اسلام بحيري ظاهرة صحية لتحديث الفكر الاسلامي عموما و اعمال العقل لانتاج فقه اسلامي معاصر خصوصا

مهدي مالك في الإثنين 29 يناير 2018


  

اسلام بحيري ظاهرة صحية لتحديث الفكر الاسلامي عموما و اعمال العقل لانتاج فقه اسلامي معاصر خصوصا

مقدمة مطولة                                                 

ان تحديث الفكر الاسلامي يكتسي اهمية كبرى بالنسبة لمجتمعاتنا الاسلامية الان و التواقة للركب في قطار الحداثة و الديمقراطية الحقة بمختلف تجلياتها و مظاهرها حيث لا يمكن باي حال من الاحوال حدوث اية ثورة فكرية او سياسية  جوهرية داخل مجتمعات شمال افريقيا و الشرق الاوسط  دون تاهيل عميق و جذري لفكرنا الاسلامي الذي يراد له الجمود و عدم طرح اسئلة حقيقية للخروج بامتنا الاسلامية من اسباب الرجعية الدينية و السياسية..

ان هذا الرجاء المنشود لن يتحقق الا بتحرير العقل الاسلامي من رواسب الفكر السلفي الماضوي عبر التمييز بين القران الكريم بوصفه كلام الله المقدس و ما يسمى بالتراث السلفي بوصفه اجتهاد بشري قابل للنقاش و النقد و حتى الرفض اذا اقتضى الضرورة لذلك باعتباره اجتهاد بشري مشروط بسياقات ذلك الزمان المختلفة و اقصد هنا العصر العباسي اي منذ 1000 عام بمعنى ان هناك فرق زمني شاسع بين ذلك العصر و اليوم على كافة المستويات و الاصعدة لكن التيارات السلفية ترفض هذا الطرح العقلاني جملة تفصيلا...

قلت في صيف 2015 بالحرف اننا في المغرب مازلنا نعاني من التاخر العظيم في مجال تجديد الفكر الاسلامي بدون ادنى شك بحكم مجموعة من الاسباب الموضوعية و التاريخية و ربما السياسية حيث عرف المغرب منذ سنوات نقاشا جوهريا حول مضامين مقرر التربية الاسلامية قاده الناشط العلماني احمد عصيد لكنه وجد معارضة شديدة من طرف  التيارات السلفية و من طرف بعض خطباء  الجمعة حيث وصلت هذه المعارضة الشديدة الى حد اتهامه بالكفر و بالعمالة للغرب الكافر بمجرد مطالبته باعادة مراجعة مقرر التربية الاسلامية و رايه حول رسائل النبي الى ملوك زمانه حيث عندما سترسل الى الغرب الان سيعتبرها ارهابا بينما في ذلك الزمان ستعتبر عادية اذا كانت هذه الرسائل موجودة بالفعل و بنفس الصياغة بمعنى نتوفر في المغرب على رموز التنوير امثال الاستاذ احمد عصيد الخ  ...

اما اليوم في المغرب ظهر رموز التنوير الاسلامي من قبيل الاستاذ عبد الوهاب رفيقي كنموذج مشرق لتنوير العقول حيث انني احترمه كصديق بالرغم من انه ينتمي الى حزب الاستقلال و يدافع عن ما يسمى بالسلفية الوطنية التي صنعت العداء التاريخي بين الامازيغية كهوية اصلية للمغرب و الاسلام على مستوى السلطة و على مستوى الخطاب الديني الرسمي الا ان الاستاذ عبد الوهاب رفيقي قد استطاع ان يغرد خارج سرب دعاة الفقه القديم بدعوته الى المساواة في الميراث بين الرجال و النساء....

اعتقد شخصيا ان المغرب منذ استقلاله الشكلي قد همش هويته الاصيلة اي الامازيغية الاسلامية بغية ان يصبح بلدا عربيا بالمفهوم العرقي و بلدا ذا الخطاب الديني يحمل مضمونا سلفيا يتعايش مع الدولة الحديثة التي تركتها فرنسا لكنه يتعارض بشكل كلي مع الامازيغية بمختلف مظاهرها بحكم انها حاملة لمشروع طبيعي لتحديث الاسلام ببلادنا حيث شرحت  في كتابي  ان الاسلاميين في المغرب لم يقدموا أي شيء لخدمة مشروع تحديث الاسلام ببلادنا باعتبارهم اصلا يريدون بقاء الاسلام في اطاره السلفي ليصبحوا دعاة الى اسلمة الدولة و المجتمع بشكل تدرجي دون ان يشعر احد بهذه السياسة الدخيلة من بلدان الخليج مثل السعودية التي لا تتوفر على أي دستور على الاطلاق بينما قام الرسول الاكرم ص بكتابة اول وثيقة مدنية مستقلة عن الوحي القرآني و المسماة بالصحيفة التي أقرت بحقوق اليهود داخل الدولة الاسلامية باعتبارهم مواطنين لهم دينهم و الحق في ممارسته بحرية تامة الخ من مبادئ الاسلام المتسامح أي ان الصحيفة تعتبر اول وثيقة مدنية في تاريخنا الاسلامي حسب اعتقادي المتواضع.

و شرحت كذلك في كتابي  ان الامازيغيين تاريخيا كانوا لا  يعتبرون المراة مجرد كائن خاضع لرغبات الرجال المتعددة او شيئا جالبا للعار الخ بل يعتبرونها ذات الشان و يحق لها الحكم و السلطان حيث ان مصطلح امغار أي كبير القوم و مؤنثه هي تامغارت أي المراة بمعنى ان اجدادنا قبل الاسلام و بعده كانوا يضعون المراة في مقامات التوقير و الاحترام باعتبارها منبع العفاف و الحنان و الحكمة الخ من هذه الاوصاف الحميدة التي يدعو اليها الدين الاسلامي .

و اضيف هنا ان مناقشة قضية المراة ببلادنا العزيزة لا بد من الرجوع الى تاريخنا لاستحضار اسماء للنساء ساهمن في بناء حضارتنا المغربية قبل الاسلام و في العصر الاسلامي مثل زوجة  امير المسلمين يوسف بن تاشفين زنيب النفزوية التي شاركته في حكم الدولة المرابطية التي تستحق البحث و الدراسة من طرفنا كباحثين شباب بغية استخراج مزيدا من المعطيات و الحقائق حول مكانة النساء داخل ذلك المجتمع المرابطي....

ان المراة الامازيغية في مجتمعنا المحافظ بمعناه الايجابي استطاعت الولوج الى عدة ميادين بدون قيود دينية وفق المنهج السلفي كالحقول في البوادي حيث انها تعمل الى جانب الرجال  وفق الاذاب الاسلامية ...

و خصص المرحوم الفقيه امحمد العثماني فصلا كاملا في كتابه الواح جزولة للحديث عن مكانة المراة في المجتمع السوسي حيث يقول رحمه الله ان المراة الجزولية أي الامازيغية هي عماد الاسرة في العمل و الانتاج و هي اكثر حرية من الاوربية و تفضلها بالصيانة و الاخلاق حسب تعبيره انذاك حيث ان هذا القول يحمل العديد من الابعاد و المعاني تكذب خرافات الاسلاميين حول العلمانية الاصيلة و ذلك من خلال نفي وجودها في تاريخنا الاجتماعي اصلا.

و يقول المرحوم ينحصر دورها في الحياة العائلية في السهر على شؤون بيتها الخ و اذا كان الزوج غائبا فان الاشراف الفعلي يكون لها على سائر الشؤون الخارجية  

اذن الذي اريد الوصول اليه هو ان المراة عندنا في المغرب انخرطت بدون قيود دينية في حياة مجتمعها المختلفة كالفن حيث لا يمكن لاحد القول ان احواش بالنسبة للمراة يعتبر حراما في الدين على الاعتبار ان احواش هو مظهرا من مظاهر الفرح و الاحتفال بمناسباتنا العزيزة كالاعياد الدينية حيث يجتمع الناس بعد صلاة العشاء في مكان يسمى باسايس للاستمتاع بالشعر الجميل و الرقص على ايقاعات احواش المتعددة عبر ربوع الجنوب المغربي حيث يحضر فن احواش ضمن مناسباتنا العائلية مثل رجوع الناس من الديار المقدسة بعد اذاء فريضة الحج العظيمة في قلوبنا نحن المسلمين او الزفاف بعاداته المختلفة من دوار الى دوار في منطقة سوس خصوصا و المغرب عموما.. .

و خلاصة القول في مقدمة هذا المقال المتواضع ان المغرب الان يمكنه ان يكون نموذجا على الصعيد الاسلامي في النهضة الدينية اذا انطلق من اصالتنا الامازيغية الاسلامية لان اجدادنا الامازيغيين كانوا مسلمين علمانيين اي كانوا عقلانيين تجاه النصوص الدينية الوضعية كالسنة النبوية و صحيح البخاري الخ من هذه النصوص الوضعية اي وضعها بشر في سياق تاريخي معين بمعنى اخر ان الاسلام الامازيغي يختلف عن اسلام الاعراب اختلافا جوهريا .....

ظاهرة اسلام بحيري                                                 

لقد قلت في مقال لي في صيف 2015 اولا قبل كل شيء اعلن  تضامني الكامل مع الاستاذ اسلام بحيري الذي دخل السجن بسبب فكره التنويري لعامة المسلمين داخل مصر و داخل بقية الاقطار الاسلامية باختلاف هوياتها الثقافية او السياسية من طبيعة الحال حيث شاهدت اغلب حلقات برنامجه الشيق مع اسلام بحيري على اليوتوب فشعرت بانسانية هذا الرجل السعي الى تنظيف ديننا الاسلامي من اوساخ تراث السلفيين المتجاوز اصلا بالنسبة لنا كمسلمين علمانيين بحكم ان هذا التراث لا يتماشى مع قيم القران الكريم الكلية مثل حرية الاعتقاد و  تحريم القتل و المساواة بين الجنسيان في التكاليف الشرعية كالصلاة و الصيام الخ من هذه القيم الكلية لكتاب الله العزيز.

غير ان السلفيين اخترعوا دينا اخرا غير ديننا الاسلامي حسب راي القرانيين و راي الاستاذ اسلام بحيري باعتباري مجرد انسان في مرحلة التعليم لدى هذه المصادر المتنورة حيث ان شيوخ السلفية الحاليين يرفضون اي نقد عقلاني لتراثهم البشري لكن في نظرهم يعتبرونه تراثا يحمل طابع القداسة المطلقة حتى اذا خالف مع النصوص القرانية او مع العقل البشري في اي زمان كان.

 ان الاستاذ اسلام بحيري حاول بصفته باحث اسلامي ان ينور العقل الاسلامي عبر التمييز بين القران الكريم و كتب التراث السلفي البشري عموما  لان تاريخنا الاسلامي نفسه عرف صراعا عميقا بين النزعة السلفية و النزعة العقلانية حيث اتساءل من هو ابن رشد و الجاحد الخ.

ان هذه الكتب السلفية البشرية حسب راي الاستاذ اسلام بحيري و راي الاستاذ احمد صبحي منصور هي سبب كل ما نراه الان من القتل و التكفير و احتقار المراة على امتداد عالمنا الاسلامي حيث ان جماعات الاسلام الوهابي كما اسميها مثل داعش و القاعدة الخ تطبق مضامين هذه الكتب حرفيا على ارض الواقع المعاصر بذريعة احياء الخلافة الاسلامية المزعومة لكنها  موجودة في كتبهم الرجعية لان الدعوة الوهابية باعتبارها  النسخة الاصلية للسلفية هي تحث على قتل كل مسلم ذو عقيدة مخالفة لها مثل الشيعة الخ من هذه الطوائف المسلمة.

 غير ان الوهابية تعد الفرقة الناجية و غيرها على الظلال المبين حتى الاخوان المسلمين..

 ان داخل الفكر السلفي نفسه يوجد خلافات سياسية عميقة بين من يعتبر الديمقراطية حرام بالاطلاق و من يعتبرها وسيلة فقط للوصول الى الحكم و تطبيق خلافتهم الخيالية في اخر الزمان كما تقول كتبهم المقدسة التي اخذت على انها الاسلام الحقيقي من طرف الغرب كمجتمعات بشرية حيث يجب ان نحاكم هذه الكتب و ليس ديننا الاسلامي و رسولنا الاكرم الذي كان على الخلق العظيم كما وصفه الله تعالى في كتابه العزيز بينما في كتبهم يوجد كوارث حقيقية منعت المسلمين من التفاعل الايجابي مع مستجدات هذا العالم منذ قرون الى الان بحكم ان العالم يتغير في الدقيقة الواحدة في حين ظل فكرنا الديني الرسمي في اغلب دولنا يحمل طابع السلف الغير صالح بالنسبة لعصرنا الراهن و بالنسبة لطموحتنا المشروعة داخل مجتمعاتنا الاسلامية ...

بعد خروج الاستاذ اسلام بخيري من السجن قدم في رمضان الماضي على احدى الفضائيات المصرية برنامجه الرائع الخريطة في 30 حلقة حول مواضيع مهمة من قبيل كيف جمع القران في العهد النبوي لان اغلب المسلمين لا يفرقون بين جمع القران الكريم و جمع الحديث حيث اذا شك مسلم في صحة حديث معين يجعله السلفيين كافرا ملحدا يستحق القتل مع العلم ان الاحاديث ظهرت بعد اكثر من 200 سنة من وفاة الرسول الاكرم اي مسافة زمنية شاسعة بين وفاة الرسول و ظهور صحيح البخاري مثلا......

و يقدم استاذنا بحيري حاليا برنامجه البوصلة الرائع و الهادف الى اعمال العقل بغية انتاج فقه معاصر كمشروع عظيم و كحلم يستحق ان يحقق على ارض الواقع مهما طال الزمان او قصر لان هذا المشروع بهذا الحجم يواجه العديد من العراقيل يمكن اختصارها في النزعة السلفية للدين الاسلامي حيث لا يمكننا نقد ما جاءت به كتب التراث السلفي الوضعية باعتبارها مقدسة كالاسلام نفسه و هذه الكتب هي المسؤولة على تخريب هذا الدين الطاهر في اصله الاول قبل ان يختلط مع جاهلية الاعراب منذ بني امية الى الان حيث تحول الاسلام من دين السلم و المسالمة الى دين الارهاب و وطئ النساء في ما يسمى بالفتوحات الاسلامية لبلاد الامازيغ حيث هناك رسائل بين ملوك بني امية و قوادهم توصيهم باحضار السبايا و الجواري اليهم حيث ما أنظف هذا الاسلام ........

في ختام هذا المقال المختصر احيي الاستاذ  اسلام بحيري و اتمنى له التوفيق في مساره الطويل و الشاق في درب تحديث الاسلام و اعمال العقل بغية انتاج فقه معاصر...............

المهدي مالك

mehdi1983k@gmail.com

اجمالي القراءات 3014

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-12-04
مقالات منشورة : 117
اجمالي القراءات : 481,446
تعليقات له : 27
تعليقات عليه : 22
بلد الميلاد : Morocco
بلد الاقامة : Morocco