انعكاس الازمة المالية العالمية على المالية العامة الامريكية:
حتمية نمو عجز الميزانية الامريكية

عمر أبو رصاع في الإثنين 03 نوفمبر 2008


شهد عجز الميزانية الامريكية تطوراً دراماتيكياً خلال فترة الرئيس جورج دبليو بوش ، كنا في تقريرنا حول الازمة المالية الراهنة تكلمنا عن التحولات التي طرأت على المالية العامة الامريكية و خصوصاً تغير الوزن النسبي للانفاق على القطاعات المختلفة بحيث اختل التوزيع لصالح الانفاق العسكري على حساب الانفاق المدني ، و المؤشر الآخر الأهم هو التوسع في حجم النفقات نفسه ، من الملفت للنظر أن ادارة الرئيس بيل كلينتون نجحت في تحقيق فوائض في ميزانية الولايات المتحدة الامريكية اذ بلغ فائض الميزانية عام 2000 مستوى 237 مليار دولار ، إذن عندما وصل الرئيس بوش الابن لسدة الحكم كان بين يديه ميزانية تحقق فائضاً منذ عام 1998 ، لكنها لم تلبث تحت ادارة الرئيس بوش ان عادت للعجز لأول مرة عام 2002 و بدأ هذا العجز ينمو حتى وصل إلى 161.5 مليار في ميزانية عام 2007 لكن هذا الرقم حقق قفزة عملاقة عام 2008 ليبلغ حوالي 500 مليار دولار و هو مرشح لتجاوز 700 ملياراً هذا غير النفقات الطارئة لتداعيات الازمة الحالية.


إن خطورة عجز الميزانية المتواصل تكمن في نمو الدين العام يكفي ان نعلم انه و حسب البنك الاحتياطي الفدرالي (المركزي الامريكي) تجاوز الدين العام الامريكي 3.5 ترليون دولار اي ما يعادل 1.5 مرة مجموع ديون بقية دول العالم مجتمعة! و استناداً لهذا الرقم بالقياس لعدد سكان الولايات المتحدة البالغ 270 مليون نسمة فإن كل مواطن امريكي تبلغ حصته من الدين العام 13000 $ كذلك فإن خدمة الدين العام تشكل كابوساً ففوائد هذا الدين لوحدها تتجاوز 100 ميار دولار سنويا! و بما اننا نعلم ان نمو الدين العام سببه بطبيعة الحال عجز الميزانية فإن الولايات المتحدة تتجه نحو الاسوأ فيما يتعلق بماليتها العامة و دينها.
ما هو تأثير الازمة الحالية على ميزانية الولايات المتحدة؟
بطبيعة الحال الحكومة الفدرالية ليس لديها الكثير من الخيارات فيما يتعلق بعجز الميزانية و نموه الكبير المتوقع ، فمن ناحية هي مرغمة على زيادة الانفاق العام و شراء الاصول المتعثرة و برامج الانقاذ و كلها تتطلب زيادات كبيرة في الانفاق العام و من الناحية الاخرى من المتوقع ان تتراجع ايرادات الخزينة الامريكية التي تعتمد بشكل اساسي على دافعي الضرائب و في ظل اقتصاد يعاني حالات كبيرة من الافلاس و تنامي البطالة و تراجع الارباح ستتراجع الحصائل الضريبية التي ستتوفر للخزينة ، اذن كنتيجة لهذا السيناريو سينمو عجز الميزانية الامريكية بحدة في العام القادم من ناحية لان نفقاته ستكبر و تزداد بمعدلات كبيرة و من الناحية الثانية لأن حاصلات الضريبة ستتراجع.

يبدو اكثر سيناريو متوقع هو محاولة الحد من هذا العجز بالتخلص من جزء كبير من النفقات الهائلة الحجم التي يتكبدها الاقتصاد الامريكي في الحروب و يكفي ان نشير إلى ما أوردته صحيفة غارديان عن تكلفة الحرب على العراق, فنسبت إلى جوزيف ستيغليتز الأستاذ في جامعة كولومبيا والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2001 وخبيرة الميزانيات في جامعة هارفرد ليندا بيلمز قولهما إن التكلفة الحقيقية للحرب على العراق ستصل ما بين تريليون وتريليوني دولار بالنسبة للولايات المتحدة لوحدها ، و هذا كما نرى عبء ضخم على اقتصاد يعاني ما تعانيه الولايات المتحدة اليوم و لا بد من الحد منه.

إذا عدنا إلى التحولات الهيكلية للميزانية الامريكية نجد أن الانفاق العسكري نما من 361 مليارا عندما تولى بوش الابن الرئاسة إلى 537 مليارا هذا غير 70 مليار اضافية تم سحبة لتغطية النفقات الاضافية في الحرب على العراق و افغانستان اي ان النفقات العسكرية تمت مضاعفتها تقريبا في عهد الرئيس بوش فنحن نتكلم عن زيادة في المخصص تقترب من 300 مليار دولار ، و بحسب الاعتمادات الاضافية التي اقرها الكونجرس انفقت ادارة بوش خلال 6 سنوات مبلغ 800 مليار دولار لتمويل حربها على الارهاب لهذا فإن رقم ترليون دولار يبدو غير بعيد كما اوضح جوزيف ستيغليتز و ليندا بيلمز ، و نحن نرجح خاصة في العراق ان يتراجع الوجود الامريكي بقوة و بشكل عام عودة لسياسة الدبلوماسية القوية التي تكلم عنها اوباما و مارسها من قبل بيل كلينتون ، من المتوقع ان هذا سيخفض الانفاق العسكري او على الاقل يكبح جموحه و يحد من نموه لحساب الانفاق الاضطراري في القطاعات المدنية الاخرى خصوصاً في ظل نتائج الازمة المالية الحالية.
ان الازمة المالية الحالية لا بد ان تنعكس بقوة على الولايات المتحدة بشكل عام فتؤدي إلى ظواهر سلبية في مؤشراتها الاقتصادية و منها انكماش الناتج القومي الاجمالي اي تحقيق نمو سالب في الناتج و من ثم الدخل القومي و تراجع اداء الشركات و افلاس جزء منها او اقترابه من حدود الافلاس و ارتفاع نسبة البطالة بالمحصلة ، بالنسبة للميزانية الامريكية تراجع دخلها في مقابل نمو نفقاتها التي يتطلبها الانقاذ و الانعاش الاقتصادي بالتالي نمو الدين العام بنمو عجز الموازنة و سيتطلب هذا ادارة متقشفة للميزانية في محاولة الحد من هذا العجز ، ستحتاج الولايات المتحدة إى دورتين رئاسيتين على الاقل بتقديري لتستعيد توازنها و صحتها ، و لكن في المحصلة النهائية سنتعامل مع ولايات متحدة بحجم نسبي اقل مما كانت عليه قبل هذه الازمة ، و اكثر انشغالا بالداخل و اقل عنفاً او ميلا لاستخدام القوة في العالم ، ستبقى الولايات المتحدة اكبر قوة و اهم لاعب دولي لكنه لن يكون من الآن اللاعب الوحيد القادر على تحريك اللعبة و بقية اللاعبين كما كان.


تحياتي

اجمالي القراءات 9001

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-08-26
مقالات منشورة : 53
اجمالي القراءات : 795,815
تعليقات له : 123
تعليقات عليه : 247
بلد الميلاد : الأردن
بلد الاقامة : الأردن