من وحى الموقع
أمية الرسول عليه السلام وكتابة الوحي وجمع القرآن الكريم

مصطفى اسماعيل حماد في الأحد ٠٦ - سبتمبر - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

أمية الرسولعليه السلام وكتابة الوحي وجمع القرآن الكريم

 

تمهيد

في ضوء ما أُثير مؤخرًا من نقاش حول مسألة معرفة الرسول عليه السلام بالقراءة والكتابة، أقدم هذا المقال لأتناول هذه القضية بالبحث والتحليل، مستعرضًا أبرز الآراء والأدلة ، مع الحرص على عرضها بموضوعية وتجرد، بعيدًا عن التعصب أو التأثر بأحكام مسبقة.

 

وأود أن أؤكد منذ البداية أن هذه المسألة- على أهميتها التاريخية والعلمية- لا يترتب عليها حكم شرعي يتعلق  بالتحليل أو التحريم، ولا تتصل بتكليف ديني، كما أنها لا تمس جوهر العقيدة أو أصول الدين،ومن ثم، فلا موجب لجعلها محل خصومة أو نزاع بين القائلين بأن النبي عليه السلام لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وبين من ذهبوا إلى القول بمعرفته بهما.

 

وعليه، فلنبحث هذه المسألة بهدوء ورويّة، ولنناقش حجج الفريقين بأمانة وإنصاف، ولنتذكر أن اختلاف الرأي في قضية تاريخية كهذه لا ينبغي أن يكون سببًا للتكفير أو التنازع، بل إن الغاية المنشودة هي الوصول إلى الحق، فهو أولى من الانتصار للرأي الشخصي أو التمسك به.

 

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

 

أولًا: هل كان الرسول عليه السلام لا يقرأ ولا يكتب حقا؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

من المعروف أن الجانب الأكبر من التراث الإسلامي يصف النبي محمدًا عليه السلام بأنه «أمي»، وقد جرى فهم هذا الوصف على أنه يعني عدم معرفته بالقراءة والكتابة، وأنه استعان بعدد من الصحابة في تدوين الوحي.

 

غيرأن هناك فريقا معارضا يرى أن هذا الفهم يمكن مناقشته من خلال الدلالة القرآنية لكلمة «أمي»، ومن خلال عدد من الآيات التي تتحدث عن النبي عليه السلام وعلاقته بالكتاب وبالقراءة والكتابة.

 

ففي مطلع الوحي صدر الأمر الإلهي: ﴿اقرأ﴾. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن صيغة الأمر بالقراءة تقتضي توجيه الخطاب إلى شخص يستطيع القراءة، إذ إن تكليف من لا يملك القدرة على الفعل ـ في نظرهم ـ لا ينسجم مع الحكمة الإلهية. كما يرون أن الرواية التي تنسب إلى النبي عليه السلام قوله: «ما أنا بقارئ» تستدعي مزيدًا من البحث والنقد، سواء من جهة سندها أو من حيث تفاصيل سياقها، ولا ينبغي ـ في رأيهم ـ أن تُتخذ وحدها أساسًا للحسم في قضية بهذه الأهمية.

 

ويستند أصحاب الإتجاه المعارض كذلك إلى قوله تعالى:

 

رسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً ﴿٢﴾‏ البينة

 

إذ يفهم أصحاب هذا الاتجاه فعل «يتلو» على أنه قراءة مباشرة للصحف.

 

ويضاف إلى ذلك أن القرآن يصف النبي عليه السلام بأنه يتلو آيات الله على الناس ويعلمهم الكتاب والحكمة، كما في قوله تعالى:

 

هو الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿٢﴾‏ الجمعة

 

فكيف يقوم بتعليم غيره من لايقرأ ولايكتب؟،وهل يستطيع فاقد الشيء أن يعطيه؟.

 

ومن هنا يرى أصحاب هذا الاتجاه أن وصف النبي عليه السلام بأنه «أمي» لا يعني بالضرورة عدم معرفته بالقراءة والكتابة.

 

ومن الآيات التي تُطرح في هذا السياق كذلك قوله تعالى:

 

وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴿٤٨﴾‏ العنكبوت

 

ويفهم أصحاب الاتجاه المعارض هذه الآية على أنها تنفي عن النبي عليه السلام ممارسة تلاوة الكتب السابقة على القرآن وكتابتها، دون أن يلزم من ذلك نفي قدرته على القراءة والكتابة.

 

في المقابل، يفهم أصحاب الاتجاه التراثي الآية على نحو مباشر، باعتبارها قرينة على أن النبي عليه السلام لم يكن يعرف القراءة والكتابة.  

 

وهنا تظهر أهمية التمييز بين نفي الممارسة السابقة للكتابة والقراءة وبين نفي القدرة عليهما أصلًا؛ فهما قضيتان غير متطابقتين من الناحية المنطقية، ورغم ذلك فقد ربط التفسير التراثى بينهما.

 

ثانيًا: ماذا يعني وصف النبي عليه السلام بأنه «أمي»؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يربط التفسير الشائع في التراث كلمة «أمي» بعدم معرفة القراءة والكتابة، كما سبق أن ذكرنا. بينما يرى أصحاب الاتجاه المعارض أن «الأميين» في القرآن هم من لم يكونوا من أهل الكتاب، أي الذين لم ينزل عليهم كتاب سماوي.

 

ويستدل أصحاب هذا الرأي بقوله تعالى:

 

وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ﴿٢٠﴾‏ آل عمران

 

وكذلك قوله تعالى:

 

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴿٧٥﴾‏ آل عمران

 

وعلى ضوء هذا الفهم يكون التقابل في الآيتين بين «الذين أوتوا الكتاب» و«الأميين»، وليس بين من يعرفون القراءة والكتابة ومن يجهلونها.

 

غير أن أنصارالتفسير التراثي يستدلون على خلاف ذلك بقوله تعالى:

 

وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴿٧8﴾ البقرة

 

فإذا كان «الأميون» هم الذين لم ينزل عليهم كتاب سماوي، فكيف يصف القرآن فريقًا من أهل الكتاب بأنهم «أميون»؟

 

قد يُستدل بهذه الآية على أن وصف «الأمي» يمكن أن يُطلَق أيضًا على بعض المنتسبين إلى أهل الكتاب، وهو ما يستند إليه أصحاب التفسير التراثي في القول بأن الأمية لا تتعلق بانتماء الموصوف بها إلى أهل الكتاب أو إلى غيرهم، وإنما تدل في أصل دلالتها على عدم معرفة القراءة والكتابة.

 

غير أن الآية، في تقديري، لا تقتضي هذا الاستنتاج بالضرورة؛ إذ يمكن أن يكون وصف بعض اليهود بالأميين راجعًا إلى موقفهم من الكتاب، من حيث إعراضهم عنه وتنكرهم لما جاء فيه من شرائع وأحكام، حتى غدوا وكأنهم لم يُؤتَوا كتابًا أصلًا. ومن ثم ألحقهم الله بالأميين في هذا الوصف، ليس لأنهم يجهلون القراءة والكتابة، وإنما لتساويهم وإياهم في  افتقاد الهداية والإعراض عما جاء فى الكتاب.

 

وعلى هذا الفهم، لا يلزم من وصف «الأمية» أن يكون المراد به عدم معرفة القراءة والكتابة؛ إذ يمكن أن يُفهم «الأمي» في السياق القرآني على أنه من ينتسب إلى قوم لم ينزل عليهم كتاب سماوي. وأما ورود وصف «الأميين» في سياق الحديث عن بعض أهل الكتاب، فيمكن حمله على حالهم من جهة إعراضهم عن الكتاب وتنكرهم لأحكامه، حتى صاروا ــ من هذه الجهة ــ بمنزلة من لم يؤتَ كتابًا أصلًا، فاستووا مع الأميين في هذا الجانب.

 

ثالثًا: من كتب القرآن في عهد النبي عليه السلام؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرواية التراثية المشهورة تقول إن النبي عليه السلام كان يستعين بعدد من الصحابة في كتابة الوحي، وإن آيات القرآن كانت تُكتب على الأحجار واللخاف والقُحف ، ثم جُمعت بعد وفاته في عهد أبي بكرالصديق، وبعد ذلك جرى توحيد المصاحف في عهد عثمان بن عفان.

 

أما أصحاب الرأي المعارض، فيرون أن النبي عليه السلام كان الكاتب الأصلي للقرآن الكريم، وأنه لم يدونه على قحف أو لخاف وإنما دونه فى صحف ، مستندين في ذلك إلى ورود لفظ الصحف فى القرآن الكريم ،كما يؤكدون شيوع استخدام الصحف في تدوين النصوص والوثائق في ذلك العصر، ومن أمثلة ذلك استعمالها فى كتابة المعلقات السبع وصحيفة مقاطعة بني هاشم، والصحيفة التي وجدها عمر بن الخطاب عند أخته وزوجها، فضلًا عن الرسائل التي بعث بها النبي عليه السلام إلى الملوك والحكام.

 

فهل يُعقل أن تتوفر الصحف لكل هذه الأغراض وتعزعلى القرآن؟ أم يُفترض أن الرسول عليه السلام كان يخصّ المسلمين الجدد بالمدون فى الصحف، ويحتفظ لنفسه بما كتب على القحف والأحجار؟!!!!

 

ويؤكدون أيضا أن ما قام به الصحابة لم يكن سوى نسخٍ ونقلٍ لما كان قد كتبه النبي عليه السلام.

 

و بالإضافة إلى ماسبق يستند أصحاب هذا التصورإلى قوله تعالى على لسان المشركين:

وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٥﴾‏

 

أى أن المشركين أنفسهم نسبوا إلى الرسول كتابة القرآن بنفسه، فالعبارتان الكريمتان( اكتتبها وتملى عليه)  يستدل بهما أنه عليه السلام كان يقرأ ما يملى عليه ويكتبه بما يفيد أن النبي كان يستطيع القراءة والكتابة.

 

وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة المتعلقة بآلية كتابة الوحي وحفظه.

 

وأرى أن الفقرة التالية- التى فتح الله على بها- ستوضح بما لايدع مجالا للشك أن الرسول عليه السلام كان يقرأ ويكتب وهو الذى كتب القرآن بيده الشريفة وإلا فإن القول بخلاف ذلك سيجعل مسألة كون القرآن الكريم محفوظا حفظا قطعى الثبوت محل تساؤل و نظر.

 

إذا كان الرسول عليه السلام ــ كما تقول الرواية التراثية ــ أميًا لا يقرأ ولا يكتب، فكيف كان يتحقق بنفسه من أن كتبة الوحي كانوا يكتبون ما يمليه عليهم حرفيًا دون زيادة أو نقصان أو تغييرأو تحريف؟ وكيف كان يراجع ما كُتب وهو لا يستطيع قراءته؟ ومن أين له أن يتأكد أن الكاتب لم يبدّل كلمة أو يسقط عبارة أو يخطئ في النقل؟

 

ثم كيف كان يتم تحديد مواضع الآيات وترتيبها؟ هل كان الرسول ينتظر نزول كل آية ليقول للكتبة: ضعوا هذه الآية هنا، وتلك هناك كما تقول الروايات؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الدليل على أن هذا الترتيب كان محفوظًا بدقة منذ البداية ؟

 

وهنا يثار السؤال الجوهرى: إذا كانت سلامة النص تعتمد ــ ولو جزئيًا ــ على افتراض أمانة ومهارة أشخاص كانوا يكتبون الوحي، فكيف يُقال إن القرآن محفوظ بصورة قطعية، بينما هؤلاء بشر يخطئون ويصيبون؟ بل إن الروايات نفسها تتحدث عن أشخاص كتبوا للنبي ثم ارتد بعضهم، وعن أفراد نُسب إليهم الادعاء بأنهم كانوا يحرفون بعض ما كان يمليه عليهم.

 

وإذا كان الوحي الإلهي يعتمد في إحدى مراحل تدوينه على بشر لا يُفترض فيهم العصمة، فما الذي يضمن لنا أن النص الذي بين أيدينا هو بالضبط ما أُنزل، لا ما استطاع أولئك البشر كتابته ونقله؟

 

فإن قيل: «لأن الله تكفّل بحفظه»، فهذه ليست إجابةً عن السؤال، بل هي افتراضٌ مسبقٌ لصدق النتيجة التي يُراد إثباتها؛ إذ إن الاحتجاج بحفظ الله للنص يفترض أولًا ثبوت هذا الحفظ، وهو عين محلّ النزاع. ومن ثمّ، فالاستدلال بهذه المقدمة ينطوي على دورٍ منطقي؛ لأنه يجعل ثبوت النتيجة أساسًا لإثباتها.

 

فهل يمكن حقًا أن تُوصف معجزة الإسلام الأساسية بأنها محفوظة حفظًا قطعى الثبوت، ثم يُطلب منا في الوقت نفسه أن نضع ثقتنا في  كتبة  يخطون ما يمليه عليهم رسول لايعرف القراءة والكتابة؟!!!!

 

ومن هنا أذهب إلى أن  الإقرار بمعرفة النبي عليه السلام بالقراءة والكتابة يقدّم تفسيرًا أكثراتساقا لكيفية مراجعته للنص المكتوب ،وإشرافه المباشر على تدوينه وضبطه، وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنه كان الكاتب الأصلي للوحي، وفق كيفية توقيفية تلقّاها بإلهام إلهي من العليم الحكيم، مكّنته من معرفة هجاء الكلمات، وكتابة الآيات، وترتيبها في مواضعها على الوجه الذى أوحى إليه  به، من غير حاجة إلى وسائط بشرية يسمونهم كتبة الوحي.

 

إن التسليم بأن الرسول عليه السلام كان يعرف القراءة والكتابة يعد الضمان الأساسى للقول بوصول القرآن الكريم إلينا محفوظًا حفظًا قطعيًا، مطابقًا تمام المطابقة لما أنزله الله تعالى على نبيه عليه السلام.

 

رابعًا: هل كان القرآن مجموعًا في عهد النبي عليه السلام؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سُئل محمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس عمّا تركه رسول الله عليه السلام، فقيل: «لم يترك إلا ما بين الدفتين».

 

ويُفهم من ذلك أن رسول الله عليه السلام انتقل إلى الرفيق الأعلى وقد ترك القرآن معلوم الآيات والسور، مجموعًا في صحف، مكتوبًا ومرتبًا، له بداية ونهاية، وليس نصًا متفرقًا لم تكن له حدود أو ترتيب معروف.

 

وحدث أن استُشهد عدد كبير من حُفّاظ القرآن في معركة اليمامة، فخشي أبو بكر الصديق أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حملته، فبادر إلى جمعه في مصحف واحد.

 

ولم يكن هذا الجمع إنشاءً لنص جديد، ولا ترتيبًا للقرآن من عند أبي بكر، وإنما كان توثيقًا وجمعًا لما كان مكتوبًا ومحفوظًا ومتلقىً عن رسول الله عليه السلام.

 

فاعتمد الصحابة في ذلك على الصحف التى كتبت  في عهده عليه السلام ، مع التثبت والمراجعة بما كان محفوظًا في صدورهم ، حتى جُمعت سور القرآن وآياته في مصحف واحد.

 

ثم بقي هذا المصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر بن الخطاب ، ثم أودع عند أم المؤمنين حفصة.

 

خامسًا: جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

وعندما أراد المسلمون في عهد عثمان بن عفان الحد من الإختلاف فى لهجات قراءة القرآن الكريم، اعتمدوا على المصحف المحفوظ لدى حفصة ، فأمر عثمان بنسخه في مصاحف متعددة، ثم أرسل نسخًا منها إلى مختلف الأمصار.

 

ويُفهم هذا الإجراء باعتباره توحيدا للمصاحف وفق الرسم والنص المعتمدين؛ إذ أُقصيت النسخ التي كُتبت وفق قواعد الإملاء المعتادة، ووُضع حدٌّ للاختلاف في وجوه القراءة، والذي كان قد اتسع نطاقه مع انتشار الإسلام بين القبائل العربية ذات اللهجات المتنوعة. ومن ثم، لم يكن هذا الإجراء إنشاءً لقرآن جديد أو تغييرًا في نصّه، وإنما كان توحيدًا للمصاحف على النص المعتمد لدى جماعة المسلمين.

 

وعليه، فالقرآن لم يكن منذ عهد النبي عليه السلام نصًا مبعثرا مجهول البداية والنهاية ،أو تم جمعه بعد وفاته من روايات متفرقة، بل كان كتابًا معلوم الآيات والسور، تلقاه الصحابة عنه عليه السلام ، فحفظوه في صدورهم، وكُتبت آياته في حياته، ثم جُمعت الصحف المكتوبة في مصحف واحد في عهد أبي بكر ، بعد التثبت والمراجعة، ثم نُسخت منه المصاحف في عهد عثمان.

 

وفوق ذلك، ارتبط القرآن بممارسة جماعية يومية من التلاوة في الصلوات والعبادات إلى التعليم والحفظ، مما أسهم في انتشاره الواسع وتعزيز حفظه وتداوله عبر الأجيال.

 

وبهذا انتقل القرآن في الأمة نصًّا محفوظًا متواترًا، اجتمع فيه حفظ الصدور وحفظ السطور، وتلقّته الأجيال جيلًا بعد جيل إلى يومنا هذا. وهو المصحف نفسه الذي جُمع في عهد أبي بكر، ثم نُسخت منه المصاحف في عهد عثمان ووُزّعت على الأمصار، وليس كما يزعم  التراثيون أنه وصل إلينا عبر روايات فردية من زيد عن عبيد.

 

سادسًا: الرسم القرآني وخصائص المصحف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرسم القرآني أو ماعرف بالرسم العثمانى له خصائص إملائية تختلف في مواضع كثيرة عن الإملاء العربي الحديث، ولا تزال بعض جوانبه محل بحث لغوي وتاريخي حتى الآن.

 

فمن االملاحظ في المصحف اختلاف رسم بعض الكلمات عن الإملاء العربي المعاصر، مثل: «الرحمن»، «الملئكة»، «فكهين»، «النجوة»، «الصلوة»، و«السموات»، حيث يظهر في بعضها حذف الألف أو إستبدال الواو بها، إلى جانب خصائص كتابية أخرى ارتبطت بالرسم القرآني.

 

وقد فسر بعض الباحثين هذه الظواهر باعتبارها من خصائص الرسم العربي القديم،  غير أن قصرها على البعد الإملائي أو التاريخي وحده قد لا يستوعب جميع دلالاتها؛ إذ يمكن دراستها في إطار منظومة الرسم القرآني، ولا سيما في ضوء القول بتوقيفية هذا الرسم. ومن ثمّ، فإن هذه الظواهر تفتح مجالًا للبحث في طبيعة العلاقة بين بنية النص القرآني ورسمه، و فى مدى اتصال ذلك بكيفية تدوينه على يد الرسول عليه السلام.

 

ومن هنا ظهرت دراسات تتحدث عن وجود نظام عددي أو تناسق حسابي يرتبط بعدد الحروف والكلمات وطرق كتابتها.

 

ولكن هذه الفرضيات تحتاج إلى دراسة علمية دقيقة تقوم على منهج واضح في تحديد النص، وقواعد العد، وضبط الكلمات والرسم، حتى يمكن التمييز بين النتائج الموضوعية وبين الأنماط العددية التي قد تظهر مصادفة.

 

خاتمة

 

عندما شرعتُ في كتابة هذا المقال، كنت حريصًا على الالتزام بالحياد قدر الإمكان، وعرض مختلف الآراء والتصورات بعيدًا عن أي انحياز مسبق. إلا أن البحث المتعمق والنظر في الأدلة المتاحة وجَّهانى في نهاية المطاف إلى قناعة فرضت نفسها عليّ، ولم أجد سبيلًا إلى تجاهلها.

 

فقد تبيّن لي أن الرأي القائل إن الرسول عليه السلام لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وإنه كان يملي آيات القرآن على كتبةٍ من الصحابة، وإن القرآن ظل في عهده متفرقًا في العُسُب واللِّخاف ونحوها، لا يستند في أدلته إلا إلى الروايات التاريخية الظنية وما نقلته كتب التراث، ولم يُقدِّم سوى دليلٍ قرآني واحد، وحتى هذا الدليلٌ يظل محلَّ نظرٍ ومناقشة.

 

وفي المقابل، يستند الرأي القائل -بأن النبي عليه السلام كان يقرأ ويكتب، وأن القرآن كُتب على يده بتوجيهٍ رباني، وأنه عليه السلام انتقل إلى الرفيق الأعلى وقد ترك القرآن مجموعًا ومحفوظًا في صحف-  إلى جملة من الآيات القرآنية والقرائن والدلالات التي تبدو أكثر اتساقًا مع النص القرآني، وأقرب إلى مقتضيات العقل والمنطق.

 

ومع ذلك، أقول إن اختلاف الرأي في هذه المسائل لا يبرر الخصومة أو التكفير والتخوين، بل يستدعي بحثًا هادئًا يميز بين نصوص القرآن ، وبين الروايات التاريخية، وبين ما يدخل في نطاق التفسير والاجتهاد والاستنباط.

 

فالاختلاف في طريقة تناول المصادر لا ينبغي أن يكون مدعاةً للخصومة، كما أن التمسك برأيٍ سبق أن اعتاده المرء لا ينبغي أن يمنعه من إعادة النظر فيه إذا ظهر له من الأدلة ما يستحق النظر، أو تبين له أن قراءةً أخرى للنصوص أكثر اتساقًا وأقوى حجة.

 

وفي نهاية المطاف، ليست الغاية أن ينتصر رأيٌ على آخر، ولا أن ينتصر المرء لنفسه أو لما ألفه من أفكار، وإنما الغاية أن نقترب من الحقيقة قدر استطاعتنا، وأن نكون مستعدين لمراجعة ما نعتقده متى ظهر لنا من الأدلة ما يدعو إلى ذلك.

 

فالحق أحق أن يتَّبع، والوصول إلى الصواب أولى من الانتصار للرأي.

 

قال تعالى:

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)ق

صدق الله العظيم