أحكام قضائية مصرية ساخنة .. وحكومة باردة

حمدى البصير في الخميس 29 يوليو 2010


 

ثلاثة أحكام قضائية هامة صدرت خلال شهر يونيو الماضى. وقوبلت بما يشبه الاستهجان المستتر ,أو الاعتراض الشديد غير المباشر على حيثياتها، أى لاقت فى المجمل كراهية ممن تضررت مصالحهم بعد صدورها.

 

ولإن القانون يجرم التعليق  على الاحكام القضائية ,فأننى سأكتفى فقط بإلقاء الضوء على ب&ig;ء على بعض ردود الفعل الغاضبة والغير قانونية على تلك الأحكام لتبيان مدى خطورة ظاهرة متنامية داخل المجتمع وهى المقاومة السلمية غير المباشرة للأحكام القضائية والتشكيك فى بعض الاحكام لمجرد انها لم تكن على هوى بعض المتقاضين الامر الذى قد يفضى  فى النهاية الى عدم احترام الاحكام والتقاعس عن تنفيذها وهو ماقد يمس شرف التقاضى وينقص من هامة القضاة ويضرب القضاء المصرى فى مقتل حال تفشى تلك الظاهرة بين علية القوم وأصحاب المال والنفوذ.

 

أول تلك الاحكام خاص بإجبار الكنيسة بالسماح للمطلقين بالزواج الثانى للأقباط، والحكم الثانى يتعلق بحبس محاميين بتهمة الاعتداء على مدير نيابة طنطا وحرسه.

اما الحكم الثالث فمتعلق بإلغاء عقد بيع أرض مشروع مدينتى والذى تنفذه مجموعة طلعت مصطفى .

 

والغريب ان الاحكام الثلاثة لاقت عدم رضا أو كراهية من فئات لها وضعها فى المجتمع سواء كانوامن المحامين أو الاقباط ،بل وأشتركت معهم الحكومة فى أبداء أمتعاضعها وغضبها من الغاءعقد مدينتى وسرعان ماإستشكلت فى تنفيذه الاسبوع الماضى .

 

فقد يكون على سبيل المثال للأقباط الحق فى رفض الحكم الخاص بأحقية المسيحى المطلق فى الزواج مرة ثانية لإستنادهم على نصوص الانجيل الذى ينص على انه لا طلاق الا لعلة الزنا، ولكن مالذى يجعل الحكومة تستخف بحكم الغاء عقد أرض مدينتى لوجود غبن طال الحكومة نفسها بسبب السعر الزهيد السعر الارض؟

 

وقد تعجبت من تصريحات رسمية كان فحواها ان الحكم يصحح بعض بنود العقد ولايلغيه,اى إن الامر لايعدو كونه خطأ فى الصياغة القانونية وغموض فى بنود العقد وليست مليارات الجنيهات ضاعت على الدولة أو بالأحرى على الاجيال الشابة التى لاتجد غرفة وحمام تصلح للمعيشة.

 

بل إن من الغريب أن يحاصر محامون فى طنطا مبنى المحكمة التى تنظر الاستئناف فى قضية حبس المحاميين اللذين حكم عليهما بالحبس خمس سنوات ،مطالبين القاضى بإلغاء الحكم وهم يعرفون إستحالة تأثر القضاة بالهتافات الخارجية ، لأنهم يحكمون من واقع ماتحت ايديهم من أوراق.

 

وقد أزعجنى بالفعل موقف الاقباط والمحامين والحكومة من الاحكام الثلاثة،رغم علم جميع الاطراف إن القضاء المصرى هو حصن العدالة وملاذ المظلومين ،بل ان المحكمة الادارية العليا هى تجسيد للفصل بين السلطات وهى الجهة التى تكاد تكون الوحيدة التى تقف بالحق أمام الدولة وقرارتها بل وتصحح أخطاء الحكومة أحيانا، وتعيد الحقوق الى أصحابها.

 

ومن هنا ماكان يجب على الاقباط بداية من البابا شنودة ورجال الدين المسيحى وحتى المثقفين والمستنيرين من كبار الاقباط أن يعترضوا بتلك الصورة العنيفة على حكم الادارية العليا بالسماح بالزواج الثانى ،بل انهم حولوا هذا الحكم المدنى الى قضية دينية ، بل البعض منهم خاصة اقباط المهجر حولوا قضية الزواج الثانى الى قضية سياسية ،ووضعوها فى جدول إضطهاد وتعنت الحكومة ضدهم بل وممارسة التمييز الدينى عليهم بإعتبار أن القاضى الذى نطق بالحكم مسلما, مع ان حدوتة السماح بالزواج الثانى للاقباط المطلقين بدون علة الزنا شأنا قبطيا خالصا ولايهم أى مسلم من قريب أو بعيد.

 

  بل أن حكم المحكمة الادارية العليا بالسماح للاقباط بالزواج ثانيا هو حكم فى صالح الاقباط ككل مادام عقد الزواج فى الاول والاخر عقدا مدنيا, وحتى وإن قامت المحكمة الدستورية العليا بإلغاء هذا الحكم،وهو إفتئات غير مباشر على سلطة المحكمة الإدارية العليا صاحبة اللإختصاص الأصيل فى تلك القضية.

 

فهناك مأسى ومصائب عائليةأعرفها ناتجة عن استحالة طلاق الإقباط إلا لعلة الزناوعدم مشروعية زواجهم ثانيا حتى لايطردوا من رحمة الكنيسة ، أقل تلك المهازل هى تفكك البيت المسيحى ، حيث يعيش الزوجين منفصلين ويعيش الزوج والزوجة كل على هواه ويكون لبعضهم " بوى وجرل فرند" ،والمصيبة الاكبر عندما يكون فى تلك الاسر المنفصلة أولادا فى مرحلة المراهقة، والباقى معروف.

ولعل غياب وإختفاء السيدة كاميليا شكرى زوجة كاهن ديرمواس بسبب خلافات أسرية وعودتها بعد خمسة أيام لدليل على الحاجةالماسة الى حل مشكلة الطلاق عند الأقباط ،فقد كان إختفاء زوجة الكاهن مقدمة لفتنة طائفية بمصر وذكرت الأقباط بواقعة إختفاء وفاء قسطنطين ،وجاء ظهور زوجة كاهن دير أبومواس ليقضى على تلك الفتنة فى مهدها ،ولكن لم يحل مشكلة الزواج الثانى للأقباط والذين هم فى النهاية بشر ولا يجب ان تقف المعتقدات الدينية حائلا دون سعادتهم الشخصية، فالأديان الدينية جاءت لسعادة البشر ،ولابد من تفسيرات عصرية للكتب السماوية الثلاث من اجل ان تتوافق مع متغيرات العصر مع الحفاظ على الثوابت وبعيدا عن التشدد، وأعتقد أن رجال الدين المسيحى المستنيرين قادرين على حل معضلة الطلاق بأسلوب عصرى، بدلات من الدخول فى دوامات طائفية .

 

والمعروف انبعض الاسر المسيحية  تلجأ- للحصول على الطلاق -  الى تغيير الملة أوالطائفة ليطبق عليهم الشريعة الاسلامية طبقا لقانون الاحوال الشخصية لغير المسلمين الذى يجيز لمختلفى الملة والطائفة تطبيق الشريعة الاسلامية عليهم عند وجود خلافات شخصية ومن هنا يتم التطليق بالمحكمة لخضوع طرفى النزاع من الاقباط المختلفين فى الملة أوالطائفة للشريعة الاسلامية والتى تجيز التطليق،أوقد يلجأبعض الاقباط الى إشهار اسلامهم كى يتمكنوا من حل قضاياهم الشخصية،وسرعان مايعودون الى دينهم الاصلى،وقد يسبب ذلك مشاكل لاحصر لها وتأخذ المسألة ابعادا طائفية قد تتحول الى فتنة طائفية سببها الأساسى أقباطا وهنا يأتى عظمة الحكم"المكروه" بالسماح بالزواج الثانى للاقباط لأن فى ذلك

مصلحة للمجتمع القبطى ,وحماية لنسيج وأمن المجتمع المصرى.

 

كما ان تجديد الثقة بين المحامين ورجال القضاءمرة أخرى بعيدا عن ،استمرار الاضراب ودخول الازمة بينهم فى نفق مظلم قديحل الخلاف بينهم بشرط التسليم بنزاهة القضاء فى قضية محامين طنطا والتسليم ايضا بأن القاضى لايحكم الا بضميره,وأنه لايمكن ان يضحى قاض بشرفه القانونى وسمعته القضائية ويجعل ميزان العدالة يهتز بين يديه ويتحول الى خصم وحكم وينحاز الى زملائه ويصدر حكما ظالما يصفى به حسابا اويجامل به زميلا .

 

وكذلك لايجب ان يظهر رجال الحكومة خاصةاصحاب المصالح بانهم يتحدوا بطريق غير مباشر أحكام القضاء كما لوكانت هناك مصالح شخصية قد مستهم بعد صدور الحكم ، ولايجب ان تجاهر السلطة التنفذية بالإستخفاف بالسلطة القضائية وتعلن ان الحكم بالغاء عقد مدينتى لن يغير فى الاوضاع القانونية للمشروع ولن يكون له أثارا قانونية وانه سيتم تغيير بعض بنود العقد طبقا لطلب المحكمة الادارية العليا ،بل وقامت وزارة الاسكان بالاستشكال فى الحكم من اجل وقف تنفيذه أو بالاحرى تجميد الحكم حتى يبحث ترزية قوانين الحكومة عن مخرج وثغرة للالتفاف على الحكم

 

والغريب ان شركة طلعت مصطفى صاحبة مشروع مدينتى لم تعترض على الحكم  وان كانت قد استشكلت فيه ،كما لم نسمع عن ثورة للحاجزين فى مشروع مدينتى خاصة ملاك الوحدات المخصصة لهم من قبل الحكومة وفقا لشروط العقد والذى ينص على تخصيص جزء من المشروع لمحدودى الدخل،وذلك لأن ببساطة ملاك فيلات وشقق مدينتى الخرافية لا تفرق المسألة معهم، وبالتالى جاء حكم الادارية العليا ليعيد بعض الحقوق لرعايا الحكومة الغلابة ولكن الحكومة رفضت قبول الهدية،وأعلنت قلقها من الحكم لأنها دائما وكالعادة ترضى الكبار، رغم انها تدعى كذبا ليل نهار انه حكومة لرعاية مصالح محدودى الدخل .

 

اجمالي القراءات 7337

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   عائشة حسين     في   الجمعة 30 يوليو 2010
[49811]

حكومة المرفهين

  شكرا للأستاذ حمدي  على هذا المقال ،والحقيقة إن حكومتنا الموقرة هي حكومة للمرفهين وكبار رجال الأعمال وذووا الشهرة والجاه والمال، وقد بدا ذلك واضحا من انعدام الطبقة الوسطى التي كانت دليلا على صحة المجتمع وأنه يسير في الطريق الصحيح  ،وانقراض هذه الطبقة في مجتمعاتنا ،وانقسام المجتمع إلى فوق وتحت على رأي المغني القدير عدوية .. فقد كان سابقا لزمنه  وعرف إن الطبقة الوسطى في طريقها للانقراض . وللأسف إن أحكام القضاء في القضايا التي تناولها المقال قد قوبلت بالامبالاة وقد عدلت وفق رغبات الكبار وذووا المصالح وعلى المتضرر ترك البلد هذا لو وجد بلد ثانية تقبله .


 


2   تعليق بواسطة   عبدالمجيد سالم     في   الجمعة 30 يوليو 2010
[49814]

أحترام أحكام القضاء ..

من اهم ما يميز أي مجتمع عن الآخر في مقياس التقدم هو أحترام أجكام القضاء ..ولهذ فإنك من الممكن أن تحكم على مصر بذلك أنها من أسوأ دول العالم وذلك لأن الدولة هي التي بدأت بعدم أحترام أحكام القضاء حيث أن هناك الآف الأحكام القضائية التي لم تنفذها الدولة المصرية وهناك الآلاف الأخرى لا تهتم بتنفيذها وهناك بعض الأحكام التي تنفذ ولكن إذا أحبت السلطة التنفيذية ذلك ..


هذا ولأن الناس على دين ملوكهم .. فإن المصريين أصبحوا هم الآخرين ينظرون إلى أحكام القضاء انها حبرا على ورق ..


يحدث كل هذا الخلل الذي جعل من القضاء وأحكامه مسخة .. بينما الجميع يحفظ عن ظهر قلب أنه يحترم أحكام القضاء ولا يعلق عليها .. وهي عين الحقيقة .. معظم المصريين يقول هذا ولكنك تجد العكس تماما عند التنفيذ ..


 


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2010-07-24
مقالات منشورة : 163
اجمالي القراءات : 598,294
تعليقات له : 13
تعليقات عليه : 221
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt