ترامب وفلسطين:
إسماعيل هنيــّــة من جديد!

محمد عبد المجيد في الخميس 07 ديسمبر 2017


إسماعيل هنيــّــة من جديد!

 

أكثر الزعماء يتنقلون بأقنعة مختلفة، بعضها حقيقي وبعضها زائف، لكن الظروف المحيطة هي التي تضع على وجه الزعيم القناعَ المناسب.

إذا اقتطعت زعيما من فترة زمنية معينة وألبسته في مشهد آخر فغالبا ستتغير أحكامُك، مديحـــًـا أو هجاءً، تأييدًا أو معارضة، فالزعيم يتغير، والمشهد يتغير والجماهير تُصدِر أحكامَها في كل مرة بصورة مختلفة على نفس الشخص.

سعد الحريري قبل الرياض مختلف عن ابن أبيه رفيق بعدها، وحسن نصر الله في 2006 كان الفارس المغوار، ثم أصبح السياسي اللبناني الذي يعيش على ذكرى انتصارات الحرب مع إسرائيل، وبعدها ملأ رئتيه بأنفاس الآيات القادمة من قُمْ فتغير البطل إلى رئيس حزب ديني سياسي لكنه أصر على ركوب نفس الجواد، فبرق .. وبهت عشرات المرات، فتُنصت إليه كأنه قادم من عُمق التاريخ ثم تعيد الإنصات فتظهر صورة الخوميني.

اسماعيل هنية نموذج ثالث قضىَ أكثر من عشر سنوات في خلاف مع النصف الآخر لفلسطين، لكنه جعل غزة جزءًا من الدين على حساب الوطن، ففرح الرامليون المنحازون للسلام العبري، ودخل أو أُدْخِل في أنفاق الجيران لعله يبصر نورًا في آخر كل نفق، ووضع ثقته فيمن يحشر الريالات داخل المصحف الشريف، ويتحدى العدو الصهيوني فيخرج من كل معركة، منتصرًا أو منهزمـًـا، رافعا علامة النصر، وناسيــًــا أن يُحصي خسائر شعبنا الفلسطيني.

القيادات الفلسطينية كانت توحي لجماهيرها أن الطريق إلى القدس يمر عبر العاصمة الأردنية ثم اللبنانية ثم الكويتية ولا مانع من شرب نخب الاخوان المسلمين والاخوان العثمانيين وغيرهم، فخسرت غزة كل جيرانها ولم يبق لديها غير معابر بعضُها عبري و.. بعضها سيناوي، واختلطت المقاييس الجهادية فظن الفلسطينيون أن غزة إسلامية ورام الله علمانية، فاستراح الكيان الصهيوني.

اسماعيل هنية قائد يصنع تعبيرات النضال بنفسه كما يفعل حسن نصر الله حتى لو تمزقت فلسطين ولبنان، فاللغة الجميلة للقائدين تشحن الأتباع بمفردات دينية، تماما كما كان أحمد الشقيري يفعل، لكن من سوء حظ القيادات العربية و الإسلامية في كل مكان أن الأعداءَ لا يكترثون لقواعد الضاد قبل عدوانهم، ولا يخشون قصائد حماسية مع قرع الطبول لشعب محاصَر من الجهات الأربع.

كان الحل السحري ظاهرًا طوال الوقت وهو عدم التدخل قيد شعرة في شؤون العرب والمسلمين، ففي كل أزمة خارج فلسطين يدفع الفلسطينيون الثمن داخل الأرض المحتلة بسبب غباء قيادات تصهل خيولها خارج الوطن، ثم يزداد الأسرى لدىَ الاحتلال آلافـًـا جديدة من شباب المستقبل الغامض.

كل قائد عربي وإسلامي يريد تخدير شعبه، يأتي بالقضية الفلسطينية ويضعها، ظاهرًا، قبل قضيته القومية أو الوطنية، فيصيب النعاسُ الفلسطينيين قبل غيرهم.

لو وقفت القيادات الفلسطينية مع العرب .. كل العرب على قدم المساواة لما ظهرت تلك الثغرات التي يمر منها الفكر العربي الصهيوني، من المثقفين والإعلاميين والكوبنهاجيين والحالمين بنتائج اتفاق أوسلو.

الآن وقف اسماعيل هنية يصحح الخطأ، ويعيد رسم المشهد النضالي من جديد، ويضم فلسطين كلها إلى القدس ورام الله، ويساوي بين المسيح ومحمد، عليهما السلام، ويشير بإصبع الاتهام صراحة على من ظن أنهم وسطاء فإذا بهم منحازون إلى الشيطان، عقلا وروحـًـا.

اسماعيل هنية مطالَب قبل الانتفاضة الجديدة بعدم التمييز بين عاصمة عربية وأخرى، بين القاهرة والرياض، بين الرباط والجزائر، بين الدوحة وبيروت، بين أبوظبي وعمّان، بين دمشق والمنامة، بين بغداد والكويت.

لو كان بلفور حيـًـا لعاتب ترامب على مبالغته في سرقة أرض فلسطين، ولو كان مناحيم بيجين بينهم الآن لتوسل للادارة الأمريكية أن لا تقلب الطاولة على الجميع، فالمزايدة في دعم الاحتلال توطئة لحروب لا نهائية، لا تُبقي ولا تذر.

اسماعيل هنية كان اليوم رائعـًـا، مع أن لديّ عشرات التحفظات على حماسه وحماسته طوال السنوات السيناوية المنصرمة، فكاد يخسر الشعب المصري ليربح أحفادَ حسن البنا، وترك المعاقين عقليا يشحنون المصريين بالخوف من فلسطنة شمال سيناء، وأوهم منذ أربع سنوات أبناء الشعب أن مرسي وبديع والشاطر باقون في السلطة إلى يوم القيامة.

اسماعيل هنية ألقى كلمة لو تم تطبيقها لبدت كأنها بلسان عصمت سيف الدولة منذ أربعين عاما، وفلسطين المحتلة كلها القدس، وشمالها كجنوبها، وقلبها كرأسها، وعلمانيوها كإسلامييها، ومسيحها كمحمدها!

اسماعيل هنية اليوم كان كل العرب، قبل أن يدخل القفص، لا قدر الله، ويجلس على المائدة الخضراء أو المستديرة، ويبدأ في شطب ومسح وحذف الدسم من خطاب السابع من ديسمبر.

إذا اعتمد الفلسطينيون علينا فعلى القضية السلام، وسنعيدهم إلى المربع صفر؛ وإذا تفاوضوا بدوننا فقد يربحون شبرًا من الأرض أو يخسرون إذا توسطنا لهم.

في أقل من ثلاثين عاما توالد الكوهينيون بدرجة مفزعة حتى أنك لو أجريت مسابقة التعاطف الشعبي العربي للتفاضل بين القاتل والمقتول؛ فإن ستة من كل عشرة من عرب اليوم سيُقسمون أن اسرائيل تفي بالوعد، ولا تنكث العهد، وأن الفلسطنيين باعوا أرضهم، وأن السلام العبري رسالة سماوية.

اسماعيل هنية اليوم غيره بالأمس، ولكن ماذا عن الغد؟

كم تمنيت أن ألقي بأغلب وأكثر القيادات الفلسطينية في بئر سحيق، ونأتي بشباب ثائر ومتعلم ومثقف ومناضل وعاشق للوطن وبعيد عن الفساد ليعيد رسم مشهد البؤس الفلسطيني في صورة جديدة وجميلة وربيعية تتفتح على أرض الوطن.

اسماعيل هنية كان اليوم فلسطينيا وعربيا وإسلاميا ومسيحيا حتى النخاع، لكن التجارب علمتنا أن لا نثق بمناضل قبل أن يموت، فمن يدري فقد يحمل له حفّار القبور قبل دفنه رسالة دافئة من إيلي كوهين.

لا أتحدث عن القدس الشرقية أو الغربية، ولا أتكلم عن المسجد الأقصى أو كنيسة القيامة، ولا أكترث لغزة أو رام الله، إنما عشقي وحريتي وإيماني وأوهامي وأحلامي في فلسطين كلها و..  لو بعد ألف عام.

لا أدعو لحرب فنحن خاسرون قبل أن تبدأ، ولا أبحث عن سلام فنحن منهزمون قبل الجلوس على الطاولة، وأرفض العنف والقتل والتفجيرات فقد مضىَ زمنها وهي الآن في صالح الاحتلال، ولا أتعاطف مع التحدي الأجوف والصواريخ التي تسقط على المدنيين، لكنني أبحث عن فلسطين في أيدي وعقول وقلوب الفلسطينيين فقط بدون صديق أو جار أو شقيق أو صاحب رأسمال.

أخشى أن أنصت لاسماعيل هنية مرة أخرى لئلا يصدمني الوجه الجميل في قناع قبيح اشتروه له بثمن بخس.

لا تهمني قطعة الأرض بمفردها، إنما ملتصقة بكل الأرض فوق كل الوطن ومع كل الشعب.

محمد عبد المجيد

طائر الشمال

أوسلو في 7 ديسمبر 2017

Taeralshmal@gmail.com

اجمالي القراءات 3688

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   فتحى احمد ماضى     في   السبت 09 ديسمبر 2017
[87641]

شعب انهكه الاحتلال


ماذا ينتظر العالم من شعب انهكه الاحتلال يا صديقي محمد فانا لا الوم هنية في نهجه ولا ابو مازن في سلامه ولا كل من يحمل السلاح ليقاتل فبعد سبعين عاما من الاحتلال والمعاناة وتخاذل العرب والمسلمين عن تحرير فلسطين ماذا يستطيع هذا الشعب المسكين المغلوب على امرة ان يفعل مع اعتى قوة عسكرية همجية في المنطقة اعطونا البدائل ان كانت توجد عندكم او افتونا ما الذي يجب فعله فقد جفت اقلامنا ومزقت صحفنا وعدمنا الحيلة في هؤلاء الصهاينة والاعراب من خلفهم ....



 



 



 



 



 



 



 



 


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-07-05
مقالات منشورة : 495
اجمالي القراءات : 3,510,548
تعليقات له : 515
تعليقات عليه : 1,265
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Norway