أكبر سجين فى مصر: قضيت ٣٠ عاماً فى السجن بينها ١٧ سنة «انفرادى»:
أكبر سجين فى مصر: قضيت ٣٠ عاماً فى السجن بينها ١٧ سنة «انفرادى»

اضيف الخبر في يوم السبت 27 ديسمبر 2008. نقلا عن: المصرى اليوم


أكبر سجين فى مصر: قضيت ٣٠ عاماً فى السجن بينها ١٧ سنة «انفرادى»

أكبر سجين فى مصر: قضيت ٣٠ عاماً فى السجن بينها ١٧ سنة «انفرادى»

  كتب   سامى عبدالراضى    ٢٧/ ١٢/ ٢٠٠٨

الأرقام هى «كلمة السر» فى حياة يوسف السيد يوسف نصير «٨٠ عاماً».. قضى «٣٠ عاماً» منها داخل السجن بتهمة الاتجار فى المخدرات.. ترك الإسكندرية وشوارعها «عادية» تستقبل عددا قليلاً من السكان، عاد إليها قبل شهور والزحام يسيطر وبـ«قوة» على شوارعها.. «يوسف» دخل السجن ولديه أكثر من ٥٠ صديقاً، وبعد أن خرج وجد اثنين فقط على قيد الحياة.. أولاده الخمسة كانوا «دون العشرين»، الآن تزوجوا وأصبحوا آباء.. رفيقة عمره، وابن من أبنائه رحلا عن الحياة دون أن يشارك فى جنازتيهما أو يسمع منهما «كلمة وداع» عم يوسف التقى سعيد صالح وأصبحا «صديقين»، وبات «صالح.. درويشاً» على يديه.. يوسف الذى قرأ أكثر من ٤٠٠ كتاب وقضى «١٧ سنة» داخل زنزانة انفرادية يروى تفاصيل «حياة» غير «الحياة».. قبل ٣٠ عاماً، كنت أسكن - الكلام لـ عم يوسف - فى منطقة «كرموز» بالتحديد فى شارع الدكتور محمد صفوت..

هناك كان منزلى ومحل كبدة وكان مصدر دخلى الوحيد، كنت «مبسوطاً» و«معروفاً» لدى كثيرين من أبناء الإسكندرية.. كنت أباً لـ ٣ أولاد وبنتين وأعيش حياة هادئة.. مستقرة، لا ينقصها شىء.. سمعت كلمة من الرئيس الراحل أنور السادات، وهو يقول: «اللى مش هيعمل فلوس فى عصرى مش هيعمل بعد كده ومش هسأله عن المليون الأول».. قررت أن «أعمل فلوس»، وبأى طريقة..

أيامها كان فيه مخزن فى الجمرك، لتلقى أحراز قضايا المخدرات من كل مكان فى مصر.. من أسوان، إلى مطروح.. إلى سيناء.. المهم كان حراس المخزن من «الشاويشية» بيهربوا المخدرات - واحد منهم اسمه «على عبدالعزيز حبى» عمل مفتاحا مصطنعا وكان بيهرب - ومعاه ١٣ واحد من زملائه - الأفيون فى سيارة الشرطة الخاصة بمدير الميناء.. التقينا وطلبوا منى توزيع جزء من المخدرات.. وكانوا قبلها شغالين من زمان.

كام شهر - الحديث لعم يوسف - وتم الكشف عن الجريمة.. وتم القبض على الـ «١٣» و٥ آخرين أنا كنت واحد منهم والقضية أخذت رقم ٧٢٢ وجنايات أمن الدولة طوارئ.. ودخلنا المحكمة وجاءت الأحكام قاسية.. القاضى يومها حكم علينا بأقصى عقوبة.. السجن المؤبد ٢٥ عاماً، وغرامة متضامنين واحد ونصف مليون جنيه.. الكلام ده كان فى شهر «١٢» سنة «٧٨».. كان عمرى «٥٠ سنة».. والقضية يومها كانت قضية كبيرة اللى يكتب: «حاميها حراميها» وواحد تانى يقول: «الشرطة فى خدمة مزاج الشعب» و«الشرطة تجمع المخدرات فى مخزن كبير وتبيعها».. وقضيت العقوبة وزاد عليها ٥ سنوات بسبب الغرامة.

دخلت السجن الاحتياطى فى إسكندرية ومع تنفيذ الحكم تم نقلى إلى «سجن أبوزعبل».. قلت لنفسى مفيش «نقض» ولازم تنفيذ الحكم.. قررت أن أعيش مع حياتى الجديدة دون تعقيد أو تفكير فى أى حاجة تانى.. «٢٥ سنة» لازم ينقضوا، لجأت إلى الله.. صلاة وصوم، ووجدت «شهيتى» مفتوحة على قراءة الكتب.. تقدمت بطلب إلى مأمور سجن أبوزعبل ووافق لى على قراءة كتب من المكتبة..

 المهم تصادف أيامها القبض على مجموعات من الإخوان المسلمين وحدثت مشكلة كبيرة جداً بين المساجين وفشلت إدارة السجن فى حلها وتدخلت وربنا وفقنى بأن أقنع المساجين بـ«حلول»، وبصراحة.. مدير السجن أيامها كافأنى قال: «الراجل ده خطر وزى ما حل مشكلة.. ممكن يحرض المساجين على إضراب أو عصيان أو هروب»، وبعد أسبوعين تم نقلى إلى سجن الحضرة فى الإسكندرية بعد أن قضيت ٣ سنوات فى أبوزعبل، حولت خلالها حجرة «شاويش» إلى مسجد، موجود حتى الآن فى قلب السجن.

وصلت لـ«الحضرة» وطلبت من مأمور السجن أن يضعنى فى زنزانة انفرادية.. ولم يتردد الرجل وعشت «١٧ سنة» متواصلة داخل زنزانة لوحدى.. كنت أخرج صباحاً مع المساجين «الترفيه» وبالليل أقفل بابى على نفسى، وأصلى لله، قبل أن أبدأ فى قراءة الكتب، وقرأت كتب لـ«العقاد» و«المنفلوطى» وطه حسين ونجيب محفوظ..

 بصراحة كنت أدخل المكتبة وكل ما ألاقى كتاب أستعيره وأقرأه فى الزنزانة.. المساجين كانوا يعتبروننى «الأب الروحى» لهم.. اللى عنده مشكلة كان يقعد معايا.. يحكى لى وربنا يحلها من عنده.. ياه تعرف.. لو أنت جبت «عصفور» وحطيته فى قفص لمدة سنة وكل يوم تفتح له وتقدم له أكل.. تعالى بعد سنة وافتح علشان يطير.. أراهنك مش «هيطير».. ده كان حالنا جوه السجن.. أنا قلبى كان بيوجعنى على «مساجين البدلة الحمرا» اللى هما هيتعدموا.. افتكر مرة..

 كان «راجل» فى إسكندرية اتقتل والمتهم قطع جسمه.. والضباط احتاروا.. ده جزار ولا طبيب اللى عمل كده.. والمتهم اتمسك ودخل السجن معانا.. لقيناه «طبيب».. والضحية أنفق عليه منذ طفولته وبعد وفاة والده.. ودخوله كلية الطب.. وبعد التخرج، اكتشف «الطبيب» أن الراجل ده على علاقة بأمه.. فارتكب جريمته.وقطعه بـ«مشرط جراحى» وسكين.. أنا قعدت مع الشاب ده وحكى الحكاية وصِعِب علىّ وقبل ترحيله علشان «إعدامه» طمأنته بأن ده نصيبه وأن يترك الأمر لله.

سعيد صالح «حاجة تانيه.. دخل السجن فى ٩٥» وكان فى زنزانة مواجهة لزنزانتى.. وكنت أقابله فى «الترفيه» ونتبادل التحية فقط.. يوم بعد يوم.. لقيته دخل فى الصلاة والعبادة وقراءة القرآن.. أنا بصراحة لقيت سعيد «أرض طيبة».. هو ده اللى حصل.. طلبت منه أن يواظب على الصلاة والعبادة، وبعد فترة كان بيؤذن للفجر.. حد من أصحابه كلمنا مرة فى السجن وقال: «أنت (دروشت) سعيد».. وضحكنا.. سعيد يوم خروجه، رفض وطلب من مأمور السجن أن يستدعينى لمصافحته.. و«الرجل» أصيل.. من يوم خروجه بيسأل علىًّ وحج بيت الله ١٣ مرة ووعدنى بأنه هيزورنى فى البيت.

كان فيه تليفزيون فى السجن وكنا بنتابع الأخبار ويوم ضرب «السادات» كلنا زعلنا على «الراجل ده».. ابن بلد وجدع وكافح كتير.. بعد الحادث بكام يوم.. لقينا السجن اتملا بشباب وإخوان، والسجن أصبح زحمة بعد ما كان فاضى.. وكنا بنتابع التفاصيل اللى بتحصل بره وإن فيه «رئيس جديد» مسك مكان السادات هو حسنى مبارك.. وماتسألنيش عن حاجة بخصوصه - قالها الرجل وضحك كثيراً - أنا قلت إنى دخلت السجن ومعايا ٥ أولاد. خالد وزين العابدين وعزة ورضا والسيد.. كان ابنى «زين» مريض عنده «صمام» فى القلب.. وكان ولادى بيزورونى كل فترة، وفى مرة حضروا و«زين» غاب.. كانت الدموع فى عينهم والكلام كان واضح.. حمدت الله.. وده كان من «٢٢ سنة»..

طبعاً صعب علىّ وأصابنى اكتئاب كان نفسى أشارك فى جنازته.. زوجتى كانت «حكاية».. تعرف فى السجن حاجة اسمها «تغريبة» نقلونى من الحضرة لسجن بنها.. و«الست» كانت تيجى لـ«بنها» ومعاها «عمود الأكل» لحد ما مأمور السجن قال: «حرام عليك يا يوسف.. الست بتيجى كل يوم من إسكندرية».. وحاولت أن أمنعها أو أطلب منها «تقلل» الزيارة دون فايدة.. وبعد «محايلة».. كانت تيجى يوم بعد يوم.. من «١٧ سنة» بدأت «تغيب».. الولاد يزورونى.. ويقولوا «أمنا تعبانة شوية».. وفى الزيارة التانية قالوا: تعيش أنت.. يومها حسيت إننى «نصف إنسان» شعرت إننى «وحيد» لا أستطيع التحرك أو الكلام.. وقعدت فى «الزنزانة» شهور كنت أدعو لها وصورتها لا تفارق عينى حتى الآن.

ولادى كلهم تزوجوا.. ماحضرتش ولا فرح، كان «العريس» يأتى لى فى زيارة ويقول أنا ظروفى.. كذا.. وكذا.. وتركت الأمر لله وربنا أكرمنى بـ «١١ حفيد».. أنا كنت عامل زى «أهل الكهف».. أنا خرجت فى يونيو الماضى.. كنت «هموت من الصدمة».. لقيت البلد اتغيرت.. الشوارع مش هى.. الناس برضه مش هى.. زمان كان فيه «حب» وحنان وعطف ورحمة.. دلوقتى لأ.. «السجن ده باطنه الرحمة وظاهره العذاب»..

بصراحة كانت حياة حلوة.. الناس كلها تفتكر إن السجن عذاب.. لكن إنت يا دوب بيتقفل الباب عليك تشعر بالراحة والطمأنينة.. العكس يحصل لما تخرج وتلاقى «شاويش» ولا «عسكرى» أمام عينيك.. ممكن تتعرض لإيذاء بدنى ونفسى.. المهم أنا خرجت «زى التايه» مش عارف دى بلدنا ولا اتغيرت - أنا سبت البلد - كانت حلوة والناس جدعان وشباب زى الفل.. سبت عبدالحليم وأم كلثوم وعبدالوهاب وفريد وأغانى حلوة.. لقيت حاجة اسمها «كليب» ومطربات عاريات.. فيه انفلات فى الشارع.. لأ.. مفيش ضمير ولا رحمة.. اسكندرية كان فيها حوالى ٤ أو ٥ ملايين نسمة.. دلوقتى دخلت على «١٧ مليون».. كل حاجة اتغيرت.. أنا حاسس إننى غريب ومش قادر أعيش.

تعرف أنا نفسى أبدأ حياتى من جديد.. أنا كلى شباب وحيوية ولسه.. بائع كبدة محترف.. نفسى المحافظ عادل لبيب يصرح لى بـ «كشك» صغير فى محرم بك.. وعايز كمان شقة أوضه وصالة مش أكتر.. أعيش فيها.. لأنى عايش مع «بنتى وزوجها».. ومفيش فلوس ولا معاش ولا أى دخل.. ده حتى راجل أعطيته أموالى قبل السجن والقبض علىّ، خرجت لقيته بنى عمارات وبقى من أصحاب الأملاك.. وسألت عنه لقيته مات وابنه قال لى: «إيه يا حاج انت جاى تسأل على فلوس بعد ٣٠ سنة».. «إنسى».. ونسيت.. أنا فعلاً عايز أبدأ حياتى من جديد.. لكنى مش عارف هى دى مصر اللى سبتها من «٣٠ سنة» ولا «غيروها».

 
عدد التعليقات [٤]
 لاء غيروها ياحج
تعليق kapo_4m     تـاريخ

٢٧/١٢/٢٠٠٨ ٤٦:١١

فى واحد جه وانت مش موجود غير البلد باللى فيها من مبادئ واخلاق وحضارة وكل حاجه حتى كرامتها بقت فالأرض وخلا سعرنا رخيص اوى والله.ربنا وحده هو اللى قادر يرجع اللى فات ويرزقنا براااااااااااااااااااااااااجل
أعلي الصفحة
 يعنى لازم تتاجر فى المخدرات
تعليق مدحت زايد     تـاريخ

٢٧/١٢/٢٠٠٨ ٣٢:١١

ضيعت عمرك هباء ليه تتاجر فى المخدرات ربنا يرحمك ويغفر ذنبك شوف انت دمت كام شاب واسرة
أعلي الصفحة
 ربنا يديك الصحه
تعليق mos3ad     تـاريخ

٢٧/١٢/٢٠٠٨ ٥٩:٩

قصه مؤثره جدا ...ربنا يديلك طولة العمر ياحاج وتقدر تعيش فى حياتنااللى عباره عن ايميلات وكمبيوتر ونت ولا ب توب واسلاك وصلات وباسوردات ....بنضحك كتير بس مش من قلبنا ...افراحنا كتير لكن ما بنحسش بالسعاده ..حياتنا اسرع مما تتخيل ..عمرنا بيتسرق مننا مسعد محمد / القاهره /24 سنه
">
أعلي الصفحة
تعليق Sami     تـاريخ

٢٧/١٢/٢٠٠٨ ٤٧:٩

لفت نظري العبارة التي قالها عم يوسف "السجن باطنه الرحمة وطاهره الغذاب" و هو تعبير يدل على أن المصريين في مصرنا يعيشون في سجن كبير باطنه العذاب وظاهره العذاب أيضا. هنيئا للأدباء ما يحتويه هذا الحدث من مواضيع على لسان مجرب ابتعد عن ما نسميه الحرية و عاش في ما نسميه غياهب السجون ليكتشف و يعير بعفوية أن السجن مليء بالرحمة بالمقارنة لواقع حياتنا. و الحدث مليء بعناوين لقصص تملأ عشرات الكتب للأدباء و المبدعين.
اجمالي القراءات 1725
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق




مقالات من الارشيف
more