كيف نجح المتطرفون في السيطرة على العالم تدريجياً؟ التاريخ الحديث للاستقطاب

اضيف الخبر في يوم الأربعاء 21 اغسطس 2019. نقلا عن: عربى بوست


كيف نجح المتطرفون في السيطرة على العالم تدريجياً؟ التاريخ الحديث للاستقطاب

هل وجدت نفسك يوماً متورطاً في حديث سياسي تحول لمشادة مع أحد أصدقائك، لست وحدك، فالعالم كله وليس المنطقة العربية فقط دخل في موجة من التطرف والاستقطاب، ولكن الغريب أن أشخاصاً عاديين يوصفون بالمعتدلين سقطوا في هذه الموجة، بينما هم يتهمون مخالفيه بالتطرف.

والأسوأ أن هذه الموجة تقود المجتمعات إلى حالة من العناد التي تغلق الباب أمام الحلول الوسط،  وأصبح الناس يتعصبون لأفكار كانوا بعيدين عنها منذ بضع سنوات، حسبما ورد في تقرير نشر بموقع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).

 يبدو أنه لا أحد يقدم حلولاً في بريطانيا

يقول كاتب التقرير: هل انتابك شعور بأنَّ النقاشات السياسية تشهد استقطاباً متزايداً؟ بالتأكيد، في المملكة المتحدة حيث أعيش تبدو السياسة وكأنها تسير في طريقٍ مسدود. 

الانطباع الذي لدي هو أنَّ الأطراف السياسية ذاتها تبدو وكأنها تعيد النظر في المناقشات نفسها دون أدنى قبول بتسوياتٍ متواضعة. إنَّه أمر محبط، وممل كلياً، ومن منظور العلوم الاجتماعية محير قليلاً.

العلماء يقولون إن الاستقطاب مرتبط بغياب العقلانية.. ولكنه يبدو شبه حتمي

لكن ماذا لو كان ذلك الاستقطاب متوقعاً كلياً؟ وماذا لو لم يكن نتيجة للجهل أو لضيق الأفق، بل رد فعل بشري طبيعي لنقاط ضعفنا وعيوبنا؟ توضح لنا بعض الأبحاث الحديثة أنَّ أحد أسباب الاستقطاب الذي نراه اليوم يعود إلى عدد قليل من الأقليات المؤثرة بشكلٍ لا يصدق.

لقد شرح علماء الاجتماع تاريخياً الاستقطاب باعتباره نتيجة للتفكير غير العقلاني. وبالتأكيد، فإن أي شخص عقلاني، وإن كان مُضللاً، سيُقر بذلك عندما يصيبه الخطأ بحسب النظرية. والشخص الذي يتمسك بعناد بمعتقداته الخاطئة عندما تصحبها الأدلة، فهو بوضوح يتصرف بطريقة غير عقلانية من وجهة نظرنا.

حتى الكومبيوتر يمكن أن ينزلق للاستقطاب.. تجربة صادمة

إلا أنَّ دراسة نُشرت مؤخراً تتحدى تلك النظرية المنطقية. في الواقع، يمكن أن يحدث الاستقطاب في مجموعات من أشخاص عقلانيين كلياً عندما نفكر في حدود الدماغ البشري.

إحدى القضايا المتعلقة بدراسة المعتقدات العقلانية وغير العقلانية هي أنَّه لا يمكن القول إنَّ أي إنسان عقلاني كلياً. 

ومن الصعب أيضاً التنبؤ بمتى يكون رد فعل الشخص عقلانياً أو غير عقلاني، أو التحكم في هذا السلوك في سياق التجارب. 

لذلك، عملت مجموعة من الباحثين من الولايات المتحدة واليابان وبلجيكا وكوريا الجنوبية على نماذج على الكمبيوتر تحاكي الأشخاص برمجوها للتصرف إما بعقلانية أو غير عقلانية.

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون – رويترز

تقول جين يونغ، التي شاركت في إعداد البحث والباحثة في جامعة كليرمونت للدراسات العليا في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة: «جرى تعيين رأي لهذه النماذج، لكن يمكنها تغيير رأيها بعد التفاعل مع نماذج أخرى». إذا كانوا جميعاً يتصرفون بعقلانية، فستتوقع منهم أن يشاركوا آراءهم، ويغيروها أحياناً إذا وجدوا أنَّ حجج الآخرين أقوى من آرائهم.

صُممت هذه النماذج لتتصرف بعقلانية أو غير عقلانية عن طريق التلاعب بذاكرتهم. عُززت بعض النماذج بقدرات تذكر مثالية، بينما مُنحت أخرى ذاكرة أكثر قابلية للخطأ.

لقد تبين أن العقلانيين يمكن أن يتورطوا بالاستقطاب.. الأمر مرتبط بالذاكرة

تقول يونغ: «يمكن لأولئك الذين لديهم ذاكرة غير محدودة أن يتذكروا أي نوع من الحجج من أي منظور، في حين قُسِّم أولئك الذين يمكن أن ينسوا الحجج إلى مجموعة تنسى بشكل عشوائي وأخرى تنسى الحجج الضعيفة أو القديمة».

وأضافت: «لم تصبح النماذج ذات الذاكرة غير المحدودة مستقطبة». لكن لا يوجد إنسان لديه ذاكرة معصومة من الخطأ كلياً. ما هو أكثر إثارة للاهتمام هو ما يحدث عندما نأخذ في الاعتبار حقيقة أنَّ نطاق انتباهنا، وذاكرتنا، وطاقتنا للجدال يمكن أن تتغير.

وتتابع: «إذا كنا عقلانيين بمدى ذاكرة محدود، فإنَّ ذلك يتسبب في ازدواجية الرأي في المجموعة، وحتى لو كنا عقلانيين كلياً، فإنَّ مجتمعنا يمكن أن يصبح مستقطباً لأنَّنا ننسى حجج الآخرين».

تقول يونغ إنَّ هذا البحث يمكن أن يساعد في توجيه طريقة تعاملنا مع الحديث عن الجماعات المستقطبة. عندما نلتقي بشخص يتبنى فكراً مختلفاً، يجب أن نحاول عدم اعتباره غير منطقي. 

وبدلاً من التفكير في أنَّنا بحاجة إلى «تصحيح» تفكيره أو إعادة تثقيفه، يمكننا التفكير في ما قد يؤثر على قناعاته، فضعف الذاكرة، والضغط العصبي، وعدم اليقين والتمييز كلها أمور يمكن أن تدفع الأشخاص بعيداً عن التيار العام.

الخوارج يسيطرون.. فكيف يفعلون ذلك رغم أنهم أقلية

قد نكون جميعاً عُرضة من وقت لآخر إلى الافتقار للطاقة أو الإرادة اللازمة لاختبار الأفكار التي نتمسك بها. لذا، إذا كان معظم المفكرين العقلانيين عرضة للاستقطاب، فما الذي يدفعهم في هذا الاتجاه؟

تقول أمبر جافني، عالمة النفس الاجتماعي من جامعة هومبولت الحكومية في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، إنَّ الأقليات الصغيرة ذات الرؤية القوية يمكن أن تلعب دوراً كبيراً على نحوٍ مدهش، لكن ليس بالطريقة التي نتوقعها.

تقول جافني: «كثيرون لا يعتبرون أنفسهم متطرفين. لكن قد يكون لديهم قواسم مشتركة أكثر مما يدركون. عندما كان لحزب الشاي تأثير أكبر، كانت رسائلهم الأكثر تطرفاً في أحيان كثيرة شديدة بالنسبة للمحافظين المعتدلين. لكن المحافظين المعتدلين انجذبوا نحو حزب الشاي بطرق أخرى». 

 

التشابه بين فلسطين وكشمير
ناريندرا مودي رئيس وزراء الهند خلال لقاء سابق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو/ رويترز

وحزب الشاي حركة سياسية أمريكية ليس لها قيادة مركزية، نشأت عام 2009، وقامت على رفض الأفكار التقدمية الاجتماعية والغضب من المؤسسة السياسية، ومعارضة سياسات الكونغرس الاقتصادية، وتوصف بأنها عنصرية متطرفة، تعادي المسلمين، وتؤيد إسرائيل بشدة.

ويُعرّف كل من أعضاء حزب الشاي والمحافظين المعتدلين بأنَّهم جمهوريون في الولايات المتحدة. نتيجة لذلك، قد يرى المحافظون المعتدلون أنفسهم أقرب لحزب الشاي من الديمقراطيين، على الرغم من أنَّ المحافظين المعتدلين قد يكون لديهم قواسم مشتركة أكثر مع الديمقراطيين المعتدلين. 

وفي هذه الحالة، فإنَّ الديمقراطيين هم الجماعة المعادية، هم الخوارج.

التطبيق على العالم العربي

يمكن تطبيق هذه الحالة على العالم العربي، فالإسلاميون المعتدلون قد يكونون أقرب لليبراليين واليساريين والقوميين المعتدلين من قرب هؤلاء للعلمانيين المتطرفين أو من قرب الإسلاميين المعتدلين للإسلاميين المحافظين والمتطرفين، ولكن وجود توصيف للجماعتين في مواجهة بعضهما البعض.. أي الإسلاميون في مواجهة العلمانيون أو الليبراليون خلق الاستقطاب بينهما رغم قرب وجهات نظر المعتدلين في الجانبين لبعضهما أكثر من قربها للمتطرفين لكل جماعة.

على سبيل المثال إن آراء الإسلاميين المعتدلين قد تكون أقرب لليبراليين في مجال الحريات الديمقراطية والاقتصاد وخاصة النظرة للرأسمالية من اليساريين والقوميين.

كما أن آراء القوميين واليساريين أقرب للإسلاميين من الليبراليين في النظرة للغرب والموقف من القضية الفلسطينية.

ولكن الاستقطاب خلق معركة وهمية بين الجانبين المعتدلين في الطرفين وأعلى من شأن المتطرفين. 

كيف ينجرف الجميع وراء الأقلية المتطرفة؟

تقول جافني: «اقتباس شيء ما من خارج (فكر) جماعتك يسمح لك بالتطرف بمجموعتك بعيداً عما لا تريد أن تصبح عليه. لقد كان الديمقراطيون هم الجماعة غير المحببة، واستخدم الجمهوريون (دون وعي) حزب الشاي للانسلاخ عنهم».

خطاب حزب الشاي محافظ للغاية. في خطاب أمام جمع كبير من أتباع الحركة، تلا أحد زعماء حزب الشاي بعض مخاوفهم المشتركة قائلاً: «لم يبدأ ذلك الأمر عندما صوتنا لأوباما، بل بدأ عندما صوتنا ضد إقامة الصلاة في المدارس؛ وعندما شرعنا الإجهاض؛ وعندما سمح الأزواج والزوجات بأن يكون الطلاق خياراً وتخلوا عن حبهم لبعضهم البعض وعن وعود الزواج أمام الله. هذه مجرد أمور قليلة ابتعدنا بها عن الله وعن النواميس التي سنَّها».

قد لا يتفق المحافظون المعتدلون مع هذا الموقف. ومع ذلك، تُظهر الأبحاث أنَّه من خلال الارتباط بالأقليات المتطرفة، يمكن أن تتغير آراؤك بطرق مفاجئة. يعتمد بحث جافني على عمل ويليام كرانو، الذي أثبت أنَّ الرسالة الواضحة، حتى لو كنت لا توافق عليها، يمكن أن تكون كافية لنقلك إلى موضوعات أخرى.

في إحدى دراساته، تابع كرانو مجموعات الأقليات من الطلاب الذين دافعوا عن السماح لمثليي الجنس بالخدمة في الجيش. لم ينضم غالبية الطلاب إلى هذه السياسة، لكنَّهم أصبحوا أكثر تحفظاً في قضايا أخرى مثل إصلاح قوانين حمل السلاح.

تقول جافني: «غالباً عندما يكون هناك شخص ما خارج عن فكر المجموعة لا نريد أن نسير معه، لا نريد أن نربط أنفسنا بمواقف الأقلية لأنَّها ستُظهر ثغرة في تفكيرنا».

لكن، كرانو يقترح أنَّ الآراء المتطرفة تضغط على نظام معتقداتك بأكمله. قد لا تغير على الفور موقفك، لكنَّها تُضعف معتقداتك الأخرى، وهذا يعني أنَّها قد تتغير في وقتٍ لاحق.

السكين نموذجاً لتغير الأفكار

في الآونة الأخيرة في المملكة المتحدة، نشر سكوت مان، وهو عضو في البرلمان البريطاني لم يكن معروفاً من قبل، تغريدة على تويتر قال فيها: «يجب أن يكون لكل سكين يباع في المملكة المتحدة جهاز تعقب GPS لتحديد المواقع مُثبَّت في المقبض. لقد حان الوقت ليكون لدينا قاعدة بيانات وطنية مثلما نفعل مع البنادق. إذا كنت تحمل السكين، فمن الأفضل أن يكون لديك مبرر قوي، وإعفاءات واضحة لصيد الأسماك وما إلى ذلك»، مما أثار حفيظة كثيرين أشاروا إلى وجود عيوب في هذه الفكرة.

على الرغم من أنَّ فكرة تعقب كل سكين في المملكة المتحدة ربما لا تكون فكرة عملية، قد تكون مثالاً جيداً على ما يشير إليه كل من جافني وكرانو. قد يقول معظم الناس إنَّ أجهزة التتبع لن توقف ارتكاب جرائم السكين، لكن هل يمكن لهذه التغريدة أن تكون بمثابة حصان طروادة لتغير وجهات نظر الناس بشأن الموضوعات ذات الصلة، مثل جرائم الشوارع أو أساليب الحفاظ على الأمن؟

لماذا يكون تطرف الأقليات الصغيرة مؤثراً أوقات الأزمات؟

الثبات والاتساق في آراء الأقليات هو مفتاح التأثير. 

تقول يونغ: «الأقليات التي لديها أسلوب سلوك ثابت ومتسق أو تخاطر بمصالحها الذاتية تتمتع بالتأثير الأكبر، عندما تفكر في رهبان التبت الذين يحرقون أنفسهم، فإن الطبيعة المتطرفة لما فعلوه تصدم الأشخاص المعتدلين. إذا كان لدي رأي غير قوي للغاية، ثم رأيت شخصاً يتصرف على هذا النحو، سأعتقد فجأة أنَّه ربما أكون مخطئاً وأحتاج إلى تغيير موقفي».

حجم المجموعة مهم أيضاً. كونك صغير يمكن أن يكون مفيد للغاية. عندما تكون المجموعات صغيرة، فإنَّها تكون أكثر تميزاً مقارنة بالمجموعات الكبيرة. قد يكون للمجموعات الصغيرة رسالة واحدة واضحة، بينما تحتوي المجموعات الأكبر على أصوات متعددة تتشارك في رسائل مختلفة. وهذا التمييز يجعل المجموعات الصغيرة أكثر نفوذاً، خاصةً إذا كانت متسقة للغاية في وجهات نظرها. وبالمثل، كلما زاد عدم اليقين في شعب ما، أصبحت مجموعة الأقلية أكثر نفوذاً.

الهجمات الإرهابية داعش
داعش نموذج للتطرف الإسلامي/رويترز

تقول جافني: «عندما يشعر الناس بعدم اليقين، فإنَّهم يستخدمون قيماً قوية لوصف أنفسهم. وعندما يكون الناس غير متأكدين كلياً من أنفسهم ودوافعهم، تصبح أنواع مختلفة من القيادة أكثر جاذبية، مثل الزعماء الاستبداديين في المجتمعات الديمقراطية». وغالباً ما يستغل الزعماء الاستبداديون هذا الغموض، مستخدمين خطاب من قبيل «نحن نفقد هويتنا».

تقول يونغ: «إنَّه لأمر محزن لأنَّه عندما يكون الناس غير متأكدين من مكانهم في العالم، فإنَّهم يحاولون العثور على مجموعة متطرفة للغاية، لديها زعيم استبدادي يمتلك مبادئ وحدوداً واضحة. 

عندما يكون الناس غير متأكدين من هويتهم، تكون الإيجابية والسلبية أقل أهمية، لذلك لا يفكرون بالضرورة في ما إذا كانت أفعالهم جيدة أو سيئة. هذا هو الحال تحديداً بشأن المجموعات المهمشة. يرى المضطهدون الأغلبية على أنَّها سيئة، لذا يجب أن تكون الأقلية جيدة».

لكن يمكن استخدام هذه المبادئ بشكل إيجابي

غير أنَّه يمكن استخدام المبادئ نفسها لإحداث تغيير اجتماعي إيجابي. في الواقع، تقول جافني إنَّ بعض أكبر التغيرات الاجتماعية الإيجابية كانت نتيجة مجموعات الأقليات ذات التماسك القوي والهوية الواضحة.                                                                                                         

وتشير إلى أنه «عندما نرى تغيراً اجتماعياً إيجابياً فإنَّه يأتي من أقلية. فكر في حركة الحقوق المدنية، وتصويت النساء، كلها أمور إيجابية بشكل لا يصدق، لكنَّها بدأت على يد مجموعات تمثل أقلية كانوا هم الخوارج الذين يعملون ضد التيار العام».

نحن جميعاً جزء من مجموعات فرعية صغيرة متداخلة في شبكات معقدة في المجتمع. يمكن أن يكون للأقليات المتطرفة آثار إيجابية وسلبية على العموم ككل. وحتى عندما ترفض الأفكار الراديكالية لشخص ما على أنَّها هراء، تذكر أنَّه ربما تكون قد غيرت بالفعل طريقة تفكيرك.

اجمالي القراءات 187
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق