" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَ:
آيــات لقوم يتفكرون 6

محمد صادق في الثلاثاء 09 فبراير 2010


"; mso-bidi-language: AR-EG; mso-ascii-theme-font: m'; mso-bidi-language: AR-EG; mso-ascii-theme-font: major-bidi; mso-hansi-theme-font: major-bidi; mso-bidi-theme-font: major-bidi">دائما نسمع يقولون عليكم بكتب التفسير لأنها بينت ووضحت كل شيئ وأن هؤلاء الذين أمضوا حياتهم فى تفسير القرءآن الكريم جاؤا بكل صغيرة وكبيرة فى كتاب اللــه إلا ولهم فيها رأى، وبينوا المجمل وشرحوا المسكوت عنه.

  الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ " هود 1

وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَىٰ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ

الْعَالَمِينَ " يونس 37

....... وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا " الإسراء 12

أيها الأخوة والأخوات الكرام، ماذا فى كتب التفسير وكيف تعارضت هذه التفسيرات مع كتاب اللــه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهل كلمات اللــه البينات تحتاج إلى من يبينها من البشر لأن كلام اللــه غامض أو أن كتاب اللــه ناقص... حاشا للــه أن يكون هذا الكتاب الذى يهدى إلى الصراط السوى والطريق المستقيم والمنهاج الربانى أن يكون هكذا... إن السطور التالية ما هى إلا تحليل ونقد لما هو فى كتب التفسير بصورة مجملة وبإختصار شديد، ولا بأس أن نقرأ فى كتب التفسير ولكن نكون فى أشد الحذر ولا نأخذ ما جاء فى هذه التفاسير قضية مسلمة ولكن من باب الإطلاع فقط والإستفادة من الأخطاء المدونة فى هذه الكتب حتى يتبين الحق من الباطل وفى الختام نقرأ من كتاب اللــه ماذا قال ربنا فى هذا الصدد.

أن القرءآن الكريم والرسول عليه السلام قاما فى المدينة بتجربة ثورية لأنها جمعت ما بين الدين والدنيا  – القول والعمل، وحققت الغاية المنشودة، وبرئت من لوثات الضلال.

ولكن عوامل عديدة عصفت بهذه التجربة قبل أن تتغلغل جذورها فى أعماق المجتمع العربى، وكان مقتل عثمان واستشهاد على والألوف المؤلفة للقتلى فى الجمل وصفين، بما فيهم الصحابة، من العنف والقوة بحيث سمحت بوجود "المُلك العضوض" الذى يختلف فى روحه بالدرجة الأولى، وفى مظاهره بالدرجة الثانية عن روح ومظاهرالتغيير التى حققها الإسلام فى المدينة ولسنا الآن بصدد تحقيق أسباب هذه النقلة الجسيمة، ولا الحكمة منها، ولماذا لم يسمح الله تعالى لهذه التجربة بالبقاء، ولو لمدة أطول مما سلختها، وما هى الحكمة فى ذلك فهذا ما تعنى به دراسات موسعة توضع لذلك أساساً. ولا جدال فى أن هناك حكمة أرادها الله... فإن الله تعالى لا يصطنع أقواماً إلا على أساس إتـباعهم لما أنزله، ولعله تعالى أراد أن يعلمنا أن لا نسرف فى الأمل والتفاؤل أو نستكين إلى مثال سابق المهم أن المجتمع الذى جاء مع بنى أمية كان مجتمع المُلك العضوض الذى كان يختلف فى روحه عما أرادته ثورية القرءآن حتى وإن احتفظ ببعض الظواهر والشكليات.

ونشأت عن هذا الوضع مفارقة كبيرة، فالناس بين أيديها قرءآن تصدع آياته بالثورية، ولكنهم يعيشون فى مجتمع تتعارض، أو حتى تتناقض، أوضاعه مع هذه الآيات.

إن فئات من المسلمين رفضت المُلك العضُوض وأرادت العودة إلى عهد الخلافة سواء كانوا من الخوارج أو من آل البيت، لما أصبحت الثورة على القهر مستحيلة لم يعد هناك بد من الاستسلام له، حتى مع عدم "التطبيع" معه،  يكشف عن ذلك الصراع بين الأئمة الأربعة، وغيرهم أيضا، وبين سلطة المُلك العضُوض.

 يجب أن لا ننسى أن هذا المُلك العضُوض تصدى لرسالة بدت وقتئذ مقدسة، وهى فتح بلاد الفرس والرومان، ومواصلة الخط الذى بدأه عمر بن الخطاب فامتدت الفتوحات الإسلامية من الهند وأفغانستان شرقاً حتى الأندلس غربا، ومن المحتمل أن الأجيال التى عاصرت العهد الأموى، والعباسى رأت أن ثورة القرءآن مستمرة، على أرض جديدة وتحت سماوات جديدة.

كان الإسلام حتى فى عهد الرسول له طابع عالمي، فقد كان حول الرسول سلمان الفارسى وصهيب الرومى وبلال الحبشى وفى بيت الرسول نفسه كانت صفية ذات الأصل اليهودى ومارية القبطية ذات الأصل المصرى، وعندما بدأت الفتوح غطا طرقات المدينة الأسرى وأقبلت الشعوب المفتوحة على الإسلام أفواجاً لما رأت من بساطته وسماحته، ولأنه كان طريق الاندماج فى المجتمع والوصول إلى أعلا مراتبه، وقد استنكر عمر بن الخطاب أن يخلف أحد ولاته مولى له.. فقال الوالى أنه حافظ للقرآن الكريم فتراجع عمر وقبل هذا الوضع لأن الله يرفع بهذا القرءآن أقواماً، ولم يلبث الموالى أن تصدروا كل المعارف الإسلامية: الحديث، والتفسير والفقه. بل حتى اللغة العربية التى كانت بطبيعتها بعيدة عنهم، وأى شئ أكثر دلالة أن يكون إسم إمام العربية "سيبويه.

ولا جدال فى إخلاص الموالى لقضية الفكر الإسلامى وخدمتهم له، ولكن هذا لا يمنع من أنهم حملوا عن آبائهم وأجدادهم تراث حضارات فارسية أو رومية أو هندية غريبة عن الإسلام، وكان هذا التراث يسرى فى الدم لأن الوراثة تنسحب على الحركات والسكنات كما تنسحب على الأجسام والألوان وتؤثر فى طريقة فهم الأشياء وتكييفها، وما كان الموالى يستطيعون – لو أرادوا – التحرر منها خاصة وأن الأجيال الأولى لم تقطع علاقتها بجذورها فاحتفظت بلغاتها الأصلية، ولعلها أورثتها أبناءها، وهؤلاء إلى أبنائهم قبل أن تنقطع العلاقة بينهم وبينها، واللغة قناة تنقل الفكر فى النفس، ولابد أن هذه اللغات نقلت إلى عالم الفكر الإسلامى مضامين عديدة جديدة عليه وبالنسبة للموضوع الذى نحن بصدده فيكاد يكون أثرها الأعظم هو فى صف الحِفاظ وليس فى صف "الثورة" فلم يحضروا عهد ثورة الإسلام، أو يشتركوا فيها. وقد جاءوا مع الفتوح، التى بلغت أوجها فى العهد الأموى ثم العباسى، وكانت طريقتهم للظهور فى العهد والنظام القائم الاندماج فيه وليس الثورة عليه.

لهذا كان من الطبيعى أن ُتستبعد التوجيهات القرءآنية ويحل محلها مبادئ من أثار الحضارات السابقة التى تقوم على الحفاظ  ومقتضيات الملك، ولم يعدم الذين ذهبوا هذا المذهب آيات من القرءآن يمكن أن يحملوها بما ذهبوا إليه.

إن الامتداد السريع للدولة الإسلامية وما حازته من فتوح على الدولة البيزنطية والفارسية، وما استوعبته الدولة العباسية من مؤثرات فارسية وتركية.. وحركة الترجمة التى بلغت أوجها فى عهد المأمون كل هذا أفسح المجال لظهور طرائق فى التفكير لم تكن معهودة لدى العرب. كما سمحت بظهور حركة " الوضع الوبائى فى الأحاديث " ليس فحسب انسياقا مع الأوضاع أو الضرورات السياسية. بل وكنوع من الدفاع عن الإسلام فى مواجهة المذهبيات كما فعل "الوضاع الصالحون" فى وضع أحاديث عن فضائل السور القرءآنية والأدعية وغيره.

إن عملية وضع الأحاديث ليست إلا جزءً من عملية أكبر وأقدم منها بكثير هى الكيد للإسلام بالدس وإفساد العقيدة بعد أن عجز أعداؤه عن هزيمته، وقد بدأت هذه العملية بمجرد قيام الإسلام، وفى عهد الرسول، وقام بها فريق من المنافقين ومجموعة من اليهود، وكان من وسائلهم نشر الشائعات، وتوجيه أسئلة معجزة للرسول، والإيمان بالإسلام نهاراً والكفر به ليلاً وأخيراً دس أحاديث وروايات لا أصل لها ونسبتها إلى بعض الصحابة واللغو فى القرءآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ {26 فصلت 

نحن لا يخالجنا شك فى أن كل ما روى من أحاديث عن نسخ، وإضافة، وزيادة، فى القرءآن، وسنعرض لأمثلة له فيما سيلى ، إنما هو جزء مما أشار إليه القرءآن الكريم عندما قال ﴿.. وَالْغَوْا فِيهِ..﴾ وقد ركبت لها أسانيد ثقات حتى لا يُشك فيها، وجازت الحيلة على المحدثين لأنهم أسرى الإسناد.

تفاعلت هذه العوامل كلها ما ائتلف منها أو ما اختلف وسارت قدماً خلال قرنين أو ثلاثة وضعت فيها أسس المعارف الإسلامية، وقدمت للدولة الإسلامية المتشحة بعباءة الخلافة، والمجتمع بعلاقاته الاقتصادية والاجتماعية ، والأسس التى تقوم عليها، ويجد فيها سنده التشريعى.

وظهر هذا كله كتطور طبيعى، بل بدا أمراً رائعاً فقد وضعت قواعد وأسس كل المعارف الإسلامية من حديث، أو تفسير، أو فقه، أو عقيدة، ولم يخطر ببال أحد من الذين اشتركوا فى هذه العملية أنهم ابتعدوا عن قيم قرءآنية ، لأن عملية التحول تأثرت تأثراً تدريجياً، ثابتا بالعوامل التى كانت تفقد النصوص القرءآنية مضمونها العملى خاصة وأن المعالجة كانت أشبه بتقطيع أوصال الإسلام ومعالجة كل جزء على حده، وفرض التخصص ضروراته وأولها العناية بالجزء على حساب الكل.. ففى علوم القرآن كان هناك الذين يفسرونه تفسيراً لغوياً، أو مذهبياً، أو بالآثار كما كان هناك مجموعة أخرى عنيت بقضايا مثل النسخ أو أسباب النزول أو استخلاص الأحكام، وفى الحديث كان هناك علم الرواية وعلم الدراية.

وفى الفقه كان الفقه ينعزل شيئاً فشيئاً عن أصول الفقه، ووراء الجميع، وفى أصل اتجاهاتهم كانت روح العصر تسيرهم دون أن يعلموا فما كان يمكن لثورية القرءآن التى قامت فى المدينة، وعلى يدى الرسول نفسه أن تستمر، لقد قبض الرسول، وتوارى الصحابة واحداً بعد آخر فلم تأت المائة حتى كان أخرهم يلفظ أنفاسه، واتسعت الرقعة من "أم القرى وما حولها" إلى إمبراطورية شاسعة لها مقتضيات واحتياجات وتربطها روابط وعلاقات وتواجه قضايا ومشكلات تختلف تماماً عما كان عليه الأمر فى المدينة.

ولو قدر لأحد الصحابة أن يبعث فى عهد المتوكل ببغداد أو الفاطميين فى مصر أو عبد الرحمن الناصر فى الأندلس لصعق لما يرى من افتراق بعيد بين ما كان يألفه ويفهمه أيام الرسول وما يلمسه فى هذه المناطق وما يتحدث به هؤلاء الأئمة الأعلام.. ولم يستشعر أحد من هؤلاء الأئمة هذا الافتراق لأنه حدث تدريجيا وعبر مراحل تسلم كل واحدة إلى الأخرى فلم يلحظ أحدهم الاختلاف لأنه كان كمن يشاهد نفسه فى المرآة يوما بعد يوم وشهراً بعد شهر فلم تروعه أثار السن، ولو أنه لم ينظر فى المرآة منذ أن كان فى العشرين مثلا حتى أصبح فى الخمسين لراعه الفرق الكبير.

ونحن بالطبع أبعد ما نكون عن أن ننتقد الأئمة الذين وضعوا أسس هذه النقلة، لأن هذا كان أمراً طبيعياً بعد أن ُصفيت الثورة مع مقدم المُلك العضُوض، ثم ما تلا ذلك خلال قرنيين حافلين بالأحداث والعوامل التى كانت تطور، وتكيف وتغير النظر فى النصوص القرءآنية وكان بعضها بعيداً كل البعد عن أصول الإسلام، كتلك النقول المسهبة عن التوراة فى كتب التفسير، أو الأحاديث الموضوعة أو طريقة معالجة المنطق الأرسطى، ولكنها تزيت بزى الإسلام وأقحمت فيه عن طريق روايات جازت عليهم لأنها استمدت الشرط الشكلى (كالسند مثلا) ومن المؤكد أنه لم يخطر ببال أحد من الأئمة الأعلام أن ما يقوم به يفرغ نصوصاً قرءآنية من مضمونها العملى، أو يجافى السنة الفعلية للرسول، فلعله لو تنبه لتردد، ولكن مثل هذا التنبه ما كان يمكن أن يحدث لأن الغمار والتيار والسياق وتدافع الأحداث وتوالى عوامل التحول التى أشرنا إليها كلها حالت دون ذلك،

وأنظر مثلاً إلى ثورة المفسرين على أبى مسلم الأصفهانى وهو المفسر الوحيد الذى أنكر النسخ فقالوا أنه "جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلاً فظيعاً وأنه "من شياطين المعتزلة" وأن إنكاره للنسخ "لا يصح من مسلم ممن يدعى إسلامه إلا بتأويل" وأنظر كذلك الاستقبال العدائى للطوفى الذى أعلن فكرته عن أن المصلحة هى أول مقاصد الشريعة، وتأمل المعارك التى شغلت معظم حياة ابن تيمية مع فقهاء المذاهب، والتى لم يخلص منها إلا بفضل طلاقة لسانه وثبات جنانه، ومع هذا سجن مراراً، وقل مثل هذا على ابن حزم وابن رشد.

 

بتأثير قوى عديدة حدثت عملية تحول تدريجية انتهت بنقلة  – تكاد تكون نوعية – جردت القرءآن الكريم من مضامينه العملية – ومع أن هذا لم يكن مقصوداً على وجه التعيين – من المفسرين والفقهاء والمحدثين الذين مارسوا هذه العملية وأحلوا محلها مضامين تدعم الحفاظ، إلا أنها انتهت إلى هذه النهاية لأنها كانت حكم العصر ومقتضى التطور.

وأخذت هذه العملية التدريجية الطويلة شكل:

تفسير القرءآن الكريم تفسيراً يجعله كتاب قصص وحكايات، ومعلومات وليس رسالة هداية وثورة وإيثار المنهج التقليدى النقلى على المنهج التحرّرى القرءآنى وتسخير السنة لتبرير ذلك مما شل ملكة التفكير، خاصة بعد إغلاق باب الاجتهاد. وإقحام مضامين لاهوتية أفسدت عقيدة الله وشقت وحدة الأمة -وأدت  فيما أدت إليه- إلى ظهور التصوف، وغيره من الاتجاهات.

تفسير القرءآن

كان الصحابة الذين عاصروا نزول القرءآن يجدون فيه رياً لنفوسهم، وشفاءً لصدورهم ونهجاً لما تكون عليه حياتهم وسلوكهم. ولم يطمحوا – باستثناء قلة – أن يحملوا القرءآن كله، وكان حسبهم عدد من السور يتدبرها الواحد منهم فتغنيه، لأنها قد تكون ذات معان واضحة فيفهمها، أو تكون ذات إعجاز لغوى فتخشع لها نفسه، ويمكن أن يكون هذا وذاك معا.

كان- الرسول- بين ظهرانيهم، وكان يمكنهم أن يسألوه، خاصة ومما يزيد فى دلالة هذا المسلك ومغزاه أن النبي وقد كان كل ما جاء فى القرءآن جديدا عليهم، ولكنهم أثروا أن لا يفعلوا ولعلهم تذكروا ضيق النبي يُسأل تزيدا وتعنتا و تفصيلا أو دون حاجة ملحة لذلك، (ذرونى ما تركتكم) وما جاء فى القرءآن من تحريم السؤال عن أشياء ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.

بل أعجب من ذلك فى الدلالة أن النبى وقد تنزل عليه القرءآن لم يخبرهم بتفاصيل عن تفسير أو تأويل ما جاء به، إذ لو فعل ذلك لوصل إلينا وكل ما وصل إلينا من التفسير المرفوع إلى النبى لا يتعدى ثلاثة عشر صفحة على ما ذكره السيوطى فى كتابه "الإتقان فى علوم القرآن أجمل فيها التفاسير المصرح برفعها" صحيحها وحسنها وضعيفها ومرسلها ومعضلها وإن لم يعول على "الموضوعات والأباطيل" كما استبعد ثلاثة أحاديث طويلة مرفوعة لم يثبت له صحتها أحدها حديث موسى مع الخضر.. والثانى حديث الفتون والثالث حديث الصور "الذى يتناول يوم القيامة" عن تفسير القرآن معظمه له دلالته التى لا يمكن إهمالها لما فيها من حكمة.

ولخص أحد الشيوخ المعاصرين" التفسير والمفسرون" بقلم الشيخ عبد المنعم النمر"  الموقف فقال " إن القرءآن الكريم لم يحظ بتفسير مروى عن الرسول ولا عن صحابته إلا فى آيات قليلة جداً ومتناثرة فلا يمكن أن تكون تفسيراً كاملاً بالرواية يعتمد عليه".

وعلى كل حال فقد اختلفت الصورة بعد أن قبض النبى وانقضى جيل الصحابة وجاءت الفتوح بالألوف المؤلفة من الذين أسلموا مع انتصار الإسلام من يهود أو نصارى أو صابئة.. وحملوا معهم بقايا معتقداتهم القديمة التى لم يكن من السهل عليهم التخلص منها ولم تسعفهم معرفتهم المحدودة بالعربية فى تفهم القرءآن أو إدراك إيجازه ومجازه، استعارته واشارته، ولم يكن فيهم ذلك الحرص على الجمع بين العلم والعمل وإنما كان فى معظمهم فضول للتعرف على ما جاء فى القرءآن ومدى اتفاق أو افتراق ذلك عما كانوا يعتقدونه.

وعزز هذا كله أن توسع المجتمع وتشعبت قضاياه وتعددت مسائله ولم يكن الذين ولوا الأمر بمنزلة النبى الذى يفصل فى الأمور بما لا يرد فانفتح الباب أمام ما أطلق عليه "علوم القرآن" وعكفت مجموعات من الناس على تأويل وتحليل وتفسير آيات القرءآن كل من زاويتها الخاصة مستعينة فى ذلك بما كان فى الكتب القديمة وبوجه خاص التوراة وما كان بين يدى أهل الكتاب من أقاصيص وروايـات طافحة بالتفاصيل ولم يجدوا حرجا من ذلك لما رووه من أحاديث لا تحرم ذلك بل لقد رووا "حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج" فنقلوا عن "علماء اليهود أو من ظنوهم علماء بالتوراة وربما لم يكونوا من العلماء بل من النقلة المحرفين الذين يحرفون ويزيدون أو من عوامهم الذين يسمعون وينقلون ويزيدون، ويستمع منهم المسلمون حتى لتجد كتب التفسير محشوة بتفاصيل لهذه القصص لم يذكرها القرءآن ولكنها مأخوذة عن هؤلاء مما اشتهرت تسميته "بالإسرائيليات" وبعض هذه الإسرائيليات تجدها معزوة إلى ابن عباس أو غيره من الصحابة والتابعين مما يوهم روايتها عن الرسول وما هى كذلك وإنما هذا مصدرها الذى أتت منه، اليهود الذين أسلموا ونصبوا من أنفسهم أو نصب منهم المسلمون معلمين مخبرين، مما لم يذكره القرآن من تفاصيل القصص."

وامتلأت كتب التفاسير بهذه الأقاصيص وغيرها كأن ذكر ذلك هو القصد وليس تفسير القرءآن بعينه حتى صح على بعضها ما قيل على تفسير الرازى "فيه كل شئ إلا التفسير."

ودخلت ثلاث مجموعات على الأقل مجال التفسير فاللغويون أرادوا أن يصلوا إلى أسرار الإعجاز اللغوى فى القرآن، وما جاء به من نظم بديع ونسق فريد، وتطويع فى بنية الكلمات ليحقق وحدة الإيقاع وتنغيم الألفاظ، وليصل بالجملة القرءآنية إلى أقصى درجة من إحداث الأثر وأداء المعنى، والمذهبيون حاولوا إثبات مذاهبهم فى جوانب من العقيدة بمختلف الآيات مستغلين مرونة التعبيرات وما يمكن أن يحمله تركيب الجملة القرءآنية من معانى، وبوجه خاص الآيات المتشابهات، والإخباريون تتبعوا الوقائع التى ذكرت فى القرءآن من خلق آدم حتى قيام الساعة وما بين ذلك من أحداث، وقصص الأمم التى تحدث عنها القرءآن، وفى مقدمتها بنى إسرائيل.

والمأخذ الذى يؤخذ على هؤلاء جميعاً أنهم فى غمرة اهتماماتهم بتخصصاتهم وعملهم لإثبات وجهات نظرهم أهملوا الإشارة إلى روح القرءآن نفسه تلك الروح التى تنتظم آياته جميعا ككتاب إحياء ونهضة وهداية يستهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

وكانت النتيجة أن المفسرين – كما لاحظ ذلك أحد أعضاء مجمع البحوث الإسلامية "قد تصوروا مهمتهم على نحو خاص كان له أثر بين فى توجيه التفاسير التى وضعوها فقد واجهوا القرءآن فى البداية كنص يراد شرحه وإيضاح معانيه فشرحوا غامضه وحرروا معانيه وأشاروا إلى ما يتضمنه من مبادئ وأصول، ولكن الأمر لم يلبث أن تطور إلى صورة لم تكن تخطر لأحد على بال ولن نستطيع أن ندرك هذا التطور الجديد حق إدراكه إلا إذا تذكرنا أن العلوم العربية كانت فى هذه الحقبة تنمو وتزدهر فى دراستها فأوغل فريق فى دراسة البلاغة وتوسع آخرون فى دراسة النحو والصرف أو اللغة وجمع غيرهم فى دائرة تخصصهم بين كل هذه العلوم أو عدد كبير معه.

والأمر الخطير هنا أن التخصص العميق يصبغ صاحبه بصبغته الخاصة بصورة قوية فعالة لا يستطيع أحيانا أن يتحرر منها حتى إنه لينظر إلى الأشياء من وجهة نظر تخصصه شاء أم أبى. وقد أتجه كثير من هؤلاء اللغويين إلى تفسير القرءآن فماذا كانت النتيجة ؟ بحسبك أن تنظر فى تفسير الزمخشرى مثلا وأن تتذكر حين النظر فيه أن الرجل من كبار علماء النحو والصرف واللغة والبلاغة فستجد فى تفسيره مصداق ما أشرنا إليه آنفا من تأثر الرجل تأثرا عميقا بالعلوم التى تخصص فيها، فأول ما يأخذه نظره من القرءآن فيحاول بحثه ودرسه هو الاستعارات والمجازات وغريب القرءآن ثم نحو القرءآن وصرفه حتى إذا وصلت إلى حاشية الجمل خيل إليك أن الرجل إنما كان يعنيه أن يتخذ من القرءآن الكريم مجالاً لتطبيق علوم اللغة وبخاصة النحو والصرف أما معانى الآيات وموضوع القرءآن فقد أصبح بمعزل عن مجال الشرح والعرض وخلاصة الأمر أن القرءآن تنقلت به الحال من كتاب لتربية المسلمين وتعليمهم الدين والشريعة إلى نص لمجرد الفهم إلى ميدان فسيح لتطبيق علوم اللغة على اختلاف أنواعها وبهذا تم عزل القرءآن كعامل يعمل لتربية المسلمين وتكوين عقائدهم وأخلاقهم وشريعتهم وتوجيه سلوكهم.

وعثرة اللغويين من المفسرين نشأت من أنهم ركزوا العناية على الصناعة اللغوية والنحوية بصورة تفرغ الأسلوب من المضمون فقالوا أن فى آية: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ عشرين ضربا من البديع وأن قوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قد جمع الخبر والطلب والإثبات والنفى والتوكيد والحذف والوعد والوعيد.. وفضلوا الآية ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ على التعبير العربى القديم "القتل أنفى القتل" وتقصوا ما فى القرآن من تشبيه واستعارة وكناية وتعريض وإيجاز وإطناب وخبر وإنشاء الخ... وألفت كتب كاملة عديدة فى ذلك.

وأسوأ من عثرة التركيز على الصناعة بصورة تـُنسى المضمون القرءآنى أنهم فى بعض الحالات إفتروا على أسلوب القرءآن وحاولوا أن يخضعوه لقواعدهم. فإذا نزلوا عن ذلك قالوا –كما روى السيوطى– "هذا تفسير معنى وهذا تفسير إعراب" والفرق بينهما أن تفســير الإعراب لابد فيه من ملاحظـة الصناعـة النحـويّة وتفسـير المعنى لا تضره مخالفة ذلك.

وأشار كاتب محقق هو الأستاذ أحمد عبد الستار الجوارى فى كتابه "نحو القرآن" إلى المأزق الذى وقع فيه النحاة واللغويون عندما أرادوا الجمع بين مذاهبهم المقررة وما تشمل عليه الصياغة القرءآنية من بلاغة، بدلا من أن يجعلوا أساليب القرءآن المثال الذى يقتدى به وتقتبس منه قواعد اللغة فقال: "ولكن الذى كان ممن وضعوا النحو فى أول الأمر غير ذلك بل عكس ذلك من بعض الوجوه فقد اشتطت بهم السبل وعميت عليهم المسالك فتنكبوا سبل القصد واعتمدوا فى وضع قواعد النحو على ما بلغهم من كلام العرب شعره ورجزه ومثله. أو آثروا جانب المنطق فتصوروا القاعدة قبل استقراء المادة اللغوية وركبوا مركب الشطط فحاولوا أن يجعلوا للقواعد المجردة سلطانا على المروى المأثور يحكمونها فيه ويحسبون أن ذلك هو الصواب وما هو إلا مجانية الصواب ولقد بلغ بعضهم فى هذا المجال مبلغ الغلو فحكموا على مواضيع من أى القرءآن بخروجها على نحو العربية.. وركنوا إلى التأويل والتخريج، حتى تنسجم تلك المواضع بأساليبها الرائعة وتراكيبها الدقيقة مع ما افترضوا من قواعد وما رسموا للنحو من حدود.

وأدى تمسكهم بقواعدهم بالزمخشرى لأن ينزلق دون أن يشعر فيقول فى تفسير ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ "والأصل ويبغون لها عوجا فحذف الجار وأوصل الفعل" ولم يستشعر الزمخشرى حساسية أو أنه أساء التعبير عندما قال "والأصل.." الأمر الذى استشعره مؤلف "نحو القرءآن" فوضع لفظة (والأصل) بين قوسين واتبعها بعلامة تعجب واستفهام لأن الزمخشرى دخل الحلبة كنحوى ولغوى يرى الأصل فيما يراه النحاة واللغويون  بينما رأى الأستاذ الجوارى الأصل فيما يضعه القرءآن.

وعندما لم يـفهموا ضرورة النغم فى التعبير والإيقاع فى السياق وما يؤدى هذه المهمة من حروف أو كلمات، زعموا أن كل شئ يوجد لتحقيق ذلك، ولا يدخل فى استخداماتهم النحوية، يكون – بتعبيرهم "لغوا" ولم يجدوا حرجا من قول ذلك بالنسبة لنصوص قرءآنية.. فنقرأ فى استخدامات "ما " و " س" والثانى أن يكون لغوا وذلك نحو قوله تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أى فبرحمة.. ومثل ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أى بنقضهم

وأما قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾  ففيه قولان: أحدهما أن ما لغو، والتقدير أن الله لا يستحى أن يضرب مثلا بعوضة والثانى أن ما نكرة وبعوضة بدلا منها يسد مسد الوصف ويجوز الدفع فى بعوضه من وجهين أحدهما أن تكون خبر مبتدأ محذوف على طريق الجواب كأن قائلا قال ما هذا المثل فقيل بعوضة، أى هى بعوضة.

والثانى أن تكون ما بمعنى الذى وبعوضة خبر مبتدأ محذوف والجملة من صلة ما والتقدير أن الله لا يستحى أن يضرب مثلا الذى هو بعوضة.

فأنظر إلى هذه الإفتراءات والتعسفات والتعبيرات الركيكة والتفسيرات السقيمة على حين يمر التعبير القرءآنى بالنفس مرور النسيم العليل ويدخل الآذان دخول النغم الجميل.

وقد يتلطفون فلا يقولون "لغوا" ولكن زائدة كما قالوا فى "من" فى قوله تعالى ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ "كأنه قيل ما لكم إله غيره" فى حين أن تركيز الجملة القرءآنية يكاد يتأتى من حرف "من" الذى اعتبروه زائدا.ً

وقد لفت إطلاق تعبير "زائدة" على حروف أو كلمات أوردها القرءآن، ومدى لياقة ذلك الإمام السيوطى. فأورد فيما يجب على المفسر.. ".. أن يجتنب إطلاق لفظ الزائدة فى كتاب الله، فإن الزائدة قد يفهم منه أنه لا معنى له "، وكتاب الله منزه عن ذلك.

على أن مواقفهم تلك تهون أمام موقفهم تجاه "لحن القرآن" كما زعموا أى التعبيرات من نوع ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ فهنا حطم القرءآن أقدس المقدسات النحوية من رفع أو نصب وكان أهون عليهم أن يمسوا قداسة القرءآن من أن يمسوا أوثانهم التى ظلوا لها عابدين فأوردوا أحاديث مؤتفكات فرووا عن عروة أنه سال عائشة عن ذلك فقالت: "يا إبن أختى هذا عمل الكُتَّاب أخطئوا فى الكتاب" ورووا عن عكرمة قال "لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن فقال لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال ستعربها بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف والمملى من هذيل لم توجد هذه الحروف" كما رووا عن أبان بن عثمان يرويه الزبير يقول قلت لأبان بن عثمان كيف صارت  ﴿لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما بين يديها وما خلفها رفع وهى نصب ؟ قال من قبل الكُتًّاب كتب ما قبلها ثم قال ما أكتب ؟ قال أكتب "الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ" فكتب ما قيل له ونسبوا إلى سعيد بن جبير أنه قال فى القرءآن أربعة أحرف لحن "والصابئون" "والمقيمين" ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ﴾  ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾.

ومن هذا ما أخرجه بن جرير وسعيد بن منصور فى سننه عن طريق سعيد بن جبير عن إبن عباس فى قوله  ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ قال إنما هى خطأ من الكاتب حتى تستأذنوا وتسلموا أخرجه ابن أبى حاتم بلفظه هو فيما أحسبه مما أخطأت به الكتاب وما أخرجه ابن الأنبارى عن طريق عكرمة عن ابن عباس أنه قرأ ﴿أَفَلَمْ يتبين الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فقيـل لـه أنـها فى المـصحف ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسْ﴾ فقال أظن الكاتب كتبها وهو ناعس! وما أخرجه سعيد بن منصور عن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقول ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ إنما هى ﴿ووصى رَبُّكَ﴾ التزقت الواو بالصاد وأخرجه من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ووصى رَبُّكَ﴾ ويقول أمر ربك أنهما واوان التصقت أحدهما بالصاد  وأخرجه عن طريق آخر عن الضحاك قال كيف تقرأ هذا الحرف وقضى ربك فقال ليس كذلك نقرؤها نحن ولا ابن عباس إنما هى ووصى ربك وكذلك كانت تقرأ وتكتب فاستمد كاتبكم فاحتمل القلم مدادا كثيراً فالتزقت الواو بالصاد".

 فهذه كلها إما أن تكون روايات متهافتة وإما أن تكون من باب "وكم من عائب قولا صحيحا. وآفته من الفهم السقيم" وهذا واضح عند مقارنة دعاوى القوم بنص التنزيل العظيم تعالى عما يزعمون ولا يخالجنا شك فى أن هذا الكلام بأسره موضوع أو موهوم حتى عندما يحكم المحدثون بأن فيه ما هو صحيح على شرط الشيخين فلا عائشة ولا عثمان ومن باب أولى عروة وعكرمة وغيرهما يمكن يقولوا ذلك أو أن يحملوننا على قبوله ولأسهل علينا أن نقول إن القرءآن أراد أن يحطم وثنية هؤلاء النحاة الذين يعبدون القواعد دون المعانى كما أراد أن يحطم وثنية الذين يعبدون الملوك والأباء والشموس والأقمار دون خالقها جميعا. ً

وقد كانت هذه الأقوال المنحولة والادعاءات الموضوعة وأمثالها هى عدة المستشرقين وأعداء الإسلام فى الكيد له، وبناء الأحكام عليها.

إفتراءات بعض اللغويين على القرءآن الكريم تمسكا منهم بنظرياتهم ووصفهم بعض القراءات الثابتة بالرداءة والقبح، وما إلى ذلك من الصفات التى لا تناسب القرءآن الكريم:

من ذلك أنهم أرادوا قراءة الآية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ بجر الأرحام عطفاً على الضمير المخفوض بدون إعادة الخافض، وهى قراءة متواترة عن النبى قرأ بها سلف الأمة واتصلت بأكابر قراء الصحابة.. لأنها تخالف قاعدة "لا يجوز عطف الاسم الظاهر على الضمير المخفوض إلا بعد إعادة الخافض" وردوها، وخطئوها وحرموا القراءة بها تحريما قاطعاً قال المبرد "لو أنى صليت خلف إمام يقرؤها لقطعت صلاتى وحملت نعلى ومضيت".

وقريب من هذا أو اشدّ منه.. موقفهم من قراءتين جاءتا فى قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ حيث قرأت كلمة ﴿هَذَانِ﴾ بالألف مع تشديد النون من "إن".. بل فى قراءات متعددة.. فعارضها بعض النحاة معارضة صريحة.. بل أنكروها إنكارا تاما وقالوا إنها ليست من القرءآن لأنها غلط من الكاتب.

فلما جاءتهم قراءة أخرى بالياء "هذين" عارضوها أيضا معارضة صريحة.. وقالوا: إنها "غلط من الكاتب" أيضا.

وأنظر إلى ركاكة ما يحملهم عليه تمسكهم بقواعدهم فقد قال الله تعالى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3)﴾  والإعراب الفطرى الذى يتبادر إلى الذهن لأول وهلة هو أن تعرب كلمة "السماء" مبتدأ. وخبره ما بعده "جملة انشقت"، وكذلك الحال فى الآية الأخرى، فالأرض مبتدأ، ما بعده خبر له "جملة مدت"، وبه قال بعض العلماء الإجلاء غير أن جمهور النحويين رفضوا هذا الإعراب الفطرى السليم، وتأولوا الآيات تأويلا يخرجها عن سلاستها المألوفة فى القرءآن الكريم فقالوا: التقدير إذا انشقت السماء انشقت، وإذا مدت الأرض مدت، فـ ﴿السَّمَاءُ﴾ فاعل لفعل محذوف تقديره ﴿انشَقَّتْ﴾، و ﴿الْأَرْضُ﴾ نائب فاعل لفعل محذوف تقديره ﴿مُدَّتْ﴾ تكلفوا كل ذلك ليخضعوا الآيات الكريمة للقاعدة النحوية التى صنعوها بأيديهم.. تلك التى تقول بوجوب إضافة إذا الشرطية إلى جملة فعلية، وفى هذا يقول ابن مالك.

ودخل الاخباريون الحلبة، ولعل أسبقهم وأبرزهم ابن عباس الذى أفردوا كتاباً كبيراً لتفسيره ومع هذا فقد قال عنه السيد رشيد رضا:

".. وأما ما روى عن ابن عباس فى تفسيره فأكثره موضوع لا يصح لأنه مروى من طريق الكذابين الوضاعين كالكلبى والسدى ومقاتل بن سليمان. وذكر ذلك الحافظ السيوطى وسبقه إليه شيخ الإسلام بن تيمية بل إن رواية هؤلاء وإضرابهم التفسير عنه وعن غيره هى المقصودة من قول الإمام أحمد " ثلاثة كتب لا أصل لها المغازى والملاحم والتفسير" قالوا إنه أراد كتبا مخصوصة فى هذه المعانى الثلاثة غير معتمد عليها لعدم عدالة ناقليها ولزيادة القصاص فيها وذكروا منها تفسير هؤلاء بل نقلوا عن الإمام أنه قال فى تفسير الكلبى "من أوله إلى آخره كذب لا يحل النظر فيه" وقالوا إن كل من ينقل فى تفسيره من الأحاديث الموضوعة لا يوثق بتفسيره بالمأثور ومن هؤلاء الثعلبى والواحدى والزمخشرى والبيضاوى.

وأهم من هذا وأصرح ما ذكره ابن تيمية فى تفسيره سورة النور " وهذه الكتب التى يسميها كثير من الناس كتب تفسير فيها كثير من التفسير منقولات عن السلف مكذوبة عليهم وقول على الله ورسوله بالرأى بل بمجرد شبهة قياسية أو شبهة أدبية.

"وأما كونه ثابتا عن ابن عباس أو غيره فهذا مما لم يثبت ومعلوم أن فى كتب التفسير من النقل عن ابن عباس من الكذب شئ كثير من رواية الكلبى عن أبى صالح وغيره فلابد من تصحيح النقل لتقوم الحجة وهذه الكلمات صريحة فى أن كثيرا من المنقولات عن السلف مكذوبة عليهم وقول على الله ورسوله بالرأى المجرد بل بمجرد شبهة قياسية أو شبهة أدبية ومن يطالع كتب التفسير يجد الكثير مما يصدق عليه هذا من إطلاق الآراء، أو الاجتهادات الركيكة أو الاستشهادات الباطلة بأبيات من الشعر ما أنزل الله بها من سلطان.

وقد ولع الاخباريون بمجالين كبيرين هما الإسرائيليات وأسباب النزول:

وشرح ابن خلدون فى مقدمته أسباب نقل المفسرين هذه الإسرائيليات فقال "والسبب هو أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شئ مما تتشوق إليه النفوس البشرية فى أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجـود فإنما يسألون أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى، وأهل الكتاب الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التى يحتاطون لها – مثل أخبار بدء الخليقة، وما يرجع إلى الحدثان، والملاحم،

وأمثال ذلك، كعب الأحبار ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وعبد اللــه بن سبأ وأمثالهم فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم، وفى أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى فيها الصحة التى يجب بها العمل وتساهل المفسرون فى مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها، كما قلنا عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنه بَعُد صيتهم، وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات فى الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ".

وفى كتب التفسير من الإسرائيليات "طامات وظلمات" لا يتسع المجال لذكر نماذج منها وقد يكفى لإعطاء الفكرة المطلوبة أن نستشهد هنا ببعض ما جاء فى فهرس كتاب "الإسرائيليات والموضوعات فى كتب التفسير" للأستاذ الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة.

الإسرائيليات فى قصة أصحاب أهل الكهف – الإسرائيليات فى قصه ذى القرنيين – الإسرائيليات فى قصة يأجوج ومأجوج – الإسرائيليات فى قصة بلقيس ملكة سبأ - الإسرائيليات فى قصة  الذبيح وأنه إسحاق وليس إسماعيل عليه السلام – الإسرائيليات فى قصة إلياس عليه السلام - الإسرائيليات فى قصة  داود – الإسرائيليات فى قصة سليمان – الإسرائيليات فى قصة أيوب – الإسرائيليات فى قصة إرم ذات العماد – الإسرائيليات فيما يتعلق بعمر الدنيا وبدء الخلق الخ.. – ما يتعلق بعمر الدنيا – ما يتعلق بخلق الشمس – ما يتعلق بتعليل بعض الظواهر الكونية – ما ذكره المفسرون فى الرعد والبرق – جبل ق المزعوم وحدوث الزلازل – الإسرائيليات فى تفسير {ن} و{القلم} الخ

ليس أدل على فساد هذه الأقاويل من أن الله تعالى ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد الأمر بالتوحيد مباشرة ومعطوفا عليه، وتوحيد الله  وما يعطف عليه لا يكون توصية، ولكن وجوباً وقضاءً كما أن تناسق الإيقاع يرفض ووصى ويوجب " وقضى."

القول الفصل من رب العباد:

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا *  وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا "   الفرقان 32،33

يقولون عليكم بكتب التفسير ، والسؤال هنا هل نترك أحسن التفسير ونلجأ إلى مجرد التفسير و لم يقل سبحانه " بالحق والتفسير " ولكن قال " أحسن تفسيرا "...وأنه الحق لأنه من الحق تعالى وكلام البشر فيه الحق والباطل.

 

اجمالي القراءات 12711

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (10)
1   تعليق بواسطة   محمد عبدالرحمن محمد     في   الخميس 11 فبراير 2010
[45657]

هى ثقافة المجتمع البدوي أيضا

 الاستاذ الكريم / محمد صادق السلام عليم ورحمة الله وبركاته ، من الله عليك بالصحة والعافية ، لتزيدنا مما أفاض الله عليك من هذا الفيض القرآني المبارك ، واحب أن أتواصل معاك بهذا الصدد  فلقد أشرت ونوهت على أن الموالي كان لهم دور كبير في  تدوين العلوم المستحدثة بعد وفاة الرسول وبعد ما أطلقوا عليه في تاريخ المسلمين الفتوحات  مع أنها كانت غزوات وغزو للأمم المجاورة من جانب العرب آنذاك والذين كانوا يعلنون  يمسهك بالقرآن ورفع راية التدين يالاسلام مع أن الاسلام دين الله الويم لم يأمر أبدا بالغزو والاعتداء على الآخر ونهب ثروات المم المجاورة تحت ستار الجزية ،  وأسر رجالهم ونسائهم واستخدام أطفالهم خدما وعبيدا يخدمون أهل المينة في عصر عمر بن الخطاب وتسخير الرجال في العمل بالأرض بالرزاعة والصناعات المختلفة دون أجر أو كرامة بل كان  أحد النصار أو المهاجرين يطلب من أسيره الفارسي أن يعمل عند الآخرين ويعطيه عشرة دراهم في اليوم من حصيله عمل الأسير  ويترك الفتات له ليقتات به  هو وأسرته ،  ولقد اشتكى أبو لؤلؤة المجوسي كما كانوا يلقبونه لعمر هذا الوضع المزري لكن عمرا لم ينصفه وأقر المبلغ الذي كان يدفعه أبو لؤلؤة  كل يوم لهذا الصحابي ،ةمما استشعر معه أبو لؤلوة الظلم الفادح والمهانة من من موقف عمر مما جعله يتوعد عمر إلى ان قتله في صلاة الفجر، كان هذا نتقاما مباشرا من احد الموالي  وكان الانتقام غير المباشر من باقي الموالي بتخصصهم في التدوين تدوين التراث الاسلامي واضافة ما يرغبون أن يضيفوه ونحن نتجرع هذا التراث على أنه هو الاسلام!!


2   تعليق بواسطة   محمد عبدالرحمن محمد     في   الخميس 11 فبراير 2010
[45658]

يتبع

  وبالمثل كان  كبارالمجتمع البدوي العربي في عهد الرسول يجارون الرسول في اعلان المودة له والاقتناع بدعوته أي بالقرآن لتسيير مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية  ويبطنون شيئا آخر هو ثقافتهم التي وجدوا آبائهم عليها وهى عدم الخضوع للنص الالهي في الكتب المقدسة من التوراة والانجيل وصحف ابراهيم ، لأن الشيطان يقعد لهم ابالصراط المستقيم ومن هنا نشاة سياسة النفاق التي اتبعوها مع الرسول الكريم  ولقد كان الوحي يخبر الرسول في الكثير من الآيات بموقف هؤلاء المنافقين الذين يظهرون الايمان بالقرآن ويبطنون العكس وهو مصالحهم الدنيوية .


 أشكر الاستاذ الفاضل على مقالاته التنويرية لطلاب الحق القرآني القويم  والسلام عليك ورحمة الله .


3   تعليق بواسطة   نورا الحسيني     في   الجمعة 12 فبراير 2010
[45686]

علينا بكتاب الله تعالى .

الأستاذ الفاضل / محمد صادق هم ينصحوننا بقولهم عليكم بكتب التفسير، وبذلك ننحني -  حسب قولهم - كتاب الله جانباً ونأخذ بتفاسيرهم التي تدخلنا في متاهات ونجد أنفسنا معها لا نفقه ولا نعلم شيء مما فرضه الله تبارك وتعالى علينا . ولكن التدبر في القرآن الكريم ومحاولة فهم آياته من خلال السياق وبعدها نجد الآيات تفسر بعضها البعض في مواقع آخرى ،فنحن لسنا مطالبين بأكثر من ذلك ، أما هؤلاء المفسرين فإن البعد عنهم وعن تفاسيرهم خيبر وغنيمة.


وذلك لأنهم في معظم تفاسيرهم يجعلون لمعظم الآيات أسباب نزول ويحصرون الآيات في وقائع حدثت قديماً وبالتالي لا تنفع لأزماننا هذه حسب زعمهم ، ولكن القرآن الكريم نزل لكي يصلح لكل زمان ومكان ليس لمجرد أحداث وقعت في الماضي لكي نعرفها فحسب، ولكن الهدف مع معرفتها نتعلم ونتعظ بها وتنطبق علينا وعلى غيرنا لأن رسالة القرآن رسالة عالمية لكل البشر .


4   تعليق بواسطة   محمد صادق     في   الجمعة 12 فبراير 2010
[45717]

أخى الكريم الأستاذ محمود مرسى

أخى الحبيب الأستاذ محمود  بارك اللــه فيك والسلام عليكم،


أخى الحبيب أشكرك  شكرا جزيلا على مداخلتك الكريمة وكل ما ذهبت إليه فإنى اوافقك تما ما فى كل ما تفضلت به ولقد نوهت فى بداية هذه المقالة انها ستكون بإختصار شديد والهدف هو توعية المسلمين الذين يتبعون التفاسير ويُجنبوا كتاب اللــه أن يحذروا مما كُتب فى هذه التفاسير ويعودا إلى كلام رب العباد ...


لقد قصدت أن لا أُطيل فى متاهات التاريخ وأسباب النزول وما إلى ذلك من متاهات لذلك لم أتوسع فى موضوع الموالى وغيرهم ولكن وجدت فى تعليق سيادتكم قوة الإيمان والتمسك بكتاب اللــه فأدعو اللــه أن يجازيك كل الخير ويزيدك من علمه وهو السميع العليم...


تقبل منى كل تقدير وإحترام


أخوك محمد صادق


5   تعليق بواسطة   محمد صادق     في   الجمعة 12 فبراير 2010
[45718]

الأخت الكريمة الأستاذة نورا الحسينى

أختنا الكريمة الأستاذة نورا حفظك اللــه من كل مكروه،


أشكرك على هذه المداخلة والشرح الوافى الذى ذهبت إليه فأرجو من اللــه العلى القدير أن يجعلك من رواد الدعوة إلى كتاب اللــه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وفى الحقيقة أنا سعيد جدا بهذه التعليقات وتتبٌعك لهذه المقالات لعل وعسى أن يكون على يديك من يستمع القول ويتبع أحسنه...


أختنا الكريمة جزاك اللــه كل خير ولا تبخلى علىَّ بتعليقات سيادتكم حتى تعُم الفائدة...


كل التقدير والإحترام،


أحوكم محمد صادق


6   تعليق بواسطة   زهير قوطرش     في   السبت 13 فبراير 2010
[45737]

الأخ الحبيب محمد صادق

أشكرك على هذه المقالة  الجامعة .وأتفق معك كون كتب التفسير اتجهت في المقام الأول لتظهر براعة المؤلف اللغوية ,حتى أصبحت بالنسبة للأجيال الشابة طلاسم لا يستطيعون فهمها من جهة ,ولا يستطعون معها الوصول إلى الدلالات والمعاني القرآنية العظيمة.


الخطأ الثاني , أنهم حكموا كتاب الله عز وجل إلى القواعد البشرية ,أي حكموا المطلق إلى النسبي , وكان المفروض العكس .ولهذا تعددت   الاختلافات.


أملهم الأن  ومن على هذا الموقع الكريم ومن خلال منهج القرآن وكفى , سنتوصل إن شاء الله إلى مقاربات الدلالات القرآنية لتصبح سهلة التناول من جهة ,وتصبح قراءة وتدبر القرآن فيها فائدة ومتعة.


7   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الثلاثاء 16 فبراير 2010
[45808]

وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ .

الأستاذ محمد صادق السلام عليكم موضوع التفسير موضوع يهم عامة المسلمين نظرا لما تعنيه التفاسير لهم وقد سمعت من سيدة مسنة ذات يوم وهي تحدثني عما ورثته عن أبيها من كنوز وتذكر لي في مقدمتها كتب الصحاح وكتب التفاسيرالصفراء وكلها فخر وثقة ، ولأنها كانت طاعنة في السن فلم أرد أن أجادل معها كثيرا حول تفخيمها وتضخيمها لهذه الكتب ، واكتفيت بأن ذكرت لها بأنه يكفيك القرآن ففيه الكفاية وإن لم تتمكني من قراءته فاسمعيه مسجلا ومرتلا ، فهدانا الله جميعا إلى ما فيه الخير ولكن كان لي حوار مع الدكتور صبحي في تعليق حول موضوعه الوصايا العشر حول كلمة لغو وما علاقتها بشهادة الزور فكانت الإجابة طويلة ورأيت أن أضع منها ما أجابني به :

قوله جل وعلا ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) ليس المقصود به مجرد (قول ) الزور ، ولكن أن يكون الانسان حاضرا وموجودا وشاهدا بحواسه حالة (الزور ). (قول الزور ) هو مجرد حالة من حالات الزور . و( الزور ) نوعان / نوع يخص التعامل مع البشر مثل أن ينطق الانسان زورا أو كذبا فى علاقته بالآخر مثل الظهار فى علاقة الرجل بزوجته ، وهو منهى عنه ، وموصوف بقول الزور و الكذب : ( الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الَّلائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ) ( المجادلة 2 ),

وهناك نوع سام وخبيث من قول الزور وهو ما يخص العقائد ، أى الكفر و الشرك واتخاذ الأولياء وعبادة القبور والأنصاب والأوثان .وهنا يأتى الأمر باجتناب ذلك كله قولا وفعلا وحضورا:( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) ( الحج 30 ). التعامل مع الأوثان ليس بالتدمير والهدم كما يفعل الوهابيون ولكن بالاجتناب و الابتعاد احتراما لحق كل انسان فى عقيدته ومسئوليته عنها امام الله جل وعلا يوم القيامة .

 


8   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الثلاثاء 16 فبراير 2010
[45809]

يتبع .

وعليه فان المعنى المقصود من قوله جل وعلا :( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) هو الذين لا يحضرون ولا يكونون شهودا موجودين أثناء فعل الزور ، أى ما يخص كل ملامح الشرك والكفر حيث تقام الموالد وتقدم القرابين والنذور و الموائد والولائم ، وحيث ينشدون القصائد و يحكون أكاذيب الكرامات و المعجزات وحيث يتقولون على الله جل وعلا كذبا ويخوضون فى آياته ليثبتوا بالكذب و البهتان أساسا لتقديس البشر و الحجر . مطلوب ألا نحضر هذا وألاّ نكون شهودا على هذا الزور.أى نجتنب الزور قولا وفعلا./ ويؤكد هذا قوله جل وعلا عن اجتناب الأضرحة أو الأنصاب ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ( المائدة 90 ).

2 ـ وقوله جل وعلا ( وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) هو تأكيد لما سبق. فهناك لغو مع البشر يخص علاقاتهم ببعضهم ، وهذا منهى عنه ، ولا بد من الاعراض عنه. أشد منه اللغو فى الدين بمعنى الكذب و البهتان فى دين الله كما يفعل اصحاب الأحاديث المسماة بالنبوية ، والمنامات (الصوفية ) و الهاتف والعلم الباطنى..الخ. كلها جهل وإفك وبهتان ، ونحن مأمورون بألا نشهد هذا وأن نمر عليه مرور الكرام ، أو كما قال جل وعلا ( وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) ( القصص 55 )

وفي النهاية مهما حاول الكفار اللغو في آيات القرآن فإن هذا اللغو إلى زوال ويكفي أنه في مقدمة تفسير ابن كثير نفسه يذكر أن أصح التفاسير ما كان بتفسير القرآن بآيات القرآن وهذا في أشهر كتاب تفسير لدى عامة الناس . .

 


9   تعليق بواسطة   محمد صادق     في   السبت 20 فبراير 2010
[45913]

ألأخ الكريم الأستاذ زهير قوطرش

أخى الحبيب الأستاذ زهير بارك اللــه فيك،


صدقت أخى الحبيب فى كل ما ذهبت إليه ويا أسفاه على من لا يتعظ ويعود إلى كتاب اللــه وآياته البينات بدلا من أقوال البشر الذى طالما نجد فيها المتناقضات وخاصة التى تتعارض مع القرءآن الكريم.


اللــهم إجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه. جزاك اللــه كل خير وزادك من علمه..


أخوك محمد صادق


10   تعليق بواسطة   محمد صادق     في   السبت 20 فبراير 2010
[45914]

الأخت الكريمة الأستاذة عائشة حسين

أختنا الكريمة الأستاذة عائشة بارك اللــه فيكِ،


أشكرك على هذه المداخلة الطيبة وكما ذكرت فى مقدمة إبن كثير يقول أن أصح التفاسير هى تفسير القرءآن بالقرءآن ولكن إذا تعمقنا فى باقى تفسيره نجد انه يرجع إلى الأحاديث والسيرة وأسباب النزول والتى بجد فيها الكثير من المتناقضات والتى تتعارض مع مفسيرين آخرين وليس إبن كثير وحده الذى قال ذلك بل معظمهم قال نفس الرأى وبنفس الأسلوب لا بد لهم أن يرجعوا إلى التفاسير التى جاءت 1400 سنة من قبل ولا يكتفوا بذلك ولكن لا بد لهم أن يتبعوا اقوال الصحابة والتابعين وتابع التابعين...


سبحان اللــه وآياته البينات ليست كافية ...


أشكرك على هذه المداخلة مرة ثانية وأتمنى لكِ المزيد من العلم..


أخوكم محمد صادق


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-10-30
مقالات منشورة : 394
اجمالي القراءات : 5,021,974
تعليقات له : 679
تعليقات عليه : 1,361
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Canada