يحيا العدل !!

آحمد صبحي منصور في الأحد 06 اغسطس 2006


رف والفخار واما الخسة والعار. على كل قاض أن يسأل نفسه السؤال الخالد : ماذا لو كسب كل أموال العالم وخسر نفسه ؟ هل تكفى أموال العالم كلها لأن يلوث سمعته وسمعة أسرته أجيالا من بعده ؟ لا وجود هنا لحالة اضطرار يتحجج بها أى قاض ، فهو حر فيما يختارولديه من سعة الرزق ما يكفيه حتى لو استقال. والرشاوى الحكومية لن تكون الا فائضا من المال يمكن الاستغناء عنه اذا أراد، لكنها فى نفس الوقت تكون للقاضى المرتشى اسلوب حياة تعود عليه، وطريقة لتفادى ضغط الحكومة وتلويحها له بكشف المستور من الملفات .. فللفساد معادلاته وقواعده وحساباته وحكاياته وملفاته . نقول له فى هذا المنعطف الخطير فى أزمة الوطن ان مصر مستعدة للسماح ، وعفا الله تعالى عما سلف فى مقابل وقفة شريفة الى جانب الحق والعدل.".. انتهى ..
من أسف أن القضاء المصرى لم يتحرك جديا الا بعد أن تعرض للضرب والاهانة من نظام بوليسى وصل الى الحضيض ولم يعد يعنيه الا البقاء بأى ثمن، ولكن لم يفت الوقت لكى يقود قضاء مصر الشامخ مسيرة الاصلاح التشريعى والسياسى سلميا ليقى مصر شر القفزة القادمة فى الظلام . لقد دعا القضاة النبلاء الى محاكمة ومعاقبة كل من شارك فى التزوير والاعتداء على القضاة مهما علا شأنه. على أن التزوير فى الانتخابات المصرية ـ الذى جعلنا اضحوكة العالم ـ زاد من مرارته قيام انتخابات حرة نزيهة تحت مراقبة العالم واشرافه فى مناطق السلطة الفلسطينية وفى العراق ، بينما افتتح فى أفغانستان أول مجلس شعب جاء بانتخابات حرة ، يجلس فيه الآن أمراء الحرب السابقون ليتناقشوا ليس بالسلاح والنيران ولكن بالحجة والبرهان . لم ير العراقيون أو الفلسطينيون أو الأفغان عيبا فى الاشراف الدولى على انتخاباتهم بل طلبوا ذلك بكل فخر طلبا للنزاهة والشفافية. المفوضية العليا المستقلة للانتخابات العراقية هى التى قامت باجراء الانتخابات،وهى التى ستعطى التقرير النهائى عنها للأمم المتحدة . هذا هو أرفع وسام للوطنية العراقية. لقد انتهى عندهم العهد البائد الذى يتحكم فيه الديكتاتور فى الوطن مدعيا أنه الوطن رافضا التدخل الدولى لرفع الظلم عن المواطنين . فى عصرنا لم يعد الوطن مجرد جغرافيا وقطعة أرض يعيش عليها المواطنون بل الوطن هو المواطنون الذين يعيشون على أرضه. وحقوق المواطنة هى ان تقسم الوطن بالعدل والقسطاس على كل المواطنين ، فاذا كان المصريون سبعين مليونا فان نصيب كل مصرى واحد على سبعين من الوطن المصرى أو حقوق المواطنة. لا فارق هنا بين غنى أو فقير ، بين كبير أو صغير ، بين رجل أو امرأة بين مسلم أو مسيحى. تتعانق هنا الديمقراطية الحقة مع حقوق المواطنةومع العدالة السياسية ، ويتجلى هذا أروع ما يكون فى الصوت الانتخابى الذى يتساوى فيه الجميع من الرئيس الى الوزير والأجير. هذه العدالة السياسية يجب أن نحافظ عليها لأنها جوهر الوطنية ، فاذا انتهك هذه العدالة حاكم ظالم استأثر لنفسه بالسلطة والثروة وعجزنا عن مقاومته فان الوطنية الحقة توجب علينا أن نستعين عليه بالمجتمع الدولى ليتدخل سياسيا وسلميا لانقاذ المواطنين الذين هم الوطن نفسه . وهذا ما قال به قضاة مصر الأجلاء مؤخرا بعد أن طلبوا حماية الجيش فتقاعس عن نصرتهم وتركهم لعصا البوليس المصرى تهين مقامهم الشامخ . الغريب اننا فى مصرـ فى مباريات كرة القدم ـ لا نرى حرجا فى استيراد " حكم دولى" يضبط مباراة الأهلى والزمالك مثلا. هذا ما نفعله فى " اللعب " أو الهزل الذى نمارسه بقدر كبير من الجدية. أما فيما يستحق الجدية الحقيقية وهى الانتخابات السياسية التى تعبر عن شرف الوطن والتى يجرى تزويرها وانتهاكها علنا فان بعضهم يعتبر الحكم الدولى ـ فى مباراة الانتخابات ـ تدخلا فى الشئون الداخلية وماسا بهيبة الدولة. لقد آن الأوان لأن تعيش ثقافةعصرنا ،عصر القرية العالمية والحكومة الدولية الآخذة فى التطور والاتساع لتحمى حقوق الانسان من الحكام الظالمين الذين يسلبون الوطن ويعذبون المواطنين.
فى شهر يونية الماضى وقبل مهزلة الانتخابات كتبت مقالا تحت عنوان :"الى المعارضة المصرية:لا بد من الاستعانة بالأجنبى لمنع الحرب الأهلية القادمة " و فى مقالات أخرى كررت نفس الدعوة لتدخل المجتمع الدولى سلميا وسياسيا لفرض الاصلاح.بعدها بستة أشهر اضطر القضاء المصرى الشامخ لاعلانها. فلا مفر من الاستعانة بالضغط الدولى سلميا.
ثالثا :هذا الضغط الدولى لا يفرض نفسه علينا ، اذ لا بد من صراخ فى الداخل يستدعى تدخل العالم لانقاذنا. وهذا الصراخ الداخلى لا يأتى من فراغ، بل يأتى نتيجة احساس بالظلم، وهذا الاحساس بالظلم يأتى نتيجة لنضال المفكرين الأحرارفى سبيل توعية المواطنين بحقوقهم المسلوبة. اذا سكت المواطن المقهور مقتنعا ان الظلم الذى يعانى منه هو من طبيعة الأشياء التى تستلزم السكوت عليها فلن تكون هناك مشكلة طبقا "لثقافة العبيد" التى ناقشتها فى مقال سابق داعيا الى التخلص منها أملا فى ارساء ثقافة الديمقراطية والحرية بديلا عنها. بنضال الأحرار تحرك بعض الشارع المصرى فى حركة " كفاية " وكتبت أشجعها اطالبها باستعمال "قوة الضعف لمواجهة ضعف القوة " ثم هاجمتها حين وصفت الارهاب الوهابى فى العراق بالمقاومة الشريفة بعد أن قتل السفير المصرى، واعتبرت كفاية لا تزال ضحية لثقافة العبيد ولا بد أن تتخلص منها. ولكن عندما ناضلت " كفاية" وأقامت مظاهرة من عشرات الأشخاص وهاجمها البوليس المصرى فان المجتمع الدولى تدخل على الفور ليحمى المظاهرات ، ومع ذلك فقد تنكرت " كفاية " لأفضال التدخل الدولى الذى حماها من بوليس مبارك ، وراينا كيف أن هذا التدخل أجبر مبارك على تعديل هزيل فى الدستور تحول به الاستفتاء الى انتخاب مقيد للرئاسة ، ومن ناحية أخرى فان نضال مركز ابن خلدون وجمعيات التنوير وحقوق الانسان من أجل التوعية اكتسبت تأييد المجتمع الدولى ، وحين أرسى مركز ابن خلدون مبدأ الرقابةعلى الانتخابات منذ انتخابات مجلس الشعب السابق فى 1996 فان مساندة المجتمع الدولى لم تنقطع فساعدته على تطويرها، وبارساء المراقبة على الانتخابات رغم أنف النظام المصرى تشجع المصريون على المجىء للانتخابات وظهرت قوة الاخوان فاستشاط النظام غيظا وطاح ضربا فى الناخبين والمرشحين والقضاة !!
الغريب هو التنكر لأمريكا والمجتمع الدولى ومركز ابن خلدون وبقية المراكز الأخرى المناضلة فى سبيل الديمقراطية والاصلاح والتوعية وحقوق الانسان. الأغرب هو الهجوم على المفكرين الدعاة للاصلاح. بدلا من الاعتراف بفضل الجميع وبالتغيير الايجابى الملموس الذى أحدثوه على الساحة المصرية فان ضحايا " ثقافة العبيد " والناطقين باسمها قد وهبوا حياتهم لسب وتجريح المناضلين مع كونهم أول المستفيدين من نجاح المناضلين. ان سعد الدين ابراهيم وأحمد صبحى منصور وحافظ أبو سعدة ونجاد البرعى وبهى الدين حسن وكل رفاق النضال ـ كل منهم لم ولن يرشح نفسه للانتخابات ، ولم ولن يحصل على منصب وزارى ولم ولن يسعى لذلك.لم نستفد الا السب والاتهامات الظالمة. المستفيد من نضالنا هم الذين قاموا بسبنا وافتراء الأكاذيب علينا. المستفيدون هم خصومنا الاخوان المسلمون.وهم الذين لا يرقبون فينا الا ولا ذمة ، ومع ذلك فان ايماننا بالديمقراطية الاصلاحية يحتم علينا تقبل نتائجها لأنها لا تعنى مجرد الوصول للسلطة، بل تداول السلطة والشفافية والمساءلة ، وكلها اختبارات قاسية سيتحتم على الاخوان التعايش معها والا سيكون سقوطهم الديمقراطى مدويا.
بعد أن أصبح طلب التدخل الأجنبى مشروعا يقول به القضاء أنفسهم بعد أن تعرضوا لاهانة النظام وضربه فاننى اطالب الأمم المتحدة بانشاء مفوضية دولية عليا تتخصص فى الهيمنة على كل انتخابات رئاسية أو تشريعية فى كل دول العالم المتقدم منها والمتخلف من أمريكا وسويسرا الى مصر وساحل العاج . تباشر هذه المفوضية العليا الانتخابات فى كل دولة باسم المجتمع الدولى وتشرف عليها من بدء اعداد الجداول الى اعلان النتائج . ولا بد ان تنصاع لها كل دولة يجرى فيها الانتخاب لقرارات تلك المفوضية العليا، بدءا من الدول الكبرى لتكون قدوة للدول المتخلفة ، وحتى لا تجد تللك الدول المتخلفة الديكتاتورية عذرا ترفض به الهيمنة الدولية على الانتخابات. بذلك يصل لموقع المسئولية من يختارهم الشعب فعلا فى ظل انتخابات شفافة تجرى تحت أعين العالم .ان القرية الكونية تركب الآن سفينة واحدة، وطوق النجاة لهذه السفينة هو الديمقراطية وحقوق الانسان. والأغنياء من ركاب هذه السفينة يدركون أن سلامتهم تستلزم الآن اقرار العدالة والحرية وحقوق الانسان والتسامح . قد يحدث تجاوزأمريكى ولكن يتم فضحه وعلاجه فورا. والمطلوب من الركاب الفقراء أن يتعلموا وأن يستوعبوا الحقائق الجديدة التى تطل عليهم من سجن صدام وميلوسوفيتش وانكماش القذافى ومطاردة طالبان والمصيرالأسود الذى ينتظر الأسد والطغاة الآخرين . ان الانتخابات هى الف باء الديمقراطية، ووتزويرها هو الف باء الديكتاتورية . وآثارها الديكتاتورية السامة أسفرت عن هجوم الحادى عشر من سبتمبر ودخول العالم فى الحرب العالمية الرابعة ، وهى حرب جديدة تماما ، ومن ملامحها اصلاح النظم الاستبدادية من الداخل والخارج. ولقد آن الأوان لنفهم لغة العصر لنضمن لأولادنا مستقبلا أفضل ما نعانى منه.
رابعا: لقد دعا القضاة النبلاء لمحاسبة قادة البوليس المصرى الذين أمروا بالتعدى على القضاة وهم نفس المجرمين الذين تعودواعلى تعذيب المصريين وضربهم بدون تمييز، الى أن ضربوا القضاة والناخبين والمرشحين. كان منهم الاستاذ ضياء داود أحد الرموزالتاريخية المحترمة للمعارضة المصرية، ضربوه وهو الشيخ الذى يقترب من الثمانين من عمره. لقد كتبت نداءا للأمم المتحدة لمحاكمة الحكام المستبدين المتهمين بالتعذيب ، واعدت فحواه فى مقال صدر الاسبوع الماضى بعنوان " يحيا التعذيب" انتقدت فيه الموقف الأمريكى الشائن فى اللجوء للتعذيب ، وقلت فى نهايته : " والتكفير عن تعذيب ملايين الأشخاص على يد الأنظمة الصديقة والحليفة لأمريكا يوجب على أمريكا اصلاح تلك الأنظمة بكل الطرق السياسية السلمية المتاحة."
خامسا : ان الاسلام فى حقيقته القرآنية يعنى فى العقيدة والتعامل القلبى مع الله تعالى : الانقياد والاستسلام لله تعالى وحده بدون تقديس لغيره، والحكم فى هذا المعتقد القلبى مرجعه لله تعالى وحده يوم القيامة. أما معنى الاسلام فى السلوك والتعامل بين الناس فهو احترام حقوق الانسان أو ما كان الفقهاء يسمونه :" حقوق العباد " والتى لا بد من رعايتها وحفظها فى هذه الدنيا ليستقيم ميزان المجتمع. من حقوق الانسان أو حقوق العباد الحق المطلق فى حرية الفكر والعقيدة ، والحق المطلق فى العدل والأمن والكرامة الشخصية، وحقوق نسبية فى الثروة والمشاركة السياسية. اذا كانت هذه هى حقوق الانسان الواجبة لكل انسان كحق طبيعى مفروض من رب العزة جل وعلا فان من أفظع الانتهاكات أن يتعرض ذلك الانسان المسالم الذى كرمه الله تعالى للتعذيب وامتهان كرامته لمجرد أن يبقى فرد واحد حاكما متحكما فى السلطة والثروة وفوق النقد والمساءلة مع ما يقترفه من فساد وطغيان . هذا الظلم يأباه الله تعالى ويرفضه الاسلام وهو دين حقوق الانسان فيما يخص السلوك .لذا فأنه مهما كان الخلاف بينى وبين أى انسان الا اننى أقف مع حريته فى الفكر والعقيدة وأدافع عن كرامته اذا تعرض للسجن أوالتعذيب.لم يحدث على الاطلاق أن تعرضت للتعذيب. وأشهد اننى كنت فى السجن معززا مكرما لم أسمع اهانة ، بل عند اطلاق سراحنا سألنى مدير سجن طرة ان كنت قد تعرضت لأى اساءة، فشكرته على حسن معاملتنا. وفهمت بعدها أنها كانت وصية من زكى بدر نفسه الذى اضطر للقبض علينا تنفيذا لأوامر وهابية مدفوعة الثمن وصفقة سياسية فى اطار عودة العلاقات المقطوعة وقتها بين السعودية ومصر.
سادسا : ولأننى ضد الظلم ومع كل مظلوم حتى لو كان عدوا لى فاننى أرفع صوتى مطالبا باطلاق سراح الكاتب الصحفى أبو إسلام أحمد عبد الله، وفى امس الأول قررت نيابة أمن الدولة العليا بالقاهرة تجديد حبسه لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيقات الجارية في اتهامه بالتحريض على قلب نظام الحكم وإثارة الفتنة الطائفية. أبو اسلام أحمد عبد الله اختار أن يكون خصما لى بدون سابق انذار، ونالنى منه أذى هائل سامحته عليه فى وقتها لأن القرآن العظيم يأمر بذلك، يقول :" وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله " الشورى 40". كان المتطرفون والنظام معا ضدى وضد مركز ابن خلدون الذى أعمل فيه فى أواخر التسعينيات ، وتحول مركز ابن خلدون العلمانى الأصل بجهد القرآنيين الى مركز للاجتهاد الاسلامى يؤرق المتطرفين الوهابيين كما يؤرق النظام،ويدفعهما للتحالف معا ضد القرآنيين الطامحين للاصلاح الدينى و د. سعد الدين ابراهيم بأجندته الاصلاحية السياسية. تطور نشاط مركز ابن خلدون وقتها ليس فقط فى داخل الرواق أو المؤتمر الاسبوعى الذى كنت أديره ونناقش فيه كل المسكوت عنه فى السياسة والفكر الدينى والاجتماعى ولكن أيضا من خلال مشروعاته الجريئة، وأهمها مشروعان : الأول مشروع "التربية السياسية وتعليم المصريين حقوقهم الانتخابية " وكنت المتحدث باسم هذا المشروع فى لقاءاته بالجماهير المصرية فى القرى والأحياء الشعبية. وكان أول مشروع توعية يتحدى الحظر المفروض على عقد اللقاءات السياسية المباشرة مع المواطنين . ولم تستطع "أمن الدولة " بكل جبروتها ايقافه . أما المشروع الثانى فكان اصلاح التعليم المصرى الذى كتبت معظمه. بدون مناسبة جاء هجوم الكاتب الصحفى أبو اسلام على شخصى بالباطل محرضا النظام ضدى فى سابقة غير معهودة .اذ كتب حوالى ثلاثين مقالة متتابعة فى الأحرار يهاجم فيها القرآنيين ، كل مقالة تقع فى صفحة كاملة مليئة بالاكاذيب البشعة ومزينة بعناوين تقشعر منها الأبدان ترمى القرآنيين بكل نقيصة دينية وخلقية وتجعلهم أعدى أعداء الاسلام. وخصنى بأكثر من مقالتين عدا فقرات كثيرة فى مقالات أخرى. أحسست بالخطر على حياتى فرددت على كل اتهاماته بمقال وحيد نشرته الأحرار فى صفحة كاملة بعنوان " هناك مؤامرة لاغتيالى".وأوجزت معظم آرائى مؤكدا على منهجى فى الدعوة والذى لا زلت أتمسك به حتى الآن وهو أننى لا أفرض نفسى على أحد ، ولا أفرض فكرى على أحد ، و لا أطلب أجرا من أحد ، ولا أجادل فى آيات الله تعالى من لا يؤمن بها او من يعرض عنها، وأتمسك ـ ما استطعت ـ بالاعراض عن الجاهلين والعفو عنهم . هذا ما قلته فى الرد على خصمى أبو اسلام ، فرج الله تعالى كربته. واعتكفت فى بيتى ممتنعا عن مقابلة القرآنيين لأحميهم من الاعتقال ، متوقعا اعتقالى مع كل دقة على باب بيتى، مستعدا لاستقبال الموت لأن اعتقالى يعنى الحكم بموتى حيث تعج السجون المصرية بألوف المتطرفين الذين يعتبرون قتلى أسرع طريق لهم لدخول الجنة. فقد شحنتهم مقالات أحمد عبد الله وغيره بما يكفى لقتلى مئات المرات. بعدها حدث المقصود من مقالات أحمد عبد الله، اذ تم القبض على القرآنيين الذين واظبوا على الاجتماع والصلاة معا فى بيوتهم ،وبعدها قبضوا على د. سعد الدين ابراهيم واغلقوا مركز ابن خلدون، وجاءنى تحذير من اقتراب موعد القبض على بعد نشر جريدة "الأخبار" نبأ القبض على فعلا فاضطرارت الى اللجوء لأمريكا لأواصل جهادى السلمى لاصلاح المسلمين.استخدم النظام الكاتب الصحفى "ابو اسلام أحمد عبد الله" ضدنا ثم ضحى به عند أول منعطف . وهو درس لو تعلمون عظيم يستوجب على كل مناضل أن يقف مع حرية الفكر والمعتقد للجميع ، وأن يقف ضد كل من ينتهك حقوق الانسان سواء كان نظاما قائما بالحكم أم مجموعة تسعى لقلب نظام الحكم . لا بد أن يقف ضد التطرف والاستبداد بالكلمة طلبا للاصلاح السلمى وتجنبا للانفجار القادم والهائل.
سابعا : منذ أن احترفت الخطابة والكتابة العلمية والصحفية ـ من عام 1981 وحتى الآن لم أنطق ولم أنشر يوما مدحا لحسنى مبارك ، بل هاجمته صراحة وضمنا بالكتابة وفى المؤتمرات العامة ،كان يمكننى أن استغل هجومى على الاخوان والمتطرفين لتملق النظام والاستفادة منه سياسيا. الا أننى لست سياسيا ولن أكون . السياسة هى فن المنفعة والمصلحة وأن الغاية تبرر الوسيلة ، وأنه ليس لك أصدقاء أو أعداء دائمون وانما لك مصالح دائمة تدور معها مواقفك . لم ألعبها سياسة فالاسلام عندى أعظم وأقدس من أن اتخذه وسيلة لمطمع دنيوى. ولهذا لا أدخل فى صفقة مع أحد على حساب دينى. وحرصى على وطنى وقومى من أساسيات دينى واسلامى. ولأن الاسلام ضد التطرف وضد الاستبداد معا فلا بد أن أكون ضدهما معا مهما كانت النتيجة، والنتيجة شديدة القسوة خصوصا اذا كنت مضطهدا ملاحقا قليل الحيلة لا تملك الا قلمك .الاضطهاد أو قلة الحيلة ليس مسوغا لاستعمال اكذوبة أن الغاية تبرر الوسيلة، فالله تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها، وعليه فلا بد أن تكون وسيلتى المتاحة شريفة تصلح لخدمة الاسلام العظيم بالكلمة القرآنية والاجتهاد العقلى والاعراض عن المسىء والدفاع عن حقوقه اذا وقع تحت آلة القهر الاستبدادية ، وأن أصبر على الأذى انتظارا لمجىء يوم الفصل والحساب حين يعلم الظالمون أى منقلب ينقلبون .
المؤمن بالقرآن وحده كتابا يعطيه ايمانه بالقرآن الجرأة على نقد الآلهة المقدسة للمسلمين مثل البخارى والشافعى وابن تيمية والبدوى والدسوقى والشاذلى وغيرهم، ويعلمه أيمانه ألا يخاف من ملوك وحكام ورؤساء تعبد تلك الآلهة وتلتمس منها الهداية والشفاعة وتخشاها ولا تخشى الله تعالى. الذى لا يؤمن بالقرآن وحده لا يستطيع أن يفهم تللك الجرأة التى يتمتع بها المسلم القرآنى فيبحث عن تفسير لتلك الجراة فى دهاليز فكر المؤامرة ، ويؤلف أكاذيب يرددها ليقنع بها نفسه أولا ، واذا تم دحض تلك الأكاذيب فانه لا يعتذر عن أكاذيبه بل يواصل تكرارها بصورة مرضية" من المرض " لسبب بسيط هو أنه يحتاج الى هذا التفسير ليقنع نفسه والآخرين أنه على الحق مهما أنكر حقائق القرآن الكريم . انه يحتاج الى فكر المؤامرة ليقنع نفسه أن قوة أجنبية هائلة غامضة هى التى جعلت ذلك المؤمن بالقرآن لا يخشى الآلهة المقدسة ولا يخشى الحاكم المتجبر. ولكن المسألة غاية فى البساطة .ان القاعدة القرآنية فى سورة آل عمران 175" تؤكد أنك اذا كنت تخشى الله تعالى وحده فان ايمانك كفيل بأن يجعلك لا تخشى المخلوقات. أما اذا كنت ظالما لا تخشى الله تعالى ولا تتقيه فيما تقول وفيما تفعل فان الشيطان يكون حليفك ، يجعلك تعيش فى رعب مقيم يزداد بازدياد معاصيك وطغيانك. لذا فلا بد للمؤمن بالقرآن الكريم أن يأخذ نفسه بالتقوى والاحسان والتسامح والصفح عن الجاهلين والاعراض عنهم ما استطاع ، فبهذا يطمئن أنه مستحق لحماية ربه جل وعلا القائل " الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن ، الأنعام 82 ".وعندها لن يخشى أحدا من البشر.
ثامنا: هجومى على مبارك ليس كراهية شخصية له بل كراهية لاستبداده الذى نشر الفساد والاستعباد. هجومى على المتطرفين الوهابيين هو للوعظ والتذكير ولتوضيح التناقض بين الوهابية السنية والاسلام فى سياق الدعوة للاصلاح من داخل الاسلام. الاصلاح السلمى الذى ندعو اليه هو لحقن دماء الجميع ولانقاذ المستبدين من أنفسهم. البديل هو ان يقهر المستبد شعبه ليشعر هو بالأمان وكلما ازداد قهره لشعبه ازداد خوفه من شعبه ، وكلما تكاثر عدد ضخاياه ازداد رعبه من يوم الانتقام الآتى، وهكذا يظل يدور فى حلقات متوالية متعمقة من الظلم والخوف الى ينفجر فيه الشعب فى ثورة لا تبقى ولا تذر، نرجو ألا تحدث.
تاسعا :وحتى لا يأتى هذا اليوم الأغبر لا بد من انقاذ المستبد من نفسه سلميا بالاصلاح ، وهو لن يرضى طواعية بالاصلاح الا اذا تم فرضه عليه من الخارج . اذا تقاعسنا اليوم عن الاصلاح السلمى من الداخل وطلب المساعدة السلمية السياسية من الخارج فقد يأتى اليوم الأغبر حين نستجدى تدخل المجتمع الدولى عسكريا ليحمينا من المذابح ، وقد يستجيب لنا حينئذ وقد يرفض ، وفى الحالتين ستفيض أنهار كثيرة من الدماء وستطفو على وجه مصر بثور هائلة من المقابر الجماعية.
ولهذا أقول لقضاة مصر النبلاء :" يحيا العدل "







اجمالي القراءات 11462

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 2721
اجمالي القراءات : 21,465,155
تعليقات له : 3,554
تعليقات عليه : 11,064
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي