مكة بين التاريخ والقدسية

سامح عسكر في الأربعاء 10 يناير 2018


لتاريخ الإسلامي يطرح سؤال:

لماذا مكة لم تكن أبدا عاصمة لأي من الخلفاء المسلمين منذ موت الرسول حتى انقضائهم في القرن العشرين؟

الناظر لجغرافية مكة سيجدها في وادي يحيطه من كل الجوانب صحراء جرداء لمئات الأميال، وفي الغرب حوالي 100 كيلو متر إلى البحر، فعلى افتراض أن الخلفاء كان عندهم أساطيل يأتوها من البحر فلماذا رفضوا التمركز فيها؟

العواصم كانت كالتالي (المدينة – الكوفة – دمشق –بغداد –القاهرة –الآستانة / اسطنبول) أرض هذه المدن زراعية باستثناء المدينة التي تتشابه أرضها مع مكة كثيرا، لكنها أقرب للشام والعراق، وسكنتها قبائل أقدم ربما تصل للأسر البابلي، فهناك من يقول أن يهود المدينة هم بقايا الهاربين من بختنصر، إذن ما الذي يمنع أن عمران المدينة سبق مكة التي لم يذكرها التاريخ قبل القرن السابع الميلادي، وبالتالي تمركز الصحابة الخلفاء فيها له ما يبرره لأن أرضها أفضل وأطيب من مكة.

لفت نظري أن المغول لم يفكروا في غزو مكة باعتبارها مركز المسلمين الديني، فلو كان غرضهم القضاء على الإسلام- كما درسنا- لهاجموها، لكن يبدو أنهم لم يروا فيها ما يشجعهم على الغزو، فمطامع الغزاة في الغالب مادية، ورأيي لو هاجموها لقضي عليهم في نصف الطريق، إذ المسافة بين بغداد ومكة ما يقرب من 2000 كيلو متر كلها صحاري جرداء، وجيشهم كبير يحتاج لدعم لوجيستي وميزانية دولة بأكملها للحركة.

ويبدو أن محمد علي باشا الكبير انتبه لهذه الصعوبة ففضل مهاجمة الوهابيين في الحجاز من البحر، ووصل بالفعل من جدة القريبة من مكة، وبسقوط الحجاز في أيدي الجيش المصري يكون قد فقد الوهابيون ثلاثة أرباع قوتهم الدينية والعسكرية، فالاحتلال قديما لم يكن يعتمد فقط على جنوده، بل كان يلجأ لتجنيد أصحاب الأرض في جيشه الأعظم، ومن يرفض أو يقاوم يُقتَل في الحال، وهذا ما كان يفعله هتلر وموسوليني، وفعلته بريطانيا وفرنسا بتجنيد أبناء المستعمرات في جيوشهم.

إذن نحن أمام معضلة تاريخية، وهي أن خلفاء المسلمين فصلوا ما بين السياسي والديني باتخاذ عواصم مختلفة، فالعاصمة الدينية بقيت موحدة في مكة، أما السياسية فاختلفت، وهذا يعني أن قناعة خلفاء المسلمين بالمبدأ العلماني كانت حاضرة، فما الذي حملهم على التحدث باسم الله؟... إلا إذا اعتبرنا أن رفضهم القدوم لمكة بسبب طبيعتها الفقيرة نكون في مشكلة أخرى، أليس هم من يؤمنون أن من يتق الله يجعل له مخرجا؟..وأليس هم من رووا عن العبرانيين قصة هاجر مع الرضيع التي دعت ربها من أجله فوهبها الماء؟..وأليس الله يقول في القرآن.." ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض".. [الأعراف : 96]

هذا يعني أن يقين الخلفاء أوصلهم بأنهم مهما دعوا الله لن يجعل مكة لهم بساتين وحدائق كما يتصور البعض ، فعوامل البقاء هناك قاسية، وأهلها لا يعملون سوى في الرعي..حتى مصادر المياة معدومة إلا من آبار وعيون كسمة صحاري العالم.

أحدهم سألني سؤال في السابق: قال ماذا لو قتل الرسول رضيعا أو مات في عام الفيل..هل كان لمكة أن تكون بهذه القدسية؟

قلت: مع الخلاف في حادثة الفيل فأنا أؤمن يقينا أن القصة الشائعة بقدوم أبرهه لهدم الكعبة لا أساس لها (مزورة) فنقش أبرهة الأثري نفى ذلك وأن حملته العسكرية انتهت بانتصاره، وأنه استعان بقبائل عربية ضد قبائل عربية أخرى في الشمال..أي أن معارك أبرهة حسب النقش كانت حرب أهلية عربية وليس كما يصور لنا مؤرخي المسلمين، كذلك وأنها كانت قبل ميلاد النبي ب 20 عاما، إلا إذا أخطأ مؤرخي المسلمين في التواريخ، وكذلك لأن الكعبة كانت مركزا للوثنية، فكيف ينصر الله الوثنيين على أبرهه المسيحي ..الذي كان من المفترض أنه يطبق شرع الله باعتبار أن المسيحية آخر ديانات إبراهيم وقتها..

بغض النظر عن كل ذلك أرى أن سؤالك (عدمي) فمنطقيا لا يجوز السؤال عن نتائج المستقبل أو الماضي الذي لم يحدث، فحواضرنا دائما مختلفة..ومن يظن أن توقعه يصيب دائما فهو كاذب، أكثر الأذكياء والمتوقعين تصيب تنبؤاته بنسب لا تتعدى 50 أو 60 % على الأرجح، وتكون تنبؤاته بمعطيات موجودة وليست افتراضية من خيالك، وهو على شاكلة ماذا لو قتل هتلر في الحرب العالمية الأولى هل كانت ستقوم الثانية؟..والإجابة فورا هي قامت بهتلر أو بغيره، والفرضية نفسها غير سليمة لأنها ستقابل بفرضية أخرى ماذا لو لم يولد هتلر أصلا هل كانت ستقوم حروب، والأعظم من ذلك ماذا لو لم يوجد إنسان هل كنت ستفترض هذا الافتراض الغبي؟!

إنما قدسية مكة ليست محل خلاف بين المسلمين سنة وشيعة، وهذا يقوي موقف القائلين بزيف دعاوى باتريشيا كرون ودان جيبسون ولوكسمبرج وغيرهم الذين يفترضون أن الإسلام الأول كان في البتراء أو في الشام، فمنطقية التاريخ تقول أن التزوير لن يمر في مجتمع الحروب والأزمات، سيظهر أحدهم مزورا لكن خصمه سيكشفه، فهو المنتفع من هذا الكشف..وربما يقرب إليه الناس باعتباره حارسا للدين.

مع ذلك قصة القرامطة تشي بشئ عجيب، هؤلاء سكنوا في البحرين والأحساء، وفي آثارهم قالوا أن مكة ليست مقدسة، وشنوا الغارات عليها وهدموا الكعبة وسرقوا الحجر الأسود، لكن ما يثير القصة غموضا أن تراثهم ضاع ولم نعثر على أي كتابة لأحدهم توضح هذه الدولة وذلك الشعب الهجين من العرب والفرس على المذهب الإسماعيلي، بل امتد حكمهم أكثر من 100 عام، هل معقول أن هذه الفترة لم يتمكنوا من صياغة عهدهم في مؤلفات؟..وإذا وجدت فأين هي؟..التاريخ الإسلامي غامض للغاية وإذا فتحنا منه باب نفاجأ بعشرات الأبواب المغلقة الأخرى..شئ مرهق أن تبحث في أمر مهم لا دليل عليه..

لكن المؤكد أن قدسية مكة ثابتة دينيا..أما سياسيا لا، فقد استبيحت مرات ومرات على أيدي المسلمين أنفسهم، أما أنها ثابتة فقد ذكرها المؤرخ اليوناني .."ديودوروس سيكولوس"..Diodorus Siculus توفى عام 30 ق.م بقوله أن .."السكان أنشأوا معبد مقدس جدا يأتي إليه جميع العرب"..لم يذكر إسم الكعبة تحديدا ، لكن المؤرخ البريطاني.."إدوارد جيبون"..Edward Gibbon توفى عام 1794م رجح أن سيكولوس كان يقصد كعبة مكة في تعليقه على كتابه باليونانية، وقد وصف هذا المؤرخ اليوناني شعوب تلك المنطقة ب Banizomenes وهو الإسم اليوناني لأحفاد .."زمران"..أحد أبناء إبراهيم -حسب البروفيسور جان ريتسو".. والذي يرجح أنه تسمية أعجمية للنبي إسماعيل..

هنا تعريف لشعب الزمران...http://bit.ly/2vqsOcf
وهنا تحقيق لشهادة سيكولوس..http://bit.ly/2vuIxrR

الخلاصة: نعم كانت مكة موجودة قبل الإسلام والكعبة كانت مبنية يحج إليها العرب، وهذا يهدم جزء كبير من رؤية باتريشيا كرون ولوكسمبرج اللذين قالوا أن مكة هي مدينة إسلامية حديثة ولم تكن موجودة قبل (محمد) إنما يبقى الخلاف متى ظهرت قدسيتها؟..خصوصا قبل الأسر البابلي لليهود أو بعده، فلو كانت قبله فهي ربما تصل لأبناء النبي إبراهيم كما حدثتنا التوراة دون إشارة لمكة، ولو بعد الأسر فيثبت قولنا أن المدينة أقدم وشعبها أشهر ومناطقها أغنى..لذلك اتخذها الصحابة الخلفاء عاصمة طيلة 30 عاما بعد وفاة الرسول.

إنما تبقى المعضلة الكبرى في عدم وجود آثار قديمة في مكة، المدن الأثرية عامة تعجّ بالآثار الأركيولوجية وسير الأقدمين، بل التحقيق اللغوي لا يؤيد ذلك بالتأكيد على أن نقوش مكة كلها تنتمي للخط الآرامي، بينما الخط الثمودي/ المسند في الجنوب اليمني، نجران وتهامة وما حولها، والآراميون سكنوا الشمال مما يؤيد رؤية باتريشيا كرون جزئيا أن القرآن تطور من الآرامية أو كتب في صحفه الأولى بالآرامية السريانية، وفي العصر الأموي جرى التعديل الأشهر تاريخيا بتنقيط الكتاب وتشكيله.

وأنا في ذلك أؤيد كرون بشدة..نعم الخط الحجازي الأقدم للقرآن أشبه بالسريانية، ومخطوطة برمنجهام المكتشفة حديثا للقرآن تؤكد عدم وجود فرق كبير بين ما كتب فيه بالخط الحجازي وبين خطوط الأناجيل في ذلك العصر بالآرامية..وقد عقدت هذه المقارنة بصريا في صفحتي منذ أعوام مع مخطوطة إنجيل رابولا أذهلني التشابه الكبير لحد التطابق في بعض الحروف.

إنما هذه الجزئية تخدم رؤية كرون بنظرية (إسلام البتراء) ودان جيبسون (بإسلام الشام) ورأيي أن إجماع السنة والشيعة ينفي ذلك عقليا، إنما يبقى احتمال أن ذلك الإجماع تأثر بأحداث لم نعرفها ولم تصل لنا أخبارها، وهو بحث في المجهول لا ينبني عليه شئ، إذ الأدلة معدومة فلا يقين إذن..لكن أحداث القرامطة قد تكون شاهد نفي على ذلك الإجماع..وهو أمر محتمل، فقدسية الأماكن لا تُنفى بتلك السهولة التي تناولتها كتب التاريخ في تناولها للقرامطة، عقليا يخاف المؤمن أو يتمرد عليه أتباعه، أو يهتز جيشه في الحروب، إنما الثابت أن القرامطة انتصروا في كثير من المعارك حتى وصلوا مكة وهدموا الكعبة، إنما في الأخير يبقى أمرهم محتمل كقرينة وما دام الدليل التاريخي مفقود فالقطع لا يفيد.

السؤال الأخير والمشروع هو إذا كان هناك جدل في قدسية مكة، فهل نسى هؤلاء المستشرقون أن النبي دفن فيها مع صحابته؟

والجواب: في رأيي لا يصح الاستشهاد بذلك السؤال، فهو كمن يستدل بحجية حديث من نصه، أو بصلاح الإنسان من شهادته، وهو أمر غير مقبول عقلا، إذ السؤال المشروع في المقابل، ماذا لو وجدنا جثث قديمة في ذلك المكان وتبين أنها تعود لعصر النبي، ما الضامن أنها للنبي فعلا؟..وكذلك هل تسنى للباحثين مثل هذه الفحوص المعملية باختبار عينات من مقابر البقيع مثلا..وهي الأقدم؟

نكتفي بشهادة سيكولوس وتأكيد إدوارد جيبون له بوجود معبد مهم في هذه المنطقة قريب من البحر كان يحج إليه العرب، وسيكولوس عاش قبل النبي ب 600 عام..وهذه قرينة علمية بوجود مكة والكعبة تحديدا باعتبار أن قدسيتها مأخوذة من ذلك المكعب.

وكذلك فالوهابيون هدموا ودمروا الآثار الإسلامية القديمة، ما المانع أن تكون هناك آثار فعلا لكنها هُدِمَت، والسؤال في المقابل ، وأين آثار ذلك الهدم وما حقيقة ما هُدِم ؟..ألا يحتمل أنه كان أثرا مزورا لا يمت للنبي ولا لعصره بصلة؟..يعني أن يكون أثر عباسي مثلا أو أموي..وربما مملوكي وعثماني لكن الناس قدسوه عن جهل، ولدينا حوادث مثل هذه تتكرر في كل بقاع المسلمين بتقديس أشياء وأدوات مزورة لا تنتمي لدينهم ومعتقداتهم الشعبية ، كالحادثة الأشهر في مصر مؤخرا إذ قرر أهل قرية بدوية في العين السخنة نقل رفات شيخ صوفي يسمى.."أبو سريع"..متوفي منذ 40 عاما ، وبعد فتحهم القبر وجدوا (رأس عجل)..!!!

تخيل هذا مدفون منذ 40 عاما فقط..ما فرصة تزوير مقابر وشواهد إذن منذ 1400 سنة؟

أخيرا: ظني أن قدسية الأماكن تبعا للحالة الشعبية ومعتقد الناس، ليس هو الحالة الإيمانية التي يتصورون بها دينهم، فلا علاقة بين الله في أذهان المسلمين وبين مكة تحديدا، إنهم يرون الله في كل مكان ويشعرون به حتى وهم على الأسرة نائمون، والبحوث في قدسية الأماكن ستدفعنا لاستنتاجات غريبة لا صلة لها بالموضوع الرئيسي وهو (الدين) وكما أن القبر وسيلة للتقرب عند الصوفية فمكة والكعبة ومسجد الرسول هي وسائل أيضا للتقرب وليست أمور يتعلق بها الإيمان ثبوتا ونفيا.

اجمالي القراءات 4241

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 700
اجمالي القراءات : 3,615,497
تعليقات له : 90
تعليقات عليه : 360
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt