خيارٌ مؤجّل
خيارٌ مؤجّل... حين يصبح الحب في وقت الفراغ

د.محمد العودات في الثلاثاء ٠٧ - يوليو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

خيارٌ مؤجّل... حين يصبح الحب في وقت الفراغ
 
عشر سنواتٍ نحتنا خلالها من الصخر بيتًا، وبنينا من التعب حياةً، وتقاسمنا تفاصيل العمر بين أفراحه وأوجاعه، حتى غدونا نظن أن ما جمعنا قد تجاوز حدود الزمن، وصار جزءًا من تكوين أرواحنا.
 
لكنني أقف اليوم على ضفاف شعورٍ لم أتخيل يومًا أن أعرفه؛ أشعر أنني انتقلت في حياة زوجتي من أولويةٍ لا ينازعها شيء إلى خيارٍ مؤجل، ومن الإنسان الذي يُصنع له الوقت إلى الشخص الذي يُمنح ما يتبقى منه. وكأن الحب الذي كان يومًا محور الحياة، أصبح بندًا يُؤجَّل حتى تنتهي قائمة الالتزامات.
 
مع إشراقة كل صباح، تبتلعها دوامة المسؤوليات، وتتزاحم عليها الأعمال والواجبات، فأبقى واقفًا في آخر الصف، أنتظر لحظة هادئة، أو دقيقة عابرة، أو كلمة تأتي بعد أن يستنزف اليوم كل ما فيها من طاقة. وليس أكثر إيلامًا من أن يشعر الإنسان أن وجوده العاطفي أصبح مؤجلًا إلى حين انتهاء كل شيء آخر.
 
وهنا يكمن أحد أخطر التحولات التي قد تصيب العلاقات الطويلة؛ فخ الاعتياد الآمن. فبعد سنواتٍ من الزواج، يتحول الشريك في نظر شريكه من حلمٍ يُسعى إليه إلى حقيقةٍ مضمونة لا يُخشى فقدانها. وما إن يصبح الحب مضمونًا، حتى يبدأ العقل – دون قصد – في تأجيله، كما نؤجل قراءة كتاب نملكه لأننا نوقن أنه لن يغادر رفوفنا.
 
لكن القلوب لا تُشبه الكتب، ولا المشاعر تُحفظ بمجرد امتلاكها.
 
وأحيانًا أتعجب من أنفسنا؛ فنحن نراقب بطارية الهاتف كل بضع دقائق، ونبحث عن الشاحن قبل أن تصل إلى الصفر، لأننا نخشى انقطاع الاتصال بالعالم. لكننا قد لا ننتبه إلى بطارية قلب من نحب، حتى تصل إلى مرحلة الصمت. الغريب أننا نعرف موعد شحن أجهزتنا جيدًا، لكننا ننسى أحيانًا أن بعض القلوب تحتاج إلى كلمةٍ صغيرة فقط كي تستمر.
 
 
المؤلم في الإهمال العاطفي أنه لا يأتي على شكل قرارٍ واضح، فلا أحد يستيقظ صباحًا ويقول: "سأهمل من أحب". إنه يتسلل بهدوء؛ رسالة لم تُرسل، سؤال لم يُطرح، جلسة تأجلت، واهتمام قيل عنه: "لاحقًا". ومع مرور الوقت، تتحول تلك التفاصيل الصغيرة إلى مسافةٍ كبيرة لا يشعر بها أحد إلا من يقف في الطرف الآخر منها.
 
والأمر الأكثر غرابة أننا نؤمن على سياراتنا، ونأخذها للصيانة الدورية، ونقلق من صوتٍ غريب يصدر من المحرك... لكننا أحيانًا لا ننتبه إلى صوتٍ خافت يصدر من قلب الشخص الذي يعيش معنا كل يوم. فالسيارة إذا تعطلت نبحث لها عن ميكانيكي، أما القلب إذا تعب فقد يختار الصمت.
 
 
وأعترف أنني ضحكت من نفسي يومًا حين خطر لي خاطرٌ ساخر: لعل حظي كان سيكون أفضل لو كنت جهازًا منزليًا! فالأجهزة تُفحَص دوريًا، ويُسارع الجميع إلى صيانتها عند أول عطل، أما الإنسان، فما دام واقفًا ويؤدي دوره، فقد يُفترض أحيانًا أنه بخير، وكأن القاعدة أصبحت: "يعمل بكفاءة... لا حاجة للاهتمام به الآن."
 
ربما العلاقات تشبه الأنظمة الإلكترونية؛ لا يكفي أن تعمل منذ عشر سنوات دون توقف، فهي تحتاج إلى تحديثات مستمرة. فالنظام الذي لا يحصل على تحديثات يبدأ بالتباطؤ، وكذلك القلب الذي لا تصله جرعات الاهتمام يبدأ بالابتعاد، حتى لو بقي يعمل في الظاهر.
 
 
الحب لا يذبل بسبب مرور السنوات، بل يذبل عندما يتحول إلى أمرٍ مفروغٍ منه. وعندما يصبح الشريك حاضرًا بالجسد وغائبًا عن سلم الأولويات، تبدأ العلاقة في فقدان دفئها، ولو بقيت قائمةً في ظاهرها.
 
إن أكثر ما يؤلم ليس كثرة الانشغال، فالحياة لا ترحم أحدًا، وكلنا نحمل ما يكفي من الأعباء. المؤلم حقًا أن يصبح الانشغال هو القاعدة، بينما يتحول الحب إلى الاستثناء. فلا أحد يملك وقتًا فائضًا؛ نحن نصنع الوقت لما نمنحه قيمة. وما نختار أن نقتطع له دقائق من ازدحام أيامنا، هو ما يكشف حقيقة مكانته في قلوبنا.
 
ولهذا فإن الحب الحقيقي لا ينتظر نهاية اليوم حتى يبدأ، ولا يؤجل نفسه إلى ما بعد انتهاء المسؤوليات، لأنه ليس مكافأةً بعد التعب، بل هو ما يمنح الإنسان القدرة على احتمال ذلك التعب. إنه الاستراحة التي نتنفس بها، لا المهمة الأخيرة التي نؤديها قبل النوم.
 
ومن أشد أشكال الوحدة قسوةً أن يعيش الإنسان مع من يحب تحت سقفٍ واحد، بينما يشعر أن روحه تسكن سقفًا آخر. فالوحدة لا تعني دائمًا غياب الأشخاص، بل قد تعني غياب الحضور الحقيقي، حتى وإن جمع بينهما بيتٌ واحد، ومائدةٌ واحدة، وسريرٌ واحد. عندها تتحول العلاقة، شيئًا فشيئًا، من حياةٍ مشتركة إلى مؤسسةٍ تدير الواجبات اليومية، بينما تغيب عنها حرارة المشاعر.
 
ومن المفارقات أننا قد ننتظر ساعة كاملة في مطعم جديد لأننا نعتقد أن التجربة تستحق الانتظار، لكننا قد لا نمنح الشخص الذي شاركنا عشر سنوات من عمرنا دقائق قليلة من الحضور الحقيقي. أحيانًا نعطي الغرباء أفضل نسخة من وقتنا، ونمنح من نحب ما تبقى منه.
 
 
وفي هذا المناخ البارد تصاب العلاقة بما يمكن تسميته شلل اللهفة؛ فاللهفة لا تموت دفعةً واحدة، بل تتآكل بصمت، حين يصبح التعبير عن الحب مرتبطًا بوجود وقتٍ فارغ. بينما العلاقات الحية لا تنتظر هدوء العاصفة، بل تصنع دفأها في قلبها. كلمةٌ عابرة، رسالةٌ قصيرة، لمسة يد، أو نظرة امتنان... كلها تفاصيل صغيرة، لكنها تحفظ للقلب يقظته، وللعلاقة نبضها.
 
إنني لا أبحث عن المستحيل، ولا أطلب أن تتوقف الحياة من أجلي. كل ما أريده ألا أكون آخر ما تتذكره بعد أن ينتهي كل شيء. أريد أن أشعر أن لي مكانًا ثابتًا في يومها، لا أن أكون فكرةً عابرة تستدعى عندما تسمح الظروف. أريد أن أكون جزءًا من تفاصيل الحياة، لا مكافأةً مؤجلة بعد انتهائها.
 
فالحقيقة أن الإنسان لا يطالب دائمًا بساعاتٍ طويلة من الاهتمام، بل يبحث عن ذلك الشعور البسيط بأنه ما زال مهمًا. أحيانًا لا نحتاج إلى يومٍ كامل، بل إلى دقيقةٍ واحدة نشعر فيها أننا لسنا عبئًا على جدول من نحب، وأن وجودنا ليس أمرًا مضمونًا فقط، بل أمرًا مُقدّرًا.
 
 
 
فالزواج بعد عشر سنوات لا ينبغي أن يتحول إلى شراكةٍ لإدارة المسؤوليات فقط، بل إلى ملاذٍ يجد فيه كل طرف راحته وسكينته. وإذا كان الجسد لا يستطيع أن يعيش دون نبضٍ مستمر، فإن العلاقة أيضًا لا تستطيع أن تحيا على بقايا الوقت، ولا على فتات الاهتمام.
 
إن أخطر ما يهدد العلاقات ليس الخلافات الكبيرة؛ فالخلاف غالبًا دليل على أن المشاعر ما زالت تقاوم. أما الإهمال الهادئ، فهو الموت البطيء الذي لا يُسمع له صوت، لكنه يترك أثره في القلب يومًا بعد يوم.
 
فأصعب ما يمكن أن يحدث في العلاقة ليس أن يقلّ الحب، بل أن يصبح أحد الطرفين مضطرًا إلى طلب الأشياء التي كان يتمنى أن تأتيه من تلقاء نفسها.
 
الحب لا يحتاج إلى وقتٍ فائض، بل إلى قرارٍ دائم بأن يبقى ضمن الأولويات. فمن نحبهم لا ينتظرون نهاية اليوم ليشعروا بقيمتهم، بل يحتاجون إلى أن يروها في تفاصيله كلها.
 
وفي النهاية، لا أحد يخاف من مرور السنوات، فالسنوات ليست عدو الحب. العدو الحقيقي هو أن يصبح وجود الإنسان مألوفًا إلى درجة أن يُنسى، وأن يتحول الشخص الذي كان يومًا وطنًا إلى زاويةٍ هادئة لا يزورها أحد إلا عند الحاجة.
 
فالحب لا يموت دائمًا بسبب الخيانة أو الرحيل... أحيانًا يموت من كثرة التأجيل.
 
وما بين "ليس الآن" و"لاحقًا" تضيع أجمل الأشياء؛ لأن القلب، مثل الزهرة، لا يذبل لأنه لم يُهدَ إليه شيء كبير، بل لأنه حُرم من الماء القليل الذي كان يحتاجه كل يوم.
 
فلا تجعلوا من يحبكم ينتظرون دورهم في حياتكم... فبعض القلوب حين تتعب من الانتظار لا ترحل غاضبة، بل ترحل صامتة.
 
 
وربما لا تكون أعظم هدية يقدمها الزوجان لبعضهما بعد سنواتٍ طويلة هي الهدايا أو الكلمات الكبيرة، بل أن يظل كل واحدٍ منهما يشعر، رغم ازدحام الحياة، أنه ما زال اختيارًا أول... لا خيارًا مؤجلًا.
اجمالي القراءات 105