الديمقراطية الصورية في أفريقيا.. تمديد وعنف وتوريث

اضيف الخبر في يوم السبت 12 اغسطس 2017. نقلا عن: العرب


الديمقراطية الصورية في أفريقيا.. تمديد وعنف وتوريث

الديمقراطية الصورية في أفريقيا.. تمديد وعنف وتوريث

 

  • رغم ما عاشته القارة الأفريقية من استحقاقات انتخابية من خلال توجه زعمائها إلى صناديق الاقتراع لكسب التأييد الشعبي وضمان استمرارهم في السلطة عبر الآليات الشرعية، فإن إخلالهم بوعودهم بالتنحي عن السلطة والتوجه نحو سن تعديلات دستورية للتمديد في سنوات حكمهم، كشف أن الديمقراطية في أفريقيا صورية تتحكم فيها المصالح والحسابات الخارجية، وأن التمسك بالسلطة حتى الرمق الأخير ظل يتمدد من جنوب الصحراء إلى شمالها.

العرب د. خالد حنفي علي [نُشر في 2017/08/13، العدد: 10721، ص(6)]

الاستحواذ على السلطة بطرق ناعمة

في السابع من أغسطس الجاري رفض الرئيس التنزاني جون ماجوفولي دعوات أنصاره لتمديد حكمه إلى ما بعد الولايتين الرئاسيتين، مؤكدا احترامه للدستور، وأنه سيسلم السلطة للرئيس المقبل، عندما يحين الوقت. بعدها بيوم واحد، نجا الرئيس الجنوب أفريقي جاكوب زوما من اقتراع بحجب الثقة في البرلمان، على الرغم من تصاعد حدة الانتقادات له، سواء من قبل حزبه المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم أو المعارضة.

المشهدان -على اختلافهما- قد يعبران عن احترام قواعد اللعبة الديمقراطية في القارة الأفريقية، لكنهما بالمقابل لا يعكسان الاتجاه العام لظاهرة التحايل على تلك القواعد وإفراغها من مضمونها في دول أفريقية أخرى في ظل تمديد العديد من الرؤساء لولاياتهم الرئاسية عبر تعديل الدستور لتبرير شرعية الاستمرار في السلطة.

إذ سبق ذلك، فوز الرئيس الرواندي بول كاجامي بولاية ثالثة في الانتخابات الرئاسية التي جرت في الخامس من أغسطس الجاري بنسبة تجاوزت الـ98 بالمئة، بعدما كان قد تم تعديل دستور البلاد في ديسمبر 2015 ليسمح له بالترشح لفترة جديدة لسبع سنوات، ثم فترتين مدة كل منهما خمس سنوات، متخليا بذلك عن وعود سابقة بتمهيد البيئة السياسية لمن سيأتي بعده، إثر قضاء ولايتين متتاليتين فاز بهما عامي 2003 و2010.

ما فعله كاجامي ليس إلا نسخة مكررة لسيناريو سلكه قادة أفارقة آخرون في شرق ووسط وغرب القارة في تمديد ولاياتهم بتعديل الدستور أو بالأحرى خرقه. فمثلا، فاز الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني بولاية خامسة في فبراير 2016 مواصلا سيطرته على الحكم منذ أكثر من 30 عاما، كما استطاع إدريس ديبي في العام نفسه تأمين ولاية خامسة ليمدد هو الآخر حكمه منذ العام 1990.

وعلى الدرب ذاته وإن اختلفت مدد بقائهم في السلطة، سار كل من إسماعيل عمر جيله في جيبوتي وتيودورو أوبيانج نجيما في غينيا الاستوائية وبول بيا في الكاميرون، وغيرهم.

وبينما رضخ يحيى جامع في جامبيا في يناير الماضي لضغوط الخارج ليتخلّى عن السلطة بعد خسارته للانتخابات لينهي حكمه لهذا البلد طيلة 22 عاما، فإن رؤساء آخرين قرروا ترك السلطة طواعية ولكن مع استمرار هيمنتهم في سيناريو آخر يعمق أزمة الديمقراطية الشكلية في القارة.

لا يختلف الأمر من حيث المضمون في زيمبابوي، فروبرت موغابي (93 عاما) الذي يقبض على زمام السلطة منذ العام 1980، خرج مؤخرا ليقول إنه “لا يحتضر ولن يترك الحكم”، ما دفع البعض لعدم استبعاد ترشحه لفترة خامسة في انتخابات الرئاسة في العام المقبل إن لم يداهمه الموت أو يقعده المرض تماما. حتى إن حدث ذلك، فالمساعي على أشدها لدى حزب الاتحاد الوطني الديمقراطي الأفريقي الزيمبابوي/الجبهة الوطنية الحاكم لتأمين استمرار سيطرته على السلطة، ما برز في مطالبة غريس زوجة موغابي -القيادية بالحزب الحاكم- الرئيس باختيار خليفته.

ما فعله كاجامي ليس إلا نسخة مكررة لسيناريو سلكه قادة أفارقة آخرون في شرق ووسط وغرب القارة في تمديد ولاياتهم بتعديل الدستور أو بخرقه

التشبث بالسلطة حتى الرمق الأخير تمدد من جنوب الصحراء إلى شمالها في أفريقيا، فلم يمنع مرض الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة (80 عاما) بجلطة دماغية في العام 2013 وقضائه لأربع فترات رئاسية منذ العام 1999 من أن تتجه بعض التكهنات إلى احتمال ترشحه في انتخابات الرئاسة في العام القادم، حتى وهو على كرسي متحرك.

وفي الوقت الذي يواجه سيناريو التوريث من بوتفليقة إلى أخيه سعيد في الجزائر -كأحد احتمالات حل أزمة الخلافة في هذا البلد- صعوبات سواء من قبل الجيش أو المناخ الاجتماعي الرافض لتزاوج السلطة ورأس المال، فإن الغابون فعلت ذلك، دون أن تعبأ كثيرا بالانتقادات السياسية الغربية وطالما أن الأمر جاء عبر صناديق الاقتراع حتى لو صدرت بعد الانتخابات اتهامات بالتزوير.

في هكذا بيئة أفريقية تزداد شكوك المعارضة في التزام أيّ رئيس بعدم التمديد لرئاسته، فوعود الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز بعدم الاستمرار بعد فوزه بفترتين في عامي 2009 و2014 لم تلق مصداقية لدى المعارضة مع تمرير الاستفتاء على التعديلات دستورية في الخامس من أغسطس الجاري. ذلك أن تلك التعديلات تضمنت إلغاء مجلس الشيوخ بما يعزز سيطرة الرئيس على صنع القرار السياسي ويمهد لإلغاء القيود الدستورية على الفترات الرئاسية.

نكوص أفريقي

تلك المشاهد تعكس في مضمونها نكوصا أفريقيا عن المسار الديمقراطي بعدما لاحت نذره في تسعينات القرن العشرين تحت وطأة ضغوطات المشروطية السياسية الغربية التي تربط بين تدفق المساعدات ومدى الالتزام بالنهج الديمقراطي الليبرالي سواء التعددية الحزبية وتداول السلطة واحترام الدستور وتنظيم انتخابات دورية وانتهاج اقتصاد السوق الحر. وعزز ذلك أن الاتحاد الأفريقي يجمد عضوية أيّ دولة يتم فيها تغيير الحكم عن طريق انقلاب عسكري.

في مواجهة ذلك أظهر قادة أفارقة قدرة على الاستجابة المرنة لقواعد اللعبة الديمقراطية والاستمرار في السلطة بطرق ناعمة (صناديق الاقتراع)، وليس خشنة (قوة السلاح). واستطاع أولئك القادة تكريس قاعدة صورية للديمقراطية مفادها: دعهم يعارضون وينافسون في الانتخابات كي يحسّنوا صورتنا الخارجية لأجل المساعدات الغربية، ودعنا نستمر في السلطة بوسائلنا الخاصة عبر الانتخابات الدورية في ظل غياب البيئة الشفافة للمنافسة الانتخابية والتي يفترض أنها لب الفكرة الديمقراطية كي يستطيع الناخب التعبير عن رأيه بحرية.

لعل ذلك ما دفع الاتحاد الأوربي ذاته في نهاية الشهر الماضي إلى إلغاء خطط لمراقبة الانتخابات في أنغولا، بعد عدم التوصل إلى اتفاق مع حكومة لواندا، ومنها حرية الوصول إلى مكاتب الاقتراع.

لقد انبنى التصور الليبرالي الغربي على أن المسار الديمقراطي سينقل أفريقيا من الصراعات إلى بر السلام والأمن والتنمية، لكنه أغفل خصوصية القارة وطبيعة شبكات المصالح التي راكمتها السلطة داخليا وخارجيا، بما يحول دون تناوب ديمقراطي حقيقي. فالتعددية الحزبية تحولت إلى عباءة للعرقيات المتنافسة على السلطة والثروة، خاصة أن بناء الدولة القومية بعد الاستقلال لم ينجح في نقل الانتماءات الأولية إلى المستوى الوطني.

حسابات المصالح تتحكم في مفاتيح الحل والعقد

لذا بات من يصل إلى السلطة في أفريقيا، ولو عبر صناديق الاقتراع، يغلق الباب وراءه أمام الآخرين، ويصوغ بيئة سياسية وأمنية واقتصادية تستأثر بها قبيلته وحزبه وتصعّب حدوث انتخابات نزيهة.

على سبيل المثال اتهم الزعيم الكيني المعارض رايلا أودينغا بتزوير الانتخابات الرئاسية التي جرت في الثامن من أغسطس الجاري لصالح منافسة أهورو كينياتا. ويرى أودينغا أن الانتخابات عادة ما تسرق منه، مثلما جرى في عامي 2007 و2013. ويدعم عدم الثقة في إمكانية حدوث تناوب حقيقي أن كينياتا يتقدم في الانتخابات على الرغم من عدم نجاحه في مكافحة الفساد والبطالة والإرهاب القادم عبر جارته الصومال. بخلاف المعضلة العرقية الأكبر حيث ينتمي أودينغا إلى عرقية لوو التي تعترض على تهميشها من قبل الكيكويو، والتي ينحدر منها كينياتا وتحتكر السلطة والثروة.

اللافت أن الاضطرابات الداخلية الناتجة عن هشاشة الديمقراطية في بعض الدول الأفريقية لم تختلف في نتائجها أحيانا عمّا عرفته في زمن الانقلابات كما الحال عندما سقط 1200 شخص في الانتخابات الكينية في العام 2007 إثر خسارة أودينغا آنذاك، ونقل احتجاجاته على التزوير إلى الشوارع.

وبالمثل أيضا فإن الانتخابات الأخيرة في زامبيا في العام 2016 والتي فاز فيها إدغار لونغو على زعيم المعارضة هاكندي هيشيليما شهدت عنفا واتهامات بالتزوير. بل إنها قادت الأخير إلى الاعتقال بتهمة الخيانة في أبريل من العام الجاري وفرض حالة الطوارئ التي تم تمديدها الشهر الماضي.

بدورها أسهمت بعض المعارضات الأفريقية في تكريس هشاشة الديمقراطية بسبب انشقاقاتها الداخلية، ما دفع -مثلا- زعيم المعارضة الرئيسية في زيمبابوي مورغان تشانغيراي إلى التحالف مع حلفائه السابقين للاتفاق على ميثاق انتخابي لمواجهة موغابي في الانتخابات القادمة أملا في إنهاء قبضته على البلاد.

صناديق دون مكاسب

تكمن المعضلة الحقيقية للمسار الديمقراطي الأفريقي في عدم تحوله إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية حيث ظلت “سياسة ملء البطون” -التي يصف عبرها جان فرانسو بيار ظاهرة الفساد الأفريقي- منتشرة في كافة مفاصل الدولة، مع غياب المساءلة وهيمنة الأحزاب الحاكمة على البرلمان لمدد طويلة.

حتى أننا نجد دولا نفطية مثل غينيا الاستوائية تعيش غالبية سكانها تحت خطر الفقر في وقت يمسك الرئيس تيودور أوبيانغ نجيما (74 عاما) بزمام السلطة منذ العام 1979، ويفوز بجميع الانتخابات الرئاسية ويعين نجله نائبا له.

فيما لم يؤد ظهور النفط في تشاد في العام 2003 إلى تحسين أوضاعها سكانها الفقراء، مع هيمنة إثنية الزغاوة التي ينتمي لها الرئيس إدريس ديبي على السلطة والثروة والمناصب الرئيسية في الجيش وحزب الحركة الوطنية للإنقاذ.

صحيح أن بعض الرؤساء الأفارقة المتمسكين بالسلطة حققوا إنجازات اقتصادية معترف بها دوليا مثل بول كاغامي في رواندا حتى أن البعض يصفه بالدكتاتور العادل، لكن ذلك قد لا يكون مبررا لتمديد رئاسته وتحدي الدستور.

اجمالي القراءات 180
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق