الفقهاء و خدعة - أهل العلم -

مولود مدي في الجمعة 09 فبراير 2018


قال " أهل العلم " .. باتفاق " العلماء ", أجمع " العلماء " .. اعتدنا على سماع هذه الكلمات في كل فتوى أو نقاش فقهي اسلامي. و من يسمع هذه الكلمات يظن أن حقا أن هناك علماء في الاسلام, لكن لو تلقي نظرة على فكر " العلماء " أو فتاوى هيئة " كبار العلماء " في السعودية مثلا, تجد أن هناك أشخاص يردّدون فكرا محنّطا عمره أكثر من عشر قرون يعود الى زمن الأئمة الأربعة. و ما يجعل مشايخ المسلمين و السلفية بالخصوص أضحوكة العالم, هو ادّعائهم بقدرتهم على قيادة البشرية و هدايتهم في نفس الوقت بينما في الحقيقة يستخدمون فكرا لا يكلّفهم ايّة مشقّة فهم يحفظون و يحشون الرؤوس و يكررون و لا يفهمون أن زمن الفكر الذي يتعالون به غريب كل الغرابة على زمننا.

كلمة العلماء ذكرت في القرآن مرة واحدة في قوله تعالى..”ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور”.. [فاطر : 28]، ويبدو أن كلمة العلماء هنا جاءت في سياق الآيات الطبيعية شديدة البساطة، مثل الإنسان والدابة والأنعام وغيرها و هذه أمور بسيطة لبساطة العقل البشري في تلك الفترة فمن غير المعقول أن تحدّث انسان القرن السابع ميلادي عن الفيروسات و البكتيريا مثلا، فكل خلق الله عموما هو آية بحدّ ذاته تعكس قدرة الصانع، فالله تحاشى التعقيد، وبالتالي المقصود بالعلماء هنا الناس الذي يعملون عقولهم في الخلق، سواء كان حيًّا أو جمادًا، ليكتشفوا القوانين التي وضعها الله في تلك المخلوقات، ليدركوا أنها لم تخلق عبثًا، وكأن الله يريد بهذه الآية أن يقول لنا: إنه خلق لهذا الكون قوانين، وتركه يسير بها، ثم كلّف العقل الإنساني مهمّة البحث فيها واكتشافها، لذلك نستنتج أن صفة العلماء مرتبطة بحركة إعمال العقل، وهذا واحد.

ثانيا, لو نقرأ تاريخ العلوم, لوجدنا أن العلم حتى يتقدّم و يواكب العصر, هو مرتبط بأشخاص يأتون و يدرسون العلم السائد و يحلّلون أسسه, و ما أن يلاحظوا نقصانه أو نهاية صلاحيته يهدمون أسسه ليحلّ محلّه علم جديد مبني على أسس جديدة, فلو لم يعترض عالم الفيزياء و الفلك " غاليلي " على أسلوب التفكير الأرسطي و نظريّات ارسطو التي كان يؤمن بها الجميع و يراها عبارة عن مسلّمات لا تقبل النقاش لما تغيرّت الفيزياء و وصلت الى ما وصلت اليه حاليا, لقد قضى على المنهج الأرسطي في الفيزياء و أقام محلّه منهجا يقوم على التجربة و الملاحظة. لقد كان يقول دائما لطلاّبه " لا تقبلوا أي شيء الا اذا تم اخضاعه للتجربة " و هذا تسبّب في سخط الناس عليه و الذين كانوا يقدّسون أرسطو. 

ان فقهاء المسلمين - عدا مؤسّسي المذاهب الاسلامية - و خاصة المعاصرين لم يوفّقوا لا في اعمال العقل و لا في التجديد .. فجهلهم بالفلسفة قادهم الى ذلك الخلط بين " الأهواء " و بين " العقل ", فعندما تفسّر مثلا أية قرأنية او حديثا فقهيا من دون استعانة بأراء الفقهاء القدماء يسارع المتحذلق المتفيقه لكي يقول أنك تتّبع هواك و مزاجك و هذا في الحقيقة يسمّى بالجهل المركّب فلم يكلّف عناء نفسه ليفهم معنى العقل و أنواع العقول, ثم يستعظم ما عنده أو ما عند قومه, و أهل مذهبه. لقد نسي صديقنا هذا أن العقل لا يخضع للأهواء و لا للمزاج, العقل عبارة عن مجموعة من القوانين التي تحكمه ( قانون السببية, قانون الهويّة .. ) أي كل شي يأتي منظوما و مترابطا وفق هذه القوانين.

أما التجديد, فقد وقعوا في فخ الخلط بين التجديد و الاحياء, فيظن أن بمجرّد احياء جماعة لسنّة من سنن " ابن تيمية " أو غيره من الفقهاء فقد قام بالتجديد, و لهذا تم وصف حركة " محمد بن عبد الوهّاب " بالتجديدية, و لا يزال البعض يسمّيها كذلك, و هي في الحقيقة لم تجدد أي شيء في الاسلام, فلم نرى مذهبا جديدا تأسس, أو تفسيرا جديدا للقرأن, أو تعرّضا لمسألة الاحاديث بل رأينا فقط فكرا متشدّدا دعمته عائلة حاكمه لغرض سياسي لا أكثر و لا أقل .. حتى أنه لولا ما قام به " محمد بن عبد الوهاب " من تطبيق لفكر " ابن تيمية " المتشنّج لذهب هذا الأخير منسيا في صفحات التاريخ و لكان فقيها عاديا مثل البقية. 
و لهذا لا تستغرب ان خرج عليك فقهاء اليوم ليقول لك أن التجديد عندهم هو في عدم الخروج على أقوال السلف و أفعالهم و أن البدعة هي ليست في تحريم الحلال و استحلال الحرام, أو تفرقة دين المسلمين شيعا أو اشاعة فتاوى تتسبب في بحور من الدماء, بل البدعة هي في الخروج على أقوال " ابن تيمية " أو " أبن حنبل " أو " الصحابة ", حتى فقد لفظ " التجديد " معناه الحقيقيي. 

و لهذا تحوّلت المنظومة الفقهية الاسلامية الى منظومة تلقينية تحفيظية تستهلك طاقة الانسان و تصرف اهتمامه عن خصوبة الفكر و عن النقد و توقّف حتى نموه الذهني حتى تصيبه بالبلادة و الغباء و تجعل جهله جهلا مقدّسا, و هذا ما يفسّر لنا لماذا يعجز الفقهاء على التكلّم خارج مجالهم, و ان تكلّموا فيكون نصيبهم السخرية و الاستهزاء من الصغير قبل الكبير. و عندما ترى شخصا درس العلم الحديث ثم توجّه الى دراسة الفقه ستجده مباشرة في صدام مع قبيلة " أهل العلم " مثلما حدث مع " عدنان ابراهيم " حيث لجأوا الى تشويهه بكل الطرق و مع ذلك لا يزال الكثير من شباب العالم العربي يتابعونه و يهتمّون بأفكاره.
كما يكره الفقيه أن يرى أحدا يفهم الدين على غير فهمه. و شخصيا أعتبر هذا من صفات المتطرّف الارهابي الذي لا همّ له الا أن يجعل الناس على نفس رأيه و رؤيته, و ما أن تخالف فقيها في مسألة حتى يتلوا عليك " و اسألوا أهل الذكر " أو يقول لك لست عالما في الدين.. متوهّما أن النصوص هي تركة أبائه و أجداده. 

المشكلة هي أن المسلمين أدمنوا النرجسية و عقلية الأبوية, و ما زاد الطين بلّة هو أنهم لا يقرأون. فالقرأن يبيّن أن مهمّة فهم النصوص هي للجميع من دون تمييز أو طبقية بل هي واجب عليهم, بل حتى أنه لم يفاضل بين العلم الديني و الدنيوي لكي لا يكذب اخواننا الفقهاء و يفسّرون الأيات على حسب هواهم. فسورة ( المجادلة /11 ) تقول ”يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير" أي أن أن القرآن لم يفاضل بين العلم الديني والعلم الدنيوي جاعلًا الهدف واحدًا هو الوصول إلى وجود الصانع، والملاحظة المهمّة جدًا هنا أن المخاطب في هذه الآية هي الإنسانية جمعاء، وليس المسلمون فقط، والدليل أن الله فصل في هذه الآية بين العلم والإيمان ”الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم” فيمكن أن يكون الذين أوتوا العلم من غير المسلمين – وما أكثرهم حاليًا! – وهذا يعني أن الله سيرفع العلماء الحقيقيين الذين خدموا العلم والإنسانية، حتى ولو كانوا غير مؤمنين، وفي الآية لفتة إنسانية رائعة، وكذلك تشجيع على العلم وعلى البحث، بغض النظر عما إذا كان المبحث هو العلم الديني أو الدنيوي.

الطريف أن حتى أشهر معاييرهم التي يملؤون بها العالم ثرثرة وهو معيار " القرأن على فهم السلف " نجد أن الصحابة الذين يعبدونهم و يقدّسونهم و يجعلونهم بشرا لا يجوز نقدهم, لم يلتزموا بـ " فهم السلف ", ويؤيد هذا ما جاء في صحيح البخاري (1/204) وغيره عن أبي جحيفة قال : قلت لعليّ – بن أبي طالب - هل عندكم كتاب ؟ قال : (لا إلا كتاب الله أو فَهْمٌ أُعْطِيْهِ رجل مسلم ... ), فأين فهم السلف هنا ؟ الصحابة لم يلتزموا به فكيف يجبروننا أن نلتزم به نحن ؟, بل هل هناك في القرأن " فهم سلف " أو " فهم الخلف " ؟, و ماذا لو أخطأ " السلف " في فهم القرأن ؟.

على المسلم أن يكون مثل القاضي الذي يجلس للقضاء, فيحمل الشهود على الاجابة عمّا يطرح عليهم من أسئلة, لا أن يكون مجرد تلميذا امّعة, مثلما كان الفقهاء الأسبقون الذين تركوا معلّميهم يقولون ما يحلوا لهم, ولهذا خرج فهمهم للنص القرأني مشوّها, فتارة يذهبون لأقوال السلف, و تارة يتنصّلون منها ليتّبعوا تفسيرات شيوخهم, فدفعنا نحن الخلف الثمن غاليا بظهور الارهاب الفكري و الجسدي في مجتمعاتنا و فوضى الفتاوى حتى أصبحت الفتاوى التافهة تتصدر المشهد و أيضا أحكام التكفير, وباختصار لم يلتفت هؤلاء " العلماء " لعقلانية التأويلات, و اكتفوا بما قاله السلف, أو بالفهم الحرفي للنصوص, فأصبح من يحفظ تفسير " ابن كثير " أو " القرطبي " أو " السيوطي " عالما و مفكّرا اسلاميا لا يشق له غبار..

اجمالي القراءات 1984

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2017-04-13
مقالات منشورة : 60
اجمالي القراءات : 241,679
تعليقات له : 23
تعليقات عليه : 39
بلد الميلاد : Algeria
بلد الاقامة : Algeria