رمضان بين سطور التاريخ(6)السخرة فى رمضان

آحمد صبحي منصور في الأحد 21 سبتمبر 2008


1 ـ كانت الإصلاحات المعمارية وإقامة الجسور والكباري لا تنقطع فى شهر رمضان فى العصر المملوكي .. ونأخذ على ذلك بعض الأمثلة ..
فى 27رمضان 722 يذكر المؤرخ ابن كثير أنه اكتملت عمارة الحمام الذي بناه بهاء الدين ابن عليم بزقاق الماحية من جبل قاسيون بدمشق بالقرب من مسكنه ، وقد أنتفع به أهل الناحية ومن جاورهم .
وفى يوم الاثنين 11 رمضان 811 شرع الأمير شيخ فى تعمير عدة مواضع داخل مدينة دمشق وكانت قد خربتها حروب تيمورلنك ، وألزم الأمير شيخ بعض السكان بتعمير بيوتهم المهدمة وشجعهم على بدء حركة تعمير في دمشق.


وقام بعضهم فى رمضان 835 ببعض إصلاحات فى مكة المكرمة ،" إذ أجرى العين حتى دخلت مكة بعد ما ملأت البرك داخل باب المعلاة ومرت على سوق الليل إلى الصفا وأنتهت إلى باب إبراهيم ، وساحت من هناك فعم النفع بها وكثر الخير لشدة احتياج الناس بمكة وقتها إلى الماء وقلته أحيانا وغلاء سعره ، والسبب هو عدم صيانة البئر والعناية بها ، وأنتهى ذلك بتلك الإصلاحات التي أقامها بمكة تاجر محب للخير والإنفاق فى سبيل الله تعالى وهو سراج الدين عمر بن شمس الدين محمد بن المزلق الدمشقي".. وبذلك خلد اسمه فى التاريخ ..
2 ـ ونحن لا نتصور أن مثل هذا التاجر المحسن قد أرغم الناس على العمل لديه سخرة فى ذلك العمل الخيري ، ولكن تسخير الناس فى الأعمال الخيرية وعمليات الإصلاح كان سياسة مملوكية ، إذا كان المماليك لا يستريحون لفكرة دفع أجور للعمال والعوام أو" الحرافيش " فى لغة العصر ،والأسهل لديهم أن يأكلوا أموال الرعية وحقوق العمال ، حتى لو كان ذلك فى شهر الخير والثواب .. شهر رمضان .
ففي رمضان 738: أنشأ الناصر محمد بن قلاوون جسرا على النيل فيما بين بولاق والزمالك حاليا وربما يكون موضعه الآن هو موضع كوبري أبو العلا ،وكان ذلك المكان الذي أقيم فيه جسر الناصر محمد يسمى حكر ابن الأثير ، وقد سماه المؤرخ أبو المحاسن فيما بعد جسر ابن الأثير ..
والسبب فى بناء هذا الجسر أن فيضان النيل وأمواجه كانت تفيض على شاطىء بولاق وتحدث أضرارا فى بيوت بولاق المطلة على النيل ، إلى درجة أنها هدمت جامع الخطيري فاحتيج إلى تجديده ، بل وأمر السلطان الناصر سكان بولاق الذين يطلون على النيل بعمل الزرابي ، والزرابي هي حوائط ومصدات للماء يقيمها أصحاب البيوت القريبة من النيل، ومنها سلالم تصل ساكني تلك البيوت بالنيل ، وأقام السكان تلك الزرابي تجاه بيوتهم ولكن ذلك لم يفد شيئا . وفي النهاية أمر السلطان بإحضار المهندسين من الصعيد والوجه البحري وركب السلطان معهم النيل فى تلك المنطقة ، وتشاوروا فى الحل ، ثم أتفقوا على حفر خليج فى الجزيرة المقابلة لبولاق – حيث توجد الزمالك الآن – ويمتلىء ذلك الخليج بماء النيل ثم يقام جسر فى وسط النيل يكون سدا يتصل بالجزيرة ، فإذا زاد النيل جرى ماؤه فى الخليج وصده السد وجعله يتراجع إلى الشط الآخر ناحية إمبابة المقابلة لبولاق .
وأقتنع السلطان بالفكرة ولم يبق إلا التنفيذ . فأرسل السلطان من الغد إلى (المشد) فى كل منطقة يجمع الرجال المسخرين بلا أجرة للعمل ، وجمعهم المشدون فقطعوا الحجارة من الجبل ، وقام آخرون بالسخرة أيضا فيحملون تلك الحجارة ويملأون المراكب ، وتأتي المراكب المحملة بالحجارة فيغرقونها بحمولتها فى المنطقة المراد ردمها حيث الجسر. وعمل الجميع فى ذلك الجسر سخرة تحت يد الأميرين أقبغا عبد الواحد وبرسبغا الحاجب. وأمر السلطان والى القاهرة بتسخير عوام القاهرة أيضا فى العمل فكان المماليك يقبضون على الناس من الشوارع والأسواق والمساجد والجوامع ويأخذونهم للعمل تحت لهيب الأسواط وفى نهار رمضان ، وهرب من أستطاع وأختفى من أستطاع ..
يقول المقريزي يصف تلك السخرة " ووقع الإجتهاد فى العمل ،وأشتد الاستحثاث فيه حتى أن الرجل كان يخر إلى الأرض وهو يعمل لعجزه عن الحركة فتردم عليه رفقته الرمال فيموت من ساعته ، وأتفق حدوث هذا لخلائق كثيرة جدا ، وأقبغا راكب فى الحراقة- وهى سفينة حربية – يستعجل المراكب المشحونة بالحجارة ، والسلطان ينزل إليهم ويباشرهم ويغلظ على أقبغا ويحمله على السرعة واستنهاض العمل حتى أكمل فى مدة شهرين ".
وأورد المقريزي عدد المراكب التي أغرقت بحمولتها فى النيل لبناء ذلك الجسر ، وأورد حمولتها من الحجارة ، ولكن لم يكن لديه حصر بأعداد الرجال الذين ماتوا فى تلك السخرة ، ولم يكن لديه عدد لأولئك الذين خرجوا أحياء بعد هذه السخرة ..!!
ورمضان كريم ..!!
3 ـ وبالمناسبة كانت للماليك حيل عجيبة فى القبض على الناس واستخدامهم فى التسخير والعمل بلا أجرة ..
ففي شهر ربيع الأول سنة 877 وفي سلطنة قايتباي كان المماليك يقومون ببناء جسر على النيل عند الجيزة وكانوا كالعادة يريدون الانتهاء منه بسرعة ، وأعوزتهم اليد العاملة فلجأوا إلى حيلة خبيثة لتوفير اليد العاملة بأسهل طريق ؛كانت القاهرة المملوكية وقتها تعج بآلاف الفلاحين الهاربين من السخرة وظلم الولاة والكشّاف فى بلادهم، فأضيفت أعدادهم الى آلاف العاطلين من القاهريين . ولكي يحشدهم المماليك جميعا ليسخروهم في الحفر فإنهم جاءوا بشخص بريء وصلبوه على خشبه ودقوا المسامير فى أطرافه الأربعة وطافوا به فى شوارع القاهرة ينادون عليه : هذا جزاء من يقتل النفس التي حرمها الله ، فأجتمع الناس للتفرج عليه وساروا خلفه بالآلاف إلى أن انتهت المظاهرة عند موضع الحفر حيث تكامل العدد المطلوب للحفر، فقبض المماليك على الجمهور وسخروهم في العمل ..

4 ـ وقبل النهاية نذكر بكل أسى إن عصر المماليك الذى شهد أقسى أنواع الظلم هو نفس العهد الذى عاش تطبيق الشريعة ، ليس الشريعة الاسلامية ولكن شريعة الدين السنى.
ونذكر أيضا ـ وبأسى أعظم ـ أن السخرة ظلت تسود مصر فى تنفيذ المشروعات الكبرى، وأحيانا بناء المساجد والقصور للأمراء المماليك فى الدولة المملوكية والعصر العثمانى وعصر محمد على . ثم أراد الخديوى سعيد باشا ان يطبقها فى حفر قناة السويس ولكن المهندس الفرنسى ديليسبس المشرف على المشروع اشترط فى العقد دفع أجور للعمال المصريين ، ولم نعرف هل تم تنفيذ ذلك أم ظل حروفا على الورق.
ونذكر بكل ما فى العالم من أسى أن السخرة عادت بطرق ملتوية تعتصر حيوية العمال المصريين ، فى الداخل ؛ مثل تسخير جنود المراسلة والمن المركزى فى خدمة الضباط ، والاجحاف بحقوق العمال فى المصانع المصرية ، وتدنى أجور العاملين فى القطاع العام والحكومة ، وخصوصا فى أشرف مهنة ، وهى التعليم والتدريس.. وبالتالى لا يحق لنا أن نتعجب كثيرا من استعباد المصريين فى دول الخليج تحت مسمى ( الكفيل ) .
5 ـ وفى النهاية نتذكر قوله جل وعلا (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ) ( ابراهيم 42 ـ )
وكل عام وانتم بخير ..

اجمالي القراءات 9478

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الأحد 21 سبتمبر 2008
[27081]

السخرة لا تزال موجودة في تعامل دول الخليج مع العمال وأصحاب الحرف اليدوية

السخرة لا تزال موجودة في كل دول الخليج في التعامل مع أصحاب الحرف اليدوية والمهنيين ، حيث يكون العامل ملكا للكفيل ولا يستطيع التحرك إلا بإذنه ، حتى لو أراد العودة لبلده وأسرته لابد ان يأذنه له ويرضى عنه الكفيل ، وإلا فعليه التنازل عن بعض مستحقاته إذا أراد العودى بغير إذن الكفيل ، هذا لو عطف عليه وأعطاه جواز السفر ، أما بخصوص الأجور فهناك سخرة وظلم شديد للعمال والمهنييين في هذه الدول ، حيث يكون راتب المهني ما بين  1200 : 2000  جنيه حسب عملة الدولة ، ولكنه في الحقيقة ينتج عملا بأضعاف أضعاف هذا المبلغ كل شهر ، ولكي يستطيع هذا العامل المسكين ان يحسن دخله عليه بزيادة ساعات العمل بعد انتهاء الساعات المقررة للعمل كل يوم او عليه ان يعمل وقت إضافي مما يكون فيه ضغط عصبي وعضلي علي العامل ، وبالتالي تتأثر صحته من هذا العمل الإضافي في ساعات هو أحوج ما يكون للنوم والراحة فيها ، وهنا تكون السخرة في أشد صورها حيث يأكل هؤلاؤء الناس أجور العاملين الذي يدفعون أعمارهم وحياتهم في بناء وتعمير هذه الدول والمقابل ملاليم وفتات يكفي للبقاء على قيد الحياة ، ويحدث هذا أيضا في مصر في معظم شركات القطاع الخاص حيث يربح صاحب الشركة ملايين كل عام بينما تجد رواتب جميع العاملين في الشركة نسبة ضئيلة جدا من الأرباح والانتاج الذي عادت فائدته على فرد واحد ، والسبب الأول في هذا الربح وهذا الإنتاج هو العامل المسكين الذي يحصل على راتب ضعيف ، على الرغم انه يعمل عدد ساعات كبير ، ويحاسب كل هفوه أو خطأ يقع فيه ، وهنا أو في بلاد الخليج هناك مشرف عمال أو مشرف ورديه كل همه إرضاء صاحب المال على حساب هؤلاء المساكين المطحونين ، فهو يضغط عليهم ويحملهم مالا طاقة لهم به ويخصم لهم أيام ليثبت لصاحب العمل أنه مصحصح ومطقطق وواخد باله من ماله ، ولقد شاهدت هذه الأمور بعيني لأنني كنت أعمل في مجا ل المعمار لعدة سنوات وشاهدت مشرفي العمال كيف يتعاملون مع المهني والحرفي الذي يشيد القصور ويبني المدارس والكباري ويعمر الصحراء ويحولها لجنة ، ولكن رغم هذا كله يعيش مسخر ، ولا يأخذ أبسط حقوقه أجرا مناسبا يساوي تعبه ومشقته في العمل .

  وكل عام وأنتم بخير

2   تعليق بواسطة   رضا عبد الرحمن على     في   الإثنين 22 سبتمبر 2008
[27109]

أعتقد أن بناء الأزهر أيضا بدأ في رمضان

عندما دخل جوهر الصقلي قائد المعز ليدن الله الفاطمي مصر فاتحا سنة 359هـ (970م) وفي أول ليلة وضع حجر أساس قصرين عظيمين ، ثم بعد ذلك وضع أساس الجامع الأزهر وقد استمر العمل فيه سنتين ، وقد أقيمت اول جمعه فيه في 9 رمضان 371هـ ، وكان الغرض منه إنشائه أن يكون مسجدا تقام فيه الصلوات ، ويـُدى فيه للمذهب الشيعي ، وما يعنيني في هذا لأمر هو بمجرد دخول الفاتح جوهر الصقلي لمصر ، وفي اول ليلة وضع حجر أساس قصرين عظيمين قبل أن يسأل عن  حال الناس ووضع الفقراء والمساكين ، ومن خلال الميعاد الذي فتح فيه الجامع الأزهر من الممكن ان نقول ان بدأ العمل فيه كان في شهر رمضان أيضا ، ولكن هذا غير دقيق تماما ، ولكن سواء بدأ العمل فيه في رمضان أو غير رمضان يظهر هنا موضوع السخرة واستخدام الناس في بناء القصور حتى قبل بناء المساجد.

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 2861
اجمالي القراءات : 22,789,568
تعليقات له : 3,656
تعليقات عليه : 11,320
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي