لو سلكت أوروبا مسلك السُنَّة والشيعة لما توحَّدت!

د. شاكر النابلسي في الخميس 31 ديسمبر 2009


" لدينا. فالوحدة تجربة نجهلها، ونجهل علمها. والإنسان يخاف مما يجهله. ويدفعه هذا الخوف في النهاية إلى محاربة ما يجهله. وهذا هو سرُّ محاربة السلفية والأصولية الإسلامية للعَلْمانية، والحداثة، والليبرالية. وربما كان هذا الجهل بميكانزم الوحدة عن قصد، أو عن غير قصد. وهذا ما يفسر سبب فشل أكثر من مائة تجربة وحدة، جرت خلال القرن الماضي (1913-1989) كما يقول يوسف خوري في كتابه الوثائقي ( المشاريع الوحدوية العربية 1913-1989).

2-                        بما أن معظم الأنظمة العربية لا شرعية لها، وهي تستمد شرعيتها الداخلية الباطنية من حفاظها على التوازنات الداخلية ضمن التكوينات الاجتماعية والطائفية، فليس من مصلحتها في يوم من الأيام أن تفقد شرعية الحفاظ على  هذه التوازنات بين مكونات المجتمع المختلفة. لذا، فهي لا ترغب في إنهاء الصراعات الطائفية الداخلية وتحقيق الوحدة بين الطوائف، لكي تبقي شرعيتها المستمدة من هذه الصراعات قائمة.

3- تعتقد معظم الأنظمة العربية بأن الصراع السني – الشيعي صراع ديني وليس سياسي. وهو بذلك صراع أزلي، لن ينتهي إلا بنهاية الدين والدنيا. والدين والدنيا لن ينتهيا. ومعظم الأنظمة العربية تتغذى على هذا الصراع الدموي كما دودة العلق Leech . ولو بحثنا – مثلاً – عن السبب الذي دعا عز الدولة البويهي (967-978م)، في العراق، لإقامة أول احتفال رسمي في التاريخ الإسلامي بيوم عاشوراء في 960م كما يذكر السيوطي في (تاريخ الخلفاء)، و"إلزام الناس بغلق الأسواق وتعليق المسوحعليها، وإخراج النساء منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع ويقمن المآتم علىالحسين".. لو بحثنا في السبب السياسي التاريخي لهذه الخطوة لوجدنا أن الدولة البويهية (923-1056م) انقسمت على نفسها إلى قسمين. فكان شطراً منها في العراق ويحكمه عزالدولة البويهي(967-978م)، والشطر الآخر في إيران ويحكمه ابن عمه عضد الدولةالبويهي الطامع في حكم العراق. وكان الصراع محتدماً بينهما، عسكرياً وسياسياً. وأراد عز الدولة، أن يستميل الشيعة في إيران سياسياً، ويكسبهم إلى صفِّه، لكي تكون هذه الاستمالة سلاحاً قوياً في يده مستقبلاً في صراعه مع ابن عمه عضد الدولة في إيران، الطامع في مُلك عز الدولة في العراق. وزاد عز الدولة من استمالته السياسية للشيعة، بإحيائه ما يُعرف بيوم "غدير خم". ("غدير خم"  موضع بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، على مقربة من الجحفة، التي هي من المواقيت التي يُحرِمُ منها الحجاج للحج أو العمرة. وفي هذا المكان، كان هناك اجتماع حاشد. ووقف النبي عليه السلام في هذا الاجتماع خطيباً، وإلى جانبه علي بن أبي طالب، وذلك بعد رجوع النبي عليه السلام، من أداء حجة الوداع. وفي هذا الاجتماع رفع النبي عليه السلام، يد علي بن أبي طالب، وقال:

 "مَنْ كُنتُ مولاه، فهذا عليٌ مولاه. اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه.")
 فألَّف الإمام الطبري مؤلَفاً أورد فيه الكثير من الأسانيد والحجج التي تسند هذا الحديث. فما كان من أبي بكر بن أبي داوود - وقد غلبته حجة الإمام الطبري وأفحمه بيانه - إلا أن لجأ إلى إثارة عامة الحنابلة عليه. وكان هو في مقدمتهم في بغداد، كنوع من الإرهاب الفكري. ورمى الإمام الطبري، بالتشيّع، والرفض، بل والإلحاد. واستمرت العداوة بين الطبري وابن أبي داوود إلى حين وفاة الطبري. حيث لم يتمكن أحد من الصلاة عليه. أو إخراجه من بيته وتشييعه. فما كان من أصحابه - على قلَّتهم - إلا أن صلّوا عليه، ودفنوه في داره ليلاً، خوفاً من عوام الحنابلة.

 وكانت هذه التصرفات وغيرها، سبباً في نشوب صراع ظاهرة ديني وباطنه سياسي، بين السُنَّة والشيعة في العراق، فقام حنابلة بغداد بتأسيس عيدين لهم: "زيارة قبر مصعب بن الزبير بن العوام" (652-692م) (زوج سُكينة بنت الحسين بن علي. وهذا دليل آخر على أن الخلاف السُنّي الشيعي سياسي وليس مذهبي. فمصعب السُنّي يتزوج بشيعية. وهو ما تمَّ مثله أو عكسه في العراق، ويتمُّ حتى الآن.) ووالد مصعب، هو الزبير بن العوام، ابن عمة وحواري الرسول عليه السلام، ومن المبشرين بالجنة. وله دور سياسي كبير في "حزب السيدة عائشة" (السيدة عائشة، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام) الذي تكوّن للمطالبة بدم الخليفة عثمان بن عفان، والاصطفاف إلى جانب معاوية والأمويين، مقابل جبهة علي بن أبي طالب. وحارب هذا الحزب في معركة الجمل 656م وخسر المعركة، وقُتل طلحة والزبير. وكان ولده مصعب بن الزبير، كان والياً على العراق، وتقاتل مع الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان على كرسي الخلافة (وهو الصراع بين الأمويين والزبيريين في المدينة المنورة. فالخليفة الأموي عبد الملك بن مروان يريد الخلافة لابنه الوليد، ومصعب بن الزبير يريد الخلافة لابنه عبد الله. وراح الزبيريون ينددون بمقتل الحسين بن علي لإضعاف الأمويين، وتولّي السلطة بدلاً عنهم) رغم الاتفاق المذهبي - والسياسي السابق  - مع الأمويين.

ولكي يشتد الصراع الطائفي الظاهري بين السُنَّة والشيعة، قام السُنَّة بالاحتفال بـ "يوم الغار" أو "عيد الغار"، الذي عادة ما تحتفل به السُنَّة الشعبية مصحوباً بالسب والشتم للطرف الآخر للأسف الشديد. وهذا العيد أصبح مناسبة سُنيَّة تقابل احتفال الشيعة بيوم "غدير خم". واحتفال "يوم الغار"، كان من خلال قصة النبي عليه السلام مع أبي بكر في "غار حراء". ويقال أن النبي قال لأبي بكر: "يا أبا بكر ما ضنُّك باثنين الله ثالثهما".

 

4-                       إن توحيد السُنَّة والشيعة يعني إعادة النظر في نظام الحكم السُنّي في معظم البلدان العربية وبنظام الحكم الشيعي في جزء من العراق وإيران، وربما في أجزاء من بعض دول الخليج. وهذا كله سوف يوجد فوضى سياسية، إذ يتحتم على البلد الذي يتم فيه توحيد السُنَّة والشيعة، أن يعيد النظر في طريقة ومنهاج حكمه الذي يجب أن يرضي الطرفين: السُنَّة والشيعة، وأن يستمد نظامه السياسي من مزيج يتكون من نظرية ولاية الفقيه الشيعية وولاية (أهل الحل والعقد) السُنيَّة.

-2-

كل هذا كان صراعاً، وتاريخاً قديماً، ودماءً جفَّت. ولم تخلُ أمة من الأمم في التاريخ من مثل هذه الصراعات الدامية. ولكن التنوير والعقلانية والثقافة الواعية والحداثة الشاملة، تتطلب من الأجيال الجديدة نسيان كل هذا التاريخ الدموي، وعدم نكء الجروح، حتى لا تزيد الفُرقة، ويُستثار العداء من جديد. فانظروا ما جرى في التاريخ الأوروبي من صراعات وحروب ودماء غزيرة، راح ضحيتها ملايين البشر. ولكن كان على الجيل الأوروبي الحاضر أن ينسى كل هذا، وأن يغفر كل هذا، من أجل مستقبل مشرق. ولو لم ينسَ الأوروبيون تلك الصراعات والحروب الدامية بين بعضهم بعضاً، لما تمَّت الوحدة الأوروبية الحالية، بعد جهد سياسي ودبلوماسي، دام أكثر من نصف قرن.

 

 

اجمالي القراءات 4471

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   احمد شعبان     في   الجمعة 01 يناير 2010
[44577]

ديني في المرتبة الأولى

إلى الفاضل الدكتور / شاكر النابلسي

تحية مباركة طيبة وبعد

لقد لجأ الكاتب إلى توجيه المشكلة إلى الشق السياسي ، مبتعدا عن الجانب الديني فياسا إلى الغرب .

وسرد وقائع تاريخية نوضح ذلك .

لذا وجب التنويه بتعريف كل من الدين والسياسة حتى تكون أحكامنا على أرضية متينة .

فالدين هو : رد ما أنا مدان به .

بمعنى : أنا مدان لخالقي بوجودي ، فهو مستحق لطاعتي " ديني " .

والسبيل : ما أمرني به .

والسياسة هي : فن إدارة صراع القيم والاحتياجات .

والدين هو مصدر كل من القيم والاحتياجات " وجودي ؟ .

والفن : هو المواءمة

وعليه يجب اعتماد الدين كأساس لأي حركة .

والسؤال الأكثر أهمية : هل الدين يأمرنا بالفرقة والتشتت والاختلاف " الطائفية "

أما عن أن الوحدة تجربة نجهلها ، ألم تكن قائمة في زمن الرسول ؟

ولم يوضح لنا كيف نتخطى هذه العقبة .

كما لم يوضح لنا كيفية استرداد السلطة من مغتصبيها .

والسلام

 


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-16
مقالات منشورة : 334
اجمالي القراءات : 1,347,078
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 356
بلد الميلاد : الاردن
بلد الاقامة : الولايات المتحدة