رسالة د-حسن نافعة للرئيس السيسى حول التضييق الأمنى فى مصر .

اضيف الخبر في يوم الجمعة 09 اغسطس 2019. نقلا عن: الفيس بوك


رسالة د-حسن نافعة للرئيس السيسى حول التضييق الأمنى فى مصر .

النص الكامل لرسالة د. حسن نافعة إلى الرئيس السيسي
السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.. رئيس جمهورية مصر العربية
تحية طيبة.. وبعد
يجتاحني شعور عميق بالقلق على مصر الدولة، وعلى مستقبل ومصير شعبها. ولأنه لم يسبق لي طوال حياتي، التي امتدت لأكثر من اثنين وسبعين عاما حتى الآن، أن شعرت بهذا النوع من القلق، وبهذه الدرجة من الحدة، فقد خطر لي أن أتوجه إليكم بالخطاب مباشرة، للتعبير عما يجول بخاطري، وهو سلوك لم أمارسه من قبل مع أي ممن تعاقبوا على المنصب الرفيع الذي تشغلونه، رغم معاصرتي لهم جميعا، بدءا بمحمد نجيب وانتهاء بعدلي منصور، مرورا بجمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك وحسين طنطاوي.


تعلمون سيادة الرئيس أنني رجل اختار لنفسه أن يسلك طريق البحث العلمي، وأن يمتهن العمل الأكاديمي، تماما مثلما اخترتم لأنفسكم أن تسلكوا طريق الجندية وأن تمتهنوا العمل العسكري. وإذا كانت الأقدار قد شاءت لي أن أتمكن من الحصول على أعلى الدرجات العلمية في تخصصي، وأن أتبوأ منصب رئيس قسم العلوم السياسية في أعرق الجامعات المصرية لأكثر من ثماني سنوات، فقد شاءت لكم الأقدار نفسها أن تتمكنوا من الحصول على أعلى الرتب العسكرية، وأن تتقلدوا أرفع المناصب السياسية في الدولة المصرية، ألا وهو منصب رئاسة الجمهورية. وهكذا قدر لنا أن يضمنا وطن واحد أشغل أنا فيه موقع المواطن، بينما تشغلون فيه موقع الحاكم. ولأنني مواطن بدرجة أستاذ في العلوم السياسية، وسيادتكم حاكم بدرجة مشير في العلوم العسكرية، فمن الطبيعي أن يختلف منظور كل منا حول ما ينبغي أن تكون عليه صيغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. فغلبة الحس الأمني على منظوركم قد يدفع للاعتقاد بأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم يجب أن تكون هرمية، ومن ثم ينبغي أن تبنى على السمع والطاعة لولي الأمر. أما غلبة الحس السياسي على منظوري، فيدفع للاعتقاد بأن هذه العلاقة يجب أن تكون أفقية وتعاقدية في الوقت نفسه، ومن ثم ينبغي أن تبنى على حقوق والتزامات متبادلة، وأن ينص على تفاصيلها عقد اجتماعي يسمى الدستور.
وأيا كان الأمر، فلا شك عندي سيادة الرئيس، أن طغيان الهاجس الأمني على رؤية الحاكم، أي حاكم، للعلاقة بينه وبين المحكوم، قد تدفعه إلى تبني سياسات يحتمل أن تفضي به في نهاية المطاف إلى نتائج معاكسة تماما لتلك التي كان يستهدفها عند صياغته لها، الأمر الذي قد يفضي به إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بدون أن يتمكن في الوقت نفسه من تحقيق ما كان ينشده في البداية من أمن المجتمع واستقراره، بل قد تتسبب هذه السياسات نفسها في جلب المزيد من مظاهر عدم الاستقرار. وفي تقديري إن هذا هو ما حدث ويحدث في مصر الآن بالفعل، بصرف النظر عن حقيقة النوايا والدوافع. ولأنني توصلت إلى هذا الاستنتاج، الذي قد لا يكون صحيحا من وجهة نظركم، استنادا إلى تجربة شخصية معاشة، وليس إلى تحليلات نظرية أو رؤى أيديولوجية، أرجو أن تأذنوا لي بأن أسرد عليكم تفاصيلها لعلها تسهم في إلقاء الضوء على حقيقة ما يجري على أرض الواقع.
فمنذ ما يقرب من عامين، وحين كنت أهم بمغادرة مطار القاهرة متوجها إلى الخارج، فوجئت باسمي مدرجا على «قوائم ترقب الوصول»، ما يعني ضرورة إخضاعي لإجراءات تفتيش غير اعتيادية عند المغادرة والوصول، حيث كان يطلب مني الانتظار قليلا بمجرد تمرير جواز سفري على جهاز تدقيق البيانات، ثم يخطر مسؤول الأمن الوطني في مني الانتظار قليلا بمجرد تمرير جواز سفري على جهاز تدقيق البيانات، ثم يخطر مسؤول الأمن الوطني في المطار بوجودي، فيرسل الأخير بدوره مندوبا لاصطحابي من جديد إلى منطقة الجمارك، وهناك تخضع حقائبي ومتعلقاتي الشخصية لعملية إعادة تفتيش دقيقة في حضور مندوب الأمن الوطني، الذي يطلب أن أقوم بتسليمه تليفوني المحمول أو اللابتوب، أو كليهما معا لفحصها بمعرفة ضابط الأمن، وليس موظف الجمرك هذه المرة، وفي غيابي. وعادة ما تستغرق هذه الإجراءات المتتابعة مدة تتراوح بين ساعة وثلاث ساعات، يسمح لي بعدها بالتوجه إلى الطائرة، إن كنت مسافرا، أو إلى باب الخروج، إن كنت قادما من الخارج!
سيطر عليّ في البداية إحساس عميق بالإهانة الشخصية، بسبب خضوعي لهذه الإجراءات التعسفية، الأمر الذي انعكس على تصرفات بدت غاضبة أحيانا. لذا قررت مفاتحة عدد من أصدقائي في الأمر، كان على رأسهم الأستاذ محمد فائق وزير الإعلام الأسبق والرئيس الحالي للمجلس المصري لحقوق الإنسان، لعلي أعثر على مخرج، لكن بدون جدوى. وللإنصاف، فقد استغرب الرجل ما يحدث لي واستنكره، وتصور في البداية أنه ربما يكون ناجما عن سوء فهم أو عن معلومات خاطئة، ووعد بالسعى لتصحيحها «حتى لو تطلب الأمر اتصالا بأعلى المستويات»، غير أنه اضطر في النهاية إلى مصارحتي، وبدماثة خلقه المعهودة قائلا: «ما باليد حيلة!»، ولأن الإجراءات التعسفية بالمطار راحت تتخذ بالتدريج طابعا روتينيا، فقد بدأت أعتاد عليها، بل تحولت أحيانا إلى مناسبة لتبادل النكات والقفشات مع ضباط الجوازات، أو مع رجال الجمارك، وهم أناس على درجة عالية من حسن الخلق، والحرص على مراعاة الأصول. ومع الاعتياد كنت كثيرا ما أهمس لنفسي قائلا: «هذه ضريبة صغيرة ينبغي أن أدفعها، وهي لا تقاس بتضحيات جسام دفعها آخرون من مالهم وحريتهم وصحتهم وأحيانا من دمهم».

هل تعتقد الأجهزة الأمنية التي تدير مصر الآن أن مصادرة كتب يحملها مسافرون ستجعل منها بلدا أكثر أمنا وأمانا؟

سيادة الرئيس: كان يمكن للأمور أن تمضي على هذا النحو، وأن استسلم لتلك الإجراءات التي تحولت إلى عملية روتينية سخيفة، لولا وقوع حدثين عمقا من مشاعر القلق في نفسي إلى حد الإحساس بالخطر. الأول: وقع منذ عام، حين انتهت إجراءات التفتيش باحتجاز كافة الكتب التي في حوزتي، وبلغ عددها حوالي عشرين كتابا، جميعها من منشورات مركز دراسات الوحدة العربية ومتوافرة في مكتبات الجامعة. ولأن أغلبها كان من تأليف الفيلسوف المغربي المعروف محمد عابد الجابري، فما إن تسرب الخبر وقتها حتى تلقيت عشرات الاتصالات تستفسر عما إذا كان قرارا رسميا قد صدر بمنع دخول مؤلفات الجابري إلى مصر، فتحولت المسألة إلى فضيحة. ما يلفت الانتباه هنا أن أسابيع عدة مرت بدون أن يتصل بي أحد ليطلعني على مصير الكتب المحجوزة. وتصادف بعدها أن دعيت للمشاركة في مؤتمر يعقد في عمان، وعند السفر سألت في المطار عن مصير كتبي فوجدت أنها ما تزال في المخازن، فأبديت رغبتي في استردادها وحملها معي إلى عمان، فاشترطوا قيامي بسداد حوالي 400 جنيه «رسوم أرضية»، ووافقت على الفور. وفي المؤتمر طلبت من أحد الأصدقاء أن يقبل مني هذه الكتب هدية بعد أن سردت عليه قصتها، فقبلها شاكرا، لكنني فوجئت به يعيدها إليّ بنفسه بعد أقل من أسبوع قائلا: هذه كتبك وأنت أولى بها، وهكذا تمكنت من استعادة الكتب المصادرة، ولكن بطريقة ملتوية وكاشفة لطبيعة المرحلة التي تمر بها مصر. أما الحادث الثاني فوقع عقب عودتي من بيروت يوم الجمعة الماضي (2 أغسطس/آب). فقد طال توقيفي في المطار لأكثر من ثلاث ساعات، وشملت إجراءات التفتيش فحص اللابتوب بمعرفة ضابط الأمن الوطني وفي غيابي، وبعد استعادتي له تمت مصادرة كافة الكتب التي بحوزتي، وعددها 11 كتابا معظمها روايات ودواوين شعر وكتاب عن أنيس صايغ ونسختين من كتاب من تأليفي صدرت طبعته الأولى عام 1984!
سيادة الرئيس
لا أعرف بالضبط ما هي مشكلة الدولة المصرية مع الكتب في المرحلة الراهنة، خاصة حين تكون بحوزة أستاذ جامعي؟ هل تعتقد الأجهزة الأمنية التي تدير مصر الآن أن مصادرة كتب يحملها مسافرون ستجعل منها بلدا أكثر أمنا وأمانا؟ ألا تعلم هذه الأجهزة أن بوسع أي شخص أن يقتني عبر الإنترنت نسخة غير ورقية من أي كتاب يصدر في أي مكان العالم، وهل تعتقد هذه الأجهزة أن مضايقة أو استفزاز من تصنفهم معارضين سياسيين سيخيف هؤلاء، أو سيجبرهم على تغيير موقفهم من السياسات المتبعة؟ وألا ترى هذه الأجهزة أن مصر تعاني من مشكلات أخرى أولى بالمتابعة، خاصة أن الإرهاب ما زال قادرا على توجيه ضربات موجعة إلى قلب القاهرة. ما يقلقني أكثر، سيادة الرئيس، أن هذه العقلية التي تمارس ألاعيبها الصغيرة مع المعارضة، هي العقلية نفسها التي تفرض الحصار على الجامعات ومراكز البحث العلمي وتكاد تزهق روحها. وهذه ليست وجهة نظر شخصية، وإنما تعبر عن وجهة النظر السائدة لدى معظم الأساتذة المستقلين. ولنأخذ، على سبيل المثال وليس الحصر، شهادة الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية في جامعتي القاهرة والجامعة الأمريكية، الذي كتب يقول في تدوينة له نشرت على موقعه على فيسبوك بتاريخ 17/7/2019:
«لا أستطيع في الوقت الحاضر لقاء أستاذ أجنبي في جامعة القاهرة، إلا إذا تقدمت بطلب تصريح قبلها بشهرين، ولا أستطيع لقاء طلبة أجانب، ولا أستطيع لقاء صحافيين أو دبلوماسيين أجانب، وتجد (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) أشق الصعوبات عندما تحاول تنظيم نشاط علمي مع جامعة أو مركز علمي أجنبي». فهل تعتقد، سيادة الرئيس، أن بمقدور مصر أن تنهض أو أن تحقق الأمن والاستقرار لشعبها في ظل هذه الأجواء الخانقة؟
سيادة الرئيس..
لست واثقا من أنكم ستتمكنون من الاطلاع مباشرة على هذا الخطاب، ولا أعتقد أن الأجهزة المعنية ستتولى تلخيصه وعرضة بالدقة أو بالأمانة الواجبة. لذا قررت أن يكون خطابي إليكم مفتوحا ليكون الرأي العام شاهدا عليه.
حفظ الله مصر وشعبها
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
القاهرة: في 7/8/2019
كاتب وأكاديمي مصري

اجمالي القراءات 585
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   الجمعة 09 اغسطس 2019
[91244]

هل وصلنا إلى هذا الحد ؟؟؟


هل وصلنا إلى هذا الحد ؟؟؟

الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة والجامعة الأمريكية

17/7/2019:

«لا أستطيع في الوقت الحاضر لقاء أستاذ أجنبي في جامعة القاهرة، إلا إذا تقدمت بطلب تصريح قبلها بشهرين، ولا أستطيع لقاء طلبة أجانب، ولا أستطيع لقاء صحافيين أو دبلوماسيين أجانب، وتجد (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) أشق الصعوبات عندما تحاول تنظيم نشاط علمي مع جامعة أو مركز علمي أجنبي».



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق