حوار مع جريدة الوقت البحرينية

سامر إسلامبولي في الإثنين 15 يناير 2007


TEXT-ALIGN: center" align="center">(1)

                                                    * القرآن.. الموقع والدور

المزيد مثل هذا المقال :

    - ليس من الإفراط ولا الاختزال القول بأن القرآن الكريم يحتلّ مركزًا محورياً داخل الحضارة الإسلامية، ولكن ثمة أسئلة تُطرح في هذا السياق:

   س1- ما هو البعد/ الأبعاد التي تؤهل نصّا لغوياً ليحظى بهذه المحورية؟

 

  ج1- النص اللغوي حتى يصيرَ محوراً لثقافة مجتمع ينبغي تحقق به عدة أبعاد. أهمها:

الأول : بُعد غيبي متمثلاً بتعالي وعظمة الجهة التي صدر النص منها .

الثاني : بُعد إيماني . متمثلاً بإيمان الناس بالبُعد الغيبي للنص .

    وهذه النهضة والحضارة لم تنشأ من النص ذاته بدليل أن النص مازال موجوداً الآن كما كان ، ولكن المجتمع العربي والإسلامي الحالي متخلف على الأصعدة كافة !! فالنهضة والحضارة نشأت من خلال تفاعل المجتمع العربي الأول مع النص القرآني بصورة واعية حسب المستوى المعرفي حينئذ ، فأخذ من النص القرآني منطلقاته ومرتكزاته وأسقطها على أرض الواقع ، فالنهضة لابد لها من عاملين أساسيين وهما الفكر والإنسان الفاعل ، ولا يمكن أن يُستغنى عن أحدهما أبداً, فعندما تفاعل المجتمع الأول الذي زامن نزول النص مع النص الذي يحتوي على فكر كلي مستنير استطاع أن يُنشئ نهضةًً وحضارةً كبرى . والذي حصل فيما بعد أن المجتمعات اللاحقة عوضاً عن أن تتفاعل مع النص مباشرة وتسقطه على الواقع ، قامت بإعادة تفاعل المجتمع الأول وأسقطته على معطيات واقع جديد ، ومن الطبيعي أن لا ينشأ نهضة أو حضارة من تفاعل سابق انتهى مفعوله ، ولا بد من تفاعل حي جديد مع النص القرآني حسب الأدوات المعرفية الجديدة ، عندئذ ممكن أن نعود إلى إنشاء نهضة وحضارة!!.

    والنص حتى يصلح للتفاعل الجديد لكل مجتمع ينبغي أن تكون بنيته قائمة على الثابت والمتغير ليضمن التواصل والتطور ، لذلك أتى النص المتعلق بالجانب المتغير بصيغة الرمز والمجاز والإشارة ليغطي ويواكب المستوى المعرفي لكل مجتمع ويظهر مصداقيته بواسطة العلم من خلال الآفاق والأنفس في كل مجتمع ، وهكذا تتوالى وتتراكم شهادات المصداقية للنص القرآني في كل مجتمع [ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق].

    فالمشكلة ليست في النص القرآني ، وإنما المشكلة بعقلية الإنسان الحالي والثقافة السلفية الماضوية التي تحكم المجتمع , فنحن نعاني من أمراض اجتماعية خطيرة متمثلة بإتباع الآباء والأكثرية والنظرة الأحادية للأمور ، ورفض الآخر وعدم التعايش معه ، واحتكار فكرة الخلاص والنجاح في الدنيا والآخرة لنا من دون الناس ، وغياب المنهج العلمي في التعامل مع الأمور ، ونفي مفهوم الأسباب والعلل في حصول الأحداث, وغير ذلك من الأمراض والآفات الاجتماعية ...

    فالدور النهضوي الآن مناط بتفاعل الإنسان وبصورة علمية وواعية مع النص القرآني, وفهمه من خلال إسقاطه على محله من الخطاب مستخدمين بذلك أرقى الأدوات المعرفية التي وصل إليها المجتمع الإنساني .

    وهلاك الدول أمر غير محدد بزمن معين أو بتوالي عدة أجيال ، وإنما هو قانون إلهي يحكم حياة وموت الأمم من خلال تعاطي هذه الأمة لمعطيات قانون الحياة أو الموت ، فممكن للأمة أن تطيل عمرها النهضوي من خلال الأخذ بقوانين استمرار النهضة المتمثلة بالفكر الكلي والقيم والأخلاق والعلم ، فالأمة التي ترفع من شأن الأخلاق والقيم وتجعلها سائدة وحاكمة على المجتمع وتستخدم العلم في بنية المجتمع يطول عمرها وتدفع عن نفسها قانون الموت من أن يطولها عاجلاً وذلك من باب دفع أقدار الحق بالحق للوصول إلى الحق .

    إذاً الأمة هي التي تختار السير في طريق الحياة أو الموت ، ولا علاقة للأحداث السياسية والمؤامرات والضغوط العالمية في عدم نهضة أمة معينة ،فلولا القابلية للاستعمار والمرض لما تحلل المجتمع وتفكك .

    فالنهضة تكون من داخل الأمة من خلال إيجاد فكر كلي نهضوي يحمله المجتمع ويتفاعل معه ويتحول إلى الفاعلية لذلك قال تعالى : [ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ] والتغيير لا يكون بقطع الرؤوس ، وإنما بتغيير ما بالنفوس من مفاهيم الحقد والكره والعداء والأنانية ليحل محلها مفهوم الحب والسلام والتعايش والتعاون والتماسك في عملية عمران الأرض والخلافة فيها للوصول إلى سعادة المجتمع وتحقيق الأمن والعدل له .

 

(2)

القرآن الكريم – النص والعلوم الحديثة .

   

     س1- كيف يمكن التفريق أو التمييز بين نص أدبي جميل (هو بشري في النهاية) ونص آخر مقدس؟ وهل يمكن، أو يصح، تطبيق إمكانات عالم النصوص الحديثة (الشعرية، الأسطورية..) على النصوص المقدسة؟ هل بالإمكان اكتشاف عناصر داخلية مميزة لمستوى وعالم النص المقدس؟ وما هي الوسائط المنهجية التي يحق لنا من خلالها قراءة النصوص المقدسة بوصفها نصوص أديان لا نصوصاً أدبية؟

  ج1-  إن التمييز بين نص أدبي وآخر مقدس يبدأ من مسألة الإيمان أولاً بمصدرية النص ، وإذا حصل هذا الإيمان بقدسية النص من خلال البرهان العقلي العلمي عليه لم يعد الأمر متاح للمقارنة بين نص إلهي وآخر بشري على الأصعدة كافة . رغم أن الصور الأدبية الجمالية ليست مقصداً بحد ذاتها في النص الإلهي وإنما تم استخدام أرقى أسلوب أدبي فني لصياغة النص المقدس ليحتوي مضموناً مقصوداً من قبل الإله العظيم . وصار النص المقدس بهذه المواصفات مقياساً ومعياراً يتم على موجبه قياس مدى رقي وعلو النصوص الأدبية البشرية مع بقائها دونه بصورة دائمة .

     لذا لا يصح تقويم وقياس النص المقدس بمعايير أدبية وضعية متغيرة لأنه ليس نصاً أدبياً أصلاً ، ولا يهدف هذا الجانب ، وإنما يهدف الهداية للناس والنهضة بهم . والنص القرآني قد احتوى في بنيته وسائط منهجية ممكن أن يستخدمها الباحث في دراسته إذا اكتشفها لأن النص القرآني متميز في بنيته وتناوله للأمور, ومن أهم الوسائط المنهجية في القرآن هي ربط الخطاب القرآني بمحله من الواقع فهو يدفع الباحث إلى النزول إلى الواقع ليعلم مصداقية النص القرآني من خلال تطابق الدال مع المدلول عليه للوصول إلى الدلالة العلمية ,وفي حال لم يتم التطابق بين الدال والمدلول عليه يطلب النص القرآني من الباحث إعادة البحث مرة أخرى وتغيير طريقة البحث والحصول على أدوات معرفية أدق وأرفع مستوى من الأولى وتغيير طريقة نظرته إلى النص ,ومتابعة البحث وهو على ثقة أن المطابقة أمر لازم إيمانياً وعلمياً وإلا انتفى عن النص صفة القداسة لاختلافه مع محل الخطاب من الواقع . وهذا لا يمكن أن ينطبق على كلام الله عز وجل أبداً ، لأن المتكلم عن الفعل هو الفاعل نفسه . وموضوع إيجاد الوسائط المنهجية لدراسة النص المقدس موضوع كبير جداً ويكفي ما أشرت إليه من وجود ذلك في بنية النص ذاته, فالله عز وجل أنزل مفاتيح النص مع النص ذاته ، وهذا ينطبق على النص القرآني فقط كونه نصاً خاتمياً نزل بلغة عربية علمية قائمة أيضاً على الثابت والمتغير , لذا هو الوحيد الممكن قراءته قراءة معاصرة متجددة حسب الأدوات المعرفية المتنامية .

   س2- تطرح الألسنية الحديثة مفهومي النص والخطاب، وبعض الباحثين يقيم تفريقا بين النص القرآني، والخطاب القرآني، مفضلاً استخدام الثاني لوصف مرحلة التلفظ الأولية للقرآن من قبِل النبي (ص). ولا شك أن لهذا الاستخدام لحظات انتربولوجية ونفسية على ضوء التمييز الواقع بين الخطاب الشفهي والخطاب الكتابي، وما ينتجه كلا الخطابين من فهم وذاكرة وعقل متفاوت.

فما هو رأيكم بهذه التفرقة؟ وهل ترونها مجدية على صعيد القرآن وظاهرة الوحي الإلهي عموماً ؟

 

  ج2- أما مسألة التفريق بين مفهومي النص والخطاب فلا شك أن وقع دلالة مفهوم الخطاب أقوى على النفس من وقع مفهوم النص ، وذلك لأن مفهوم الخطاب يدل على وجود متكلم وآخر مُخاطَب مما يعطي للخِطاب صفة الحياة ويشعر المُخاطَب بالمسؤولية ويشارك المتكلم إلى حد معين بصياغة المفهوم ، بينما مفهوم النص يدل على السكون وغياب المتكلم وانتفاء التفاعل معه, ويشعر القارئ للنص أنه يُملى عليه إملاءً .

   أما ربط مفهوم الخطاب بالمرحلة الزمنية الأولى التي نزل النص فيها فأنا أرى أن الخطاب مستمر لكل الناس عبر الزمان والمكان من خلال وجود وحفظ الرسالة الإلهية الموجهة لكل الناس ، لذا ينبغي التعامل مع الخطاب القرآني بصورة فاعلة لأنه حقيقةً هو موجه لنا ومطلوب من كل إنسان ومجتمع أن يتفاعل معه وكأنه نزل الآن علينا, ومطلوب منا تنزيله على أرض الواقع عملياً حسب معطيات الواقع ، وترتيبه حسب سُلم الأولويات والحيثيات التي نعيشها ,وقد صدق من وصف الخطاب القرآني بأنه خطابٌ حييٌ من حييٍ إلى أحياء !!

 

    س3- السعي قائم اليوم لإدخال القرآن في ميدان البحث التاريخي والانتربولوجي والألسني الحديث. أبرز الأمثلة على ذلك ما نجده عند محمد أركون فيما يسميه بالإسلاميات التطبيقية، وهو يطبق هذه المنهجية على كافة خطابات الوحي، معتقدا أن ذلك هو الطريق لإنهاء تاريخ الكراهية بين الأديان.

   - ما هي أسس ومنطلقات المشروع الأركوني؟ وهل استطاع هذا المشروع أن ينجز عطاءً علمياً في مقارباته للقرآن الكريم، حيث ينظر إليه باعتباره يمثل بنية أسطورية؟

 

     ج3- إن أهم أسس مشروع أركون في عملية نقد العقل الإسلامي تبدأ من نفي وجود مسلمات إيمانية وإعادة كل المسائل للدراسة مرة ثانية بواسطة الأدوات المعرفية الحديثة مجتمعة وخاصة علم اللسانيات . وقد قام فعلاً في تطبيق ذلك على النص القرآني مستفيداً من مدرسة الاستشراق الألمانية بقيادة العالم نولدكه وجماعته ووصل إلى أن النص القرآني قد تم تقديم أو تأخير بعض نصوصه عن مكانها الأصلي غير زحزحة بعض النصوص إلى سور أخرى لا يحتملها السياق اللغوي من حيث الأحداث كما زعم !! وقد ذكر أن الأمر أكبر من ذلك بكثير كونه قد اطلع على دراسات هذه المدرسة الاستشراقية وقد أصابه الذهول والعجب مما رأى!!

   لذا يرى أركون أن الأمر الديني برمته من وجود الله عز وجل إلى ظاهرة الوحي ونزول الرسالات وإمكانية وجود اليوم الآخر, وما سوى ذلك من الغيبيات ينبغي أن يعاد دراستها في التراث الديني الإنساني كله دون استثناء في كل اللغات المكتوبة ، وعند كل الملل والطوائف للوصول إلى فكر إنساني علمي موحد!! .

    وقد قام هو بنقض كثير من المواضيع الإسلامية دون إيجاد بديل لها, فإلى هذا التاريخ لم يكتب بحثاً إيجابياً يدفع الأمة إلى النهضة والبناء ,وإنما يكتفي بالنقض ويطالب المثقفين الإسلاميين بتعلم بضع لغات ودراسة التراث الإسلامي كله ومن ثم نقده . فمشروع أركون هو مشروع على الورق فقط لا واقع له ، ويحتاج إلى جيوش من الباحثين والعلماء في كافة الاختصاصات غير مئات من السنوات للقيام بهذا العمل الذي سوف تكون نهايته الفشل لأنه وهم على أرض الواقع ولن يتم حسم الأمر لأنه مرتبط بحرية الإنسان وإيمانه ,والمشكلة ليست في ثبوت هذه القضايا أم لا ، وإنما المشكلة بالإجرام والاستبداد والاستعباد.

   مع العلم أن قضايا الإيمان ابتداء من أحدية الله عز وجل والوحي والنبوة واليوم الآخر والرسالة الإلهية الخاتمية قد تم الحكم على قطعية وجودها وأحقيتها في كل مجتمع عبر الزمان بما يناسب أدواتهم المعرفية وظهر لهم اليقين والمصداقية في الواقع ، وعندما جاء المجتمع اللاحق أخذ هذه الحقائق إيماناً وأعاد أيضاً البرهنة عليها حسب المستوى المعرفي له, فأضاف شهادته لشهادة من سبقه , وهكذا تتراكم  البراهين والأدلة على مصداقية هذه الأمور من مجتمع إلى آخر بما يقيم الحجة كاملة على كل مجتمع كما أخبر الرب تبارك وتعالى [ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ]

ولكن المجرمين يغطون الحقيقة ويجحدونها قال تعالى :[ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ]

   لذا أنا أرى أن مشروع أركون دعوة للضياع والتشكيك في كل الثوابت ,وإعادة إثباتها مرة ثانية وهكذا يستمر المجتمعات بإثبات ما هو ثابت, وبالتالي يبقون طوال عمرهم يجترون الأدلة والبراهين والجري خلف كل جديد من العلوم الناشئة ويتجاوزهم قطار النهضة والبناء ولن يعملوا شيئاً أبداً . وهذا لا يعني أن لا أستفيد من الأدوات المعرفية الحديثة والعلوم الإنسانية, بل الواجب علينا أن نواكب بل ونساهم في دفع عجلة التقدم والرقي في كافة العلوم ,ونستخدمها في عملية النهضة بالإنسان ومحاربة الظلم والاستبداد والاستعباد للشعوب

 

 

 

 

 

 

* خلود القرآن

    - آية الإكمال في القرآن الكريم (اليوم أكملت لكم....)، تعد عند المفسرين كاشفةً عن حقيقة الإسلام بكونه ديناً كاملاً وخاتماً.

    س1- ما المقصود بإكمال الدين الوارد في الآية القرآنية هذه، هل هو كمال من حيث المضمون؛ بمعنى أنه تضمّن كل شيء، أم هو متعلق بمسألة إبلاغ كل ما كان يجب على الدين الكامل إيصاله للإنسان، كما يذهب إلى ذلك الشيخ محمد مجتهد شبستري، أم أن هناك معنى آخر لهذا الكمال؟

 

   ج1- إن كلمة الإكمال تدل على أن الشيء المعني باكتماله هو أمر قد تم الابتداء به سابقاً، وهذا مشاهد ومعلوم في الواقع من كون أن الإسلام دين الله عز وجل الذي ارتضاه للناس جميعاً وبدأ نزوله منذ أول رسول أرسله الخالق إلى الناس ,سواء أكان نوحاً عليه السلام أم من قبله ، واستمر نزول الشرع الإسلامي مع بعثة كل رسول جديد بجانب نزول شرع قومي عيني ظرفي خاص لكل قوم حسب معطيات واقعهم ، فإذا تغير الواقع وتطور في اتجاه النهضة والمعرفة اقتضى ذلك بعثة رسول جديد ينزل عليه بعض من الشرع الإسلامي ليضاف إلى ما سبق ويتم رفع بناء الشرع الإسلامي مع تقليص وتعديل نسخ أجزاء من الشرع القومي العيني ، وهكذا استمرت حركة الشرع بمحوريه الإسلامي والتاريخي ,فالإسلامي يتم نموه وبناءه نحو الإنسانية والعالمية ، والشرع التاريخي يتقلص ويتم نسخه تدريجياً إلى أن تم اكتمال بناء الشرع الإسلامي فاقتضى ذلك إزالة كل الشرع التاريخي المرتبط بالقومية والعينية ليحل محله بصورة كاملة الشرع الإسلامي ذو الصفة الإنسانية والعالمية ، واقتضى ذلك إنهاء دور الأنبياء وتوقيف عملية بعثهم .

    فكانت الرسل التي نزل عليها جزء من الشرع الإسلامي [ التي تسمى خطأً أصحاب الرسالات لأن الرسالة الإسلامية واحدة فقط ] معلماً تاريخياً لمرحلة التطور في المجتمع الإنساني قاطبة, لذا ينبغي أن يتم دراسة هذه المعالم, ومن الخطأ أيضاً انتشار مقولة تعدد الأديان السماوية , والصواب أن الله عز وجل واحد, وقد أنزل ديناً واحداً وشرعاً إسلامياً واحداً لكل الجنس الإنساني عامة ، والتعدد والاختلاف كان في الشرع التاريخي القومي العيني الظرفي فقط, فأتباع جميع الأنبياء والرسل من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (صلوات الله عليهم جميعاً)دينهم الإسلام وشرعهم الإسلام مع وجود شرع تعددي تاريخي ظرفي لكل منهم إلى أن تم نسخ الشرع القومي عندما اكتمل بناء الشرع الإسلامي, وجميع أتباع الأنبياء والرسل هم في هذا البناء الإسلامي, وقائمين على أسسه, فمنهم من وقف عند مرحلة تاريخية معينة ، ومنهم من تجاوزها قليلاً ,ومنهم من وصل إلى قمة البناء, فلكل حياته ونصيبه ، ومطلوب منهم جميعاً عملية الارتقاء والعلو في البناء للوصول إلى القمة .( كلما ارتقت العقول كلما التقت )

    لذا فكرة احتكار الخلاص والفلاح في الدنيا والآخرة لفئة دون أخرى من سكان البناء الإسلامي خطأ قبيح قد ذمه الخالق تبارك وتعالى ونهى عن ذلك ووضع قاعدة للخلاص والفلاح فقال جل شأنه [ إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون]

    فمفهوم الاكتمال للدين أمر موجه إلى اكتمال بناء الشرع الإسلامي وهو نظام كلي متعلق بحركة الفرد في المجتمع ، وحركة المجتمع ككل على أرض الواقع وكان ذلك من خلال تشريع منطلقات ومرتكزات وخطوط ثابتة ,وترك للإنسان بصفته الفردية والاجتماعية صلاحية التحرك وفق المحور الثابت بحركة حنيفية تتجه دائماً إلى التطور والتقدم والأعلى منجذبة إلى المحور الثابت كلما ابتعدت عنه تعود إليه . فالشرع الإسلامي ذو صفة إنسانية وعالمية, وهو شرع مرتبط بالكون آفاق وأنفس ، والكون بشقيه قائم على محور الثابت والمتغير ,فالشرع نزل بذات المواصفات من كونه قائماً على الثابت والمتغير ، والكون مستقر على نظامه ووصل إلى صفة الخاتمية من حيث النظام فكان الشرع الإسلامي كذلك قد نزل بصورة خاتمية وتم الانسجام مع الكون لوحدة المصدر ( الخالق تبارك وتعالى ).

   وصفة الخاتمية ظهرت في النص القرآني مثل خاتمية أبجدية اللغة العربية من كونها مؤلفة من تسعة وعشرين مقطعاً صوتياً استطاع الإنسان أن يستخدمها من خلال تركيبها مع بعضها بصورة متغيرة متنامية مع وجود موت وحياة المسميات, فتموت أسماؤها معها لاستغناء الإنسان عنها ووجود البديل المناسب نتيجة التطور نحو الأمام .

   فاللغة العربية أبجدية ونظاماً هي ثابتة غير قابلة للزيادة لاكتمالها, بينما استخدامها في حركة متغيرة متنامية تخضع لعملية التطور والموت والحياة للكلمات .

   وكذلك النظام العشري الحسابي فهو نظام قد اكتمل من حيث الأسس ولا يحتاج الإنسان لعملية الزيادة عليه بشيء لأنه نظام يغطي كل الاحتياجات ,ويقوم الإنسان باستخدامه بصورة متغيرة في الواقع حسب المعطيات, وكذلك اكتمال الشرع الإسلامي في واقع الحال لم يترك للإنسان مجالاً لأن يزيد عليه في نظامه الثابت ، وإنما ترك له التحرك ضمن هذا النظام بصورة متغيرة تخضع لعملية التطور ، ومن هذا الوجه تم ولادة مقولة : [ ثبات النص القرآني وتحرك المعنى ] وصفة الاكتمال مثلها مثل اكتمال كأس بالماء ، فمن يستطع في واقع الحال أن يزيد الماءَ في هذا الكأس الممتلئ المختوم !! . وكذلك الشرع الإسلامي الخاتمي ,وإن لم تصدق فحاول أن تزيد فيه شرع ثابت كلي يضمن الحركة في المتغيرات ويصلح لكل الناس عبر الزمان والمكان, ويقبله جميع المجتمعات الإنسانية دون زيادة أو نقصان أو تعديل, فإن فعلت ( ولن تفعل ) فنحن نقبل منك هذه الزيادة !!! .

   س2- كيف يمكن فهم علو القرآن على الزمان والمكان، لنؤسس مفهوم خلوده، على الرغم من ارتباطه الوثيق بالواقع (بشروطه الموضوعية)  والتصاقه بالظروف القائمة؟

 

   ج2- أما مسألة علو القرآن على الزمان والمكان فهي مسألة قد تم الجواب عليها ضمنا فيما سبق التي خلاصتها هي :

   أن النص القرآني ذو صفة إنسانية وعالمية قائم على الرحمة والمحبة والسلام مرتبط خطابه بالآفاق والأنفس ، واتصف بذات الصفات من حيث الثبات والتغير وطلب من المجتمع الإنساني أن يتحرك بصورة حنيفية على محور الثابت قرآناً وكوناً .

بينما الشرع التاريخي كان قومياً عينياً ظرفياً مرتبطاً بمعطيات واقع محدد ، لذلك نرى فيه وجود الأحكام ذات صفة الآصار والأغلال والعقوبات ومن هذا الوجه تم نسخه لعدم صلاحيته لكل الناس .

