حين حكم «المهدي المُنتظر» السودان وجنّد أهلها لتحقيق نبوءته!

اضيف الخبر في يوم الجمعة 10 اغسطس 2018. نقلا عن: ساسه


حين حكم «المهدي المُنتظر» السودان وجنّد أهلها لتحقيق نبوءته!

سنجاهد في سبيل الله، في شأن الله، نغزو الخرطوم، نفتح مكة، نحكم مصر، ننشر نور الله في الأرض بعد إظلامها. وعد الله سيدنا المهدي عليه السلام، وما كان مخلفًا، وعد مهديه يا فاطمة. *شوق الدرويش – حمور زيادة

كانت سنوات 1881 وحتى 1885 سنوات الطّور الأول مما سُمي فيما بعد «الثورة المهدية»؛ إذ خرج الإمام محمد أحمد المهدي يدعو الناس من كل حدب وصوب للدخول في دعوته، باعتباره «المهدي المنتظر» الذي جاء ليخلّص الأرض مما انتشر فيها من فساد وجورٍ وكفر، وليُعيد إلى الدنيا نورها.

كان الشعب السوداني في ذلك الوقت مُتعطشًا لتدخّل يدٍ إلهية تنقذه من مصيرٍ محتوم؛ إذ أثقلت كاهله كثرة الضرائب التي كان الأتراك العثمانيون يقومون بجبايتها عنوة، عن طريق الإذلال، وسرقة قوت الفقير، فصدق البسطاء منهم دعوة المهدي، والتفوا حوله كأنّه أملهم الوحيد. وعلى الرغم من كثرة الأبحاث وكتب التاريخ التي وثّقت لتلك الفترة الهامة من تاريخ السودان، إلا أن رواية «شوق الدرويش» للكاتب السوداني حمور زيادة كانت خير راوٍ لتاريخ المهمشين والبسطاء، هؤلاء الذين آمنوا بأن الله قد بعث لهم مهديّ الله ليخلّصهم من ألم السنوات الطويلة من ظلم وعناء.

«أمسك بيدي.. اجلسني على كرسيه.. قال لي أنت المهدي المنتظر»

تبدأ الرواية بدخول قوات الجيش المصري تحت قيادة كتشنر – وهو ضابط إنجليزي – إلى أم درمان، من أجل إعادة احتلال السودان، بعدما حكمها المهدي وخليفته لـ15 عامًا؛ لتبدأ الرواية من حيث انتهت الثورة، وتروي لنا بأثرٍ رجعي أحداث نهاية الزمان، وخروج المهدي المنتظر إلى الناس.

 

معركة أم درمان 1898 – المصدر: ويكيبيديا

وعلى الرغم من أن الثورة المهدية بانتصاراتها وانكساراتها كانت هي الخط الزمني لأحداث الرواية، إلا أن الإمام المهدي لم يكن بطلها في الأساس؛ إذ جاءت الرواية وقد أبحرت في نفوس البسطاء، ولم يرد ذكر المهدي أو نشأته إلا لمامًا، وكأن الكاتب أراد أن يتجاهل في لعبته الملك والوزير، مفسحًا المجال للعساكر، قطع الشطرنج الصغيرة التي حركتها الأحداث وعبثت بأقدارها.

أما مهدية المهدي فروت قصتها كتب التاريخ والسيرة. يقول عنه ذو الفقار علي ذو الفقار في بحثه «التوظيف السياسي لعقيدة المهدي»: إن محمد أحمد المهدي قد اعتكف في مغارة بجزيرة «أبا» عام 1881، وذلك لـ40 يومًا، خرج بعدها وقد واتته البشارة؛ إذ أعلن للمشايخ والفقهاء والأعيان أنه «المهدي المنتظر» الذي جاء ليملأ الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا وظلمًا، قائلًا: «وحيث إن الأمر لله، والمهدوية المنتظرة أرادها الله واختارها للعبد الفقير محمد بن السيد عبد الله، فيجب التسليم والانقياد لأمر الله ورسوله».

