صندوق النذور أم صندوق الانتخاب: أين تقع أزمتنا الحقيقية؟
اتصل بي صديقي: أنت فين يا عمنا؟ غايب بقالك أسبوع، مش ظاهر على الشاشة، ومتاخد غياب؟
قلت:
يا هلا يا غالي. في مشوار، ولما أرجع هأقول لك عليه.
وبعد أن رجعت إلى البيت، جاءني قائلًا:
بعد السلام ووو... أنت فين يا باشا؟
قلت له:
كنت في رحلة استكشافية ميدانية، أشوف أوضاع الناس على الطبيعة في الظروف الصعبة دي. واخترت أماكن يكون فيها الناس في أضعف حالتهم النفسية، ويتكلمون بصراحة ووضوح، ومن غير ما حد يسألهم.
فقال صديقي:
وهي فين الأماكن دي؟
قلت:
في الأضرحة والمقامات، وفي الأديرة وأماكن يوقدون فيها الشموع للآباء الكهنة والقساوسة، ويتوسلون إليهم.
قال صديقي:
شوقتني... احكي بسرعة، وجدت إيه؟
قلت:
عند السيد البدوي:
لقيت راجلًا عجوزًا مُسنًّا وزوجته، وزوجة ابنه وأحفاده، يبكون أمام الضريح.
وكان الرجل يقول: يا سيدي أحمد يا بدوي، أنت كنت بتجيب الأسرى وتخلّصهم من أيدي الأعداء. وحياة جدك النبي، تخلّص لي ابني من السجن. أخدوه ظلم، والله، وإنت عارف إني ما بأكدبش عليك. وقطعوا مرتبه، وكان هو اللي بيرعانا وبيصرف علينا أنا وأمه وأولاده، ومعاشي مش مقضّينا عيش حاف.
وحياة حبيبك النبي، تخلّص لي ابني من إيديهم وتفك أسره.
وانفتح الرجل وأحفاده في البكاء، ووقع الرجل مغشيًّا عليه، ودخل في غيبوبة.
وعند إبراهيم الدسوقي:
لقيت ولدًا شابًّا متخرجًا، ومقدّمًا على هجرة، وبيسقط في امتحانات الإنجليزي، وقاعد يدعي ويقول:
يا سيدي إبراهيم، أنت كنت بتتكلم 73 لغة، وكنت بتتكلم مع تماسيح النيل. ساعدني أتعلم إنجليزي كويس وأنجح في الامتحان علشان أهاجر.
إنت شايف أكتر مني ومننا كلنا إن إحنا مش لاقيين شغل، ولا عارفين نعيش هنا. طيب نعمل إيه؟ نسرق، ولا نعمل إيه؟
عايز أهاجر علشان أعرف أعيش وأساعد أهلي وإخواتي يا سيدي إبراهيم. إنت عارف إني من مريديك، بالله عليك ساعدني.
ولقيت بنتًا عروسة، وأمها وزوجها وحماتها، مفطورين من العياط، وعمّالين يقولوا له:
يا سيدنا، إنت طلعت طفلًا من بطن تمساح النيل، وجبت التمساح وخليته يلفظ الطفل قدامك... بحق كرامتك، دلّنا على مكان ابني.
ابني اتخطف من قدام البيت وهو بيلعب في الشارع، وفصّ ملح وداب واختفى، وبقى لنا سنتين دايخين عليه ومش لاقيينه.
وعند الحسن الشاذلي:
لقيت شبابًا صيادين بينزلوا البحر بمركب قديمة يصطادوا، والمركب ما عادتش تقدر تقاوم الرياح والأمواج العالية.
فبيطلبوا المدد من الشاذلي، يمدّهم بسر من أسراره اللي كان بيوقف بها الرياح والأمواج في البحار، علشان يقدروا يصطادوا ويعيشوا.
لأنهم مش قادرين يجدّدوا المركب، ولو قعدوا في البيت هيجوعوا هم وأولادهم، والدولة ما بتساعدش حد، ولا كمان سايباهم في حالهم.
وعند أحمد الرفاعي:
لقيت ناسًا كتير جاية تستغيث به، يخلّصهم من الثعابين السامة والعقارب التي اجتاحت بلادهم وبيوتهم ومزارعهم، وقتلت نساءً وأطفالًا من بلادهم.
وما زالوا في خطر، وخايفين يسرّحوا في أرضهم وغيطانهم أو ينضفوا المصارف، خوفًا من ثعابين الكوبرا المنتشرة.
وده لأنه كان مشهورًا بأنه كان يستطيع التعامل مع الثعابين وترويضها والإمساك بها والتخلص منها.
وعند عبد الرحيم القناوي:
لقيت عواجيز وشبابًا، وكل منهم له مطالب.
العواجيز بيطلبوا منه أن يبارك لهم في طعامهم، لأنهم ما عدوش قادرين يشتروا أكلًا وشربًا يكفي أولادهم وأهلهم.
فعايزينه، لأنه كان مشهورًا ببركة الطعام بين يديه، أن يبارك لهم أكلهم وشربهم؛ يعني كيلو رز يكفي يأكل العيلة كلها، أو 5 أرغفة عيش تأكل العيلة طول اليوم.
ولقيت شبابًا، بسبب فقرهم وبؤسهم وإحباطهم، يتوسلون إليه أن يدلّهم ويرشدهم إلى أماكن كنوز الفراعنة من مساخيط وذهب ومجوهرات مدفونة تحت بيوتهم؛ لأنهم على الجَنْط، ومفيش شغل ولا في أمل يلاقوا شغل في السنين البيضا دي.
وعند علي الخواص ــ خليفة إبراهيم المتبولي:
لقيت رجلًا كبيرًا مُسنًّا وزوجته بيعيطوا، ويقولوا:
طول عمرنا بنحوش علشان نطلع نحج أو نروح عمرة، وعلى ما طلعت على المعاش، جمعت فلوس تحويشة العمر مع فلوس مكافأة الشغل، لقيتهم مش مكملين نصف تكلفة رحلة لواحد مننا، حتى في قرعة الحج بتاعة الدولة.
طيب نقول إيه؟ نعمل إيه؟
إحنا سمعنا إنك إنت وسيدي إبراهيم المتبولي، وسيدي عبد القادر الجيلاني، كنتوا بتندهوا على الكعبة، وهي اللي تيجي لكم وتحج هي وتطوف حواليكم.
فهل ممكن يا سيدي تخلي الكعبة تيجي لنا مصر كل شهر يومين هنا، في صحراء فاضية من صحارى الشرقية أو سيناء، ونروح نعمل عمرة هنا ونطوف حواليها، ومعها الصفا والمروة؟
إحنا ملايين من حبايبك في مصر، مش قادرين نروح نعمل عمرة.
اعمل معروف وهات لنا الكعبة هنا يومين كل شهر.
شركات السياحة موتتنا، ومش قادرين على فلوسها.
وفي مولد مار جرجس:
لقيت بنتًا في الثلاثينات، قايدة شمع وعمّالة تعيط بحرقة، وتقول:
أنا بآجي لك كل سنة، وبأقيد لك شموع، وبأتبرع بفلوس ودهب لك.
أنا متزوجة من 5 سنين، والدكاترة قالوا لي أنا وزوجي مش هنخلف خالص.
وإنت عارف إن ما عندناش طلاق، يعني هنعيش ونموت من غير أولاد.
وأنا عايزة أبقى أم، وهو عايز يبقى أب، وما ينفعش نتبنى طفل. إحنا عايزين أولاد مننا إحنا.
نعمل إيه؟
ساعدنا، حلّ لنا عقدتنا إحنا من رعاياك.
بحق يسوع، وبحق العدرا، حلّي لنا المشكلة.
وعند ((حنكوش)) من حناكيش أضرحة الريف المصري:
لقيت امرأة أربعينية تبكي وتقول:
أخويا ظلمني في ميراثي، وأنا زوجي متوفى وبأربي أيتام، ومرتبي ومعاش زوجي مش مكفّييننا أكل وشرب ومدارس وعلاج.
وبيهددنا بابنه ظابط في مباحث مدينة في نفس المحافظة.
والمحامين بيجاملوه وخايفين يرفعوا لي قضية علشان ابنه.
أنا بآجي لك هنا وباقرأ لك الفاتحة على طول، وبأنضف الضريح بتاعك كل ما آجي أقرأ لك الفاتحة.
يا سيدى خلّيه يديني ميراثي، ونذر عليّ لو إداني الميراث لأحط منه 10 آلاف جنيه في صندوق النذور بتاعك.
قال صديقي:
كفاية... كفاية!
إيه المعاناة الممزوجة بالجهل دي كلها؟
أنا عارف إن لك موقفًا دينيًّا رافضًا للأضرحة والقبور والصوفية، والاقتراب منهم والتوسل بهم عمومًا.
لكن إيه المشاكل دي؟ وتتحل إزاي؟
قلت له:
بصناديق الانتخابات.
قال صديقي:
صناديق انتخابات إيه؟ وإزاي؟
قلت له:
هذه مشاكل اجتماعية كلها مرتبطة بأزمة الفقر، وبأزمات كيفية إدارة البلد سياسيًّا واقتصاديًّا.
فكل المطلوب لحلها هو: الامتناع عن التصويت في الانتخابات التشريعية والبرلمانية والرئاسية القادمة، إذا جاءت بنفس الطرق السابقة في اختيار المرشحين.
وبفرض إرادة الناس فى إختيار برلمانيين متعلمين وصالحين، وبرئيس له رؤية وتوجهات واضحة للإصلاح، عرفت أن علاج مشاكلهم بيبدأ منين وينتهي فين.
==
وهنا نسأل سؤالًا لأهلنا من البسطاء الطيبين:
بقالكم قرون تطلبون العون والمدد وحل المشاكل ووووو... من أصحاب الأضرحة والمقامات والأديرة والكنائس الكبرى.
فهل سمعكم أحد ،وهل استجاب لكم أحد منهم؟
هل يستطيعون دفع الضر عن أنفسهم لو طفحت عليهم مياه جوفية أو مياه مجاري؟
هل يستطيعون أن ينظفوا هم أضرحتهم بطريقة ذاتية مثلًا؟
هل يستطيعون إضاءة مصابيح ولمبات كهرباء الضريح لو انقطع تيار الكهرباء عنها؟
إنهم لا يسمعونكم، ولا يستجيبون لكم، ولن يستجيبوا لكم.
يبقى إيه لازمة التوسل بهم، أو تقديم النذور إليهم؟
﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۗ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾
(فاطر: 14)
دول ما لهمش أي لازمة، ولا يقدروا يعملوا أي حاجة لكم ولا لهم.
==
ياريت نفوق بقى، ونصحح تديننا، ونصحح حياتنا الاجتماعية بأساليب تصحيحها السليمة، وأولها:
صندوق انتخابات نظيف ونزيه ومحترم .