والنص القرآني عندما نزل بهذه الصفات المنسجمة مع نظام الكون أخذ صفة نظام الكون من حيث الثبات والتغير ، فالشمس تتحرك وتتغير وفق نظام ثابت, وكذلك النص القرآني نزل ثابتاً وترك صفة التحرك والتغير للإنسان وفق محور الشرع الإسلامي ، فكما أن نظام الكون مستمر في حركته على نظام الثابت والمتغير كذلك القرآن مستمر في حركته على نظام الثابت والمتغير لانسجامهما مع بعضهما آفاقاً وأنفساً ، وبالتالي لا يمكن أن يتغير النص القرآني إلا إذا تغير نظام الكون لارتباطهما ببعضهما الكون خلقاً ، والقرآن وحياً من الخالق العظيم .  

    

وكون النص القرآني بهذه الصفات كان هو المصدر الأول وليس الأخير لوضع دستور وقوانين تنظم حركة وعلاقة المجتمع ببعضه ، مع توجيه وتعليم للمجتمع أن يكون نظامه نظاماً إنسانياً وليس طائفياً أو عرقياً ، ونظام قائم على العدل والسلام والحرية ، والأصل في الأشياء الإباحة إلا النص المتمثل بالحكم الإلهي ديناً ، أو القانون الوضعي منعاً .

   لذا ينبغي أن يتم أنسنة وعلمية الدستور والقانون ورفع العُصابة عن عين القانون ليرى المقاصد ويرحم الناس, عوضاً عن أن يكون سيفاً مسلطاً على رقبتهم . فالقرآن والقانون الوضعي كلاهما لمصلحة الإنسان ، ولم يتم خلق الإنسان من أجل القرآن أوالقانون ، فالإنسان هو محور التشريع !! فعلاقة القرآن بالواقع علاقة انسجامية, أي الثابت في القرآن علاقته مع الثابت في الواقع ، والمتغير المتروك للإنسان التحرك فيه علاقته مع المتغير في الواقع ، وبالتالي لا يوجد تضاد أو مشكلة في التعامل مع النص القرآني الخالد .

 

(4)

* السيرة النبوية

 

    س1- على الرغم من ظهور معالم أولية للنقد الروائي في أوساط المحدثين الأوائل، إلا أن هناك دعوات متكررة لإعادة توظيف المكتسبات النقدية الحديثة لمقاربة السيرة النبوية خاصة.

    - كيف تنظرون إلى طبيعة هذه الدعوات، من حيث الخلفيات والإمكانات العلمية المتاحة؟

 

 

ج1- السيرة النبوية ليست رواية ملحمية أو أسطورية يتم روايتها عبر الأجيال ، وكل جيل يريد أن يعرضها بقالب أدبي يرفع من شأن صياغتها التصويرية, فهي ليست قصة مثل ألف ليلة وليلة أو كليلة ودمنة , إنها قصة ولادة مجتمع وبنائه وترسيخ أساس النهضة والحضارة به  ! فسيرة النبي العظيم ليست سيرة فرد واحد قَدَّمَ أموراً لمجتمعه على صعيد الاكتشافات أو الاختراعات أو بعض النظريات أو بعض الانتصارات العسكرية ....

     ومعظم من تناول سيرة النبي العظيم كان يكتب ما يسمى السيرة الذاتية للنبي من ولادة وطفولة إلى مرحلة الرجولة, وزواجه وبدء الوحي وتأريخ بعض الأحداث ,وذكر الغزوات التي قام بها ,وما شابه ذلك إلى الوفاة . وقسم آخر توجه إلى ما يسمى فقه السيرة فتناول السيرة الذاتية وأخذ يستنبط منها حسب المستوى المعرفي له بعض العبر والعظات !!

   فسيرة النبي العظيم هي سيرة ميلاد مجتمع جديد نهضوي لا ينفكان عن بعضهما ولا يمكن أن يدرس أحدهما دون الآخر . لقد تم في واقع الحال دمج سيرة النبي العظيم بميلاد المجتمع الجديد, وكانت سيرته (صلى الله عليه وآله) منطلقة من أسس ومرتكزات القرآن العظيم مع استصحابه في كل خطوة في صراعه الثقافي مع الثقافة الجاهلية, فكان القرآن حاضراً بصورة دائمة قائداً ومعلماً وموجهاً يقود المعركة الثقافية على أوجها دون تنازلات أو محاباة [ قل يا أيها الكافرون لكم دينكم ولي دين ] فدراسة سيرة النبي العظيم هي دراسة سيرة ميلاد مجتمع جديد, وهذا يقتضي استحضار النص القرآني كونه القائد والموجه والمعلم في عملية التغيير والصراع الثقافي ، وهذا يدفعنا إلى استخدام أهم العلوم الإنسانية التي وصل إليها الإنسان لدراسة النص القرآني وإسقاطه على الواقع للوصول إلى مجتمع نهضوي ,ومن هذه العلوم علم الاجتماع وعلم السياسة وعلم النفس وعلم القانون وعلم اللسانيات والفلسفة وغير ذلك للتفاعل مع النص القرآني الذي احتوى السيرة الحقيقية للنبي العظيم, فلا حاجة لأن يقوم أحد بكتابة سيرة لهذا النبي (صلى الله عليه وآله) بعد أن كتبها الله عز وجل ، وإنما نحن بحاجة إلى من يستخلص هذه السيرة النبوية من القرآن تحت اسم سيرة ميلاد مجتمع نهضوي إنساني .

 

(5)

*نظرية السنة

 

     - نشر الباحث الشيخ حيدر حبّ الله مؤخرا دراسة أكاديمية حول "نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي"، استقصى من خلالها تطوّرات الموقف الإمامي النخبوي من السنة، والظروف الموضوعية التي أثرت في تصنيف المواقف المختلفة. وفي حيّز أخير الدراسة تطرّق حبّ الله بشكل سريع إلى أبعاد الدراسات الخاصة بالسنة النبوية في وسط أهل السنة والجماعة، وقد أشار إليكم باعتباركم منتجين مؤثرين في هذا المجال.

   س1- ما هي الأطر المعرفية التي تعتقد بضرورتها في صدد تكوين نظرية سليمة للسنة النبوية أو السنة المعصومة؟ وهل يمكن التوفيق بين ثابت الرجوع المعياري للسنة وبين متطلبات الاجتهاد المتنوّر الذي يأخذ بالاعتبار متغيرات الواقع والأسئلة المستجدة؟

 

  ج1- إن مصطلح السنة النبوية لا وجود له في القرآن بهذه الصورة الارتباطية مع النبي ، وإنما وُجِدَ مضاف إلى الله عز وجل قال تعالى : [ ولن تجد لسنة الله تبديلا ] فلم يأت أي نص يذكر الأمر بإتباع سنة النبي أبداً ، مما يدل على أن هذا المفهوم مستحدث وليس مفهوماً قرآنياً !!.

   فعلى ماذا يدل مفهوم السنة النبوية عند من وضعه ؟

   قال الفقهاء : السنة هي المندوب مقابل الواجب .

   قال الأصوليون : السنة هي ما يصلح لأن يكون دليلاً شرعياً لاستنباط الحكم منه .

    قال أهل الحديث : السنة هي كل ما ورد عن النبي من أقوال وأعمال وإقرار, وأخباره المتعلقة بحياته وشخصه وغزواته .

    قال الشيعة الإمامية : السنة هي ما ورد عن النبي والإمام المعصوم من أقوال وأعمال وإقرار .

    وعندما وضع الأصوليون المصادر التشريعية ذكروا السنة من بين المصادر وجعلوها في المرتبة الثانيةفقالوا: مصادر التشريع الأصلية أربعة : القرآن ، السنة ، الإجماع ، القياس .

وعند التعامل مع مفهوم السنة نجد أن الحديث النبوي أو قول الإمام المعصوم يحل محل السنة وكأن السنة هي الحديث, والحديث هو السنة !! مع العلم أنه لا يوجد في القرآن أبداً أمر بإتباع حديث النبي , والموجود هو حديث الله عز وجل قال تعالى [ ومن أصدق من الله حديثا ] .

وقد يقول قائل إنه يوجد نصوص تدل في مضمونها على الأمر بإتباع سنة النبي أو حديثه نحو قوله تعالى:

[ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ] فهذا النص لا يدل على سنة النبي ولا حديثه, وإنما يدل على الأمر بإتباع الرسول فيما يخبر عن ربه( الرسالة ) . انظر قوله تعالى [ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ] وقوله : [ وما على الرسول إلا البلاغ المبين ] لذا ينبغي فهم دلالات النصوص القرآنية بصورة منظومة واحدة منسجمة مع بعضها ، وقد تعرضت لشرح النصوص التي يستدل بها من يقول بوحي السنة النبوية أو الحديث وبينت خطأ ذلك الاستدلال في كتابَي [ تحرير العقل من النقل ] و [ القرآن بين اللغة والواقع ] لمن أراد التوسع في ذلك . لذا ينبغي التفريق بين مفهوم السنة ومفهوم الحديث وعدم الدمج بينهما .

    السنة : هي الطريقة العملية الثابتة المستمرة على ما هي عليه . مثل سنة الله عز وجل في الخلق .

    الحديث : هو قول جديد . مثل النص القرآني حديث الله .

    فمن يعتمد ويؤمن بأن السنة النبوية وحي من الله عز وجل نجد أنه أثناء التطبيق ينتقل إلى مفهوم الحديث النبوي !! ويتصدر كافة أبحاثه بصورة سطحية وهزلية , فالسنة غير الحديث, ولكل مفهومه الخاص به . فالسؤال الذي يفرض ذاته هو أين السنة النبوية ؟ وبمعنى آخر أين طريقة النبي في تعامله مع القرآن وإسقاطه على الواقع ؟

وقطعاً ليست السنة هي الأحاديث النبوية . نجد سنة النبي موجودة في فحوى النص القرآني, فقد أخذ النبي سنته من خلال تفاعله مع القرآن ذاته وإسقاطه على الواقع, فسنة النبي انبثقت من القرآن لتعود إليه دراسة وفقهاً وتطبيقاً, فهي منهج عقلاني علمي صاغت المنطق عند النبي حتى صار خلقه القرآن تفكيراً وتطبيقاً .

   فسنة النبي منبثقة من الحكمة الموجودة في النص القرآني, ونحن قطعاً ملزمون بإتباع الحكمة في تعاملنا مع القرآن وهذه الحكمة لا يمكن أن نحصل عليها من خلال سيرة النبي الذاتية لانتفاء حفظها في الواقع, غير أن النبي لم يذكر تلك القواعد والمنطلقات القرآنية أثناء علاجه للأحداث . فلا مناص من العودة إلى الحكمة الموجودة في النص القرآني ذاته .

    

 

            والنبي العظيم له ثلاث مقامات ينبغي التمييز بينها :

    1- مقام بشري : ويصدق عليه ما يصدق على البشر من مرض وموت وتناول الطعام والشراب والنكاح والنسيان والخطأ

[قل إنما أنا بشر مثلكم ]

   2- مقام النبوة : وهو مقام اصطفاء وعلم ، ودوره قيادة الناس ودعوتهم إلى الله عز وجل . وهذا المقام لا يلغي المقام البشري وإنما يضاف له ، لذلك فالعصمة في هذا المقام النبوي عصمة إرادية اكتسابية تصدر من الإيمان بالله عز وجل والعلم به ، وهي عصمة متاحة لكل الناس بصورة نسبية تتناسب مع المستوى الإيماني والعلمي, والنبي في هذا المقام يكون تابعا لرسول سابق يدعو إلى رسالته , ويجوز تعرضه للقتل كما حصل مع أنبياء بني إسرائيل .

   3- مقام الرسول : وهو مقام تكليف بمهمة تلاوة الرسالة وإبلاغها كما هي تماماً [ وما على الرسول إلا البلاغ المبين ] والنبي الرسول يعصمه الله عز وجل عن القتل لإتمام مهمته بالرسالة ويعصمه عن الخطأ والنسيان لمادة الرسالة . فالعصمة من الله عز وجل موجهة إلى مادة الرسالة وليس إلى شخص الرسول . ويتم حفظه من كل مرض نفسي أو جسمي ينقض أو يعيق توصيل الرسالة نحو السحر أو الهذيان والهلوسة أو البرص والجذام, وأيضاً هذا الحفظ موجه لمصلحة الرسالة وليس إلى شخص الرسول!!

[ من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ]

     فلا يوجد كائن معصوم بذاته أبداً, لا نبي ولا رسول ولا إمام ولا عالم , الجميع بشر ، ويعصمون أنفسهم إرادياً من خلال إيمانهم بالله العظيم [ إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء ]

    وبناء على ما ذكرت وبينت نأتي الآن إلى وضع النقاط على الحروف :

      سنة النبي : هي المنهج العقلاني العلمي الذي استقاه من الحكمة الموجودة في النص القرآني .

      حديث النبي : هو تفاعل النبي المرتبط بالزمكان مع القرآن مستخدماً المنهج ( الحكمة ) للنهضة بمجتمعه وقومه .

      سنة الرسول : هي الطريقة الثابتة المرتبطة بالشعائر التعبدية, وبالصلاة حصراً في عدد ركعات الصلاة التي تزيد عن ركعتين لأن كل ما سوى ذلك موجود في النص القرآني . وقد بينت ذلك في كتابي [ القرآن من الهجر إلى التفعيل ]

     حديث الرسول : ما ينبغي أن يكون للرسول حديثٌ خاصٌ به, وإنما يقوم بتلاوة حديث الله عز وجل فقط .[ وما على الرسول إلا البلاغ المبين ]

    فنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) لقومه فقط ، ورسالته للناس أجمعين [ قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ]

    فمقام النبوة أمر لازم لشخص النبي ينتهي دوره بوفاته, أما الرسالة فهي مستمرة ومنفصلة عن الرسول تماماً ، ومطلوب من الناس أن يؤمنوا بها ويتبعوها .

    بعد هذا العرض المختصر لا أجد ما يسمى بنظرية السنة النبوية أو سنة المعصوم لدراستهما وجعل لهما قواعد ونظاماً ليتم التعامل معهما فهما مفهومان مفرغان من محتواهما, وكل فئة تقوم بتعبئتهما بما يخدم مصلحتها .  

   

    لذا الاجتهاد والابتكار قائمان في واقع الحال لكل عالم وباحث في أمور الدين لا يحكمه إلا رسالة الله عز وجل وسنته وحديثه ,وكل ذلك موجود بالنص القرآني العظيم القائم على الثابت , ومنح الإنسان بصفته الخليفة حرية التحرك بالمتغيرات وفق المحور الثابت بحركة حنيفية صاعدة متطورة .   

 

 

 

(6)

* نقد الحديث

 

    - تتعدّد المنهجيات المختصة في نقد الحديث، ويمكن النظر إلى جانب معين منها انطلاقاً من المدخل التكويني للحديث، فثمة منهج ينطلق في مشروع النقد الحديثي على أساس علم الرجال واستهداف سلسلة الرواة، فيما هنالك مشروع نقدي يعتمد النص أو المتن الحديثي نفسه في عملية النقد.

    س1 - هل ترى في هذين المنهجين وسيلة صحيحة لمقاربة الحديث مقاربة نقدية منتجة؟

 

 

 ج1- عندما تم تغييب النص القرآني من التفاعل معه في نهضة المجتمع كان من الطبيعي جداً أن يحل محله مصدر آخر ليتم استخدامه في عملية التشريع والتبرير لسياسات الأنظمة الحاكمة والفئات المعارضة لهم حينئذ . لذلك نجد لكل فئة مرجعية من مادة الحديث غير مقبولة للجهة الأخرى ، ونجد معظم الدراسات الفقهية قد اعتمدت على مادة الحديث واستبعدت النص القرآني من الدراسة إلا للبركة والتعظيم وها هي كتب الفقه على مختلف أطيافها شاهدة على ما أقول . وكون الأمر قد جرى تسييسه ذهب كل طائفة لإضفاء على مادة حديثها صفة القداسة, ولم تكن تلك الصفة إلا بنسب الحديث للنبي (صلى الله عليه وآله) وهذا غير ممكن لمن يتكلم بالحديث مباشرة فكان لا بد من عملية السند !! فتم ولادة الإسناد ضرورة سياسية لشرعنة الأمور وإلزام المخالف لها وإضفاء على متن الحديث صفة القداسة, وليس ذلك إلا بعملية قال النبي العظيم (صلى الله عليه وآله) فيتم اغتيال عقل السامع ويتم إمرار الحديث, ومع توسع تلك العملية الاغتيالية لعقل الإنسان المسلم ,وتعقد الأمور وُلِدَ مصطلح علم الحديث وصار علماً له قواعده ونظامه, فزاد الأمر شراً وتخلفاً ، وظهر تيار يهتم فقط في دراسة الرواة ( السند ) ولا يلتفت إلى موضوع الحديث ، وظهر تيار آخر أضاف للاهتمام بالسند الاهتمام بمتن الحديث ولكن بصورة تخدم مصالح كل فئة .

    والنتيجة هي بقاء مادة الحديث محوراً للدين الإسلامي لها الصدارة والأولوية في واقع الحال, ولا يُلتفت إلا من يجعل القرآن أولاً في ترتيب المصادر فهذا عمل مفرغ من محتواه وغير صحيح على أرض الواقع من حيث الدراسة والعلم .

     فمادة الحديث النبوي مادة تاريخية لا قداسة لها أبداً ، ومنتفي عنها صفة الوحي الإلهي التشريعي ، وهي نتيجة تفاعل النبي العظيم مع النص القرآني حسب معطيات واقعه ، وحسب الأدوات المعرفية الزمكانية المتوفرة حينئذ غير ملزمة للمجتمعات اللاحقة أبداً ، ومن يقول بغير ذلك يكون إنساناً يُغمض عيناه عن الحقيقة !!

   فالحديث النبوي المنسوب قد أصابه التحريف زيادة ونقصاناً, فمن يقول بأنه وحي فهو يعتقد بأن مادة الوحي قابلة للتحريف, وبالتالي لا مانع عنده من ضياع بعض من الوحي!! وربما الذي ضاع أكثر من الذي بقي !!! فكيف نُلزم بعضنا بوحي محرف !؟ بوحي قد ضاع جزء منه !؟  كيف يكون الحديث عند فئة وحياً ، وعند الفئة الأخرى التي ترفضه لعلة بسنده أو متنه حسب أصولهم كذباً وزوراً وافتراءً !؟ كيف يكون الحديث مصدراً تشريعياً وهو مُختلف فيه, وليس محل تسليم من الجميع به !؟

    إن علم مصطلح الحديث كذبة كبيرة وخدعة قبيحة سواء تعلق ذلك بالسند أو المتن, فالنتيجة واحدة, الضياع للمسلمين ,وعندما جعل المسلمون مادة الحديث النبوي وحياً ومصدراً تشريعياً أصيبوا بالتخلف والانحطاط وابتعدوا عن المنهج الرباني المتمثل بالقرآن [ يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ]

    فالنص القرآني قد احتوى الشرع الإسلامي كاملاً كما أخبر الرب تبارك وتعالى بذلك [ اليوم أكملت لكم دينكم ] وكما أمر رسوله أن يقول [ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ....]

فالقرآن هو المصدر الوحيد للتشريع الإلهي ,وما سواه من أحاديث نُسبت للنبي أو للأئمة أو للفقهاء أو غيرهم في أي زمان ومكان, فهي مادة فقهية لا قداسة لها أبداً ,وغير ملزمة لأحد ,وهي محاولة زمكانية مرتبطة بالأدوات المعرفية السائدة حينئذ لفهم النص القرآني صَلُح بها حالهم وارتضوها لمجتمعهم .

    أما نحن فقد قال الرب جل شأنه معلماً لنا [ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون]

    فمادة الحديث وأقوال الأئمة والفقهاء وغيرهم على مختلف الأطياف مادة فرقت المسلمين وألقت العداوة والبغضاء بينهم, ووقعوا في ما وقع فيه أهل الكتاب من الغلو والتطرف وصار لسان حالهم هو( ولن ترضى عنك الشيعة ولا السنة حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ) !!

    أما النص القرآني فهو حبل الله المتين يوحد المسلمين على كلمة سواء ، فالقرآن يجمعنا ، والحديث يفرقنا ، القرآن ينشر المحبة والسلام والعدل والتعايش ، والحديث ينشر البغض والحرب والظلم ورفض الآخر بل ذبحه باسم الدين ، والدين براء منه

  

     س2- ما هي النتائج الحضارية المعاصرة لنقد الموروث الروائي للمذاهب الإسلامية؟ وهل يمكن التأسيس عليها في إحداث تقارب فكري ومذهبي؟

 

    ج2- ليس مطلوب منا الآن للقيام بالنهضة أن نقوم بنقد التراث كله على مختلف أطيافه ! فالوقت لا يسمح بذلك كما أن الأمر على درجة من الصعوبة ، والوضع الذي نعيشه معروف للقاصي قبل الداني ، الدماء تسيل ، والنساء تترمل ، والأولاد يتيتمون ، والأوطان تضيع ، والخيرات والثروات تسرق ، والأعراض تنتهك .. ...

    إن هذا التراث الفقهي الطائفي ليس علماً حتى ينبغي أن أحصله ومن ثم أتابع السير على ضوئه !! إنه فقه ماضوي سلفي آبائي ! إنه مادة تاريخية ليس أكثر يدرسها المؤرخون وعلماء الاجتماع بصورة موضوعية دون تقمص لأحداث التاريخ , فنحن لم نكن مع النظام الحاكم حينئذ كما أننا لم نكن مع المعارضين لهم !! فنحن لا نمثل أي أحد منهما ولسنا امتداداً لهما !! وكلاهما بالنسبة إلينا مادة تاريخية تخضع للدراسة والعبرة والعظة واستخراج قوانين الاجتماع وحركة التاريخ ، وكلهم بالنسبة إلينا أموات, فما ينبغي أن نجعل الأموات قادة لنا في أمورنا الحالية ، وما ينبغي أن تقوم فئة بتقمص دور تاريخي وتلزم الطرف الآخر بأن يتقمص الدور الخصم له, وتُدق الطبول ويُنفخ في البوق, ويُعلن النفير وتبدأ الحرب !! ويعود المجتمع المعاصر ليعيش في حالة تقمصية جاهلية يُحيي حرب داحس والغبراء !!

     فعملية التواصل والتقارب والتعاون بين جميع الأطياف الإسلامية الحالية هي الرجوع إلى القرآن وتفعيله في الواقع ، واستبعاد مادة الحديث من أي كائن صدرت [ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ] .

      وأي دعوة لغير القرآن فهي دعوة طائفية مآلها الفشل ,وسوف ينتج عنها الكره والبغضاء والقتال في أي لحظة قام باستغلالها المستبدون والمستعبدون للشعوب على صعيد الداخل أو الخارج, لذلك يقوم هؤلاء بدعم الدعوة إلى الحديث والفقه ونقد التراث لترسيخ التخلف والذل وعدم قيام الأمة برفع رأسها أبداً , واستمرارها بعلك المعلوك!!  فالحذر, الحذر من هذه الخدع والحيل !!  

 

 

اجمالي القراءات 4685

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-08
مقالات منشورة : 134
اجمالي القراءات : 4,317,159
تعليقات له : 354
تعليقات عليه : 834
بلد الميلاد : Syria
بلد الاقامة : Syria



فيديو مختار