مدخل لعلم جديد فى القرآن الكريم : ( الجملة الاعتراضية ) : ( 1 من 2 )

آحمد صبحي منصور في الجمعة 01 ديسمبر 2017


مدخل لعلم جديد فى القرآن الكريم : ( الجملة الاعتراضية ) : ( 1 من 2 )

مقدمة

هذا علم جديد نزعم أنه لم يلتفت اليه أحد بالقدر الكافى . نعطى عنه مدخلا ، أملا فى ان يتشجع باحثون جادّون فيتابعوا الموضوع .

أولا :  سؤال وجواب

ا ـ معنى الجملة الاعتراضية : هى جملة توضيحية زائدة توضع فى سياق الكلام ، ويمكن حذفها دون أن يتأثر المعنى ، كأن تقول فى حديث عادى ( وقعد صاحبك ، اللى بالى بالك ـ وفتح الموضوع وقال .. ) كلمة (اللى بالى بالك ) جملة اعتراضية ، يمكن حذفها ولا يتأثر المعنى فتقول ( وقعد صاحبك وفتح الموضوع وقال .. ) . وكأن تقول فى كلام مكتوب ( وقف الخطيب ـ لا فض فوه ـ وهاجم الحكومة ) فعبارة ( لا فض فوه ) جملة اعتراضية تفيد الدعاء للخطيب ـ ويمكن حذفها فتقول ( وقف الخطيب وهاجم الحكومة ) .

المزيد مثل هذا المقال :

 هل كان استعمال الجملة الاعتراضية معروفا قبل نزول القرآن الكريم فى الأدب الجاهلى من شعر أو نثر ؟

لا أعتقد  ..ربما يجيب على هذا السؤال بدقة من تخصص فى العصر الجاهلى ، ولكن قراءاتى  ـ حتى الان ـ تؤكد لى أن استعمال الجملة الاعتراضية لم يكن موجودا وقتئذ. .

ملاحظة : جملة  ( ـ حتى الآن ـ ) جملة اعتراضية ، ولها معنى مفهوم ، ولكن يمكن حذفها.

 هل التفت من يطلق عليهم (المفسرون ) الى وجود الجملة الاعتراضية فى القرآن الكريم ؟ وهل حللوا دلالات ورودها فى السياق القرآنى ؟

حسب علمى ـ وقد قرأت الكثير من كتب التفاسير ـ فإن هذا  لم يحدث  ..

ملاحظة أخرى : جملة ( وقد قرأت الكثير من كتب التفاسير ) هى جملة إعترضية يمكن حذفها ، ولكن لها دلالة فى السياق .

  هل هناك فارق بين وجود الجملة الاعتراضية فى القرآن عنه فى الكتابات العربية البشرية ؟

نعم . الجملة الاعتراضية فى الكتابات العربية ـ غير القرآن الكريم ـ يمكن حذفها بدون أن يتأثر السياق كثير ، والأمر يتوقف على فصاحة الكاتب و تمكنه من فن الكتابة العربية.

أما فى القرآن فالجملة الاعتراضية تدخل فى إطار التفصيلات القرآنية ، أى إنها جزء أساس فى النظم القرآنى و النسق القرآنى ، مع أنها ـ عُرفا ـ جملة اعتراضية.

وهذا الوضع ملمح من الاعجاز البلاغى فى القرآن الكريم ، حيث يجمع الاعجاز هنا بين شيئين متناقضين فيما يخص الجملة الاعتراضية : كونها ـ نظريا ـ يمكن الغاؤها ، وكونها ـ فعليا ـ لا يمكن إلغاؤها لدورها الأساس فى السياق ، ولأن إلغاءها سيؤثر كثيرا جدا على المعنى ، فمع أنها جمل اعتراضية إلا أن الفصاحة فى الاتيان بها فى سياقها يجعل حذفها يؤثر على المعنى ، فقد جاءت كل جملة اعتراضية لتؤدى دورا هاما مرسوما لها بدقة وهذه الخاصية لا توجد إلا فى القرآن الكريم فيما يخص وجود الجملة الاعتراضية فيه. ولنتذكر أن القرآن الكريم كتاب أُحكمت آياته . فالجملة الاعتراضية ضمن هذا الإحكام فى الفصاحة القرآنية .

