حلم مانديلا الذي أصبح كابوسًا.. هل تخسر جنوب أفريقيا ريادتها في القارة السمراء؟

اضيف الخبر في يوم الأربعاء 19 يونيو 2019. نقلا عن: ساسه


حلم مانديلا الذي أصبح كابوسًا.. هل تخسر جنوب أفريقيا ريادتها في القارة السمراء؟

مع نهاية نظام الفصل العنصري، واعتماد حكم الأغلبية في عام 1994، اعتقد معظم المراقبين أن جنوب أفريقيا سوف تصبح قوة إقليمية مهيمنة؛ نظرًا إلى اقتصادها الكبير، وجيشها الاحترافي عالي التجهيز. ومنذ أدى نيلسون مانديلا اليمين الدستورية في 10 مايو (أيار) من العام ذاته، اكتسبت جنوب أفريقيا مكانة عالمية غير مسبوقة، ورأى معظم المجتمع الدولي أن الدولة الجديدة مؤهلة للقيام بدور مهيمن في القارة، على مستوى تعزيز حل النزاعات، والتنمية الاقتصادية، وتقديم نموذج يُحتَذَى في احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لو كانت المطالب تُنال بالتمني، ما فشلت جنوب أفريقيا في عهد نيلسون مانديلا، وثابو مبيكي، وجاكوب زوما في تحقيق هذه الآمال المبكرة، ولا كُبِلَت إمكانياتها الكامنة وتراجعت ريادتها القارية على مدى العقدين الفائتين.

الباحث في الأسباب التي جعلت هذا الحلم يستحيل كابوسًا، يجد مزيجًا قاتلًا: بسبب تاريخ دولة الفصل العنصري من البلطجة السياسية والتدخل العسكري في الجنوب الأفريقي، كانت الحكومة الديمقراطية الجديدة مترددة في الاضطلاع بدور قيادي واضح في المنطقة. وفي السنوات الأخيرة، أدى الركود الاقتصادي والضعف إلى تقليل جاذبية جنوب أفريقيا كنموذج يحتذى به، وأفقد الدولة رغبتها في ممارسة التأثير.

هذا الإحجام عن الاضطلاع بدور قيادي لم يكن العامل الوحيد، بل يُضاف إليه – وربما يسبقه- جانب العداء الأفريقي واسع النطاق لتوسع جنوب أفريقيا اقتصاديًّا، وكراهية مُثُلها الديمقراطية، والتشكيك في ملاءمتها لتمثيل أفريقيا على الساحة العالمية.

وفي ظل انشغالها بأجندة محلية مرهقة، وانهماكها حتى الآن في معالجة إرث الفصل العنصري على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، فضلًا عن تراجع قوتها العسكرية، وجدت جنوب أفريقيا نفسها تخوض معركة جديدة: محاولة التكيف مع التعددية القطبية الناشئة في القارة. 

«كنز مخضّب بالدماء».. كيف تنزف أفريقيا من تجارة إسرائيل في الألماس؟

أن تكافح «لإبقاء رأسك فوق كتفيك»

لعقود قبل نهاية الفصل العنصري، تنافست الفصائل المختلفة – الشيوعيون، وداعمو السوق الحرة، والنقابيون، وحتى المنفيون- تحت مظلة «المؤتمر الوطني الأفريقي»، بعنف في بعض الأحيان، لكن كانت تجمعهم مظلة الكفاح ضد الحكم الأبيض. لكن اليوم تتزايد الاغتيالات السياسية بوتيرة مخيفة في جنوب أفريقيا، مما يهدد استقرار البلاد ويضع حلم السيد مانديلا، المتمثل في دولة ديمقراطية موحدة، في مهب الريح، وفق تحذير نوريميتسو أونيشي وسِلام جبريكيدان في صحيفة «نيويورك تايمز».

تخطى الخطر دائرة العنف السياسي التقليدي الذي اجتاح البلد في التسعينيات، ولم يعد الدافع الرئيس ينحصر في المنافسة الشرسة بين الأحزاب السياسية، بل وصل الجنون إلى مسؤولي «المؤتمر الوطني الأفريقي»، الحزب الحاكم في جنوب أفريقيا منذ إلغاء الفصل العنصري، فأصبحوا يقتلون بعضهم بعضًا، ويوظفون قتلة محترفين للقضاء على زملائهم من أعضاء الحزب؛ للاستئثار بالمال والموارد والسلطة.

 

 

نيلسون مانديلا

هذا الحزب هو ذاته الذي ألهم ذات مرة أجيالًا من جنوب أفريقيا، واستحوذ على خيال الملايين حول العالم، من أركان أفريقيا الفقيرة إلى الجامعات الأمريكية الغنية. لكن أكثر من ربع قرن في السلطة كانت كفيلة بأن يزدهر الفساد، وتتفاقم الانقسامات، وتتوارى المثل العليا خجلًا داخل المؤتمر.

قتل حوالي 90 سياسيًّا منذ بداية عام 2016، وحتى سبتمبر (أيلول) 2018، أي أكثر من ضعف المعدل السنوي خلال السنوات 16 السابقة، وفقًا للباحثين في جامعة كيب تاون و«المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة عبر الوطنية».

تغطي الاغتيالات الأخيرة مجموعة واسعة من الخلافات الشخصية والسياسية: بعض الضحايا كانوا مسؤولين أصبحوا أهدافًا بعد فضح أو إدانة الفساد داخل الحزب. وسقط آخرون في معارك داخلية على المناصب المربحة. وكان الصراع شديدًا بشكل خاص في المناطق الريفية، حيث يمسك الحزب بقبضة فولاذية على الاقتصاد، والوظائف، والعقود الحكومية، ويخوض المسؤولون معركة مستمرة لإبقاء رؤوسهم فوق أكتافهم.

كانت محافظة كوازولو ناتال هي الأكثر دموية، إذ قتل 80 مسؤولًا من «المؤتمر الوطني الأفريقي» بين عامي 2011 و2017. حتى أعضاء المجالس في المستويات المنخفضة نسبيًّا لديهم حراس شخصيون، ويحمل العديد من السياسيين البنادق بأنفسهم. اختلطت الأمور حتى قال العمدة ملولكي ندوبي: «كانت الأمور أفضل قبل أن نحصل على الديمقراطية؛ لأننا كنا نعرف العدو، وهو: النظام الظالم. أما الآن فلا أحد يعرف من هو العدو».

«خطر قادم لا يراه أحد»

بعد سنوات من الإهمال ونقص التمويل، شهدت القوات المسلحة الجنوب أفريقية تراجعًا حادًا؛ إذ انخفض الإنفاق العسكري من 4.4 % من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الأخيرة من حكومة الأقلية البيضاء إلى 1% اليوم.

انخفض الإنفاق العسكري في جنوب أفريقيا إلى 3449 مليون دولار في عام 2018، من 3639 مليون دولار في عام 2017. وبلغ متوسط الإنفاق العسكري في جنوب أفريقيا 2611.63 مليون دولار خلال الفترة من 1951 حتى 2018، ووصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند سقف 5472 مليون دولار في عام 1988، وأدنى مستوى عند حدود 224 مليون دولار في عام 1954.

الإنفاق العسكري في جنوب أفريقيا- المصدر: TRADING ECONOMICS/ SIPRI

دفع هذا التراجع وزيرة الدفاع والمحاربين القدامى، نوسيفيو مابيسا نكاكولا، إلى الإعراب عن أسفها لإهمال الحكومة ميزانية الجيش، مشيرة إلى أن ذلك «يشكل قيودًا خطيرة على الدفاع». وكان رئيس هيئة أركان الجيش في جنوب أفريقيا، الجنرال لينديل يام، أكثر صراحة عندما تحدث أمام البرلمان في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن التخفيضات في ميزانية الدفاع، محذرًا من أن «هناك خطرًا قادمًا، ويبدو أنه لا أحد يراه».

استجابة لنواقيس الخطر المتوالية، تخطط جنوب أفريقيا إلى زيادة مخصصات الدفاع خلال السنوات الثلاث المقبلة. وتضع على رأس أولوياتها: وقف تدهور القدرات الدفاعية الضرورية، والمشاركة في عمليات دعم السلام، وحماية حدود جنوب أفريقيا ووحدة أراضيها، ودعم شعب جنوب أفريقيا من خلال التعاون مع الإدارات الأخرى، وتجديد البنية التحتية وصيانتها.

والجيش في جنوب أفريقيا لا ينحصر دوره في العمليات القتالية، بل يضطلع إلى جانب ذلك بمجموعة متنوعة من الأنشطة التقليدية خارج مجال الدفاع قد تفاجئ المراقبين. على سبيل المثال، تضطلع القوات البحرية والجوية بحماية موارد البلاد الاقتصادية، ويشمل هذا الدور تسيير دوريات في مناطق الصيد الوفيرة التي تعاني من ممارسات الصيد غير المشروعة، ما يؤدي إلى تبديد المخزون البحري الهائل.

تتطلب هذه المهمة تسيير دوريات تغطي 2.4 مليون كيلومتر مربع تشكل المنطقة الاقتصادية الخالصة، باستخدام أسطول بحري غير مهيأ لحماية المصايد. كما يُطلب من القوات الجوية القيام بدوريات بحرية باستخدام حفنة من طائرات الدورية «C-47» البالغة من العمر 80 عامًا.

ولم تستح القوات البحرية من إصدار تحذيرات صارمة بشأن صلاحية الخدمة على المدى الطويل. وقال قائدها، موسوا هلونجوان، في مايو (أيار) 2018: «يجب علينا أن نفكر بعمق وبذكاء في مستقبلنا؛ لأن البحرية تقف على مفترق طرق، حيث وجودها نفسه مهددًا».

كما يقوم الجيش بمهام عديدة أخرى لها تأثير مباشر في حياة المواطنين في جنوب أفريقيا؛ تنشط وحداته في مكافحة الصيد الجائر في جميع أنحاء البلاد، وتسير دورياته على الحدود للتحقق من الهجرة غير القانونية، وتنتشر قواته بانتظام في المناطق التي ترتفع فيها معدلات الجريمة، ويشارك في عمليات الإغاثة بعد الكوارث الوطنية، وفي الآونة الأخيرة، أرسل مهندسيه إلى نهر فال لتحديد مصادر التلوث ومراقبتها في هذا الممر المائي الرئيسي.

كيف خسرت جنوب أفريقيا تاج السيادة الذهبي لصالح غانا؟

قادت جنوب أفريقيا الإنتاج العالمي للذهب طيلة قرن من الزمان، واستخرجت حوالي نصف السبائك المستخرجة حتى الآن، وهي ثاني أكبر منتج للذهب في أفريقيا. لكن صناعة الذهب متعثرة اليوم في جنوب أفريقيا؛ بسبب التكاليف الباهظة، والإضرابات المنتظمة، والتحديات الجيولوجية. في الوقت ذاته، تزدهر صناعة الذهب في غانا؛ بفضل المناجم منخفضة التكلفة، والسياسات الودية، ومشروعات التنمية الجديدة.

نمو إنتاج غانا مع تقلص إنتاج جنوب أفريقيا- المصدر: غرفة المناجم في غانا، مجلس المعادن في جنوب أفريقيا

تترجم الصعوبات التي تواجه مناجم الذهب في جنوب أفريقيا إلى انخفاض الإنتاج، على الرغم من امتلاكها ثاني أكبر احتياطي في العالم من الذهب، وفقًا لتقديرات «هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية».

(احتياطيات الذهب العالمية في عام 2018 بالطن المتري، تمتلك أستراليا وجنوب أفريقيا أكبر الاحتياطيات من حصة الذهب العالمية- المصدر: تقديرات «هيئة المسح الجيولوجي الأمريكي»)

قفز إنتاج الذهب في غانا بنسبة 12% خلال عام 2018، وفقًا لـ«بيانات غرفة المناجم». ومن المتوقع أن يحصل الإنتاج على دفعة إضافية عندما يبدأ عمل شركة «AnguGold Ashanti» في أوبواسي، ليصل إلى 350 إلى 450 ألف أونصة من الذهب سنويًّا خلال السنوات العشر الأولى.

يرجع ذلك إلى أن السلطات في غانا «تفهم ما الذي يجعل بيئة الأعمال صحية»، بحسب شركة «جولد فيلدز»، التي تعمل في غانا منذ 26 عامًا، لذلك خفضت الحكومة الضرائب على الشركات في عام 2016، وتحتفظ بحصة نسبتها 10% في جميع شركات التعدين، بما يوفر مستوى من الأمان للاستثمار، وفق سفين لونش، المتحدث باسم شركة «جولد فيلدز».

بالعودة إلى جنوب أفريقيا، يعترف وزير الموارد المعدنية والطاقة جويدي مانتاش بأن ندرة الاستكشاف والاستثمار تعني أن صناعة الذهب التي تبلغ من العمر 130 عامًا في جنوب أفريقيا ستستمر في التقلص.

مقابل كل نقطةِ ضعفٍ فرصة سانحة

في خضم عدم اليقين السياسي، والنمو الاقتصادي الهزيل، والتحديات الكبرى مثل البطالة وأزمة الطاقة، يشعل أدريان جور، الرئيس التنفيذي لمجموعة «ديسكفري»، شمعة أمل. يحذر جور من أن التوقعات المتشائمة التي تفتش عن التدهور أسفل كل حجر «لها عواقب حقيقية وخطيرة تعيق تقدمنا»، مضيفًا: «العيب الرئيس في هذا السرد هو الفشل في التمييز بين التغييرات المطلقة والنسبية؛ إذ يُفَسَّر الانخفاض النسبي على أنه انخفاض مطلق».

وهو يقول: «عندما نتوقع التدهور، نبدأ في صبغ بلادنا واقتصادها بلون الخطر. ونتجنب الاستثمار، عندما يكون الصواب هو زيادة الاستثمار. في الواقع، تتمتع جنوب أفريقيا باقتصاد مستقر نسبيًّا، كما يتضح من نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي يظهر أدنى معدل تقلب مقارنة ببقية دول مجموعة البريكس خلال الفترة ما بين 1994 و2017. هذا يشير إلى أننا نسيء تقدير المخاطر ونضيع الفرص».

صحيحٌ أن التحديات ليست سهلة: نمو الناتج المحلي الإجمالي يقف عند 0.7%، و50% من المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عامًا عاطلون عن العمل، إلى جانب فاتورة الأجور المتضخمة في القطاع العام، وعجز كبير في الميزانية، ومستوى مأساوي من اللامساواة.

لكن المستقبل قد يكون أفضل بحسب الإشارات المتفائلة الواردة في تقرير «FTI Consulting». فقد زاد الناتج المحلي الإجمالي 2.5 ضعفًا عما كان عليه في عام 1994، ونما الإسكان الرسمي بنسبة 131% من عام 1996 إلى عام 2016، وانخفض عدد الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية بنسبة 60% في الفترة 1999-2016، وانخفض معدل الجريمة لكل 100 ألف بنسبة 50% من عام 1994 إلى عام 2017.

تواجه جنوب أفريقيا لحظة فاصلة، وعليها أن تختار بين: النمو والازدهار المستدامين، أو التباطؤ الاقتصادي، وسيحدد هذا الاختيار مستقبل هذا البلد لأجيال قادمة.

اجمالي القراءات 248
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق