تهنئة لسعد الدين فى عيد ميلاده السبعين

آحمد صبحي منصور في السبت 13 ديسمبر 2008


سعد الدين إبراهيم حلقة فى تاريخ النضال ضد الإستبداد
مقدمة :
1 ـ فى الشهر الماضى و فى لقاء عائلى فى منزلنا عرضت على د. سعد أن نعد له حفلا فى واشنطن فى عيد ميلاده السبعين. لم يتوقف كثيرا عند العرض ، ربما لاحساسه بأن الظروف لا تلائم احتفالية ونحن نحمل هم باحث قرآنى شاب هو الاستاذ ( رضا عبد الرحمن على ) الذى تعرض للاختطاف على يد نظام مبارك منذ 26 اكتوبر ، ولا يزال فى قبضتهم حتى كتابة هذا المقال ( السبت 13 ديسمبر ).
2 ـ وبعدها باسبوع تقريبا وصلتنى رسالة من مركز ابن خلدون فى القاهرة تقول إن المركز ينوى إقامة احتفالية ببلوغ مؤسسه د. سعد الدين ابراهيم عامه السبعين فى هذا الشهر ( ديسمبر 2008 ) . وطلب منى المركز أن أكتب شهادة عن د. سعد لتنشر ضمن كتاب يعده باحثو المركز عن حياة د. سعد ومعاركه ونجاحاته وإخفاقاته من خلال التفاعل معه (سلبا أو إيجابا) .


3 ـ كتبت هذا المقال ، ولا أعرف إن كان ممكنا نشره فى مصر أم لا وسط هذا الضغط الأمنى على مركز ابن خلدون والعاملين فيه ، لذا أستسمحهم فى نشره على الانترنت ، ولهم حق إعادة نشره فى الكتاب الذى يعدونه لو أرادوا .
4 ـ وكل عام وأنتم بخير.
أولا :
1 ـ خلال الثلاثين عاما الأخيرة برز سعد الدين إبراهيم علامة فارقة فى علاقة المثقف بالسلطة المستبدة فى العالم العربى ، سواء فى كتاباته- فهو أبرز من كتب فى تجسير العلاقة بين المثقف والسلطة – أو فى مواقفه السياسية ناشطا فى مجال التنوير وحقوق الإنسان والديمقرطية . ودفع سعد الثمن باهظا من تضييق وسجن وتشريد فضمن لنفسه مكانا فى التاريخ ضمن باقة قليلة العدد من المثقفين الأحرار الذين واجهوا سلطة الإستبداد فى تاريخنا العربى. وبينما رضى مئات الآلاف من العلماء خدمة السلطان المستبد من عصر الدولة الأموية إلى عصرنا الحالى فإن أقلية نبيلة وقفت ضد الإستبداد وعانت من الإضطهاد ، لم يكن فى مقدمتهم سعيد بن المسيب ولن يكون آخرهم سعد الدين إبراهيم .
2 ـــ وبمناسبة بلوغ سعد الدين إبراهيم عامه السبعين فإننى أهديه هذا المقال لأصل تاريخه بتاريخ أساتذة له كبار حملوا شرف العلم وشرف القلم وقالوا كلمة حق فى وجه الإستبداد ، فتعرضوا لأنواع من المحن تهون إلى جانبها ما نتعرض له جميعا فى عصرنا .
3 ـ ونشير إلى أن مفهوم المثقف فى عصرنا كان يقابله يقابل مصطلحات سادت ثم بادت ، كانوا يطلقون على أولى العلم القاب " القراء " جمع قارىء ، أوالفقهاء أوالعلماء والحفاظ.
فأين سعد الدين ابراهيم من هؤلاء ؟
نحن لا نناقش المستوى العلمى ، ولو فعلنا لعقدنا مقارنة بين سعد وإستاذه الأكبر العلامة عبد الرحمن بن خلدون ، الذى أطلق سعد إسمه على المركز . وهو موضوع طريف ، أتمنى أن يعكف عليه أحد الباحثين ، ليتناول النظريات السياسية لابن خلدون فى (المقدمة ) ومدى اتساقها مع عصره وعصرنا ، و الرؤى الفكرية للدكتور سعد الدين ابراهيم فى علم الاجتماع السياسى الحديث ، واتساقها مع عصرنا ومدى صلاحيتها للمستقبل ، و المشترك و المختلف فيه بين رؤية مؤسس علم الاجتماع العربى (عبد الرحمن بن خلدون ) ورؤية أشهر عالم إجتماع عربى فى عصرنا (سعد الدين ابراهيم ).
4 ـ أعرف فى سعد شغفه بسيرة عبد الرحمن بن خلدون وبكتابه ( المقدمة ) ، ولقد أسند لى تأليف كتاب ( مقدمة ابن خلدون دراسة أصولية تاريخية تحليلية ) بمناسبة الاحتفالية التى أقامها مركز ابن خلدون بمرور ثمانية قرون على وفاة عبد الرحمن بن خلدون ومرور عشر سنوات على إقامة مركز ابن خلدون. وصدر الكتاب .. وبعدها بعامين ضاعت معظم النسخ الموجودة فى مكتبة مركز ابن خلدون فى أحداث الغزوة الى قام بها جيش مبارك على مركز ابن خلدون وبيت سعد الدين ابراهيم ..وهى حلقة من حلقات نضال سعد ضد الاستبداد ، وليس هذا ببعيد عن موضوع هذا المقال ، لأنه يضع سعد فى سياق محدد مع العلماء السابقين ، هو معيار شرف العلم واستقلالية العالم ووقوفه مع الحق ضد الاستبداد والفساد ، وإختياره تحمل الأذى والاضطهاد فى سبيل الاصلاح .
ثانيا :
وفى علاقتهم بالسلطة المستبدة ، يمكن تقسيم العلماء العرب و المسلمين إلى أربع فئات :
الفئة الأولى : - علماء صاروا حكاما مستبدين ،منهم محمد بن تومرت فى شمال أفريقيا ، ولكن أبرزهم عبد الملك بن مروان وأبو جعفر المنصور.
1 ـ عبدالملك بن مروان : كان أبرز فقهاء المدينة منقطعا فى المسجد للعلم حين كانت المدينة المركز العلمى الأول للمسلمين طوال العصر الأموى. مات أبوه الخليفة مروان بن الحكم فجأة مخنوقا بيد جوارى زوجته أم خالد لأنه أهان ابنها خالد بن يزيد بن معاوية . كانت الظروف غاية فى الحرج فتم استدعاء ولى العهد عبد الملك على عجل. كان عبد الملك فى مسجد المدينة يلقى درسه فلما جاءه الخبر أطبق المصحف وقال " هذا فراق بينى وبينك "،وانطلق إلى دمشق حيث قام بتوطيد الدولة الأموية، واختفت فيه شخصية العالم ليحل محلها طغيان الفرعون .
2 ـ أبوجعفر المنصور العباسى :هو قرين عبد الملك بن مروان فى التاريخ العباسى ، أبوجعفر المنصور كان طالب علم ، ثم صار الخليفة الذى قام بتوطيد الدولة العباسية بالدهاء و الحديد والنار وكل الوسائل ، واشترك مع قرينه السابق عبد الملك بن مروان فى نقض العهود ، واضطهاد العلماء الأحرار.
ـــ الفئة الثانية :- علماء شاركوا فى إقامة سلطة الإستبداد

منهم أبوعبدالله الشيعى المؤسس الحقيقى للدولة الفاطمية،وآخرهم فى العصر الحديث محمد بن عبدالوهاب الذى شارك فى تأسيس الدولة السعودية الأولى خلال العقد الشهير مع محمد بن سعود عام 1745 وانتهت حياة هذا وذاك على يد شريكه فى الإستبداد.
وهناك عالم مشهور وثيق الصلة بسعد الدين إبراهيم ، هو عبدالرحمن بن خلدون الذى قضى الشطر الأول من حياته متنقلا بين دول وممالك شمال أفريقيا والأندلس محاولا تأسيس دولة وسلطان بأسمه ، فلما فشل لجأ إلى القاهرة حيث عاش فيها ما تبقى من حياته قاضيا خادما للسلطة المملوكية ، أى إنتقل من الفئة الثانية للثالثة .
ــ الفئة الثالثة : علماء السلطان وفقهاء الإستبداد.وهم شر أنواع البشر ؛ إنهم خدمة السلطة الراقصون فى مواكبها المبررون لظلمها .
أبرزهم أبوهريرة الذى كان يصنع الأحاديث خدمة للدولة الأموية ، وسار على نهجه فى العصر الأموى الزهرى والأوزاعى ، ثم تكاثر عهدهم كالذباب فى العصر العباسى ..ولا يزالون فى إزدياد. وهم عار على البشرية وعلى الإسلام وكل القيم الانسانية . ودائما ما يكون أبرز ضحاياهم العلماء الأحرار.
ــــ الفئة الرابعة :- العلماء الأحرار .
هم رواد الحرية وحقوق الإنسان ، ليس فقط فى تاريخنا العربى بل ربما فى التاريخ الإنسانى كله ..... ونعطى لمحة عن بعضهم للتذكير بأن سعد الدين ابراهيم وغيره يسيرون على نهجهم الذى هو نهج الأنبياء ، فلقد أرسل الله جل وعلا كل الرسالات السماوية لتحقيق هدف أصيل هو (إقامة القسط )، وإقامة القسط تتطلب توعية الناس لينهضوا رافعين راية القسط فى مواجهة سلطان جائر . وتلك مهمة العلماء الأحرار فى كل زمان ومكان...
ونعطى لمحة عن بعض أساتذة سعد الدين ابراهيم من العلماء الأحرار الذين واجهوا الاستبداد الأموى بأجسادهم العارية وعقولهم الحرة الأبية:
أولا : سعيد بن المسيب الفقيه الناقم على الاستبداد الأموى:
عاش سعيد بن المسيب في عنق الزجاجه في الفترة الانتقالية بين الخلافة الرشيدة والملك الاموي العضوض ، حيث ولد في المدينة قبيل وفاة عمر بن الخطاب بعامين ومات سنة 94هـ ، في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد استقرار الحكم الاستبدادي في ذرية عبد الملك بن مروان .أي ان سعيد بن المسيب ادرك من حيث الفترة الزمنية اخطر احداث التاريخ الاسلامي التي لا تزال تؤرق الضمير المسلم حتي الان ، شهد اغتيال عمر بن الخطاب،وشهد الاختلاف علي عثمان ، وشهد مصرعه ، وعاش الفتنة الكبرى من مواقع الجمل وصفين و النهروان ، وشهد انتقال الخلافة الي معاوية، وتحولها الي ملك وراثي يستبد بها يزيد بن معاوية ، وشهد في عصر يزيد مقتل الحسين وآله في كربلاء ، ثم في العام التالي شهد موقعة الحرة وثورة المدينة ، وهزيمتها واقتحامها واستباحتها وقتل اهلها وانتهاك حرمتها ، وشهد حصار الامويين للكعبة وضربها بالمجانيق ، واعلان ابن الزبير خلافته ، والصراع بين ابن الزبير والامويين ، ومقتل ابن الزبير ، وانفراد عبد الملك بن مروان بالحكم ، ثم غدر عبد الملك بأبناء عمه الامويين بعد اتفاقية الجابية، واسناده ولاية العهد لابنيه الوليد ثم سليمان ،ومات سعيد في خلافة الوليد بن عبد الملك .
عاش سعيد كل هذه الاحداث الجسام وهو في المدينة ، لم يبرحها الا الي مكة للحج ، او بمعني اخر شهد سعيد بن المسيب عظمة المدينة المنورة كعاصمة للمسلمين ، ثم شهد انتقال الاضواء عنها الي الكوفة ثم الي دمشق .. أي انه شهد المدينة وهي تداوي جراحها السياسية بعد ان عجزت عن استعادة دورها السياسي بعد هزيمتها في موقعة الحرة ، وتحولها الي مدرسة علمية تحاول ان تنافس العراق في الفقه والتاريخ والتفسير والحديث. ان سعيد بن المسيب الذي ولد سنة 21هـ قد فتح عينيه علي كل تلك المصائب من قتل عمر وعثمان وعلي والفتنة الكبري ، ثم كان رجلا مكتمل الرجولة وهو يشهد قتل اهل المدينة واستباحة نسائها على يد الجيش الأموى فى موقعة الحرة سنة 62 هـ ، ثم عاش في ظل القمع الاموي الي ان مات سنة 94هـ ، وناله من هذه الفتن الكثير من المحن ، حيث كان مطلوبا منه ان يبايع للحاكم المستبد فيرفض ، فيتعرض للضرب والاهانة ، مع مكانته الاجتماعية والدينية.
لقد كان سعيد بن المسيب من بني مخزوم اشراف قريش وكانوا من المتحالفين مع الأمويين ضد الاسلام ، ولكن كان جده من أصحاب النبى محمد عليه السلام. وقد اصبح سعيد في شبابه افقه اهل المدينة وصار في شيخوخته رمزا للمدينة ، وكبيرا للتابعين في عصره ، والتابعون هم الجيل التالى للصحابة والذى عايش الصحابة. وبسبب مكانته العائلية والفقهية والمعنوية ، فقد كان هدفا مناسبا للمتصارعين علي الحكم ، اذ لابد من ارغامه علي البيعة حتي يبايع الاخرون،فاذا رفض عوقب حتي يكون عبرة للاخرين . وكالعادة يقوم والي المدينة بعقابه ، ثم يكتفي الخليفة بعتاب رقيق للوالي علي ما فعله بسعيد مع استمرار وقوع الظلم علي سعيد .
بدأت هذه اللعبة ، حين اعلن عبد الله بن الزبير نفسه خليفة في مكة ، وعين جابر بن الاسود الزهري واليا علي المدينة ، ودعا الوالي اهل المدينة لبيعة ابن الزبير ، فرفض سعيد بن المسيب قائلا ( حتي يجتمع الناس ) أي حتي يكون هناك اجماع واتفاق بين اهل الشام والعراق ومصر والحجاز ، او بمعني اصح رفض سعيد ان ينحاز الي الحزب الزبيري في صراعه مع الحزب الاموي . ولخطورة هذا الموقف علي اهل المدينة واهل الحجاز فقد ضرب الوالي سعيد ستين سوطا .. وبلغ ذلك عبد الله بن الزبير ، فكتب الي جابر يلومه ويقول ( مالنا ولسعيد دعه ) وبذلك استمال ابن الزبير اهل المدينة ، وحقق ما اراد ، ودفع سعيد الثمن .
وتغلب الامويون على ابن الزبير وقتلوه، وتمهد الامر لعبد الملك بن مروان ،وقد كان عبد الملك من قبل رفيقا لسعيد بن المسيب فى طلب العلم ، وبعد توليه السلطة وسفكه الدماء جاء عبد الملك وخطب في اهل المدينة عام 75 قائلا : (.. والله لا يأمرني احد بتقوي الله بعد هذا الا ضربت عنقه ) وكانت هذه اللغة موجهة لسعيد واصحابه الذين كان مفترضا منهم ان يأمروا الحاكم بتقوى الله ،حسبما كان متبعا في المدينة في عصر الراشدين.
وبعدها ـ وبناء على طلب الخليفة عبد الملك ـ طلب الوالي هشام بن اسماعيل المخرومي ابن عم سعيد مبايعة اهل المدينة لابني عبد الملك ، الوليد ثم سليمان ، فبايع الناس ، وابي سعيد بن المسيب كالعادة ، فضرب الوالى هشام بن اسماعيل المخزومي ابن عمه سعيد بن المسيب ستين سوطا ، وامر فطيف به في المدينة في هيئة مزرية ، وسجنه ، وكتب بما فعل للخليفة ، فقال عبد الملك له ( سعيد كان والله احوج الي ان تصل رحمه من ان تضربه ، وانا لنعلم ما عند سعيد من شقاق ولا خلاف ) ومع ذلك ظل في السجن ، ثم افرجوا عنه و منعوا ان يجالسه احد في المسجد ، وحين قيل لهم ان سعيد بن المسيب ينوي ان يدعوا عليهم في الحج منعوه من الذهاب للحج .
ومن ناحيته كانت لسعيد سياسته الخاصة ، وتتمثل في الاستقلالية عن الامويين والابتعاد عنهم وعن الفتن والمشاكل ما امكنه ، ومن اجل ذلك كان يتاجر في الحرير ويذهب للسوق ، وحين دخل السجن صنعت له ابنته طعاما كثيرا فأرسل لها يقول : ( لا تعودي لمثل هذا حتي لا يذهب مالي واحتاج الي اموالهم ، وهذا ما يريدون ، ولكن ابعثي لي ما كنت اكله في بيتي ) وكان سعيد يصوم كل يوم ، أي كفي مؤونة نفسه تقريبا في الطعام ، وفي نفس الوقت رفض ان يأخذه راتبه من الامويين ، ويقول ( لا حاجة لي فيه حتي يحكم الله بيني وبين بني مروان ).
وفي اجتنابه للسلطة الاموية ( كان لا يخاصم احدا من الناس ، ولو اراد انسان ان يأخذ رداءه رمي به اليه ) وسئل في السكران ، هل يذهبون به الي السلطان ليعاقبه ؟ فقال :( ان استطعت ان تستره بثوبك فافعل ) ، وبسبب تطرف الامويين في القمع والقتل كان يكثر من قوله ( اللهم سلم سلم ).
ومع ذلك لم يكن جبانا ، بل واجه طغاة الأمويين بشجاعة وكرامة، فقد رفض ان يأتي لمقابلة الخليفة عبد الملك حين زار الخليفة مسجد المدينة ، اذ ارسل الخليفة حاجبه الي سعيد يستدعيه وامر الحاجب ان يترفق بسعيد ، فرفض سعيد ان يقوم من مكانه ، فازداد عجب الحاجب وتمني لو لم يأمره الخليفة بالترفق به ، اذ كان سيأتي للخليفة برأس سعيد. وتكرر نفس الموقف حين جاء عبد الملك الي المدينة واراد ان يتسامر مع سعيد ويستعيد معه ذكرياتهما المشتركة حيث كان عبد الملك من قبل من فقهاء المدينة ومن زملاء سعيد واصدقائه، فرفض سعيد ان يذهب اليه ، فتحمل عبد الملك ذلك ولم يؤذه ، أي ان اعتزال سعيد ارتبط بشجاعة وثبات . ثم مات عبد الملك وتولي ابنه الوليد الخلافة، وبالطبع لم يبايعه سعيد ولم يعترف به حاكما. وزار الخليفة الشاب مسجد المدينة فوجد الناس يجتمعون حول سعيد يتعلمون منه، فأرسل اليه يستدعيه ، فرفض المثول امامه، فغضب وامر الحاجب أن يذهب اليه ويقتله ويأتى له برأسه ، فقال الناس للخليفة ( انه شيخ المدينة وشيخ قريش وصديق ابيك ) وما زالوا به حتي سكت عنه ..هذا هو المناخ السياسى الذى عاش فيه سعيد بن المسيب ، وحافظ فيه على حريته واستقلاليته. رحمه الله جل وعلا.
ثانيا : (الجبرية ) هى المسوغ الدينى الذى برّر به الأمويون ظلمهم ، والذى به دافع عنهم فقهاؤهم.
الظالم يجد عذراً كلاسيكياً لتبرير ظلمه بالتمسح بإرادة الله ومشيئته. ويقول إن الله كتب عليه أن يفعل ما فعل وإن إرادة الله اقتضت أن يقع منه الفعل ، وهكذا قالت قريش تبرر وقوعها في الشرك بالله (النحل 35") فعل الأمويون ذلك قبل دخولهم الإسلام ، وكذلك فعلوا بعد أن تحكموا في المسلمين والإسلام في خلافتهم الأموية .
بعد أن ارتكب الأمويون قتل الحسين وآله وانتهاك حرمة المدينة وقتل أهلها واقتحام مكة وانتهاك حرمة البيت الحرام لم يكن أمامهم إلا الاستمرار في الطريق بعد أن وصلوا إلى القاع : وكان يعوزهم المبرر الديني الذين يواجهون به العالم الإسلامي ودعايات خصومهم من الشيعة والخوارج والموالي، وكان من السهل عليهم أن يتمسحوا بمشيئة الله كما كانوا يفعلون من قبل ، فقامت دعايتهم على أساس أن الله شاء أن يقتل الحسين وآله في كربلاء. وأن مشيئة الله اقتضت أن تنتهك حرمة البيت الحرام و المدينة المنورة وأن الاعتراض على ذلك اعتراض على مشيئة الرحمن وخروج عن إرادته، وأنه لا شىء يخرج عن قدرة الله ومشيئته ومن أنكر ذلك فقد خرج عن الإسلام واستحق القتل .
وبدأت مقاومة هذا الاتجاه الأموي الكهنوتي مبكراً ، وإن كنا لا نعرف عن معالم هذه المقاومة إلا النذر اليسير وما أثمرت عنه من نتائج أثرت على التاريخ الأموي والإسلامي ، ويتمثل هذا في شخصية عمرو المقصوص الذي كان معلماً لمعاوية بن يزيد بن معاوية وترك أثراً كبيراً عليه ، وجعله يعيش في عقدة الذنب التي تضخمت بمقتل الحسين ، وانتهاك حرمة الكعبة والمدينة ، فلما تولى معاوية بن يزيد بعد أبيه كان قد تشرب مذهب الإرادة الحرة ورفض المذهب الأموي في الجبرية والتمسح بمشيئة الله واستشار الخليفة الجديد معاوية بن يزيد معلمه ماذا يفعل بعد ن تولى الخلافة فقال له عمرو المقصوص : إما أن تعدل وإما أن تعتزل ، فخطب معاوية خطبة يبدو فيها تحمله المسئولية لما فعله أسلافه وإيمانه بالحرية الفردية وعدم التمسح بالقدر الإلهي فقال: إن بلينا بكم وابتليتم بنا وإن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى منه وأحق فركب منه ما تعلمون حتى صار مرتهناً بعمله ، ثم تقلده أبي ولقد كان غير خليق به فركب ردعه واستحسن خطأه ، لا أحب أن ألقى الله بتبعاتكم فشأنكم وأمركم ولوه من شئتم ، فوالله لئن كانت الخلافة مغنماً لقد أصبنا منها خطأً وإن كانت شراً فحسب آل أبي سفيان ما أصابوا منها . ثم نزل واعتزل الناس حتى مات بعد أربعين يوماً من خلافته ، وقيل أنه مات مسموماً ، وقد وثب بنو أمية على عمرو المقصوص وقالوا له: أنت أفسدته وعلمته ثم دفنوه حياً. .
وهذه هي النهاية المفجعة لعمرو المقصوص داعية الإرادة الحرة ضد للكهنوت الأموي وقد أثرت هذه النهاية على شخصية أخرى مشهورة هو الحسن البصري الذي كان يؤمن بالإرادة الحرة فإذا ووجه بضغط من الأمويين لجأ للتقية وإنكار مذهبه ، لقد كان الحسن البصري ( 22-110 هجرية) فقيه البصرة وشيخها ، وقد لمس ما أدى إليه مذهب الجبرية والتمسح بالمشيئة الإلهية من انحلال خلقي في البصرة ، فالذين أدمنوا الفواحش في البصرة وجدوا في التمسح بالمشيئة الإلهية والجبرية مبرراً للدعوة للفجور. فكان الحسن البصري يعلن مسئولية الإنسان عن أعماله ويحذر من نسبة الشر إلى الله تعالى، وأن الله لا يرضى من عباده الكفر ، ويستدل بقوله تعالى " إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر،وإن تشكروا يرضه لكم 39/ 7"
وبينما تردد الحسن البصري في مقاومة المذهب الجبري الأموي نهض معبد بن خالد الجهني لإعلان رفضه للكهنوت الأموي وأعلن كلمته المأثورة " لا قدر والأمر أنف " فقد أشاع الأمويون ودعاتهم أن معاصيهم وأعمالهم تسير بقدر الله ومشيئته فأعلن معبد أنه لا دخل للقدر في تلك المعاصي وأن أمور الأمويين تجري بالإكراه ورغم أنف المسلمين أى: " لا قدر والأمر أنف " !!
وانتقل معبد إلى البصرة وقابل شيخها الحسن البصري وقال له يا أبا سعيد هؤلاء الملوك يسفكون دماء المؤمنين ويأخذون أموالهم ويقولون " إنما تجري أعمالنا على قدر الله " ورد الحسن البصري : كذب أعداء الله . وكي يثبت معبد رأيه في الإرادة الحرة فقد شارك في الثورة على الأمويين وخرج عليهم مع محمد بن الأشعث في ثورته وفشلت ثورة ابن الأشعث ودخل سعيد سجن الحجاج الذي كان يتلذذ بتعذيب معبد والسخرية منه ، فقد جيء للحجاج بمعبد مقيداً فقال يا معبد كيف ترى الله قسم لك ؟ أي يذكره بأن إرادة الله قسمت بمعبد أن يكون أسيراً للحجاج،فقال له معبد يا حجاج خل بيني وبين قسم الله ، فإن لم يكن لي قسم إلا هذا رضيت به، أي أن إرادة الله لا دخل لها بسجنه وان الحجاج لو تركه حراً فلن يضع نفسه بمحض اختياره في السجن فقال الحجاج : يا معبد أليس قيدك بقضاء الله قال له : يا حجاج : ما رأيت أحداً قيدني غيرك فأطلق قيدي ، فإن أدخله قضاء الله رضيت به ، وهكذا صمم معبد الجهني على رأيه أمام جبروت الحجاج، فأمر بتعذيبه حتى مات بعد 80 هجرية .
وانتقل تأثير معبد إلى العالم الإسلامي وسمى أتباعه " قدرية" ، تأثراً بقوله "لا قدر والأمر أنف " وكان أبرز القدرية في دمشق غيلان الدمشقي ، الذي تابع معبد الجهني في إعلان رأيه ومواجهة طغيان الأمويين وكهنوتهم ، وكانت له علاقات مع الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وكانت لهما مناقشات في القضاء والقدر تعرضت لتحريف الرواة حسب اتجاههم المذهبي. ويذكرون أن عمر بن عبد العزيز استجاب لغيلان الدمشقي في رد المظالم وبيع الخزائن لصالح بيت المال . ويروى أن غيلان وقف في سوق دمشق يبيع حوائج الأمويين قائلاً " تعالوا إلى متاع الخونة ، تعالوا إلى متاع الظلمة ، تعالوا إلى متاع ما خلف الرسول في أمته بغير سنته وسيرته " ومر به هشام بن عبد الملك فغضب ونذر أن تولى الخلافة ليقطعن يدي غيلان ورجليه .
وحين تولى هشام الخلافة هرب غيلان وصاحبه صالح إلى أرمينية يدعوان للثورة على هشام وظلمه ، فاعتقله أعوان الأمويين ، وجيء به إلى هشام بدمشق فقال له هشام : زعمت أن ما في الدنيا ليس هو عطاء من الله لنا . قال غيلان " أعوذ بجلال الله أن يأتمن خواناً أو أن يستخلف الخلفاء من خلقه فجاراً" وفي نهاية النقاش أمر هشام بحبسه ، وكان غيلان من فصحاء الكتاب وأكثرهم أتباعاً ، فاستمرت رسائله من السجن للناس ، ورأى هشام أن يقتله بفتوى دينية فسلط عليه الأوزاعي عالم الشام المتعاون مع الأمويين ، ودارت بينهما مناقشة أفتى بعدها الأوزاعي لهشام بتعذيب غيلان وقتله مع صاحبه.
فأمر هشام بإخراجهما من السجن وقطع أيديهما وأرجلهما ، وجيء بهما إلى هشام فقال لغيلان كيف ترى ما صنع بك ربك ؟ .. يعني أن قضاء الله هو المسئول عما حل به ، فرد عليه غيلان لعن الله من فعل بي هذا ،يعني أنه لعن الخليفة لأنه المسئول . وعطش رفيقه صالح فلم يعطه الأمويون ماءاً فمات واستمر غيلان حياً ، وتوافد عليه الناس يعظهم ويهاجم الأمويين ، فقيل لهشام : قطعت يدي غيلان ورجليه وأطلقت لسانه فأبكى الناس ونبههم إلى ما كانوا عنه غافلين ، فأرسل إليه من يقطع لسانه، فقيل له : أخرج لسانك فقال : لا أعين على نفسي فكسروا فكيه واستخرجوا لسانه فقطعوه فمات .
وقد انتشر مذهب غيلان في الحرية والثورة ضد الظلمة ، ودحض مقولتهم في التمسح بالمشيئة الإلهية وأصبح هذا المذهب خطراً على الظلمة حتى بعد الدولة الأموية ، مما دعا السلطات العباسية الحاكمة وأعوانها إلى القيام بحملة سوداء ضد غيلان ومذهبه، " فأصبحت القدرية " تهمة تساوي الكفر والعصيان وتذهب بالعدالة والمروءة ، ومن اتهموه بالقدرية أصبح عند أهل الحديث مطعوناً في دينه، واستمر هذا طيلة العصر العباسي والمملوكي ما دام الظلم قائما يتمسح بمشيئة الرحمن.

وبعد ..
هؤلاء هم الآباء الحقيقيون لشرف العلم والمثقفين الأحرار...
وإلى هؤلاء ينتمى سعد الدين إبراهيم ....
تحية له فى عيد ميلاده السبعين ....

اجمالي القراءات 10303

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (7)
1   تعليق بواسطة   يحيى أمين     في   السبت 13 ديسمبر 2008
[31095]

كل عام والأحرار جميعا بخير

برغم اننى جديد على الموقع وما زلت فى مرحلة القرأءة والتدبر لأمركم وكتاباتكم ، الا اننى اعجبت جدا بقلمكم التاريخى فما اروع كلماتك فى سرد التاريخ .


2   تعليق بواسطة   sara hamid     في   السبت 13 ديسمبر 2008
[31100]

العلم ثم العلم

شكرا اخينا احمد انا تلميذة في الابتدائة في احدى مدارس اهل القران


اما اخي يحي امين فاقول له انت اليوم اوفر حظا بانظمامك للموقع لتتدبر كتاب الله تعالى


كما امرنا هو جل وعلا


3   تعليق بواسطة   زهير قوطرش     في   السبت 13 ديسمبر 2008
[31106]

الأخ الدكتور أحمد منصور المحترم.

شكراً لك على هذه اللفتة الرائعة ،حيث وصلت الماضي بالحاضر ،وذهبت بنا في رحلة شيقة عبر الكلمات ،شارحاً أهم مواقف الرجال الذين لم ينحنوا ،وبقوا صامدين مضحين بالغالي والرخيص في سبيل مواقفهم  الايمانية والانسانية .هؤلاء امتدادهم أنت والدكتور سعد الدين ابراهيم الذي أتقدم إليه بأحر التهاني في عيد ميلاده السبعين. لأقول له  يا أخي الدكتور سعد ،الحياة لاتقاس بعدد السنين ،لكنها تقاس بتجارب الحياة ،تقاس بالمواقف المبدئية ،تقاس بالنتائج ... وأنت في حياتك وحياة الأخ الدكتور أحمد منصور وغيركم ممن لايتسع المقام لذكرهم ،أثبتم ان الحياة موقف ،يقفه الانسان أمام الله عز وجل وأمام نفسه وأمام الناس .هنيئاً لك بعمر كان مثمراً في الدفاع عن العدالة والحرية والديمقراطية . صدقني شجرة نضالك قد اخضرت ،وسوف تزهر قريباً لتثمر  بعد ذلك بثمر الحرية والديمقراطية . وسيكتب التاريخ يادكتور سعد أسمك ،وسيذكره الشرفاء على أنه منارة .(وعقبال المئة سنة إن شاء الله)


4   تعليق بواسطة   Mohamed Awadalla     في   الأحد 14 ديسمبر 2008
[31168]

Happy birth day Prof. Ibrahim

Excellent, it's an enlightened analyses about the history of people, every time I think that this man has been thrown in jail like any drug dealer or criminal, it just make me sick.


5   تعليق بواسطة   أنيس محمد صالح     في   الإثنين 15 ديسمبر 2008
[31180]

نهنئك من أعماق القلب

بسم الله الرحمن الرحيم



شيء مؤسف وحزين ما يحدث اليوم في أرض الكنانة .. أرض الحُب والوئام والسلام ... أرض الشعب المُبتسم المُرحِب المضياف .. أرض الشعب العربي المصري الذي لا يعرف الحقد والكراهية في تاريخه القديم والمعاصر.



شيء مؤسف وحزين أن يتحول الحاكم المصري ومؤسساته العسكرية والدينية إلى قاض وجلاد في نفس الوقت ليكمم الأفواه ويستخدم أدوات قمعه وبطشه وجيشه وشرطته وجبروته ضد كل من ينادي بحقوقه وقيمته وحريته وكرامته.



شيء مؤسف وحزين أن يتحول الإنسان المصري المقموع والمبطوش به الجائع الفقير ويعيش في المقابر إلى فزاعة تقلق عروش الحاكم وآلته الحربية والعسكرية ومؤسساته الدينية غير الشرعية !! فيمارس الحاكم ومؤسسته الدينية غير الشرعية وبكل أدوات القمع والبطش, ضد مفكري وأحرار مصر الكنانة ورؤساء تحرير صحفها وقضاتها النزيهين ومحاموها وأساتذة جامعاتها ومعارضتها الشريفة ومنظمات حقوق الإنسان فيها من الملاحقات والسجون والتعذيب وبكل أدوات المهانة والإذلال وضد كل من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له مطالبا بحقوقه وقيمته الحقيقية وحريته وكرامته.



شيء مؤسف وحزين ما يحدث في مصر الجميلة وقد رضي حكامها وآلتهم العسكرية والدينية أن يتحولوا إلى دُمية يتم التلاعُب بها في يد آلة القمع والبطش والإرهاب العالمي الآل سعودي الوهابي التكفيري الإقصائي الإبليسي وفي إنتظار ولي العهد القادم إبن الحاكم الطاغية الحالي !! ولعودة النظام الملكي الكهنوتي مرة أخرى إلى مصر الحبيبة الغالية.



شيء مؤسف وحزين والله .. وقلوبنا تقطر دما وألما وحسرة لما آلت إليه مصر الكنانة اليوم.



نعلن تضامننا غير المشروط وغير المحدود مع الدكتور سعد الدين إبراهيم ومركز إبن خلدون ولكل أحرار ورجالات ونساء مصر العظيمة الرائعة .. أرض الكنانة بشعبها الرائع المعطاء.


http://www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=3817


6   تعليق بواسطة   نورا الحسيني     في   الثلاثاء 16 ديسمبر 2008
[31251]

عيد ميلاد سعيد وبحث مفيد

بحث مستفيض ومفيد فى نفس الوقت لقد طفت بنا يا دكتور أحمد وعرفتنا وذكرتنا برجال أبطال ومصلحين بمعنى الكلمة ، ليتنا نتعلم ونستفيد من هذه المواقف المشرفة من هؤلاء العلماء والمصلحين على مر الزمان ، إنه لشرف أن نضحى فى سبيل ديننا ولو بحياتنا ،نعم ما أهمية الحياة في هذا الزمن ومع هؤلاء البشر الذين يقدسون كل ما تقع عليه أعينهم من بشر وحجردون تقديس وعبادة  الخالق عز وجل وحده .  


7   تعليق بواسطة   جمال أبو ريا     في   السبت 27 ديسمبر 2008
[31733]

عيد مبارك سعيد

تهنئة للأستاذ سعد إبراهيم علي عيد ميلاده وعقبال مائة سنة وكل عام وأنتم بخير


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3087
اجمالي القراءات : 24,460,339
تعليقات له : 3,768
تعليقات عليه : 11,589
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي