من وحى الموقع
تزوير السنة النبوية

مصطفى اسماعيل حماد في الإثنين ١١ - مايو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

تزوير السيرة النبوية

يعداختلاق سيرة للنبى عليه السلام على يد ابن اسحق من أكبر الكوارث فى تاريخ الدين  الإسلامى .

 فالسيرة النبوية التى بين أيدينا كتبها ابن إسحاق بتوجيه من الخليفة العباسى المهدى - ثالث الخلفاء العباسيين ،وهى أقدم سيرة مدونة للرسول عليه السلام ،فلم تدون له سيرة  قبلها حيث افتراها ابن اسحاق فى القرن الثانى الهجرى.

كتب ابن اسحاق تلك السيرة إرضاءً للخليفة المهدى جاعلا شخصية النبى محمدعليه السلام  أشبه ما تكون بشخصية الخليفة المنصور العباسى الذى وطّد دعائم الدولة العباسية بالحديد والدم وإشتهر بالقسوة والغدر والتآمر وقتل الأسرى والعدوانية ،وهى الصفات التى خلعها الكذاب ابن اسحق على الرسول عليه السلام  وحاشاه أن يكون كذلك وهو من أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، ولنعط بعض الأمثلة.

يدعى الكذاب أن الرسول عليه السلام قتل الأسرى فى بدر(النضربن الحارث ) وكذلك قتل أسرى بنى قريظة والله تعالى يقول عن معاملة الأسرى: فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ(4)محمد.

 ويدعى أنه أرسل نفرا ليقتلوا عدوا له غيلة(كعب بن الأشرف) والله تعالى يقول وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴿٥٨﴾‏ الأنفال.

كما يزعم بأنه قتل امرأة كانت تقوم بهجائه (عصماء بنت مروان)والله تعالى يقول: وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾‏الأنعام .

ولسنا هنا بصدد ذكر كل ماافتراه ابن اسحاق على الرسول فهو كثير جدا ولكننا ركزنا على بعض صفات أبى جعفر التى خلعها الكذاب على الرسول فرسم له صورة مغايرة تماما لصورته الحقيقية .

هذه الصورة المفتراة هى الصورة التى يتذرع بها الحكام لتبريرإجرامهم وقسوتهم وتعطشهم لسفك الدماء حيث زعم ابن اسحاق أن الرسول عليه السلام –وحاشاه-كان قدوتهم فى فعل ذلك،وهى نفس الصورة التى يُشهرها أعداء الإسلام للنيل من شخص الرسول الكريم.

اختلق ابن إسحاق سيرته تلك زاعما أنه سمعها من رواة اشهرهم ابن شهاب الزهرى الذى ولد فى المدينة عام 58 –أى أنه لم يكن صحابيا-وقد كان ابن شهاب هذا خائنا لقومه من أهل المدينة حيث شهد وهو طفل مأساة قومه فى وقعة الحرة يوم انتهكت حرمة المدينة بالسلب والسبى والقتل وهتك الأعراض ورغم معايشته طفلا لهذه الأحداث إلا أن هذا لم يمنعه من أن يلتحق بدمشق ويعرض خدماته على الخليفةعبد الملك بن مروان الذى كان قد أعاد تأسيس وتوطيد الدولة الأموية بالحديد والنار، وطبقا لأوامر عبد الملك عاد ابن شهاب الزهرى الى المدينة لتلقى المزيد من علوم شيوخها.

ثم جاء عبد الملك بن مروان الى المدينة عام 75 يهدد أهلها- فى خطبة مشهورة- بأنه سيقطع عنق كل من يقول له ( إتق لله ) ،وعندما عاد الى دمشق إصطحب معه ابن شهاب الزهرى ليعمل متفرغا فى القصر كمعلم لأولاد عبد الملك .

ومات عبد الملك بن مروان عام 86 ، وقبيل موته بعام واحد كان ميلاد ابن اسحاق عام 85 أى أنه وقت مولد ابن اسحاق فى المدينة كان الزهرى قد تركها نهائيا ، وعاش مُنَعَّما فى بلاط الخلافة الأموية بدمشق يخدم الخليفة عبد الملك ، ثم يخدم ابنه الوليد بن عبد الملك الذى توفى عام 96 ثم الخليفة سليمان بن عبد الملك المتوفى عام 99 . ثم عمر بن عبد العزيز المتوفى 101 ثم يزيد بن عبد الملك (يزيد الثانى ) المتوفى عام. 105 ثم هشام الذى مات عام 125 والذى مات قبله الزهرى بعام واحد سنة 124 .

 أى إنه أثناء تفرغ الزهرى لخدمة الأمويين فى دمشق كانت ولادة ابن اسحاق فى المدينة عام 85 وأثناء طلب ابن اسحاق للعلم على أيدى علماء المدينة فيما بين ( 99/124)كان الزهرى بعيدا فى قصور الأمويين فى دمشق الى أن مات عام 124 . فأين التقيا ؟ معنى ذلك أن ابن اسحاق كان يكذب فى كل رواياته التى كتبها فى العصر العباسى بعد موت الزهرى مدعيا أنه سمعها منه،وكما كذب على الزهرى فبالتأكيد قد كذب على غيره .

من الأمثلة الصارخة للتزوير حادثة الإفك التى لاتمس السيدة عائشة لامن قريب ولامن بعيد واقرءوا سورة النوربتدبر تجدوا أن الأحداث كانت تتعلق باختلاط المهاجرين والأنصاروانتشار شائعات تتهم البعض فى سلوكهم، أى أن المشكلة كانت عامة ،فنزلت السورة لتأمر بغض البصر والإحتشام وحفظ الفروج وصون اللسان كما تنبه إلى حرمة انتهاك البيوت وإلى أدب الإستئذان وتحديد من يحق للمرأة الظهور أمامهم من محارمها وهكذا،فلم يأت أبدا فى السورة أى ذكر لابالتلميح ولابالتصريح لأى من زوجات الرسول على عكس موضوع زيد وإبطال التبنى الذى بينه الله تعالى فى سورة الأحزاب.

جدير بالذكر أن القصة المفبركة زعمت أن الرسول عليه السلام كان يأخذ معه إحدى زوجاته كلما خرج للجهاد بينما يقول القرآن عكس ذلك،يقول تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) آل عمران، أي أنه عليه السلام كان يفارق أزواجه عند الخروج للجهاد.

وهنا تساؤل منطقى،هل كان كل محارب مسلم يأخذ معه حليلته؟إن كان الجواب بنعم فهل كان كل منهم ينفرد بقرينته؟ وكيف كانا يبيتان؟وأى جيش هذا الذى نصفه من الرجال ونصفه من النساء؟وما فائدة اصطحاب النساء وجعلهم عرضة للسبى ؟لم يثبت أبدا أن هذا كان يحدث،وإذا كان الجواب بلا فهل يصدق عاقل أن الرسول وحده كان يأخذ زوجه وحيدة بين جموع المحاربين؟

أما لماذا نسب ابن اسحق هذا الأمر إلى عائشة،فهوتقربا للمهدى وذلك للغض من عائشة و الزبيريين الذين خرجوا على أمير المؤمنين على بن أبى طالب وكانوا سببا رئيسا فى فل شوكته و تعبيد الطريق أمام معاوية ليتمكن من التغلب والإستيلاء على الحكم،كما أنه عندما استقل عبدالله بن الزبير بالحجاز أراد إرغام بنى هاشم على بيعته فرفضوا فحاصرهم فى الشعب وهم بإحراقهم وكاد يتحقق له ذلك لولانجدة المختار بن عبيد الثقفى من العراق، وهكذا تأصلت العداوة بين بنى هاشم والزبيريين ،فعمدابن اسحاق إلى الحط من عائشة انتصارا منه للمهدى والهاشميين.