تآكل الثوابت و زوال عصر الأوهام

د.محمد العودات في الإثنين ٢٨ - سبتمبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

 تآكل الثوابت و زوال عصر الأوهام
 
  إننا ننتقل من مرحلة الثبات الاستبدادي، التي قامت على معادلات قمعية ومستقرة ظاهرياً، إلى حالة من التعفن والتحلل الشامل حيث تتفكك المعادلات القديمة وتسقط الأقنعة عن الفواعل الإقليميين. فهي تتجاوز مجرد التغيير السياسي لتصل إلى التحلل البنيوي للمنظومات التي أدارت المنطقة لعقود. انهيار القيم العسكرية والاستخباراتية أمام صفقات البقاء على السلطة ، مما حول المنطقة إلى ساحة مفتوحة من السمسرة التي تسبق ولادة نظام قيمي جديد.
 
* نهاية الوهم الاستخباراتي والسيبراني:
 كشفت الوقائع الميدانية أن ما يسمى "محور المقاومة" ليس سوى شبكة من المصالح التي يتم تصفيتها عند أول منعطف وجودي للأنظمة. سلسله من الصفقات من اجل البقاء جعلت صنم الوهم ينهار:
 
-اغتيال عماد مغنية (البيع السياسي): لم يكن الاغتيال خرقاً تقنياً، بل "بيع" قدمها آصف شوكت وبشار الأسد للأمريكيين لتبرئة النظام من دم الحريري. ومن المثير للسخرية أن القوات السورية قامت بشطف مسرح الجريمة في كفر سوسة بقلب دمشق، وهي منطقة أمنية شديدة الحساسية,  فور وقوع الانفجار لإخفاء الأدلة، مكررة ذات الأسلوب الذي اتبع في جريمة اغتيال الحريري.
 
-مفاعل الكبر والسمسرة النووية: بناءً على نصيحة معمر القذافي لآصف شوكت بتبني "التجربة الليبية"، تم تسليم المفاعل النووي السوري-الإيراني المشترك. ولم يتوقف الأمر عند التسليم، بل كشف المصدر عن فضيحة "40 كيلو غرام من البلوتونيوم" تم بيعها لإيران عبر وسيط تركي، حيث حصل أحمد الشرع (الجولاني) على حصة من ثمن هذه الصفقة، مما يثبت أن العصر الجديد يقوم على "البزنس" لا على العقيدة.
 
-التزييف البنيوي وعمر أحمد الشرع: أشار التحليل إلى أن أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) كشف بنفسه في تصريح علني أنه كان يبلغ من العمر 13 عاماً في عام 2001 . وهذه زلّة لسان أفصحت عن عمره الحقيقي (أنه من مواليد عام 1988 وليس 1982 كما جرى تزويره رسمياً لتكبير سنه كي يتناسب مع شروط الرئاسة، تماماً كما فُعل سابقاً مع بشار الأسد مما يشير إلى أن من يدير المشهد ويفرض علينا البيادق ويزورها هي نفس الجهه وإن تغيرت الوجوه.)  ويُثبت ذلك عدم استيفائه للسن القانوني للرئاسة، مما يجعله غير مؤهل قانونياً,  وأن صعوده لتمثيل سوريا في الأمم المتحدة ليس إلا "ديكوراً" وتزييفاً بنيوياً ضمن صفقة وإملاءات دولية . 
 
-تصفية الأجنحة: ضحت إيران بقيادات حزب الله الميدانية وسمحت بتصفية "مفاعلاتها" في سوريا لحماية رأس النظام في طهران، مؤكدة أن الأتباع ليسوا سوى أوراق محروقة في سوق المصالح.
 
*بيع الأجنحة للنجاة :
-الخيانه : باعه آصف شوكت وبشار الأسد للامريكيين؛ حيث تم تنظيف موقع التفجير في كفر سوسة فوراً لإخفاء الأدلة.
-الثمن السياسي المقبوض:تخفيف ضغوط محكمة الحريري
-الشخص / المنشأة المُباعة :عماد مغنية (الحاج رضوان)
 
-الخيانه : تسليم إحداثيات وتفاصيل المفاعل (مشروع سوري-إيراني مشترك موله النظام من عوائد النفط) لإسرائيل وأمريكا كعربون تقارب.
-الثمن السياسي المقبوض :ضمان بقاء النظام السوري
-الشخص / المنشأة المُباعة :مفاعل الكبر (النووي)
 
-الخيانه :تمت تصفيته بينما كان بشار الأسد على متن الطائرة متجهاً لإيران؛ كعملية انتقامية أو لإغلاق ملف تسليم المفاعل للأبد.
-الثمن السياسي المقبوض :إغلاق ملفات التسليم نهائياً
-الشخص / المنشأة المُباعة : محمد سليمان (رجل النووي)
 
 *مسرح التصفيات 
استراتيجية كبرى تحت غطاء الغارات الجوية، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية مع الرغبة المحلية في تطهير التشكيلات من الأجنحة المزعجة , فمثلا:
-تفكيك لغز مستودعات (م د): تشهد الساحة السورية تفجيراً متسارعاً لمستودعات الصواريخ المضادة للدروع (م د)، وهي أسلحة بقيت مخزنة لأكثر من 15 عاماً دون حراك. إن الاستراتيجية الإسرائيلية هنا تهدف إلى "الحلاقة الميدانية"؛ أي تجريد سوريا من أي قدرة دفاعية تكتيكية قد تعيق الدوريات البرية الإسرائيلية المستقبلية، مما يضمن تحركاً برياً آمناً دون تهديد "الكمائن الموجهة".
 
-آليات التصفية الداخلية: توظف قيادة الفصائل الحالية (جماعة أحمد الشرع) الضربات الخارجية كستار لتنفيذ عمليات "تطهير داخلي". يتم التركيز بشكل خاص على تصفية الأجنحة "العراقية والتونسية" داخل الفصائل، وذلك استجابة لضغوط إقليمية تهدف إلى تحويل الفصائل من تشكيلات أيديولوجية إلى أدوات براغماتية وظيفية.
 
-تكتيكات "التفشية": تُنفذ عمليات التخلص من المعارضين بصمت عبر إرسال إحداثيات مقراتهم للخصوم، أو وضع "حقائب متفجرة" داخل مراكز القيادة. هذا الأسلوب يسمح للقيادة الجديدة بالتنصل من دماء شركاء الأمس وتقديمهم كـ "خسائر جانبية" للقصف الخارجي. 
 
-هندسة "جيش الأيتام": في واحدة من أخطر تجليات التزييف البنيوي، يقوم الشرع بجمع "الأطفال مجهولي النسب" (أيتام عناصر داعش والمتطرفين) في مدارس خاصة لتحويلهم إلى "مشاريع انتحارية" فاقدة للانتماء الوطني، لتكون بمثابة جيش وظيفي يدين بالولاء الشخصي المطلق له، مما يحول "المجاهد" المفترض إلى "تاجر دماء" يوظف المآسي الإنسانية لتعزيز سلطته.
 
 
-الارتهان للخارج وقضية الجولان: تتجلى ازدواجية الخطاب والارتهان للخارج بوضوح في موقف أحمد الشرع أمام القوى الدولية؛ فبينما يحرص على الظهور بمظهر "السيادي والشجاع" في خطاباته الإعلامية وأمام مناصريه، كشفت الكواليس الموثقة بالعدسات صمته التام وعدم مواجهته للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما تحدث أمامه مباشرة وبحضوره عن قضايا المنطقة والجولان. و كشفت الوقائع أن الشرع كان مستعداً للذهاب بعيداً في تقديم تنازلات كبرى والتوقيع على اتفاقيات تسوية. إلا أن ما منع إمرار هذه التنازلات لم يكن "بطولة شخصية" ولا "صحوة وطنية" ذاتية منه، بل القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة التي رفضت ذلك صراحةً، مؤكدةً البطلان القانوني لأي تصرف أو تنازل عن الأراضي السيادية من قِبل رئيس انتقالي لا يملك تفويضاً شعبياً أو صلاحية رسمية.
 
 
* الخطاب المعلن والواقع الميداني بين الصفقات و السمسرة:
 
-تسليم مفاعل الكبر وبيع 40 كغ بلوتونيوم عبر وسيط تركي فالوهم هو  الحق في امتلاك القوة الردعية والحقيقة السيادة النووية
-بيع استخباراتي من آصف شوكت لتخفيف ضغط قضية الحريري فالوهم هو  "الحج رضوان" خط أحمر وقائد كوني والحقيقة حماية القيادات
-صفقات لإخراج مقاتلي الحرس الثوري سالمين من الأنفاق (مثل تلة علي الطاهر) فالوهم هو تحرير القدس ووحدة الساحات
 الحقيقة حمايه جنودنا.
 
* نهايه الكرامه و الأخلاق العسكرية: 
من "الجيش الأعلى أخلاقاً" إلى "سارق الدواجن" , تعاني المنظومة العسكرية الإسرائيلية من انهيار قيمي يحولها من "أسطورة عسكرية" إلى عصابة عاجزة ميدانياً، وهو ما يتجلى في نقطتين:
-انحطاط السلوك الميداني: يروج الاحتلال لنفسه كـ "الجيش الأعلى أخلاقاً"، بينما الواقع يثبت أنه جيش "سارق دجاج ومعزات أبو محمود" في الضفة الغربية. هذا التناقض الصارخ بين التكنولوجيا الفائقة والسلوك الدنيء يثبت أن الجندي الإسرائيلي يفتقر للكرامة العسكرية، ويستعيض عنها بـ "الوقاحة التقنية".
 
-الهشاشة النفسية: يعتمد هذا الجيش كلياً على التفوق الجوي المطلق والدعم الأمريكي. وبناءً على معطيات الميدان، فإن هذه الشجاعة المزعومة هي "فقاعة" تقنية؛ حيث يرى المحللون:
"لو سقطت طائرة إسرائيلية واحدة من كل 20 طائرة، لما تجرأ طيار واحد على الإقلاع. الشجاعة الحقيقية لا تُستمد من المسيرات، بل من المواجهة المباشرة التي يفر منها هذا الجيش."
 
*مظاهر الضعف العسكري والنفسي:
التحول إلى "لصوص" ممتلكات شخصية (سرقة مواشي المدنيين).
الارتهان الكامل للتمويل الخليجي والتقنية الأمريكية لاستمرار العمليات.
خسارة المعركة الأخلاقية عالمياً وتحول الجندي إلى رمز للمجرم الصغير (سارق الدجاج).
 
* نهاية الوهم الإعلامي والسياسي: سيادة المنصات البديلة وحتمية الصراع الداخلي
لقد سقطت سطوة الإعلام الموجه أمام الإعلام الحر والمنصات البديلة (يوتيوب وفيسبوك)، مما أدى إلى كشف "الكذب السيستمي":
إفلاس الإعلام التقليدي: تبرز قناة "الجزيرة" كمثال حي على انهيار المنظومة الإعلامية القديمة؛ فهي اليوم تعاني من إفلاس مالي جعلها تعتمد على "مذيعين مسترخصين" ودعايات لبرامج "الأحذية" وسط نشرات الأخبار. هذا السقوط يعكس نهاية عصر احتكار الحقيقة وتوجيه الرأي العام عبر الشاشات الكبرى.
 
الحروب الأهلية كآلية تطهير: في ظل انغلاق الأفق الديمقراطي، تصبح "الحروب الأهلية" في الشرق الأوسط بوابة عبور قسرية وحتمية. إنها "آلية التغيير" الوحيدة المتاحة لتفكيك إرث الاستبداد الشرقي القديم، وهي تهدف إلى تطهير المنطقة من مخلفات الماضي تمهيداً لواقع جديد لا يقوم على تأليه القائد.
 
خلاصة الحتمية السياسية: إن الصورة العفوية التي ينقلها "الديجيتال" اليوم أقوى من بروباجندا الأنظمة؛ فإسرائيل خسرت العالم أخلاقياً، والأنظمة خسرت شعوبها معرفياً.
 
* الخاتمة:  
-نهاية الوهم ليس نهاية التاريخ، بل هو مقدمة لإعادة تعريف علاقة الإنسان بالأرض بعيداً عن الصكوك التاريخية الزائفة.
-الناس شركاء في الموارد: الأرض، الماء، والكلأ هي موارد لله وللناس أجمعين. إن ادعاءات الملكية التي تسوقها إسرائيل أو الأنظمة القائمة على "حقوق تاريخية" هي ادعاءات "تموت بالتقادم". الأرض لا تتكلم العربية ولا العبرية؛ والملكية الحقيقية هي "حيازة بالتوافق والاستصلاح".
-نحو عصر قيمي عالمي: إن ما يحدث في الشرق الأوسط هو المخاض لبناء منظومة قيم تتجاوز "الاستبداد الشرقي" و"البرغماتية الغربية الساقطة". المستقبل يفرض مشاعيه الموارد العالمية، حيث تسقط حدود الاحتكار وتسقط معها قداسة الأنظمة التي تاجرت بالبشر والشجر.
-إن نهاية الوهم هو إيذان بزوال زمن "المزارع المملوكة" للأفراد أو الجماعات العرقية، والانتقال نحو فضاء إنساني يدرك أن الأرض لله، والناس فيها شركاء بالتساوي والنزاهة.
-إن التحول التاريخي الذي نشهده يتضمن تحطم الأساطير التي قامت عليها المنظومات القديمة، وبروز فلسفة جديدة للموارد والجغرافيا.