على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟

عمر الشفيع في الجمعة 16 يناير 2009



على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟ (1)


من اللغة العروبية إلى اللغة الجزيرية

 

 


أحب أن أضع لما أكتب عنواناً (حاوية) متلبِّساً بالدقة ليدل على مضمون(محتوى) ما أكتب ولكني أحياناً أغرم بالعناوين المجنَّحة التي تبدعها أقلام بعض الكاتبين. وأعجبني من بلاد القبط محمد جلال كشك عليه رحمة الله في عنوانيه “كلمتي للمغفلين” و”الجنازة حارة”. وعلى الساحل الآخر من البحر الأحمر في جزيرة العرب يعجبني عبد العزيز ابن عبد المحسن التويجري في عنوانيه “حاطب ليل ضَجِر” و”لسُراة الليل هتف الصباح” وغيرهم كثير. وعلى هذا الدرب جاء عنوان هذه المقالة الطويلة “على من تقرأ مزاميرك يا داوود؟” التي أرجو لها أن تنبِّه الإخوة والأخوات المهتمين لخطورة التحريف والتدليس الذي مورس على ألسنة الوطن العربي وصولاً إلى لسان القرءان (اللسان العربي المبين). وأرجو أن أشير فيها مجرد إشارة إلى جديد البحث في هذه المجالات ولذلك سوف أذكر أسماء العلماء الأجلاء وكتبهم القيمة حتى يرجع إليها من يحب.
وهذه المقالة تعالج بإيجازٍ يومئء ولا يفصِّل النقاط التالية:

1.الكلمات والكلام: في علاقة القرءان بالكون
2.العلامة واللسان: في علاقة البيان بالخلق
3.لسان القوم: في إختلاف الألسنة
4.ألسنة الوطن العربي: هل وادي النيل من ديارنا؟
5.(السامية) والعروبية: دقة المصطلح
6.اللسان العربي ولسان العرب: ما الفرق يا تُرى؟
7.الإعتباط جيش جرار: في دلالة الأصوات

ما نحتاجه الآن هو تأسيس جديد لعلوم اللسان في ضوء المعلومات المستجدة عن وحدة أصول الألسنة وإلتقاؤها في لسان أم يمكن أن نتفق على مصطلح (اللغة العروبية) ليدل عليه. والأمر الآخر الذي ينبغي أن نلتفت إليه هو أن التحريف والتدليس الذي ورثناه في علوم الكتاب قائم على تدليس خفي في علوم اللسان. وما لم نصحح التحريف في علوم اللسان فلن نستطيع أن نصحح التحريف في علوم الكتاب. ومشكلتنا المزمنة أن الآبائية والسلفية في الفقه الديني ترتكز أساساً على الآبائية والسلفية في الفقه اللساني. إذ أن الفكر سواء كان دينياً أو فلسفياً أو علمياً يقوم على الأصول اللسانية أياً كان لسان المفكر أو الفقيه. والأصول اللسانية في مجال التداول العربي الإسلامي ما زالت تقوم على إعتباطية العلامة اللسانية وتحريف دلالة اللفظ بمساواته بلفظ آخر قد لا يلتقي معه حتى في حركة الدلالة العامة والمجاز القاتل للحقيقة والنظر للألسنة منفصلة عن بعضها البعض. وهذا عجيب في قوم نزل عليهم كتاب من عالم الأمر هو بيان لعالم الخلق وبما أن عالم الخلق لا توجد فيه عشوائية فكذلك البيان هو ميرأ من العشوائية.
وبقدر ما خلخل الكتاب المعاصرون آبائية أصول الفقه الديني فما زالت آبائية أصول الفقه اللساني صامدةً يؤمن بها معظم العرب والمسلمين ومنهم جل الكتاب الذين ينخرطون في التجديد الديني وهم لا ينتبهون إلى أنهم يعتمدون على أصول اللسانيات القديمة التي ورثناها من عهد التدوين وأن المكتشفات الجديدة في علوم اللسان والآثار قد غيرت كثيراً وكثيراً جداً من تلك اللسانيات العتيقة. وبمثل ما يتعرض الفكر الديني الجديد لمعارضة لا تتفهم منطلقاته فكذلك يتعرض الفكر اللساني الجديد لمعارضة من فئات مختلفة منها الجاهل الخائف من الجديد ومنها الذين يرون أن الآباء لم يتركوا للحاضرين مجالاً للقول ومنها من لا يفرق بين فكرةٍ في سيرورتها الإنتقالية وفكرةٍ في صيرورتها الناضجة فيحاربون الأولى ظناً منهم أنها الثانية ولا يساعدون في عملية الإنضاج.

الكلمات والكلام في لسان القرءان هناك فرق بين الكلمة والكلام إذ أن الكلمة من عالم الخلق (عيسى كلمة الله) والكلام من عالم الأمر (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) ومفردات عالم الخلق مثل الطبيعة والأشياء ومفردات عالم الأمر مثل الروح والقرءان. وعالم الخلق فيه المحسوس مثل المادة (شمس، إنسان، حيوان) وفيه غير المحسوس مثل النفس. والنفس الإنسانية صيغت من مادة الكلمات الربانية وهي من عالم الخلق غير المحسوس ومن خواصها أنها تمتلك اللسان والكلام.والقرءان هو كلام الله وعلامة الكلمات الربانية وسورة الرحمن واضحة في أن (الرحمن علَّم القرءان / خلق الإنسان علَّمه البيان). وعلّم فعل مصدره تعليم بمعنى أن الرحمن جعل هذا القرءان (كلام الله) علامةّ على عالم الخلق (كلمات الله) ومن هذه العلاقة التواصلية بين الكلام والكلمات (الجمع بين القراءتين في مصطلح الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد رائد الدراسات القرءانية المعاصرة رحمه الله) يمكن للإنسان أن يتعلم البيان. والبيان هو الاسم الجامع لكل ما يبينه الإنسان من هذه العلاقة التواصلية بين الكلام والكلمات سواء بالعلامة أو باللسان أو باللغة أو باللهجة ويعرب به عما تجيش به نفسه عن هذه العلاقة التواصلية. والنفس التي تبين أو تعرب هي أصلاً ذات علاقة بالكلمات وخاصةً الشمس وضحاها والقمر والنهار والليل والسماء والأرض في علاقة ينتج عنها الفجور أو التقوى.(تدبر سورة الشمس). ثم بقي أن نشير إلى أن النظام اللساني (صوت ـ مقطع ـ لفظ ـ جملة ـ نص) والنظام البيولوجي (ذرة ـ جُزيء ـ عنصر ـ مركب) والنظام الشمسي ( قمر ـ كوكب ـ نجم ـ مجرة) هي أنظمة متماثلة. وحتى نذكر مثالاً لعروبة اللغات فإن لفظة بيو/لوجي عروبية ترجع إلى البُوية أو البوهية في دلالة قريبة من دلالة الصبغة (صبغة الله التي فطر الناس عليها = بيولوجيا=) ولوجي هي لفظة لغة كما هي.

العلامة واللسان
ما ورد في القرءان العظيم هي ألفاظ العلامة واللسان والبيان بالإضافة إلى الكلام والقول واللفظ. والبيان كان يطلقه عرب وادي النيل (المصريون القدماء) اسماً على لسانهم العروبي قبل أن يسميه اليونان اللسان الهيروغليفي.
1.اللسان أعمق في معناه مما يتبادر إلى أفهامنا لأنه هو النظام الرابط بين العلامة واللهجة واللغة والأسلوب إذ أن اللسان ـ في المقام الأول ـ نظام (برنامج) زرعه الله سبحانه وتعالى في كلٍّ منَّا وألهمنا إياه، ومثله مثل أي برنامج Sotfware (وأقول مثله وليس هو) يحتاج إلى تفعيل يبدؤه الطفل في مراحله الأولى وفي ـ المقام الثاني ـ هو نظام التصويت (جهاز الأصوات) حيث تتمثل الفصاحة (وأخي هارون هو أفصح مني لساناًُ).وفي ـ المقام الثالث ـ هو اللغة واللهجة التي نلهج بها في حياتنا (وإختلاف ألسنتكم). واللسان بصفته نظاماً وبرنامجاً هو القسم الذي يدعوه العلماء بالجانب الإلهامي من اللغة وعملية تفعيل اللسان هو القسم الذي يدعوه العلماء الجانب الإصطلاحي من اللغة. واللسان يتكون من مرحلة الكلام ويمر بمرحلة القول وقد ينتهي بمرحلة اللفظ (أنظر إيماءةً عنها لاحقاً).
2.ولفظة (لغة) هي لفظة عربية عروبية = أنظر معنى عروبية لاحقاً =وجذرها موجود في لسان العرب قديماً وحديثاً وفي لسان القرءان وقد دخلت اللغات الأوروبية القديمة والحديثة بذات جذرها وتكتب كما هي (Logic). ومصطلح اللغة لا يمكن أن نرفضه لمجرد أن القرءان قد استخدم أحد جذوع جذره في دلالة سالبة فاللغة تتمايز في حركة دلالتها الفرعية عن اللغو ويمكن أن نطلق هذا المفهوم على ما نلغو ونلهج به من قولٍ في عملية التواصل والتفاكر سواء كان ذلك عبارةً باللسان أو إشارةً به وبغيره.
وبالجمع بين العلامة واللغة واللسان نصل إلى مستويات كبرى نحتاجها لتأسيس علوم اللسان حيث العلم الواسع هو علم العلامة في عمومه أو السيمياء في خصوصه (من علمائه البارزين أمبرتو إيكو) والعلم التالي له المؤثر فيه والمتأثر به هو علم اللغة الذي يحتوي علم اللسان. ويمكن أن نفرق بين هذه العلوم في المستوى الأدنى بالقول أن العلامة منصوبة للدراسة ـ إن أمكن ـ وليست كلها للتواصل وأن اللغة للتواصل بالإشارة و/أو بالعبارة وأن اللسان للتواصل بالمنطوق والملفوظ والمكتوب وبذا يتبين التداخل بين هذه العلوم الثلاثة الكبرى في أن اللغة جزء من العلامة (والسيمياء) وأن اللسان جزء من اللغة، هذا مع العلم أن اللسان في معناه العام هو النظام أو البرنامج الذي يُنتج الإنسانُ عن طريقه الكلامَ ويتواصل مع كلمات الله في الكون.

لسان القوم
ما يجمع الأمة هو الإيمان بقيم عليا تؤثر على سلوكها وتوحد ثقافتها وما يجمع القوم هو اللسان ولذلك يمكننا أن نقول أن الأمة ثقافة والقوم لسان. وكل رسول أو نبي يبعث أو يرسل إلى قومه بلسانهم (خاصةً في المقام الثالث „وإختلاف ألسنتكم“) ولكن هل يعني ذلك أنهم يتكلمون بذات اللكنة ويستخدمون ذات المفردات؟ لسان القوم هو الطبقة العليا من نظام تواصلهم (إتصال / توصيل) وفي هذه الطبقة يتوحدون ويفهمون بعضهم البعض ولكن قد توجد طبقات أخرى دنيا (لهجات) من لسان القوم يتواصل بها أناس من ضمن هؤلاء القوم وهي لا تخرج عن قواعد اللسان ويمكن تعلمها بسرعة لبقية أناس القوم. وهذه الطبقات المختلقة قليلاً هي التي قد تتطور حسب ظروف المكان والزمان وتقود في المستقبل لنشوء ألسنة فرعية عن اللسان القومي. وقد تبتعد المجموعات عن بعضها ويزداد الإختلاف بين هذه الألسنة الفرعية حتى يحسبها الإنسان مختلفة الأصل ولكن عالم اللسانيات يعرف أصول هذه الألسنة ويعرف من أي لسان تطورت وبأي لسان آخر تأثرت وما الجديد الذي أضافته إلى معجمها في سيرورتها وصيرورتها. وهذا أو شبيه به قد حصل للناس الذين كان لهم لسان واحد ثم تفرقوا في الأرض ونشأت بسبب ذلك ألسنة ما زالت محتفظة بما يرجعها لأصل اللسان الأول.
(اللغة كائن حي متطور) تولد وتشبّ وتكهل وتشيخ مهما طال بها الزمان. وإذا شئنا معرفة صلة لغة بأخرى فإن أفضل سبيل لذلك هو البحث في الجذور الأولى لأي أو لكل منهما وتلك هي مفردات الحياة البَدْئية من الحاجات الطبيعية الأولية (مأكل ومشرب وتسمية ما في البيئة من حيوان ونبات) والحالات الوجدانية (فرح وألم وحزن وسعادة) والحالات الوظيفية (موت وحياة وولادة) والعلاقات الأسرية. وما يراه علماء اللسانيات أن الألفاظ الدالة على الحياة البدئية وعلى الطبيعة مثل أسماء الأرض والسماء والبحار والأنهار ما زالت هي في كل الألسنة محتفظةً بصلة وثيقة باللسان الأول. وهناك علماء كثر درسوا هذه الظاهرة ولكن تبرز من بينهم العالمة الجليلة الدكتورة تحية عبد العزيز اسماعيل مستقصيةً لهذه الظاهرة في كتابها الضخم (من غيب اللغة والتاريخ). والدكتورة تحية ـ أمد الله في عمرها المبارك ـ عالمة لسانيات من الطراز الأول بدأت أبحاثها التي تعرِّي فيها التزوير في علوم الكتاب والتزوير في علوم اللسان في الغرب ودونتها باللغة الإنجليزية ثم واصلتها باللغة العربية في كلية الآداب / جامعة القاهرة ولكن عقليتنا الآبائية لا تترك لنا فرصة لنسبر غور الجديد ونتعرف منطلقاته وهذه العالمة لا يعرفها كثير من المثقفين حتى في بلدها مصر. ومن هؤلاء العلماء الدكتور علي فهمي خشيم في كتابه (رحلة الكلمات) في جزئين وكتابه (اللاتينية العربية) ومحمود عبد الرؤوف القاسم في كتابه (اللغة الفرنسية لغة عروبية) وعبد الرحمن أحمد البوريني في كتابه (اللغة العربية أصل اللغات كلها) وليس آخرهم الدكتور نبيل الجنابي الذي أظنه في مرحلة كتابة معجم عن عروبة اللغة الإنجليزية.

ألسنة الوطن العربي
الوطن العربي (الديار العربية في لسان القرءان) يتكون من خمسة أقاليم هي جزيرة العرب ووادي الرافدين وبلاد الشام ووادي النيل وشمال أفريقيا. يتفق كل الدارسين على الأقاليم الثلاثة الأولى ثم يختلفون على الأخيرين ولكن أتدرون لماذا؟ لأن المدرستين الإنجليزية والفرنسية في الإستشراق تصران لأسباب استعمارية (هل نتأسف لإختطاف دلالة هذا اللفظ الجميل؟) أن اللغة المصرية القديمة (لغة وادي النيل) واللغة الليبية القديمة تنتمي إلى أسرة اللغات (الحامية) ولا علاقة لها باللغات (السامية) وهذا على عكس المدرسة الألمانية التي ما كان لها وجود استعماري في الوطن العربي ولذلك تصر على أن لسان وادي النيل هو لسان (سامي) مثله مثل ألسنة وادي الرافدين وبلاد الشام وقد أصر العالم Henry Brugsch على (سامية) اللغة المصرية القديمة حتى مماته. وأظن أن إنتشار تراث المدرستين الإنجليزية والفرنسية القائل تزويراً (بحامية) اللغة المصرية القديمة وإنفصالها التام عن أخواتها في الوطن العربي هو الذي أثر في المثقفين المصريين ولذلك نجد أكثر المعارضين لوحدة ألسنة الوطن العربي منهم عكس المثقفين من وادي الرافدين أو بلاد الشام.
وقد هيأ الله سبحانه وتعالى من العلماء من تصدوا للتزوير الاستعماري. في مجال اللغة المصرية القديمة وأبانوا وحدة الوطن العربي أرضاً ولغةً ومنهم العالم الجليل أحمد كمال باشا عليه رحمة الله (1851 ـ 1923) أول رئيس لما يعرف الآن بهيأة الآثار المصرية وقد نشر في حياته كتابيه (العقد الثمين في تاريخ قدماء المصريين) و(الفرائد البهية في قواعد اللغة الهيروغليفية). وألف معجماً ضخماً في 22 مجلداً أثبت فيه العلاقة الوثيقة بين اللغة المصرية القديمة وأختها العربية الحديثة وقد استغرق صوت السين وحده 1072 صفحة من القطع الكبير ولكن للأسف لم يطبع الجزء الأول منه إلا عام 2002!!!!!!!
ثم جاء من الإقليم المجاور أي شمال أفريقيا عالم آخر يبحث في عروبة اللغة المصرية القديمة فأخرج للناس كتابه (آلهة مصر العربية) في مجلدين عام 1990 ثم ما لبث أن أخرج في عام 2007 كتاباً ضخماً في حجمه فخماً في محتواه عنوانه (البرهان على عروبة اللغة المصرية القديمة) وإحتفلت به مكتبة الإسكندرية. ذلكم هو العالم العربي الليبي الدكتور علي فهمي خشيم.أمد الله في عمره المبارك.وهو فوق ذلك باحث في كل لغات الوطن العربي واللغات الأخرى.المتفرعة عنها.
ثم ظهر الآن الدكتور أسامة السعداوي الذي وإن كان يرى أن المصرية القديمة هي أم العربية الحديثة إلا أنه أثبت ـ أولاً ـ عروبة اللغة المصرية القديمة وصلتها بما يحكيه المصريون حالياً و ـ ثانياً ـ خطأ شامبليون في فك كثير من الرموز الهيروغليفية و ـ ثالثاً ـ توحيد وإيمان أهل وادي النيل على مر الزمان و ـ رابعاً ـ تحريف أسماء ملوك وادي النيل وأن أسماءهم الحقيقية مازال المصريون يتسمُّون بها في عملية تواصل حضاري ثقافي مستمر. وهذه النقطة الأخيرة قد حلَّت لي على المستوى الشخصي مشكلة بدأت معي من الصف الثاني في المرحلة المتوسطة فقد درسنا في تلك المرحلة التاريخ المصري القديم وما زلت أذكر استغرابي الشديد وسؤالي المتكرر للأستاذ عن هذه الأسماء الغريبة حتشبسوت وكليوباترا وخوفو وغيرها كأنني كنت أستشعر غِشّاً مورس علينا في المدرسة حتى وجدت أن الدكتور أسامة يبين أن التحريف في الرموز الكتابية (الهيروغليفية) أدى إلى تحريف أسماء هولاء الملوك وغيرهم، فقد حُرِّفت الأسماء: آسر إلى (زوسر) وخيري إلى (خوفو) وزكي إلى (خفرع) وفتحي إلى (بيبي) وأغا إلى (إخناتون) وصدقي إلى (توت عنخ آمون) وأسماء الملكات إجلال إلى (حتسبسوت) ووفاء إلى (كليوباترا).!!!
أما اللغات في أقاليم الوطن العربي الآسيوية فلا معضلة فيها وهي متقاربةفي اليمن وشبه الجزيرة والرافدين والشام ويمكن مراجعة المسار العروبي لهذه اللغات عند هؤلاء العلماء الأجلاء وهم أنيس فريحة وطه باقر ومحمد بهجت قبيسي وأحمد داوود وعلي فهمي خشيم. وفي علاقة هذه اللغات بالديانات القديمة وخاصةً التوراة فيمكن الرجوع للعلماء كمال الصليبي وزياد منى وفاضل الربيعي وجمعية التجديد الثقافية البحرينية.
وقبل أن أترك هذه الفقرة أحب أن أشير للتقارب بين اللغة العربية واللغات الحبشية وخاصةً الأمهرية التي تقترب من عربيتنا المعاصرة. وهذه الإشارة تتمثل في تجربة وملاحظة. أما التجربة فقد جاءني طالب دراسات لاهوتية مسيحية من أثيوبيا بنصيحةٍ من أخ مصري طالباً مني أن أُعلمه العربية لأنه يريد أن يواصل دراساته في مصر، وكنا وقتها في مدينة إنسبروك عاصمة ولاية التيرول النمساوية. إستغرقت الدراسة شبه المكثفة ما يقارب الأربعة أشهر وكان مجتهداً ويتعلم بسرعةٍ أذهلتني وكثيراً من الألفاظ الجديدة يعرف معانيها من غير أن أشرحها له وعندما أسأله يقول لي أن هذا اللفظ موجود بهيأته أو قريباً منها في اللغة الأمهرية (لغته الأم) وبذات معناه والمفارقة أننا تقابلنا في السودان بعد ستة أشهر من بداية تعلمه العربية فاستغرب أخي عندما عرف مني أن هذا الرجل الفصيح لم يبدأ دراسة العربية إلا منذ ستة أشهر ساعدته أنا في أربعة منها. والملاحظة هي أنني لاحظت أن الفتيات (وهنا بمعنى لسان القرءان) الأثيوبيات في السودان ودبي يتعلمن العربية بسرعة وبطلاقة من غير دراسة في معهد وذلك لقرب اللغة الأمهرية من اللغة العربية.

(السامية) والعروبية
1.مصطلح (اللغات السامية) ـ نسبةً لسام ابن نوح ـ تسميةٌ أطلقها المؤرخ الألماني لودفيج شلوتسر (Ludwig Schlözer) عام 1781 (Repertorium", vol. VIII (Leipzig, 1781), p. 161 ) أولاً على مجموعة اللغات التي يعتقد أن لها صلة باللغة العبرية ونشر هذه التسمية بعده المستشرق واللاهوتي البروتستانتي آيِشْهُورن (Eichhorn) في كتابه (Einleitung in das Alte Testament).وتصنيف اللغات إلى سامية وحامية ويافثية تصنيف مضلل (misnomer) وظهرت بعده تصنيفات أخرى منها تصنيف لاحظ تقارب الحامية والسامية فدمج المجموعتين في مجموعة واحدة هي المجموعة (السامية ـ الحامية) ومنها التصنيف المناطقي للغات على شكل عوائل لغوية مثل العائلة الأفريقية الآسيوية والعائلة الهندية الأوروبية ولكن للأسف ما زلنا مستمسكين بهذا المصطلح (اللغات السامية) مثل استمساكنا تماماً باليهوديات (ما يطلق عليه الإسرائيليات)، ألم أقل لكم أن التحريف في علوم الكتاب يقوم على التحريف في علوم اللسان؟وبعد أن تبين للعلماء الجادين التقارب بين اللغات في الوطن العربي وبينها وبين بناتها في بقية العالم كان لا بد من البحث عن مصطلح وصفي لتسمية اللغة الأم التي تفرعت عنها هذه اللغات والمصطلح الذي يصلح هو اللغة العربية (راجع المعني الفطري للفظ عربي في القرءان) ولكن للأسف فقد أُطلق هذا المصطلح (عربي، عربية، عرب)على عرب الجزيرة دون سواهم وبالتالي فقد أصبحت لغتهم الجزيرية (العدنانية المضرية) تسمى اللغة العربية. وإقترح عالم عربي (لا يحضرني اسمه للأسف) مصطلح اللغة العروبية حلاً للإشكال وأخذه عنه الدكتور علي فهمي خشيم وبدأ في نشره كما نشر من قبل آيشهورن مصطلح أستاذه شلوتسر ونرجو له التوفيق. ويتبين الآن أن اللغة العربية (الجزيرية) ليست هي أم اللغات وإنما هي الطور المتقدم في حياة اللغات العروبية وقد كتب الله لها أن تستمر وتتطور حتى نزول القرءان العظيم بلسان عربي مبين. وتعتبر هذه اللغة مخزن كل أخواتها الأخريات في مسيرة تطورها الطويلة وهي أرقاها من حيث النظام التصريفي الثنائي والثلاثي والرباعي ولكنها ظُلمت عندما ظنَّ أهلها أنها منفصلة عن أخواتها الأخريات في بقية أقاليم الوطن العربي فأهملوا دراسة أصولها والأدهى من ذلك أن “هناك فجوة في الدراسات العربية لتاريخ ما قبل الإسلام. فلا نعرف من اللغة والأدب فيما قبل الإسلام معرفة يقينية أو شبه يقينية إلا حوالي مئتي سنة أي مند القرن الخامس الميلادي فقط. في حين تمدنا المصادر الإغريقية واللاتينية بوافر المعلومات عن العرب (يقصد عرب الجزيرة) وحضارتهم منذ القرن السابع قبل الميلاد” كما كتب العالم الجليل أحمد عتمان في مقدمته الضافية للترجمة العربية للجزء الأول من كتاب (أثينا السوداء).
2.إذن نصل إلى أن لغات الوطن العربي العتيق والقديم منها والحديث والمعاصر ترجع كلها إلى لغة واحدة هي اللغة العروبية (السامية في مصطلح شلوتسر). والمعني باللغة العروبية عند علمائنا المعاصرين هي المجموعة السامية ـ الحامية ولكن التقدم في دراسة أصل اللغات قد يزحزح هذا المصطلح ليطلق على مجموعة أكبر من ذلك وربما يشمل كل اللغات أو معظمها وكل ذلك رهين بتقدم البحث والفحص والدراسة في الألسنة الحية والميتة. ويمكن تصنيف اللغات العروبية في الوطن العربي في مستوىً بدائي (غير دقيق وغير شامل) إما على حسب الأقاليم فنقول لغات الجزيرة العربية ولغات الرافدين ولغات الشام ولغات وادي النيل ولغات شمال أفريقيا أو حسب الأسر اللغوية فنقول اللغة الأكَّدية ولهجاتها البابلية والآشورية / واللغة الكنعانية ولهجاتها الآرامية والسريانية / واللغة السبئية ولهجاتها / واللغة الحبشية ولهجاتها / واللغة المصرية ولهجاتها مثل القبطية / واللغة الليبية ولهجاتها مثل الأمازيغية / واللغة الجزيرية (العدنانية) ولهجاتها.
بقي أن نقول أن اللغة الآرامية وبنتها السريانية هي لهجة عربية عروبية لا تفترق كثيراً عن العربية الحديثة ومن شاهد فِلْم (آلام المسيح) يمكنه أن يعرف مدى التقارب بين هذه اللغات وعندما يأتي الباحث المتنكر تحت اسم (Christoph Luxenberg) ليقرر أن القرءان أصله آرامي ـ سرياني فهو قد إختلط عليه الأمر وما المانع أن يجد كثيراً من ألفاظ القرءان في اللغة الآرامية السريانية؟
والله أعلم.

 

وإلى اللقاء في الجزء الثاني من هذه المزامير.!!!

اجمالي القراءات 8840
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   احمد شعبان     في   الأحد 18 يناير 2009
[33050]

أخي الفاضل الأستاذ / عمرو الشفيع

تحية مباركة طيبة وبعد



أخي الكريم شكرا على هذا الموضوع الرائع ، والذي بذل فيه جهد لا يستهان به .



أخي الكريم لقد قلت : ومصطلح اللغة لا يمكن أن نرفضه لمجرد أن القرءان قد استخدم أحد جذوع جذره في دلالة سالبة .



أود القول بأن رفضه يأتي حينما نسحبه على القرآن الكريم ، ومفهومي لكلمة لغة يأتي من جذر لغا ، وتعني القول الباطل ، لما دخل إليها من ألفاظ اصطلاحية وأخرى معربة ( ألفاظ غير حقيقة ، أما لسان القرآن الكريم فلفظه حقيقي يعبر تعبيرا حقيقيا عن المعنى المراد به .



وأعتقد أن قولك :.اللسان أعمق في معناه مما يتبادر إلى أفهامنا لأنه هو النظام الرابط بين العلامة واللهجة واللغة والأسلوب إذ أن اللسان ـ في المقام الأول ـ نظام (برنامج) زرعه الله سبحانه وتعالى في كلٍّ منَّا وألهمنا إياه، ومثله مثل أي برنامج .



يمكن أن نضيف إليه أن اللفظ اللساني هو تعبير حقيقي عن المعنى المقصود .



شكرا لك أخي الكريم على المعلومات الغزيرة والنافعة التي وردت بالمقال .



وفقنا الله جميعا لما نحب ونرضى .



والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2008-07-06
مقالات منشورة : 19
اجمالي القراءات : 161,923
تعليقات له : 47
تعليقات عليه : 122
بلد الميلاد : Sudan
بلد الاقامة : Germany