كانت البشارة رؤى رواها المهدي في منشوره الذي ختمه بختمه، ونقش عليه محمد أحمد عبد الله، قائلًا: «جاءني النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة، ومعه الخلفاء الراشدون والأقطاب والخضر عليه السلام، وأمسك بيدي – صلى الله عليه وسلم – وأجلسني على كرسيه، وقال لي: أنت المهدي المنتظر، ومن شك في مهديتك فقد كفر. وأن الترك كفار، وهم أشد الناس كفرًا؛ لأنهم ساعون في إطفاء نور الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون».

 

تقرير الجزيرة عن الثورة المهدية

لم يكن محمد أحمد المهدي مجرد رجل عادي بسيط أتته رؤى وصدقها، ومن بعده التف حوله الأتباع، بل كان له شأن حينئذ بين الناس، فتقول عن نشأته حنان دباخ في رسالتها لنيل درجة الماجستير «الثورة المهدية في السودان»: «إنه في جزيرة لبب إحدى جزر النيل الواقعة بالقرب من مدينة دنقلة، ولد محمد أحمد بن عبد الله في 27 رجب عام 1260هـ، من أبوين بربرين، من قبيلة كانت تدعى الخناقية، ويزعم نعوم شقير أن قبيلة محمد أحمد كانت من العرب المتنوبة، والتي عرفت بالأشراف؛ إذ يرجع نسبهم إلى علي بن أبي طالب».

وفي سنة ميلاده أجدبت البلاد نتيجة انخفاض منسوب النيل؛ فهاجر أبواه وهو رضيع يبلغ من العمر ثلاثة أشهر، واستوطنوا قرية تسمى كرري، شمال أم درمان، وقبل نهاية عامه الأول توفي والداه فتكفل به إخوته، وعلماه صناعة السفن التي اشتهرت بها العائلة، وفي إحدى الأيام رأى محمد غلمانًا يتوجهون إلى الكتاتيب وبأيديهم الألواح؛ فأراد أن يكون منهم، وهرب من أخويه وذهب إلى كتَّاب في قرية بشرق النيل، وعلى الرغم من غضب أخويه، إلا أنهم تركوه في النهاية يذهب إلى الكتاتيب بشرط أن يتعلم صناعة المراكب ويشتغل بها.

كان محمد أحمد يذهب إلى كُتّاب الفكي الهاشمي، وهو رجلٌ عرف عنه تعليم القرآن بدون أجر، وعندما شبَّ بدأ يتنقل بين خلوات الشيوخ؛ فطاب له التحصيل والدراسة، وعرف عنه الزهد والورع والتقوى والولاء لأساتذته.

ويقال: إن المهدي منذ شبََ كان يعتمد على نفسه، فيذهب إلى الغابة، ويقطع الأخشاب لبيعها في السوق، فيأكل ببعض ثمنها، والبعض الآخر يتصدق به على الفقراء، فإن تعذر عليه ذلك خرج إلى النيل للاصطياد. ويروي البعض أنه لم يكن يضع طعمًا في صنارته؛ حتى لا يخدع الأسماك؛ لأنها مخلوقات الله.

اتجه بعدها محمد أحمد إلى التصوف في وقتٍ كان فيه المجتمع السوداني زاخرًا بالطرق الصوفية؛ فأصبح في عداد المريدين مع شيخه الأول محمد شريف نور الدايم، ويقال: إن نور الدايم كلما كان يتفقد مريديه في الليل، وجد المهدي يدرس ويتعبد ويتهجد، بخلاف المريدين الآخرين النائمين؛ فأعجب بهذا الشاب، وجعله شيخًا، وأعطاه راية، وجعله يتجول أينما شاء لينشر الطريقة، إلا أن مجالس السهر والاحتفال لدى الشيخ محمد الشريف لم تعجب هذا الشاب؛ فانفصل عنه في النهاية، وانضم إلى الشيخ القرشي ود الزين، أحد زعماء الطريقة السمانية، وهي إحدى الطرق الخلوتية التي كان لها شأن كبير؛ وأعجب القرشي بالمهدي المنتظر؛ فزوجه ابنته، ويقال: إنه من دس داخل نفسه فكرة المهدية؛ إذ هيأ ذهنه لها.

بعد وفاة الشيخ القرشي بايع أتباعه محمد أحمد ليكون زعيمًا وشيخًا جديدًا للطريقة السمانية؛ ومن هنا اكتسب المهدي أول مريديه، فحفر غارًا في باطن الأرض ليتعبد فيها بجزيرة أبا، واندفع إليه المريدون من كل حدب وصوب للتبرك به، حتى ذاع صيته بين القبائل، واتجه بدعوته حينها من السرية إلى الجهرية.

«إن كان هو مهدي الله فسيدخل هذه المدينة ويذبح الكفار ويقيم العدل»

يقول ابن خلدون في مقدمته: «اعلم أن في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على مر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من آل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويُسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال، وما بعده من أشراط الساعة، على أثره. وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله».

كانت لأخبار آخر الزمان، من انتشار الفساد والمجون والمظالم، وخروج المهدي إلى الناس، فيهديهم إلى العدل، دورها في التفاف الناس أفواجًا حول مهدي السودان؛ فنجد الكثير من المؤرخين يرجعون سبب موجة الإيمان والتصديق بالإمام محمد أحمد إلى دور تصوف المجتمع السوداني حينذاك في تهيئة أذهان العامة إلى القبول بالمهدية، خاصةً مع ادعاء بعض الطرق الصوفية بقرب موعد خروج المهدي المنتظر؛ أما البعض الآخر فأرجعها إلى أن الاحتلال العثماني للسودان، وقسوة الترك في التعامل مع الشعب السوداني حينذاك، سواء من خلال إثقال كاهلهم بالضرائب التي كانت شديدة الوطأة على الفقراء، خفيفة على الأغنياء؛ فأهلكتهم، أو وحشيتهم والمصريين معًا في التعامل مع العامة، والتنكيل بالقبائل، وإلغاء تجارة الرق التي حرمت التجار من مكاسبهم، وقَلّبَتهم على الحكومة. كان كل ذلك أساس السخط العام الذي اعترى المجتمع السوداني حينذاك، وجعله متعطشًا إلى أية بادرة أمل يتخلصون فيها من المحتل العثماني، ويملكون زمام أنفسهم.

 

(رواية شوق الدرويش)

عبّر زيادة، عن كل هذه الأسباب مجتمعة في روايته، فنجد تأثير الخرافات والأساطير على أذهان العامة، وداخل شخوص الرواية الذين آمنوا في عدل المهدي وخلاصهم، وقد رسمت أقدارهم بعناية ليكون هو اختيارهم الأول؛ فكان أولهم «بخيت منديل»: الشخصية الرئيسة للأحداث. هذا الرجل الذي تجرع القهر كؤوسًا طوال حياته؛ فاستعبدته الحياة وبيع في أسواق النخاسة، ووجد في المهدي ضالته؛ فخرج مع مئات المهاجرين من كل مكان لنصرة مهدي الله أملًا في أن يجد خلاصًا لنفسه من عذاباتها.

وهناك «الحسن الجريفاوي»: الذي تركته أمه هبةً لله، لدى الشيخ سلمان ود حمد الدويحي، فاتخذه ولدًا، وعلمه القرآن وأكرمه حتى شبَّ فعمل على حمار شيخه في سوق كركوج، ينقل البضائع، وهناك رأى تعنّت الأتراك في تحصيل الجباية، يجرونه من قفاه، يضربونه بالسوط، وينعتونه بالبربري، ويأخذون حصيلة يومه كاملة، ويتساءل متى يقطع الله دابر القوم الظالمين.

أما «فضل العزيز»، فكانت عجوزًا خفيفة العقل، كما وصفها زيادة، نال منها الجهل، تتحدث عن مهدي الله الذي اقترب زمن خروجه، حتى أن الناس يجدون اسمه مكتوبًا على بيض الدجاج وأوراق الشجر، وعلى الرغم من أنها تخدم في دار البعثة الأرثوذكسية، وتحب الفتيات المسيحيات اللواتي يقطنّ بها، إلا أنها تنعتهم بالكفار، وتنتظر موعد خروج المهدي ليذبحهن، وهذا أمر الله لا دخل لها به، كما تقول.

«المهدي المنتظر» يفتح الخرطوم

وراء هذا النهر منازل وقصور شيدت على معصية الله. مدينة ترابها الفسق وجدرانها المعاصي. أتى أمر الله يا خرطوم

*شوق الدرويش

«بلغ عدد القتلى من سكان الخرطوم يوم سقوطها 24 ألف رجل، وقتل الأطفال وكل ذكر ولو كان رضيعًا، غير أن النساء لم يقتلن، وابتدأت هذه المذبحة عند طلوع الفجر وبين شروق الشمس، حتى أصدر الخليفة أوامره بالكف عن القتل، وأخرج السكان من منازلهم بملابس النوم، وأصدر أمين بيت المال أوامره بتفتيش كل خارج من سكان المدينة الذين أمروا بالبقاء في بقعة بين الخندق ومعسكر ابن النجومي معرّضين للبرد القارس والحر المحرق، واستولى الدراويش على المنازل، وفي اليوم التالي بدأ بتعذيب الناس». هكذا وصف إبراهيم فوزي باشا في كتابه: «السودان بين غردون وكتشنر»، يوم سقوط الخرطوم في يد المهدي والدراويش، مُضيفًا أنهم كانوا يستدعون صاحب المنزل وكبار أفراد عائلته إلى بيت الأمين، ويبدأون محاكمتهم بقول: «حيث إنك كفرت بالله ورسوله وحاربت المهدي، فقد أهدر الله ورسوله دمك، وحرّم مالك عليك وصيره حقًا للمهدي، وعفا المهدي عن دمك، ولا سلامة لك في الدنيا ولا في الآخرة إلا بتسليم جميع أموالك حتى الخيط والمخيط».

 

معركة أبو طليح 1985 – المصدر: ويكيبيديا

وعلى الرغم من أن المؤرّخين يأخذون على فوزي باشا كراهيته للمهدي؛ إذ إنه سُجن إبان عهد المهدية، إلا أن هذا لا يمنع أن كتابه ذو مكانة رفيعة نظرًا إلى أنه من القلائل الذين عاصروا المهديّة وكتبوا عنها، كما أن الجهاد وفلسفته كانا جزءًا لا يتجزأ من العقيدة المهدية؛ فيقول عن ذلك البروفيسر حسن أحمد إبراهيم، وهو مؤرخ سوداني رائد في التاريخ الحديث والمعاصر: «إن الجهاد كان ركيزة أساسية في فكر المهدي السياسي، حتى أنه قد أمر بأن يعطّل مؤقتًا ركنًا من أركان الإسلام، وهو الحج؛ حتى يتفرغ المسلمون لهذا الواجب المقدس».

حثّ المهدي أنصاره على الاستخفاف بالدنيا، لا بهدف الانصراف عنها، وهو أمر كثير من المتصوفة، بل للاستهانة بها، والموت في سبيل الله لإقامة الدين، وأدب المهدي مليء بالمنشورات التي تحث على الجهاد، مثل: «وجاهدوا في سبيل الله واعلموا أن سيفًا سُل في سبيل الله أفضل من عبادة 70 سنة».

وكان حسن الجريفاوي أحد هؤلاء ممّن تعلّق قلبهم بالجهاد، كما وصفه زيادة: «لا خير في مهاجر متعلق قلبه بالدنيا»، ولهذا طلّق زوجته قبل خروجه في سبيل الله؛ فكان من بين آلاف يحاصرون خرطوم الترك، عاصمة الفساد، كما رأوها؛ إذ تمكن المهدي وجنوده من عزل المدينة بريًا وبحريًا عن المناطق المجاورة لها، حتى تأنى له فتحها في يناير (كانون الثاني) من عام 1885، ومن بعدها سقطت المدن في يد أنصاره الواحدة تلو الأخرى.

أم درمان.. أو «مدينة مهدي الله»

يقول زيادة في روايته: «خرج المهدي راكبًا جمله حتى إذا برك بموضعه الذي أمره الله بنى فيه بيته. ذلك الذي دفن فيه لما مات، وقامت هناك قبته المباركة تضم جثمانه الطاهر»، وكانت هذه المدينة هي أم درمان، وهي قرية صغيرة على ضفة النيل الغربية، زعم المهدي أن النبي قد أمره بنقل معسكره إليها في رؤياه، وأطلق عليها «البقعة الطاهرة المشرفة»، وتشبه بالنبي يوم دخل المدينة المنورة؛ إذ ركب ناقته وجعل موضع بركها هو موضع بيته، وبنى هناك مسجدًا طوله نحو 500 متر.

 

الثورة المهدية

وبعد عدة أشهر من فتح البلاد، وقبل أن يتسنّى للمهدي أن يستمتع بثمار فتوحاته، أو يستكملها بفتح مصر، وأقطار المسلمين كلها، كما وعد أنصاره، مرض محمد المهدي في نفس البقعة التي اختارتها له ناقته، ومات ودفن في موضعه، تيمنًا بالنبي وميتته، حتى أن أتباعه لم ينزعوا عنه مرقعته، بل غسلوه من فوقها تمامًا كالنبي! فيقول عن ذلك إبراهيم فوزي باشا في كتابه: «في يوم الاثنين التاسع من رمضان سنة 1302هـ، عند أواخر الساعة الرابعة على الحساب العربي فاضت روحه وهو مُلقى على الأرض، محاطًا بخلفائه ونسائه وبعض ذوي قرابته»، ويضيف أنه كان قد أمر بالخلافة لعبد الله التعايشي وهو في الرمق الأخير.

يروى فوزي باشا أنّ مرض المهدي لم تهلع له الناس؛ إذ كان قد وعدهم بأن المنية لا تدركه قبل أن يفتح مصر والشام والكوفة والحجاز، فلم يكترثوا، حتى أتى موته كالصاعقة على مريديه، كاشفًا كذبه، وهو ما وضع خليفته التعايشي في موضعٍ حرج، إلا أن سقوط قدسية المهدي رواها بشكلٍ أكثر حسيّة وشمولية حمور زيادة في روايته؛ فكل هؤلاء ممن أخلصوا في إيمانهم بالمهدية، انقلب في النهاية إيمانهم عليهم، فكان كما وصفه زيادة، منه ما يهلك كالكفر؛ إذ جعل أشخاص روايته يواجهون عن كثبٍ حقيقة إيمانهم؛ إذ نجد أن بخيت منديل – بعد أن قتل جنود المهدية حبيبته ثيودورا – يسعى للانتقام منهم، هم من حارب إلى جانبهم يومًا من الأيام في نفس المعارك.

والحسن الجريفاوي نجده بعد أن طلّق زوجته الحبيبة فاطمة حتى لا تشغله عن الجهاد، وقد تلطخت يداه بدماء الأبرياء، ينهشه الحنين، وتطارده أشباح قتلاه، كم رمل! وكم أثكل! وكم يتّم! ويتساءل: «يا مهدي الله لماذا صرت تركيًا؟».

أما فضل العزيز، المرأة العجوز التي تلقّت خبر دخول المهدي بزغاريدها، فسبقها رمح جنود المهدية إلى صدرها، وماتت جنبًا إلى جنبٍ مع من تمنّت نحر أعناقهم؛ لتتحول الرواية من مناصرة للمهدية ظاهريًا على ألسنة أشخاصها، إلى مرثية لحالهم، فالإيمان كان أقرب إلى الكفر، والمظلومون كانوا أقرب للظالمين من أنفسهم، فقتلوا وأحرقوا حتى أوجعهم الإيمان، لتزيح الستار عن وحشية ودموية الثورات، حتى وإن كان غرضها نبيلًا.

اجمالي القراءات 326
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق