قصة آدم عليه السلام

محمود دويكات في السبت 22 ديسمبر 2007




إن من روعة القرءان أنه اختصر فلسفة خلق و مصير البشرية في قصة من أجمل و أدق و أقصر ما يكون . ففي أول قصة في القرءان على الاطلاق نعلم أن الله خلق آدم عليه السلام بهدف جعله موضع مسؤولية عن الارض ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً )30/البقرة ، و على سبيل إعلامنا بالطريق التي يجب أن نسلكها(نحن) لاحقا لاتخاذ قرارات في حياتنا فقد جاء الله بالقصة و كأنه (رغم عدم حاجته لذلك) جل وعلا يستشير الملائكة في الموضوع : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ ) 30/ البقرة. إلا أن متابعة القصة تبدي وكأن الله سبحانه استفرد برأيه عن ما أدلى به الملائكة : (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )30 / البقرة. وقد لا يبدوا هذا مغايرا(في الظاهر)  لمقولة فرعون : (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى) 29/غافر.( إلا أن الفرق كان جوهريا بين المقولتين كما سنري)



فسبحانه جاء بالدليل التجريبي الداعم لرأيه وبشكل منطقي من رد الملائكة أنفسهم ، فبعد أن (عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) 31/ البقرة. وعرض التجربة وبشكل تفاعلي مع وعلى الملائكة ، كان رد الملائكة ببساطة (لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا )32/البقرة. ومنها أخذ الله عز وجل ذلك فرد عليهم : (أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) 33/البقرة. أي أن الله أثبت للملائكة أن آدم بإمكانه اتباع الاوامر وبشكل جزل و بفارق تفوقه باستخدام قدرته على التفكير في الربط بين الاسماء و المسميات (يعني المنطق والتفكير البسيط) ابتداءا من معطيات بسيطة في الاساس. وكأن الله يقول للملائكة : إن هذا الآدم ، إن اتبع الاسس البسيطة المرسلة إليه و استخدم عقله بالتفكير بتلك المعطيات ، فلا شك بأنه سيكون مغايرا لما تصورته الملائكة و سوف لن يقود حياة تشبه حياة تلك الكائنات التي تفسد و تسفك الدماء (كالوحوش كما هم اليوم).

و يقوم الله بتهيئة آدم للمهمة (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا )30/ البقرة. و تكون المهمة الاوليه هي وضع أدم عليه السلام في اختبار لما ستكون عليه حياته (وذريته) لاحقا . المبدأ الذي ستقوم عليه حياة أدم و ذريته بعده بسيط للغاية ، و قد وضحه الله لآدم عبر ذلك الاختبار البسيط ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ )35/ البقرة. فالله لم يعطيه لوائح بكل الامور التي يراها هو (الله) لازمة لحياة آدم في تلك الجنة بل تركه يرفل بالحرية خلا شيئا واحدا: التزام أمر واحد و صريح بعدم الاكل من تلك الشجرة. (لماذا تلك الشجرة بالذات؟ هذا السؤال شبيه بمن يسأل استاذه من التلاميذ: لماذا كان ذلك السؤال بالذات في الامتحان يا استاذ؟ ).

و لكي يجعل الله الموضوع أوضح (وأعقد حبتين) لأدم فقد شاء له قبل ذلك الاختبار أن يمر بتجربة أمام عينيه لرؤية و احساس كل من عدوه المباشر و أحد أسباب تعاسة ذريته لاحقا . لذا أمر الله سبحانه الملائكة بالسجود لآدم : (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ ) و رغم أن أمر الله - كما هو واضح في جميع آيات القرءان - كان موجها للملائكة ، إلا أن الله عز وجل أراد إدخال إبليس في الموضوع ، و الملاحظ أن إبليس لم يكن من الملائكة أصلا (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ) 50/الكهف. فالحادثة تشبه مثلا دخول أحد المسؤولين على جمع من الناس – كلهم رجال إلا إمرأة واحدة - فيقول المسؤول: على الرجال كلهم دفع مبلغ من المال ، فيقوم الرجال كلهم بدفع ذلك المبلغ إلا تلك المرأة بحجة أنها لم تؤمر بذلك. فيقوم المسؤول بتوجيه سؤال (حركشة) لها: لماذا لم تدفعي المبلغ ؟ - طبعا الواجب من باب الاحترام لذلك المسؤول أن تقول له أن الامر لم يشملها لأنها ليست من الرجال . إلا أن ما حصل من إبليس كان على الجهة المعاكسة من الاحترام ، حيث بلغ به التطرف والجدل في رؤية نفسه (واعتبار نفسه دائما على صواب كما هو حال الكثير من الناس) الى أن قال: (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ) 12/الاعراف و 76/ ص و قال (أَرَأَيْتَكَ هَـذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً) 62/الاسراء. فجاء الرد الالهي على نفس القدر من البساطة و الاوتوماتيكية: (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ) 12/ الاعراف. وبالتالي حق عليه حكم رب العالمين : ( إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) 34/البقرة.

في تجربة السجود البسيطة أوضح الله لأدم شيئين: أولا: أن أحد الاسباب اللاحقة لتجرع ذريته المرار و الدمار فيما بعد هو تكبر بعضهم على بعض و الشعور بالترفع و التمييز ضد الاخرين(بغض النظر عن الحجة بين يديهم) و تلك اختصرها إبليس بثلاث كلمات: (أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ ) 12/الاعراف . و الشيء الثاني: أن تلك الجماعات من البشر التي ترى نفسها خير عن بقية العالم لسوف تسعى بالافساد و حرف الناس (الامنين) عن حياتهم ومنهجهم بدافع التمييز و الترفع و التكبر و التي قد توصل للبغض ، لذا يستوجب التيقظ من كل تلك الدعوات التي تلمح أو تشير إلى أفضلية أو ترفع (أو تكفير) جماعة على أخرى و غيرها من الدعوات التي لا تزرع إلا دمارا. فلا يملك ذلك الحق بالتمييز بين الناس إلا خالقهم الذي لم يجعل له أي وكيل لذلك الامر في الدنيا.

إن من الملاحظ أن الله لم يهتم بجميع الشكليات في حياة أدم و زوجه في الجنة. فلم يأمره حتى بالصلاة أو الدعاء اليه .. الخ ، بل إن الله (على قدرته و علمه) ترك آدم يواجه إبليس الذي رأى منه ما رأى. و أعطى الله المدة الزمنية الكافية لإبليس أن يفعل فعله دون أي أثر يذكر لرعاية الله لأدم أم حتى مجرد تذكيره برسالة ربه له في تلك الفترة رغم بساطتها ( فرسالة الله لأدم وقتها كانت مباشرة : َكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ-35/البقرة) . أي أن الله عز وجل أعطى لأدم الرسالة ( بدون تفصيلات أو تعليلات ) و من ثم تركه و حريته(أي بدون فرض رأي أو إكراه في الدين) في إما أن يتبع (يرد) على أمر الله السابق له أو ان يسير حسب ما يراه هو نفسه مناسبا له في وقته. و كأن الله يريد لأدم أن يستشعر أهمية التذكر والرجوع دائما لتلك الرسالة الربانية التي أعطاها الله له لكي يتدبر معيشته بأقل ضنك و شقاء. و بالطبع يفشل آدم لسبب بسيط: أنه تجاهل أمر الله له و اتبع أهوائه و كلام الاخرين له دون الرجوع الى كلام الله كمرجع ( زي حالة المسلمين الان – ترجع لكلام البشر و تغفل عن كلام الله ) .

و في نهاية القصة وضع الله الفكرة الرئيسية لنمط حياة أدم على الارض إن شاء تجنب الضنك و الشقاء ( قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )38/ البقرة.

نسأل الله أن يرد الناس الى عقولهم أولا ثم الى قرءانهم ثانيا فيعقلوا ما فيه.

اجمالي القراءات 25786

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (11)
1   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الإثنين 24 ديسمبر 2007
[14780]

كل عام وانتم بخير استاذ محمود دويكات

احييك على اجتهادك و اتفق مع بعضه و اختلف مع بعضه.
والاختلاف الأساس هو فى طبيعة ابليس ، وكيف انه من الملائكة ثم (كان من الجن ) بمعنى أصبح من الجن بعد عصيانه ، ولقد أوضحت هذا فى فتوى على ما أتذكر ، وملخصها ان (كان ) فى المصطلح القرآنى تاتى أحيانا بمعنى أصبح كما فى قوله تعالى ( وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) 185 ( وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ) (البقرة 185، 196)
أقول كما قلت إن قصة خلق آدم وهبوطه الى الأرض فيها موجز كل ما ينفع البشر لو كانوا يعقلون.
لقد تعرضت لها بالتفصيل فى مبحث عن الحلال و الحرام فى القرآن و سننشره فى حينه.
وأشكرك أخى العزيز على اجتهادك الرائع ، وأدعو أهل القرآن للاستفادة منه

2   تعليق بواسطة   زهير قوطرش     في   الإثنين 24 ديسمبر 2007
[14787]

سؤال

أخي محمدود. اشكرك على هذه المقالة ،التي ضمنتها الاساسيات في قصة الخلق. لكنك لم تمر على قضية هامة ألا وهي رد الملائكة على قول الخالق عز وجل "أني جاعل في الارض خليفة" ردت الملائكة "اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء" من أين اتت الملائكة بهذه المعلومة .هل لها علم الغيب أم أنها رأت على الارض من يمار هذه الافعال. وشكرأ

3   تعليق بواسطة   محمود دويكات     في   الإثنين 24 ديسمبر 2007
[14795]

جزاكم خيرا و كل عام و الجميع بخير

أشكر شكرا جزيلا الاخوة الذي مرواو قرأوا و شاركوا ... فجزاهم الله خيرا ..و كل عام و الجميع بخير و احترامي و تقديري لاستاذنا الدكتور أحمد على كل التشجيع و الاهتمام.

بخصوص السؤال عن كيف أو لماذا توقعت الملائكة أن يكون الخلق الجديد(البشر) الذي جاء به الله الى الارض عاصيا و مفسدا .. فالحقيقة أن الملائكة لا علم لها بالغيب بل هي قارنت بما كان موجود قبل البشر ، فالله قد خلق خلقا قبل البشر ( من المحتمل جدا أنهم كانوا يعقلون ومحل تكليف أيضا) و أشار الى ذلك بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) بقرة/121 ... وأيضا بتصريف في الفهم عندما خاطب نبي الله شعيب قومه (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ «184» ) فاستخدام كلمة "خلقكم" قد يوحي أنه يتحدث عن البشرية جمعاء(وليس فقط عن قومه الذين مجرد ورثوا أو خلفوا القوم الذين سبقوهم) أنها-البشرية- عبارة عن خلقٍِ جاؤوا بعد خلق آخر "أولين" كانوا"جبلة" في وصف قد يدل على أنهم-الاولين- مالوا الى المعصيةففسدوا وأفسدوا. . و هذا قد يفسر لماذا مالت الملائكةالى أن الخلق الجديد - البشر- قد لا يختلفون عن الخلق الاولين الذين كانوا "جبلة".

أما كلام الدكتور و الاخ العزيزأحمد عن كون ابليس أصلا من الملائكة ثم "بطل" أو تحول و تحور و أصبح من الجن.. فالحقيقة هذا قول لطيف لكنه قد يؤدي الى الكثير من التناقض الظاهري (بالنسبة لي أولمقدار فهمي طبعا) مع بعض الايات.. فمن المعلوم أن الجن لا يختلفون عنا كبشر خلا كونهم في مستوى وجودي آخر. و أن الملائكة هم خلق آخر يختلف كلية و تفصيلا .. فكلام الدكتور يفترض إمكانية التحول من ملك الى جن. أي من (مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)تحريم/6 .. الى الجن الذين كان سفيههم يقول على الله شططا و يتقول الكذب على الله مثله مثل البشر التي تعصي (الجن1-5) ... إلا (وهذه قضية جدا جدلية) إن افترضنا أن الله تحدث عن (جزء) من الملائكة لا تعصى – لقوله ملائكة بدون تعريف - (طبعها لا تعصي = احتمال صفر) في حين هناك جزء آخر من الملائكة يمكن أن تعصي و إبليس واحد منهم... هذا قول مثير الحقيقة على رغم خطورته إذ كيف يقوم الله بـ(جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا )فاطر/1 و التي ممكن أن تعصي فرضا و أتخيل أن الرد قد يكون ان الله يصطفي من الملائكة رسلا. (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ)حج/75 . و بالتالي هذا يجعلنا نميل الى مقارنة الملائكة بالبشر التي سوف تحاسب في حين لم يشر القرءان لا من قريب و لا من بعيد الى محاسبة الملائكة (على حد علمي)

فطرح الدكتور إن صح فإنه يؤدي الى أسئلة تناقش في طبيعة الملائكة و العلاقة بينهم و بين الجن و التي لم يشر لها القرءان لامن قريب ولا من بعيد... و هو قول مثير أتلهف الى تفصيلاته .

دمتم منارا لنا يا دكتور و باقي الاخوة و هدانا الله الى ما فيه الحق.

4   تعليق بواسطة   إبراهيم إبراهيم     في   الإثنين 24 ديسمبر 2007
[14796]

هذا سبيلي


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحية طيبة وبعد
الأستاذ العزيز محمود دويكات
بداية أحب أن أوجه لكم الشكر على هذه المقالة الممتعة والتي تحسسنا من خلالها تدبركم لكلام الله في قراءة النص القرآني وأقدم لكم اعتذاري عن استخدامي لكلمة (غلظة ) في تعليقي على مقالتكم السابقة والاستعاضة عنها في مقالتكم الحالية بالسلاسة
من ناحية ثانية أقدم اعتذاري لك وللأستاذ أحمد منصور على تدخلي لأنه يجب أن ننتظر ردكم على الأستاذ أحمد بعدها نعلق ولكن بما أن تعليقي جوهره ليس النيابة عنكم بالإجابة إنما الاستنارة من الأستاذ أحمد فاعتقدت قبول اعتذاري
الأستاذ أحمد منصور المحترم
لقد قرأت فتواكم السابقة التي أشرتم لها ( والتي حاولت الوصول لها بعد تنويهكم عنها في هذا المقام فلم أتمكن فنرجو منكم كتابة اسمها ) وكنت أرغب في إبداء بعض الملاحظات عليها ولكن لأسباب لا أذكرها لم أتمكن وقتها من ذلك وكان ملخص فكرتكم في قولكم : ((( إن (كان ) في المصطلح القرآني تأتي أحيانا بمعنى أصبح كما في قوله تعالى ( وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) ))) و اسمح لي بأن أقف وأقدم لكم التحية على هذا الاستقراء ولكن لي ملاحظة
قال الله تعالى
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }المائدة101
هذا النص يفيد بالشكل العام له بأن هناك مفاهيم قبل نزول القرآن الكريم ومفاهيم بعد نزول القرآن الكريم
وعندما تدبرت كلمة (( كان )) تدبرتها من المواقع التي تعالج مواضيع بعد نزول القرآن
وهذا الاستنتاج السابق لك لا يمكن سحبه على المواقع التي تتحدث عن الفترة السابقة لنزول القرآن والدليل على ذلك في قوله تعالى واصفا كينونة الملائكة
(وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ{49} يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ{50}) النحل
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }التحريم6
فصفت الملائكة أنها (( لا تعصي – وتفعل ما تؤمر )) فكيف لإبليس العصيان إن كان كما ذهبت من الملائكة فأرجو منك إعادة ترتيل وفهم ( كان ) حسب المواضع ( قبل نزول القرآن – وبعد نزول القرآن ) أي أن تستعيضها عن تعبيرك ( تأتي أحيانا ) وذلك للدقة ولكي نخرج من الطعن ( القرآن حمال أوجه )
وأنا مع ما ذهب إليه الأستاذ محمود بأن إبليس ليس من الملائكة
وشكرا لرحابة صدركم
(( همسة صغيرة في أذن الأستاذ محمود ))
أرجو أن تكتب مقالاتك باللون الأسود عوضا عن الأخضر لأن قطار العمر قد مضى بنى والنظر قد بلى
وشكرا لكم على هذه الجهود

5   تعليق بواسطة   محمود دويكات     في   الإثنين 24 ديسمبر 2007
[14798]

الاخ إبراهيم و الاخ أحمد منصور و معنى لفظة

جزاكم الله خيرا يا من نتعلم منكم الكثير... أما الغلظة في المقال السابق فكانت فعلا موجودة و كان لها أسبابها (الى حدما) و قد بينت الفرق الهائل في مستوى الحوار بين هنا و هناك.. وشكرا لك أخي الكريم على تنبيهي الى مسألة اللون .

أما قضية استخدام "كان" و ماذا يعني .. فأنا لا اعتقد أنه –معناها- يختلف عما نعرفه فهو كما هو يفيد المعنى في الزمن الماضي ((لكن - و هذه هي النقطة الحرجة)) كون الشيء حصل ( بدأ أو وجد أو كان في الماضي) لا يعني بالضرورة أنه بطل أو انه انقطع عن الوجود في الزمن الحاضر. إلا إذا اقترن دليل يبين ذلك.

وكمثال : انه عندما تسأل شخص كان غائبا و يجيب مثلا: (كنت) مريضا .. فمن البديهي أنك ستسأله بعد سماعك ذلك و تقول: هل تحسنت الان ؟ أو هل تشعر بتحسن ؟ فمعنى كان في الماضي لا يعني بالضرورة توقف و انقطاع المعنى في الحاضر او المستقبل إذ يحتمل أن الحدث ما زال قائما .

مثلا: ( كان الله سميعا بصيرا) تعني ان الله كان في الزمن الماضي (مع أزليته ووجوده الماضي ) كان سميعا بصيرا لكن هل هذا يعني أن الوضع تغير في الزمن الحالي أو المستقبل ... لا يعني هذا بالضرورة...
و الحقيقة استخدام الله للفظة كان التي تدل على الماضي لهي من أروع مظاهر الدقة في التعبير... فمثلا لو أخذنا الكلام على البساطة و حاولنا فهمه بدون تعقيد .. فهذه الاية و أمثالها الكثير نعرف أن متنها ثابت. يعني هي جزء من القرءان الذي يصلح لأي زمان و مكان... حسنا .... الان لو فرضنا – على سبيل الجدل فقط - أن الله بدا بالوجود في زمن X فإن تلك الاية يجب أن تبقى صحيحة المعنى أي أن الله (كان) سميعا بصيرا .. و لكن نحن افترضنا أن الله قد وجد في الزمن X ـ أي ليس له تاريخ قبل X إذن نستنتج أن فرضنا خاطيء.. إذ لا نستطيع أن نقول عن الله (كان!!) في حين أنه لم يكن موجودا أصلا قبل ْX وهذا تناقض مع الفرض.. فنفترض مجددا أن الله قد وجد (قبل X) في زمن اسمه زمن Y .. نلاحظ أنه نفس الجدل يمكن تطبيقه على أخذ أن الاية مازالت أيضا صحيحة .. فحتى يتحقق معنى (كان الله سميعا بصيرا) يستوجب أن يكون وجود الله سابق لأي ماضٍ يمكن تخيله على الاطلاق .... وهذا هو تفسير الازلية

ومثله : (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)بقرة/185 أي الذي جاء عليه الشهر (شهده) بحيث أن هناك فترة خلال الشهر هذا الشخص مريض فيها - وهنا استنتجنا معنى (خلال الشهر) عن طريق أن كلمة كان (بالمعنى الماضي) يجب ان تتحقق في الشهر عن وضع هذا الانسان – أي بمزيد من التفصيل: يجب أن تنطبق عليه معنى كلمة كان (بالماضي) طالما مازال يشهد الشهر أو حتى بعده
يعني لو مرض في اول يوم من رمضان و تعافي في ثاني يوم... فينطبق عليه أنه ((كان)) مريضا خلال فتره في رمضان. لأن الحدث سيصبح في عداد الماضي ... بعد انتهاء رمضان. و هذا المعنى الحقيقة يحمّل اوتوماتيكيا في عقولنا بأن نحول معنى كان الى أصبح. لكن في الواقع معنى (كان) في الماضي لا زال صحيحا (بل أدق).
و الله أعلى و أعلم.
و دمتم لنا منارا و هدانا الله و إياكم.

6   تعليق بواسطة   زهير قوطرش     في   الثلاثاء 25 ديسمبر 2007
[14807]

سؤال

الأخ محمود. مرة أخرى سلام الله عليك. اعود لسؤالي حول المخلوقات التي استدلت بها الملائكة على سفك الدماء فيما بينها. الا تعتقد معني أنهم الجن. الذين خلقوا قبل الانسان،وكلفوا كما كلف الانسان.
أعذرني .أحب أن نصل معا الى الحقيقة النسبة في أمور تبدوا لنا ،وكانها بدون اهمية، لكن عليها أحيانا تتوقف قضايا عقدية ،وعلمية.
وشكرا.

7   تعليق بواسطة   محمود دويكات     في   الثلاثاء 25 ديسمبر 2007
[14815]

سؤال

الاخ العزيز زهير.. تحية طيبة لك.. و للاخرين.. الواقع هل كان هناك خلق قبل البشر ؟ نعم كان .. لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) بقرة/121 ... لكن هل هم الجن؟ الله أعلم! .. و الحقيقة يصعب إثبات ذلك.. فإن استطعت الاتيان بدليل فهذا رائع و قد يجرنا الى نقاشات اخرى.. أما بالنسبة لي فمن الصعب أن احكم هل كانوا الجن أم لا!..

دمتم في رعايته تعالى .. و جزاكم الله خيرا

8   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الثلاثاء 25 ديسمبر 2007
[14819]

أخى الحبيب محمود دويكات

بعونه تعالى سأكمل سلسلة مقالات (الاعجاز العلمى فى القرىن الكريم ) ومنها مجموعة مقالات عن الزمن فى القرآن الكريم ، وانعكاس ذلك على الأزمنة فى الأفعال فى اللغة العربية المستعملة فى القرآن الكريم ، ومنها مقال خاص عن فعل ( كان ) وكيف اختلفت لغة القرآن عما صنعه النحويون من قواعد للغة العربية . كما أن موضوع الجن قد سبق وكتبت فيه ضمن كتاب عن الجن والملائكة و الشياطين فى القرآن الكريم ، ثم ضاع الكتاب ، وأرجو أن أعيد كتابته.
لا يعنى هذا اننى قلت الكلمة الأخيرة.
فكلنا يتعلم من القرآن ..
الله جل وعلا هو المستعان فى تحقيق المراد .
خالص التحية لك ولكل أهل القرآن

9   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   الثلاثاء 25 ديسمبر 2007
[14826]

تابع

هناك وجود لخلق قبل الانسان فى الأرض أشارت اليه الملائكة . هم يأجوج ومأجوج ، الدليل فى بحث لى استغرق اعداده عشر سنين ولم يكتمل نظرا لقلة الحيلة وحاجته المستمرة لأدلة علمية حديثة ومعاصرة.
ولذلك فهناك المشروع البحثى للمركز العالمى للقرآ ن الكريم لاستكمال تلك االبحوث القرآنية التى بدأتها ـ وفى العادة ـ لا أجد وقتا لاتمامها لقلة الامكانات ، ومنها موضوع يأجوج ومأجوج الذى سيكون ظهورهم قبيل قيام الساعة علامة كبرى على قربها.
ما توصلت اليه من القرآن و المكتشفات الحديثة و المعاصرة الآتى :
1 ـ هناك حضارات متقدمة جدا ظهرت قبل ظهور الانسان ولا تزال آثارها باقية ، وقد أظهرت تلك المكتشفات أنهم يفوقوننا علما وتكنولوجيا .. ولقد جمعت الكثر من الكتب الانجليزية فى هذا الموضوع .أرى أنهم يأجوج ومأجوج ،
2 ـ هناك علامات مؤكدة على وجود حضارات تحاول الاتصال بنا ، وتظهر آثارها فى الأطباق الفضائية ، وفى اختفاءات السفن الحربية و الطائرات فى مناطق معينة فى العالم أشهرها منطقة برمودة. ويقولون أن تلك الحضارات توجد فى الفضاء الخارجى ، وقليل منهم من أكّد أنها فى باطن الأرض.
3 ـ وهذا هو ما يتمشى مع القرآن الكريم. وأنصح بمراجعة الآيات الكريمة التالية و التدبر فيها ( البقرة 30 ـ الكهف 83 : 100 مع التركيز على آيات 94 : 100 ، : الأنبياء 96 : 97 وسورة الزلزلة )
4 ـ أى أن يأجوج ومأجوج كانوا متحكمين فى الأرض قبل الجنس البشرى ، وكان وجودهم خطرا على البشرية وقت بدايتها فأرسل الله تعالى ذا القرنين بامكانات هائلة استطاع بها أن يحجز يأجوج ومأجوج داخل باطن الأرض ليخلو سطحها للبشر كى يبلغوا حظهم من التقدم. وحين تقترب الساعة وزلزالها سيكون أول من يحس بها هو ذلك الشعب المتقدم الذى يعيش فى باطنها. وهم بالطبع سيسرعون الى الخروج الى السطح قبيل تدمير الأرض.
مشروع بحث ياجوج وماجوج يحتاج الى فريق بحثى متكامل يجيد الانجليزية ليقدم للعالم اكبر دليل على أن القرآن الكريم سبق البشرية باعجازاته وآياته قبيل قيام الساعة ونحن نقترب جدا من موعدها.
ولا أملك إلا أن أقول : الله تعالى هو المستعان ، وهو جل وعلا لا يكلف نفسا إلا وسعها ـ ولا يكلف نفسا إلا ما آتاها.
ومن عجب أن يبعثر أثرياء ( المسلمين ) أموالهم فيما يغضب الله جل وعلا و يحتاج الباحثون المسلمون الى فتات المال فلا يجدون ..

10   تعليق بواسطة   محمود دويكات     في   الثلاثاء 25 ديسمبر 2007
[14828]

استاذي القدير الدكتور أحمد منصور

جزاك الله خيرا على تلك الاضاءات.

1- القول بأن ياجوج و ماجوج قد سبقوا الجنس البشري في الوجود لهو كلام جميل جدا الحقيقة (على صعوبة ربطها بالايات)
2- قضية برمودا و الحضارات التي تحاول الاتصال بنا.. الحقيقة (حسب علمي المتواضع) أنه لم يثبت أيا من ذلك علميا و لكن مجمل ما قيل فيها هو من باب التكهنات. بل إن الكثير من تلك الظواهر وجد تفسير علمي لها. أما قولك بوجود علامات (مؤكدة) فهذا يثير الفضول الحقيقة و أنا بشغهف لقراءة بحوثك في هذا المجال.
3- بالنسبة لذكرك للمصادر باللغة الانجليزية عن ياجوج و ماجوج أتمنى لو وضعت لنا مجرد أسماء أو لنكات تتحدث عن الموضوع .. فالحقيقة لا علم لي بماذا يسمون تلك الحضارة باللغة الانجليزية (التي تحت الارض) و التي يعتقدون بوجودها.

شكرا لك يا استاذي العزيز و كما عهدناك دائما تبقى منارا يضيء لنا عن الاماكن الجمة التي تحتاج الى بحث و تبصر و تدبر من كتابه جل و علا.

11   تعليق بواسطة   محمود دويكات     في   الثلاثاء 25 ديسمبر 2007
[14830]

حضارات ما تحت الارض

الحقيقة من البحث الاولي وجدت هذا الموقع (http://www.crystalinks.com/hollowearth.html ) الذي يذكر شيئا مشابها لما يصفه الدكتور احمد منصور.. و الواقع مازلت أبحث عن كون هل تم اثبات أو التطرق علميا لمثل هكذا فرضيات أم انها ابتدأت من مجرد مشاهدات شخصية بني عليها قصص و تأويلات حادت عن المنطق.. الموضوع شيق جدا الحقيقة ، فشكرا لك يا استاذي العزيز على تلك الاضاءة الرائعة .

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-02-04
مقالات منشورة : 36
اجمالي القراءات : 784,303
تعليقات له : 775
تعليقات عليه : 588
بلد الميلاد : فلسطين
بلد الاقامة : United State