حقيقة التحليل والتحريم في الإسلام:
حقيقة التحليل والتحريم في الإسلام

مهيب الأرنؤوطي في الإثنين 16 اكتوبر 2006


مقــدمة:

لي صديق حميم كنا رفاقاً منذ الصبي علي الرغم من أنني أكبره بثلاث سنوات، إلا أنني كنت أعتبر نفسي أقل بكثير منه في العلم، وقد زادت صداقتنا خلال المسجد وحضور دروس العلم، وقد كنت مثله بالضبط أنتمي للمذهب السني، وهو يتمتع بلسان فصيح طليق، فكنت أحضر معه الخطب التي يلقيها يوم الجمعة بانتظام، ولكنني كنت عندما اقرأ القرآن أجد في نفسي دائماً راحة وطمائنينة عجيبة، هذا بعكس ما كنت عندما أقرأ في الروايات، فعلي الرغم من أن الكثير من هذه الروايات تحض علي العمل لله تعالي من خلال ترغيبها في هذا العمل، إلا أنني كنت أحس في قرارة نفسي بأن الأمر به الكثير من المبالغة الشديدة، أجل فإنها كثيراً ما تحث علي مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال، إلا أنها أحدثت شيئاً ما يختلج في صدري ويشعرني بالضيق!!....، ناهيك طبعاً عن تعرضها لذات الله العلية بصورة لا تليق به أبداً، وعندما قرأت سيرة البخاري وجدت المبالغة الشديدة التي لا يصدقها أي عاقل، هذا مع ورود تساؤل خطير كان يجيش في نفسي بصورة قهرية وملحة لا الفكاك منها أبداً، ألا وهو:
هل كل هذه الفرق الإسلامية علي حق؟..... غير معقول طبعاً!!!.... وإن كانت أحداها علي حق، إذن فما هي؟؟.......تري ما هي؟؟!!

لقد أخذ هذا التساؤل يراودني طيلة أربع سنوات ولم أجد له أي إجابة شافية، فقررت بيني وبين نفسي ألا أنظر إلي الروايات وألا انشغل بالقرآن، ولكنني لم أكن أعلم أن هناك من المسلمين من هم مثلي ويفكرون بطريقتي.....

وعندما دخلت علي الشبكة منذ حوالي ستة شهور فقط، فوجدت أول ما وجدت مقالاً للأستاذ الدكتور (أحمد صبحي منصور) بعنوان (أكذوبة عذاب القبر)، وكم أجابني هذا المقال علي تساؤلات عدة كانت تؤرقني، ثم قرأت وقرأت لآخرون ممن هم علي حذوي حتي أيقنت بأن هذا الفريق يدعي بالقرآنيين، فلم أتردد في الدخول في زمرتهم، وصرت من الحنفاء لله تعالي، فالحمد لله أولاً وآخراً، والحمد لله أنه قد جعل أخي وصديقي الدكتور أحمد صبحي منصور سبباً في هدايتي لما أبداه لي من نصائح وإرسال أبحاث ومقالات جعلتني أفهم الدين بصورة مشرفة تليق به كدين حق، فاللهم جازيه عنا كل الخير.

والمحاورة التي أقدمها لكم هي محاورة حقيقية دارت بيني وبين صديقي الذي ذكرته لكم، وكان محور نقاشها يدور حول التحليل والتحريم في الإسلام، فلعلها تكون محاورة هادفة إن شاء الله، ولنبدأ المحاورة:

قال صديقي: لقد قلت لي في الحوار السابق أنه لا توجد آيات تأمر المسلم بإتباع سنة النبي، أي كتب الصحاح، إذن فما رأيك في قول الله عز وجل:
(قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ....) (التوبة 29)....ألا تنص الآية صراحة علي أن الرسول يُحَرِم مثل ما يُحَرِم الله سواء بسواء ؟....ثم إن هناك حديث رواه ابن ماجة (ح 12) يقول:
"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح، حدثني الحسن بن جابر عن المقدام بن معد يكرب الكندي أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: يوشك الرجل متكئاً علي أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله صلي الله عليه وسلم مثل ما حرم الله". إذن فهذا دليل قاطع بنص الآية الكريمة التي تدعم الحديث الشريف السابق، فمن أين تأتي بما تقول؟...الحقيقة أن الرسول قد حَرِم أشياء لم يُحَرمها الله في كتابه، وهذه خصوصية تفرد رسول الله بها دون غيره نظراً لتكريم الله له، فما رأيك؟
قلت: مهلاً يا أخي، أرجو ألا تتسرعرع في حكمك قبل أن نناقش كل ما قلت بعقل وتعقل، ولسوف نصل إلي الحقيقة بإذن الله تعالي:
لقد ترجمتم هذا التحريم النظري الذي نسبتموه إلي الرسول زعماً منكم إلي تحريم عملي (كما عند البخاري ح 5206):
"ثنا إسحاق أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي صالح عن بن شهاب أن أبا إدريس أخبره أن أبا ثعلبة قال حرم رسول الله صلي الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية".
وقال مسلم (3/1533):
"باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير".
ثم خلصتم من ذلك إلي أن الرسول يُحَرِم بوحي كما يُحَّرِم الله.

قال صديقي: إن نبوءة الرسول صلوات ربي وسلامه عليه قد تحققت في الحديث الذي ذكرته لك الآن، ألا يدل ذلك علي أن رسول الله كان يتلقي وحياً آخر غير القرآن الكريم بدليل صدق نبوءة الحديث المذكور ؟

قلت: هذا غير صحيح، فرسول الله صلي الله عليه وسلم قد تلقي وحياً واحداً فقط، وأن سُنّته الشريفة إنما جاءت كتطبيق عملي لكتاب الله تعالي لا تزيد علي ذلك قيد شعرة، فقد انهالت تحريمات الرواة برواياتهم، والتي لا نسعي لحصرها هنا، وإنما نسعي لمناقشة الأساس الذي بُنيت عليه، فهل كان الرواة يتلقون وحياً من الله أيضاً يُخَوِل لهم الحق في مسألة التحليل والتحريم ؟!.....الحقيقة أن الله تعالي قد فَصّلَ كل شئ في كتابه تعالي بشأن التحليل والتحريم، بل وكل شئ يتعلق بالإسلام.

قال صديقي: ألم تقرأ كتاب يوسف القرضاوي الذي تحت عنوان "الحلال والحرام في الإسلام".
قلت: لقد قرأته، ولكن بكل أسف لم أحصل منه علي الفائدة المرجوة التي تروي الظمأ، إذ أن الرجل قد أطال في كتابه دون داع، معتمداً علي الروايات في مواضع كثيرة والتي يُثبت فيها أن الرسول يُحَرِّم مثل ما يُحَرِّم الله تماماً، وهذه هي طريقتكم يا أهل الروايات في كل ما يتعلق بالدين، فلو أنكم اقتصرتم علي كتاب الله وحده لأرحتم واسترحتم، لأفدتم واستفدتم، واهتديتم وهُدِيَ بكم.......ولسوف نسوق الأدلة، حتي يتبين لكل منا الصواب من الخطأ، والله تعالي هو الموفق:

الحقيقة الأولي: كتاب الله تفصيل لكل شئ:
وهذه الحقيقة قد ذُكِرَت نصاً بكتاب الله، فنجد قول الله تعالي:
(وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف 52).
ومعلوم للمؤمنين بالقرآن أن التفصيل واقع بهذا الكتاب، وقد زخرت آيات القرآن بالبيان تلو البيان، ثم تنتهي الآيات بتنبيه الناس إلي أن هذا التفصيل هو من بيان القرآن مثل قوله تعالي:
(وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) (يونس 37).
وقوله تعالي: (أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً..) (الأنعام 114).
ولقد تكررت آيات في القرآن الكريم منها مثلا (كذلك يبين الله لكم).
والسؤال الذي لا يحتاج أي إجابة لكل من لديه ذرة من العقل هو:
هل القرآن تفصيل لشئ دون شئ، أم أنه تفصيل لكل شئ ؟!
والجواب: إنه تفصيل لكل شئ كما في قوله عز وجل من سورة يوسف الصديق عليه السلام
(مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف 111).

والآيات كثيرة وكثيرة لم نذكرها كلها، ولكن نظراً لوضوح الأمر بجلاء شديد، فإننا لن نستطرد في بيان هذه الحقيقة الواضحة لكل من يعقل، وبلغه الكتاب، ونكون قد فهمنا بالتالي أن بلاغ الرسول صلي الله عليه وسلم بالكتاب المبين هو تبيين وتفصيل لكل ما يحتاج لتفصيل في نفس الوقت، ومنه بيان كل المحرمات من الطعام وغيره.

الحقيقة الثانية: كل ما حرم الله مفصل في كتابه:
لم يقف الأمر عند حد بيان الله تعالي أن كتابه به تفصيل كل ما يلزم المؤمن، بل تعداه إلي بيان آخر مكمل للبيان الأول، وهو أن الله تعالي قد فصل المحرمات بكتابه، وهو انسجام بيّن بين الآيات التي نزلت من عند الله الواحد.

آيات للدراسة:
يقول تعالي: (أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ*وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ*إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ*فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ*وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ) (الأنعام 114-119).

ونلاحظ في هذه الآيات المباركات:
1-قوله تعالي: " وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً".

وهو ما يُغني عن أي بيان إضافي ليعرف المطالع أن الكتاب يكفي لمعرفة التفاصيل المطلوبة في المسائل الشرعية.

2-قوله تعالي: " أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا"،
الذي يوضح أن النبي نفسه لا يحتكم إلا لله تعالي وإلي آياته، لا كما يُصوًِرُ الكذابون الأمر علي أن النبي مستقل بالتحريم وبالتشريع.

3-أن علة توقف النبي عن البيان الإضافي يرجع لسببين، أحدهما اشتمال الكتاب علي التفصيل، وثانيهما عدم تكليف النبي ببلاغ سوي القرآن، ولذا نجد الربط واضح في قوله تعالي " أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً"

4-إن الذي يتدبر قوله تعالي وهو ينقل قول الرسول:" " أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً"، يجد أن النبي يستنكر علي البعض كونهم يطلبون منه الاحتكام لغير الله تعالي بحجة عدم تفصيل الكتاب، فأجابهم النبي بقوله السابق:

كيف لي أن أحتكم لغير الله بحجة عدم تفصيل الموضوع المحتكم فيه، بينما هو سبحانه قد أنزل الكتاب مفصلاً ؟!

5-كما نلاحظ تحذير الله تعالي لمن يتبعون أكثر من في الأرض، وذلك لكونهم يتدينون بالظن، ومصيرهم المحتوم هو الوقوع في الضلالة:
" وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ".

ولن ينفع مخلوق وقع في الضلالة قوله: كنت أحسب، وكنت أظن في ظل وجود هذا الكتاب المفصل:
" قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" (الكهف 104،103).

6-أمر الله تعالي وتشريعه للناس بأن يأكلوا كل ما لم ينص عليه سبحانه بالتحريم، وليسبقوا ذلك بذكر اسم الله تعالي عليه، وتعليق ذلك بالإيمان:

" فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ"

7-ثم يعقب الله تعالي هذه الحقيقة الشرعية بحقيقة أخري لكيلا يكون لأحد حجة علي الله تعالي، فقال:
"وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ".
أي: وما هي حجتكم في الامتناع عما ذُكِرَ اسم الله تعالي عليه بينما قد فصل لكم ما حرمه عليكم ؟!.
ثم انتبهوا أيها الناس إلي أن الكثير منكم يُضلون بأهوائهم، وبغير نص وعلم من الله تعالي، وهو قمة العدوان والظلم.

إذن فقد أتضح أن المحرم مفصل بالكتاب!

•وقد سبق الله تعالي الآيات السابقة بقوله تعالي:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (المائدة 87).
ولكن بني الرواية لم ينتبهوا لهذا التحذير وغيره من التحذيرات لأنهم أسري لمنهج: "حدثنا فلان عن علان...."!!.

وتوعد الله تعالي من يُحَرِمون بأهوائهم فقال:
"وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ*وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ" (الأنعام:139،138).

• بل إنه جاء وقت علي الناس لم يكن الله تعالي قد حرم عليهم أي طعام بعد، يقول تعالي:
"كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"

ونستطيع أن نقول بكل حيادية إن الله سبحانه وتعالي قد ألزم الناس بكتابه فقال:

وأنه بهذا الكتاب تفاصيل المحرمات التي حرمها الله تعالي.

الحقيقة الثالثة: تفصيل المحرم من الطعام:

آيات للدراسة:
يقول تعالي:
"سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ*قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ*قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ*قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ*وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ*وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ*أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ*أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ" (الأنعام).

ونلاحظ في هذه الآيات المباركات:

1- قوله تعالي: " مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا".
وهو ما يعني أن الذين أشركوا اتبعوا آبائهم.

2- قوله تعالي: " سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ"
وهو ما يعني أن التحريم بدون تشريع من الله هو شرك للهوي مع الله.

3- قوله تعالي: " سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ"
وهو ما يعني أن الذين أشركوا يقولون بغبائهم إن وقوعهم في الشرك كان بمشيئة الله.
4- قوله تعالي: " سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ"
نلاحظ فيه اقتران الشرك بالتحريم، وذلك لأن التحريم الذي لم يشرعه الله تعالي هو من مصادر تم إشراكها مع كتاب الله، ومن هنا تسلل الشرك إلي شريعة في إطار التحريم.

5- قوله تعالي: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم"
فسمي الله تعالي الشرك والتحريم المأخوذ من التراث الأبوي الجدودي بالتكذيب لكتابه.

6- قوله تعالي: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ"

نلاحظ فيه أن السبب في وقوع التحريم المُفتري، والشرك هو بُعد القوم عن العلم، وإتباع الظن.
قارن ذلك بقول أهل الحديث عن أحاديثهم والتي لا تفيد إلا الظن!!:

يقول المحدث الخطيب في الكفاية: "باب في ذكر شبهة من زعم أن خبر الواحد يوجب العلم وإبطالها"، فنسمي القول بأن خبر الواحد يفيد العلم والقطع بالشبهة، ثم يقول: "خبر الواحد لا يُقبل في شئ من أبواب الدين المأخوذ علي المكلفين للعلم بها والقطع عليها...."، إلي أن قال: "وإنما يُقبل به فيما لا يُقطع به،..." (انظر الكفاية للخطيب 472،41).

• ويقول الأصولي الكراماستي "وخبر الواحد لا يوجب علم اليقين ولا الطمائنينة بل يوجب الظن" (انظر الوجيز في أصول الفقه للكراماستي: 52-المرصد السادس في: السنة).

• ويقول الأصولي الفخر الرازي إن خبر الواحد إما أن يكون مشتملاً علي مسائل الأصول وهذا باطل، لأن تلك المطالب يجب أن تكون يقينية، أما خبر الواحد فهو لا يفيد إلا الظن" (انظر في أصول الفقه للرازي: 47- وكذلك المحصول له).


• ويقول الإمام المحدث رضي الدين في قفو الأثر: "والمختار عندنا معشر الحنفية خلاف هذا المختار حتي إن خبر كل واحد فهو مفيد للظن، وإن تفاوتت طبقات الظنون قوة وضعفاً" (انظر قفو الأثر في صفو علوم الأثر للإمام رضي الدين الحلبي الحنفي: 46).

• ويقول المحدث السخاوي في فتح المغيث "قول أهل هذا الشأن (رأي الحديث): هذا الحديث صحيح وهذا حديث ضعيف قصدوا الصحة والضعف في ظاهر الحكم،...،لجواز الخطأ والنسيان علي الثقة، والضبط، والإتقان وكذا الصدق علي غيره، كما ذهب إليه جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين...."، إلي أن قال: "..وأما من ذهب إلي أن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر، والعمل جميعا فهو محمول علي إرادة غلبة الظن أو التوسع، وإلا فالعلم عند المحققين لا يتفاوت" (انظر: فتح المغيث شرح الفقية الحديث للسخاوي 1/91- الحديث الصحيح).

• ويقول العز بن السلام فيما نقله عنه المناوي: "ومذهب أهل السنة أنه يفيد الظن ما لم يتواتر" (انظر اليواقيت والدرر للحافظ المناوي: 1/187-188).

راجع أيضاً أقوال المحدثين بنفس المعني لكل من:
المحدث المناوي، والأصولي الشنقيطي، والأصولي الشاطبي، والأصولي الفخر الرازي، والأصولي القاضي الباقلاني، والأصولي وهبة الزحيلي، والأصولي ابن برهان البغدادي،....وغيرهم الكثيرون والكثيرون ويتجاوز عددهم المائة بخلاف ما ذكرناه.
علماً بأن 99.99% من الأحاديث هي أحاديث آحاد، وأن التواتر هو موضوع هلامي لا وجود ولا حجية له (كما ذكرنا في بحث سابق).

إذن فقول الله تعالي لمن يُحَرِمون بالظن: " قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ"، ينطبق علي غلاة الروايات والحكايات الذين حكموا رواياتهم وحكاياتهم الظنية في الدين، وفي كتاب الله تعالي.
ويكون أيضاً العلم كله في آيات الكتاب وحده
7- قوله تعالي: ""قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ"

معلوم أن شريعة الله تعالي واحدة، وأنه بهذا القرآن يهدينا إلي ما كان عليه من سبقنا: " يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"، ونلاحظ أن هناك من يدّعون العلم ممن سبق لهم كتاب من الله، فيشهدون بحرمة ما لم يحرمه الله، فسماهم الله تعالي بأنهم بربهم يعدلون، إذ حرموا كما يُحَرِّم الله، ولكن لِما لم يُحرمه الله تعالي.

8-قوله تعالي: " قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا..).

وهنا نجد أصلاً من الأصول العظيمة للعبادة، وهو أصل التوحيد، فكما نوحد الله تعالي في كونه هو المعبود بحق وحده، فينبغي أن نأخذ عبادتنا منه هو وحده، ولا يتأتي ذلك إلا من كتابه سبحانه.

فالنهي عن الشرك هنا هو نهي عن أصل عظيم من أصول الانحراف في الدين يقع فيه الملايين وهم غير منتبهين، لتعظيمهم للسلف الذي كان منه أيضاً الكثير غير المنتبه لما سقط فيه من تعدد المرجعيات الفاسدة التي لوثت دينهم، وبدلت شريعة الله.

9- قوله تعالي: " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"

نلاحظ هنا أن الله تعالي يدعو الناس إلي كتابه سبحانه، بنفس الوقت الذي يُحَذِرهم فيه من السبل، أو الطرق والمذاهب والفِرق، إذ إن أي طريق من هذه الطرق سيحيد بصاحبه عن هدي الله تعالي، كما يُبشر الله تعالي من يطيع بتحصيله للتقوي.

10- قوله تعالي: " ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ"

نلاحظ هنا أن الله تعالي ينبه الناس ممن بلغهم القرآن أن الكتاب السابق له وهو كتاب موسي كان أيضاً له نفس صفة القرآن، فقد كان علي أحسن ما يكون وتفصيل لكل شئ، وهدي ورحمة، فانتبهوا يا من يكون القرآن بين أيديكم أنه هو أيضاً فيه التفصيل والهدي والرحمة، ولذا يقول الله تعالي مباشرة:
" وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"
ثم يقول: " فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ"

كل هذا يقوله سبحانه في معرض ذكره سبحانه للمشركين والمُحَّرِمين لما لم يحرمه الله تعالي فانتبه يا صديقي ويا أيها القارئ العزيز

• تفصيل المحرم من الطعام:
يقول تعالي:
"قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"

والنص هنا قاطع بوجود أربعة أصناف من المحرمات من الطعام (عموماً)، وهي:
1-الميتة.
2-الدم المسفوح.
3-لحم الخنزير.
4-أو فسقاً أُهِلَّ لغير الله به.

وهو مطابق لقوله تعالي:
"إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".

ويختلف عنه في عدة أمور هي:
1-الآيات الأولي تُبين أن الدم المحرم هو الدم المسفوح، وهو السائل الذي يُصَبّ، وليس كما زعم جهلة الرواة أن الكبد والطحال من الدم المحرم بالقرآن والمستثني بالسنة، بل الكبد والطحال حلال بنص القرآن، أما حديث: "أُحِلت لنا ميتتان ودمان "فهو حديث ضعيف جداً" (أنظر العقيلي في الضعفاء 2/331- وابن حجر في تهذيب التهذيب 6/161).

2-إن ما أُهِل لغير الله به سماه تعالي بالفسق.

3-إن الآية الأولي ساقت الحكم علي سبيل الحصر والقصر، وهو ما يهمنا هنا، فكأن الله تعالي يقول (وقوله الحق):

لا يوجد محرم من الطعام إلا هذه الأصناف الأربعة فقط، إذ الاستثناء من النفي حصر وقصر، وهو كقولك:
لا إله (نفي) إلا الله (استثناء)، وذلك لحصر الألوهية في الله وحده.

وهنا في الآية نجد:
قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما علي طاعم يطعمه (نفي) إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أُهِلَ لغير الله به (استثناء).

وبالتالي فنستطيع أن نقول إن المحرم جاء بصيغة الحصر، مما لا يُعطي فرصة للكذابين لتبرير كذبهم.

وهذا المحرم المذكور هنا بخلاف الحالات الاستثنائية، كصيد البر للمحرم في الحج.
"أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ".

ونصيحة أخيرة لصديقي الفاضل ولكل بني الرواية أن يتوبوا إلي الله تعالي من تحريم ما لم يُحَرِّمه الله تعالي، وأن يتدبروا قول الحق سبحانه:

"وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ" (النحل 116).

وأن يرتدعوا عن أن يقولوا علي الله ما لا يعلمون:

"قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ".

أما قوله تعالي: (وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ....).
فهو يعني أن ما يُحَرِّمه الله تعالي يُحَرِّمه رسوله، وهو بديهي، ويُحَرِّمه المؤمنون أيضاً (ولا يسعهم غير ذلك).

وهو كقوله تعالي: " وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ.."

الذي يُفهمُ منه أن مجمل ما حرمه الله تعالي علي لسان رسوله هو من الخبائث، ومجمل ما أحله تعالي علي لسان رسوله هو من الطيبات، ولذا يقول سبحانه بعدها:
" فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (الأعراف 157).

فالإتباع يكون للنور الذي أُنزِلَ مع الرسول وهو القرآن الذي كان يتبعه الرسول نفسه، وفيه كل ما ذكرناه من تفصيل لكل شئ، ومنه الحلال والحرام.

والخلاصــــــــــــة:
إن كل ما لم ينص الله تعالي عليه علي أنه من المحرم من الطعام هو حلال صرف، فإن كانت النفس تعافه فلا إجبار علي أكله، ولكن التحريم يكون بنصوص الكتاب المنزل من الله تفصيلاً لكل شئ.

ويكون أكل الأسيويين للكلاب، أو الأفارقة للقرود، أو الأوربيون للخيول...الخ لا شئ فيه، وليس بحرام طبقاً لآيات القرآن المنزل من الله تعالي، والذي لا يحتاج لغيره ليُتَعَبَّدُ به.

قال صديقي: وماذا عن ميتة البحر؟ السمك مثلا والمأكولات البحرية، إن القرآن قد حرم الميتة ولم يستثن منها أي نوع، ولكن السنة أخبرتنا أن ميتة البحر حلالا، وذلك لا يوجد في القرآن، وبناء علي منطقك هذا فلا بد أن نذبح السمك أيضا وكل المأكولات البحرية ونسمي عليها حتي تكون حلالا زلالا لنا، ألا تري معي أننا من الأفضل أن نتبع الروايات التي جاءت بصدد ميتة البحر والتي لم يذكرها الله في القرآن، صدقني يا أخي إن السنة مكملة للقرآن !!

قلت: مهلا يا صديقي، إليك الرد عن استفسارك الذي طرحته:
آيات للدراسة:
((وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ*َن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (الجح 36، 37).

والآيات الكريمة تتكلم في سياقات الحج وشعائره والبدن منها وهي الإبل والبقر والأغنام ولذلك عند ذبحها يجب ذكر اسم الله عليها وليس هنا في الآيات أي دلالة علي الأسماك لحومها أو دمائها، ثم نذهب إلي سورة الأنعام والتي تتكلم فقط علي الأنعام وتعرفنا ما هي الأنعام في الآيات 142-143-144، وهي الإبل والبقر والأغنام (الماعز والضأن) ثم يوضح الله تعالي لنا أن الأنعام فقط هي التي يجب ذكر اسم الله عليها عند ذبحها وهذا ما يسمي التذكية أي ذبح بذكر اسم الله عليها وهذا ما أخذه الله علي الكافرين الذين لا يذكرون اسم الله علي الأنعام حين ذبحها أو يذكروا اسم آلهتهم عند ذبحها (أهل لغير الله) فهم يذبحوها كما يذبحها المؤمنون ولكن لا يذكونها باسم الله قال تعالي:

(وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) (الأنعام 38).

وبالنسبة لسورة المائدة الآية رقم (3) فهي تبين الفرق بين الميتة والمقتولة والفرق بين المقتولة المحرم أكلها وبين المقتولة المباح أكلها، فالميتة هي التي تموت بدون سبب خارجي وإنما نتيجة خلل داخلي (شيخوخة مثلا أو مرض عضوي والمقتولة المحرمة التي مات نتيجة عامل خارجي مثل الخنق أو السقوط من مكان عال أو الضرب حتي الموت أو ماتت بسبب نطح غيرها لها أو بسبب أكل السبع "أي حيوان مفترس" ) وفي حالات القتل السابقة إذا تم تدارك الحيوان قبل موته فيمكن ذبحه وذكر اسم الله عليه وتلك هي التذكية، ثم حالة قتل أخري محرمة وهي الذبح علي النصب، أما حالة القتل المباحة فهي الذبح مع ذكر اسم الله هذا كله خاص بالحيوانات المستأنسة، أما حالات الكائنات الحية غير المستأنسة فقد أحل الله فيها الصيد وهذا هو ما حرم علي المحرم في حجه ليس ذبح الأنعام، وحلل للمحرم صيد البحر ولا إثم عليه، ولكي نفهم ماهية الصيد لنقرأ الآية الرابعة من سورة المائدة:

(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (المائدة 4).

وتلك وسيلة من وسائل الصيد، ثم يذكر الله لنا وسائل أخري، فقال تعالي:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ*أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (المائدة 94-96).

وعليه فقد أحل الله لنا فقط ذبح الأنعام المستأنسة عليها وقت الذبح (القتل) وأحل لنا صيد البر أي الكائنات التي تطيب لنا من الطيبات غير المستأنسة بوسائل صيد منها الأيدي ثم ذبحها (قتلها)، مع التذكية باسم الله أو بالرماح، فإذا قتلت تؤكل مع ذكر اسم الله عليها وقت الأكل وإذا أمسكت ولم يلحقها القتل بالرمح فتقتل ذبحا مع ذكر اسم الله عليها، أو عن طريق الجوارح المدربة، ولها نفس حكم الصيد بالرمح وأحل لنا قتل الأسماك عن طريق صيدها بإخراجها من الماء وأكلها مع ذكر اسم الله عليها وقت الأكل، فقد يصيدها غيرك وهو الواقع وليس لديك يقين بذكر اسم الله عليها وقت صيدها وتحليل صيد البحر استثناء من تحريم المنخنقة الذي جاء ذكره في أوائل سورة المائدة، والدارس لفسيولوجيا الدورة الدموية في الأسماك وهي باردة الدم وأن لها دورة دموية في شكل حلقي ذو اتجاه واحد مع وجود قلب مكون من حجرتين فقط يدرك عدم وجود ضرر من كونها قتلت صيداً منخنقة، وأخيراً أرجو من الله أن أكون أعطيت الموضوع جزءا من الحقيقة قد تساعد علي فهم أفضل لهذه التساؤلات الكريمة منك.

قال صديقي: معني كلامك هذا هو أن لحوم البشر أكلها حلال أيضاً، إذ أنه لم يُذكر تحريمه بالقرآن الكريم، وكذلك فتعاطي المُخَدِّرات بمنطقك هو حلال أيضاً، كالحشيش والأفيون والهرويين....ألخ، فهي أيضاً لم يُذْكر تحريمها بالقرآن الكريم، ألا يستدعي ذلك أن تقف مع نفسك وتراجع ما تعتقده بشأن هذا الموضوع، وتُسَلّم بأن السُنة مكملة للقرآن، فتُحِل وتُحَرَِم مثل القرآن تماماً ؟

قلت له مبتسماً: إنني أعني يا أخي ما أقول وبالحرف الواحد، وسأُجيب عن سؤالك من آخره إلي أوله، فإن السُنّة ليست مكملة للقرآن كما سبق وأن ذكرتُ مراراً، ولكنها تطبيق عملي لما جاء بهذا الكتاب العظيم دون أي زيادة فلا تُحل أو تُحرم شيئاً بخلاف ما ذكره القرآن الكريم، أما بخصوص المخدرات فهي حرام قطعاً بنص القرآن أيضاً، إذ أن الله تعالي قد حرّم الخمر، والخمر ليس بالسائل فقط كما تذكر (خطأ) معظم كتب التفسير وكتب الفقه أيضاً، فإن الخمر لغة هو ما قد خاَمَرَ العقل أي غطّاه، فمثلاً خمار المرأة هو الشئ الذي يُغَطّي جزءا من جسدها، ومن هذا المنطلق فإن كل المخدرات تندرج تحت مُسمّي الخمر، والأمر هنا قد جاء مفصلاً فلا يحتاج لقياس الفقهاء،......أما بالنسبة للحوم البشر، فإن تحريمها يدخل في البداهة، وكما ذكرنا قبل ذلك أن القرآن العظيم قد جاء تفصيلاً لكل ما يحتاج إلي تفصيل، أما البديهيات كغسل الدبر من الإخراج، أو عدد الصلوات المفروضة في اليوم وعدد ركعات كل صلاة، فلا مجال لذكرها في هذا الكتاب العظيم، لأنه منزه عن أي هزل " وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ" (الطارق 14)، وعلي ذلك فإن القرآن الكريم لم يذكر تحريم لحوم البشر لأن هذا التحريم يدخل أولاً في البداهة، وثانياً فإن أكل لحوم البشر وهم أحياء فهو اعتداء تحرمه نصوص القرآن، وكذلك أكل لحوم البشر وهم أموات فهو محرم بنصوص القرآن أيضاً، ثم إن القرآن قد حرّم غيبة البشر (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات 12)، وهذا الإيذاء أقل بكثير من أكل لحومهم أحياء أو أموات، إذن فمن باب أولي أن يكون أكل لحومهم حرام قطعاً....

قال صديقي: وعلي هذا فإنه بمنطقك أيضاً يكون زواج المتعة حلالاً!

قلت: حسناً....لقد ذكّرتني أن أتكلم عن آيات المحارم، والذي تندرج تحته إجابة سؤالك القيم.

آيات للدراسة:

يقول تعالي:
" حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا* وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا" (النساء 24،23).

لقد توالت الآيات الكريمة الواحدة تلو الاخري ناطقة بذاتها، وبكل حكمة وإحكام في تحريم الأم ثم الابنة ثم الأخت، ثم العمة، ثم الخالة، ثم بنات الأخ، ثم بنات الأخت، ثم المرضعة، ثم الأخوات من الرضاعة ثم الحماة (أُم الزوجة)، ثم بنات الزوجة التي يدخل المسلم بها فلا يحللن له، أما قبل دخول المسلم بأم هؤلاء البنات فإنه ليس عليه جناح أن يدخل بأي بنت من بناتها، شريطة أنه لو فعل ذلك فلا تحل له أمها بعد ذلك أبداً....، ثم تستطرد الآيات التي تُحرِم بعد ذلك زوجة الابن من الصُلب، ثم تحريم الجمع بين الأختين، وزيادة في لطف الله تعالي ورحمته أنه قد استثني الذين قد جمعوا بين الأختين قبل نزول هذه الآية الكريمة، لأنه هو الغفور الرحيم الذي لا يريد أن يشق علي عباده، فله الحمد والمنة علي ذلك بل علي كل شئ.

ثم تتابع الآيات بعد ذلك لتبين ما قد حرم الله من النساء، كالمحصنات من النساء المتزوجات من رجال آخرين فلا يحللن لرجال غير أزواجهن، وقد استثني سبحانه ملك اليمين فقال (إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، أي أن النساء الكافرات المتزوجات برجال كفار في الجاهلية ثم أسلمن، ففي هذه الحالة يُحّرْمن علي أزواجهم، وتكفيهن حيضة واحدة لكي تستبرئ أرحامهن من أي حمل من هؤلاء الكفار ففي هذه الحالة فقط لا مانع من أن ينكحهن رجال مسلمون، كبديل للنكاح الأول الذي لم يعد محللاً لهن.

ثم يقول الحق جل وعلا بعد ذلك فيقول (كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ)، أي هذا عهد الله عليكم وميثاقه وكتابه...فليست المسألة هوي يتبع، أو عُرفاً (غير صحيح) يطاع، أو موروثات بيئة تتحكم...إنما هو كتاب الله وعهده وميثاقه.

ثم بعد ذلك نأتي للآية التي تُمَثِلُ القول الفصل بشأن ما حُرِّم أو حُلِّل في هذا الموضوع، إذ يقول الله تعالي (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ)، أي أن كل أنواع النكاح بعد ذلك حلال، ولأي امرأة مهما كان نسبها أو سنها أو جنسيتها، المهم أن تكون مُسلِمة أو كتابية (يهودية أو نصرانية)، ولا تكون بالطبع مشركة، وهذا بنصوص القرآن أيضاً (وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) (البقرة 221).

فيما عدا ذلك فكل شئ حلال زلال ليس فيه أدني شبهة تحريم، ولكن أهل الفقه المبني علي الرواية قد حرّموا في الآية السابقة ما أحل الله تعالي منزل القرآن، إذ قالوا لنا إن في الآية حالتين ناقصتين لم يُحَرِمَهما الله تعالي، ولكن لا تخافوا أيها المسلمون، فسوف نُحرمها نحن عليكم!!.......

قال صديقي: وما هما الحالتان ؟

قلت: هما العمة والخالة من الرضاعة، وقد قاسوها علي تحريم الأخت من الرضاعة، وعلي الرغم من وضوح القاعدة الفقهية التي يدّعون أنهم يبنون عليها فقههم، وهي (لا اجتهاد مع النص)، إلا أنهم أغفلوها تماماً زاعمين أنهم قد رأو ذلك، وأنه رأي إجتهادي يُثاب قائله، وقد بنوا فقههم السقيم علي رواية يزعمون أن الرسول صلي الله عليه وسلم قد قالها والتي نصها (ما يحرم بالرضاعة مثلما يحرم بالنسب)!!، أرأيت يا صديقي مدي استهتار المتمذهبين بمسألة التحليل والتحريم، والتي اعتبرها الله من أهم شروط صحة العقيدة، إذ أنه أخبرنا بأن تحريم ما أحل الله إنما يدخل في باب الشرك والضلال!!

قال صديقي ضاحكاً: فهل يجوز للمسلم أن يتزوج من عمته أو خالته؟...................من الرضاعة طبعاً؟!!.

قلت: بل ويجمع بينهما أيضاً، وهذه طُرفة، ولكنها في نفس الوقت حقيقة أقرها لنا الله تعالي، ويا ليت أصحاب الرواية أن يتدبروا كتابهم وعظمته، حتي يدركوا أن دائرة الحلال أوسع بكثير من دائرة الحرام، بل الحلال هو الأصل في الأشياء، أما الحرام فهي أشياء معدودة لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد!

أجل يا صديقي، إن من رحمة الله تعالي بنا أنه قد جعل دائرة الحلال متسعة لتشمل كل الأمور، باستثناء بعضها وهو النذر اليسير جداً منها، فقد أحل سبحانه الجنة لآدم عليه السلام، إلا شجرة واحدة فقط، وبهذا يتحقق يُسر التكليف رحمة من الخالق الرحيم العظيم بعباده الضعفاء، وليجود عليهم بفضله في الدنيا والآخرة.
قال صديقي: وهل هناك حالات أخري؟

قلت: نعم، لقد زعموا أيضا تحريم جمع الرجل بين زوجته وعمتها أو خالتها، فقالوا (لا تنكح المرأة علي عمتها أو علي خالتها)...!!!، وهذا بالطبع خلاف ما ينص عليه القرآن الكريم...!!

قال صديقي: دعني أكرر عليك نفس السؤال، هل زواج المتعة حلالِ

قلت: لا أعلم بالضبط، ولكن هذا أمر قابل للبحث والنقاش

قال: إنني مندهش من إجابتك التي تُخالف كل آراء العلماء....!!

قلت: لقد اعتمدتم في تحريمكم لهذا النوع من الزواج علي روايات تناقض بعضها البعض، بل وتتناقض أيضاً مع العقل والتي لا مجال لذكرها الآن، أما القرآن فهو برئ من تحريم هذا الزواج....وهذا لا مجال لذكره هنا بالتفصيل، ولكنني أعدك أن أُبيِّنَ هذا الأمر في بحث لاحق إن شاء الله.

أما بعد...فأرجو أن أكون قد أجبتك علي بعض الأسئلة التي كانت تدور بذهنك بشأن التحليل والتحريم في الإسلام، والذي كتب فيه القوم مجلدات، بالآلاف معتمدين علي دين الرواية....أرأيت أن الأمر أيسر من ذلك بكثير؟....إذ أن هذا البحث الذي لم يتجاوز العشرين صفحة قد ألم بكل ما أحله وما حرمه الله تعالي، هذا مع الأشياء المحرمة التي لم أذكرها هنا كتحريم الربا والميسر...إلخ وكلها قد ذكرت في القرآن....أرأيت مدي تفصيل كتاب الله ويسره، وشموله، وإعجازه ؟....أيجوز للمسلمين أن يتركوه مدبرين إلي روايات القوم يتلمسون منها الهدي، والهدي يناديهم أن أقبلوا عليِ فليس لي مكان آخر غير كتاب الله!!...كلا والله.

فالحمد لله تعالي الذي فصَّلَ لنا كتابه علي علم هدي ورحمة، جعلنا سبحانه من المؤمنين الذين هداهم، لكي ننال رحمته، وغفرانه، إنه سميع مجيب.

ملحوظة: إن هذا البحث هو أول دليل أُثبت فيه للقارئ الكريم أن كتاب الله العظيم هو تفصيل لكل شئ وغير محتاج إلي تقييد أو تخصيص أو تفصيل...إلي آخر ما زعموه لنا سدنة الروايات!

مهيب الأرنؤوطي
7/9/2006




اجمالي القراءات 29987

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   محمد أبو السعود     في   الإثنين 16 اكتوبر 2006
[235]


شكرا جزيلا يا أخى على هذه المقالة الرائعة. والجدير بالذكر أنه من عظمة القرآن أن قال فيه رب العزة: "قل لا أجد فى ما أوحى على محرما على طاعم يطعمه..." إلى آخر الآية الشريفة ولم يقل مثلا" قل لا أجد فى القرآن..." كى يقطع الطريق على من يقول إن التحريم قد تم بوحى خاص وفصل فى السنة.

العجيب أيضاأنك إذا سألت أحدهم عن معنى "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ..." فسيقول لك لأنهم يحلون لهم ويحرمون وهذا بالضبط ما يفعلونه فى الأحاديث.

2   تعليق بواسطة   راضى حامد     في   الأربعاء 18 اكتوبر 2006
[265]

شكرا

شكرا جزيلا يا اخى مهيب ان وضحت ان الحرام قليل والحلال كثير كما قال لآدم فقد أحل سبحانه الجنة لآدم عليه السلام، إلا شجرة واحدة فقط
لقد حرموا علينا عيشتنا التى نحياها

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-08-18
مقالات منشورة : 15
اجمالي القراءات : 707,293
تعليقات له : 154
تعليقات عليه : 203
بلد الميلاد : Afghanistan
بلد الاقامة : Afghanistan