراق وسوريا، من خلال خلق فرص عمل، وزيادة حركة التجارة والاستثمار، وتطوير البنية التحتية، والحصول على عوائد من النقل والخدمات والطاقة. ومن المعلوم ان الأردن وإسرائيل حاولت خلق الاستقرار في الجنوب السوري لتسهيل وتسريع خطوط الطاقه و طلبت التدخل في درعا 2023 لكن القوات المحليه رفضت ذلك. 
 
وبالنسبة لإسرائيل، موقعها الجغرافي ممكن يعطيها فرصة لتكون جزءًا من بعض هذه الممرات، إذا توفرت التفاهمات السياسية والأمنية اللازمة.
 
 سابعًا: شمال شرق السعودية.. هل هناك صراع على مسارات النفط؟
 
في الطرح الذي يقدّمه عنبري، تبرز فرضية أكثر حساسية، وهي أن بعض التصورات الإقليمية لممرات الطاقة قد تتطلب المرور بمناطق من شمال شرق السعودية. ومن هنا تظهر قراءة تقول إن بقاء السعودية موحّدة وقوية قد يشكّل، وفق هذا التصور، عقبة أمام بعض الطموحات الجيوسياسية المرتبطة بمسارات الطاقة والنفوذ القطري والميل الى التقسيم. ويربط أصحاب هذه القراءة بين التقارب القطري الإيراني وبين هذه الحسابات، كما يربطون بين التقارب الهندي الإسرائيلي السعودي وهذا ما يفسر ميول باكستان إلى تعزيز علاقاتها مع أطراف إقليمية أخرى كتحالف بدر.
 
 ثامنًا: نتنياهو ومعركة البقاء في السلطة
 
العامل الداخلي الإسرائيلي له تأثير كبير على كل السيناريوهات السابقة:فمستقبل بنيامين نتنياهو السياسي والاستمرار مرتبط بشكل كبير ببقاء حكومته وتماسك ائتلافه.
 
 أ. التمثيل العربي وأصوات الناخبين في الكنيست:
 
يسعى نتنياهو إلى تأمين أغلبية برلمانية تضمن استمرار حكومته، وفي ظل تقارب المعسكرات السياسية، قد يصبح التمثيل العربي عاملًا مؤثرًا في معادلة تشكيل الحكومة.
 
وهنا تبرز مخاوف من محاولات إضعاف القوائم العربية أو استبعاد بعض مرشحيها تحت ذرائع قانونية وسياسية. فالقانون الإسرائيلي يسمح، وفق شروط محددة، بمنع قوائم أو مرشحين من المشاركة في الانتخابات، كما أن عدم تجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% يحرم القائمة من الحصول على مقاعد في الكنيست.
 
صحيح أن أصوات الناخبين العرب لا يمكن إلغاؤها بقرار سياسي من نتنياهو، وأن المقاعد لا تنتقل تلقائيًا إلى أحزاب اليمين، لكن تراجع التمثيل العربي قد يغيّر موازين القوى داخل الكنيست، ويمنح بعض الأحزاب المنافسة فرصة أكبر في معركة تشكيل الحكومة. 
 
وفق المادة 7A من القانون الأساسي للكنيست، يمكن استبعاد قائمة أو مرشح في حالات محددة، منها إنكار وجود إسرائيل بوصفها دولة يهودية وديمقراطية، والتحريض على العنصرية، ودعم الكفاح المسلح ضد دولة إسرائيل. لكن القرار يخضع لإجراءات قانونية، ويمكن الطعن فيه أمام المحكمة العليا الإسرائيلية.
 
وهنا يبرز السؤال السياسي: هل يجري التعامل مع التمثيل العربي باعتباره جزءًا طبيعيًا من العملية الديمقراطية، أم أن قواعد اللعبة الانتخابية قد تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوى وضمان بقاء الائتلاف الحاكم؟
 
 ب. ضرب القضاء وإضعاف مؤسسات الدولة وعدم القدره على مراقبة الحكومة ومحاسبة رئيسها
 
نتنياهو، لم يتوقف فقط عند الانتخابات وتشكيل الحكومة؛ بل  في خلق صراع على استقلال القضاء وحدود صلاحيات المؤسسات. والخلاف حول الإصلاحات القضائية في إسرائيل أثار مخاوف واسعة بشأن توازن السلطات واستقلال المؤسسات. اذن إضعاف الرقابة القضائية سيخفف من الضغوط القانونية والسياسية في ظل القضايا والمحاكمات التي يواجهها.
 
 
 ج. التمويل والجدل الانتخابي وتأثيره على الانتخابات :هنالك  اتهامات بشأن دفع أموال لنقل ناخبين عرب أو التأثير على خياراتهم الانتخابية، إلى جانب الجدل الأوسع حول مصادر التمويل والمساعدات التي تحصل عليها أطراف سياسية إسرائيلية.
 
 د. الفوضى السياسيه
 
إذا استمر نتنياهو متمسكًا بالسلطة وارتباط بمستقبله السياسي أكثر من ارتباطه بمصلحة الدولة ، وظلت الأحزاب المختلفة عاجزة عن التوصل إلى تسوية، ممكن تستمر الأزمة السياسية. مما يعيق القدرة على  تشكيل حكومة مستقرة أو حكومة وحدة وطنية وهذا يعكس عدم القدرة إسرائيل على اتخاذ قرارات استراتيجية كبيرة، بما فيها أي اتفاق إقليمي مع السعودية أو المشاركة في مشاريع اقتصادية واسعة.
 
 
تحالف بدر.. من يملك مفاتيح الشرق الأوسط؟
 
ما يجري في الشرق الأوسط ليس مجرد تبديل للتحالفات أو تقارب عابر بين دول، بل صراع مفتوح على النفوذ والجغرافيا وممرات الطاقة والتجارة. من «تحالف مكة» إلى «تحالف بدر»، ومن الدوحة إلى أنقرة وإسلام آباد، تتشابك الحسابات الإقليمية وسط تساؤلات خطيرة حول موقع السعودية ومستقبل دورها في المنطقة.
 
إسرائيل بدورها تبحث عن بوابة التطبيع مع الرياض، بينما يحاول نتنياهو إنقاذ مستقبله السياسي وإعادة ترتيب أوراقه الداخلية. وفي الخلفية، تدور معركة أكبر على خطوط النفط والغاز والممرات التي تربط الخليج بالمتوسط، حيث لا تُقاس قوة الدول فقط بجيوشها، بل بقدرتها على التحكم بشرايين الاقتصاد العالمي.
 
المعركة الحقيقية ليست على أسماء التحالفات، بل على من يرسم خريطة المنطقة، ومن يملك مفاتيحها، ومن يدفع ثمن إعادة تشكيلها!
 
فهل نحن أمام تحالفات لحماية المصالح، أم بداية صراع جيوسياسي يعيد توزيع النفوذ والثروة والقوة في الشرق الأوسط؟
اجمالي القراءات 168