ثانيا : نماذج للجمل الاعتراضية فى القرآن الكريم :

فى وصف القرآن الكريم

1 ـ ونبدأ بمثل واضح جاءت فيه الجملة الاعتراضية ، وهو أيضا يرتبط وجودها بتفصيلات القرآن التى هى جزء منه ، يقول جل وعلا : (وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  ) ( الأعراف 52 ) جملة ( على علم ) إعتراضية . يمكن حذفها نظريا كأن تقول (  ولقد جئناهم بكتاب فصلناه هدى ولرحمة لقوم يؤمنون ) . ولكن قرآنيا لا بد من وجود هذه الجملة الاعتراضية ( على علم ) للتأكيد على أن تفصيلات القرآن ليست ثرثرة وإطنابا فى الكلام ، بل هى مؤسسة  (على علم ) من العليم الخبير وهو جل وعلا القائل فى تفصيلات القرآن الكريم (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) هود )

2 ـ  يقول جل وعلا عن كتابه الحكيم ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (7) آل عمران ). الجملة الاعتراضية هنا هى ( وما يعلم تأويله إلا الله ). بدونها يكون المعنى مفهوما لو قيل فى المقارنة بين متبعى الفتنة والراسخين فى العلم( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ  ). ولكنها أهمية قصوى قوله جل وعلا (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ) فهى حقيقة قرآنية شرحناها فى مبحث التأويل المنشور هنا.

فى القصص :

1 ـ فى قصة تبشير الملائكة لابراهيم وزوجه ، قال جل وعلا : ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) ( هود 74 ـ ). الجملة الاعتراضية هنا هى ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ). الأهمية هنا أن العتاب لابراهيم المتمثل فى (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) قد سبقته جملة إعتراضية تمدح ابراهيم . وهو النبى الوحيد فى القرآن الذى حين عاتبه الله جل وعلا مدحه . بدون هذه الجملة الاعتراضية سيضيع هذا التميز لابراهيم

2 ـ وذهبت نفس الرسل ( الملائكة المتجسدة بشرا ) الى لوط فحسبهم بشرا وخاف من أن يغتصبهم قومه . قال جل وعلا : (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ )( هود 77 ـ ). الجملة الاعتراضية هنا هى (وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ). جاءت هذه الجملة الاعتراضية وصفا لقوم لوط ، وهى هنا تفسر مسلكهم فى هذا السياق . يمكن حذفه ، ولكن يظل المعنى ناقصا .

3 ـ  جاء فى قصة يوسف ( سورة يوسف ) العديد من الجمل الاعتراضية :

3 / 1 : تكررت جملة ( ونحن عُصبة ) مرتين ، جىء بها فى حديث أخوة يوسف :

3/ 1 / 1 : فى تآمرهم على يوسف فيما بينهم وتعبيرا عن حقدهم عليه : (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) يوسف )  . يمكن حذف ( ونحن عصبة ) فيقال ( ليوسف وأخوه أحب الى ابينا منا إن أبانا لفى ضلال مبين ) . لكن هذه الجملة الاعتراضية لها مدلول هام يعنى إتحادهم كعصبة ضد يوسف وأخيه وأبيهم .

3 / 1 / 2 : تخوف ابوهم من ارسال يوسف معهم فكان قولهم لأبيهم :( قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخَاسِرُونَ (14) يوسف ). جاءت نفس الجملة الاعتراضية ( ونحن عصبة ) لتؤكد لأبيهم أنهم كعصبة سيحافظون على يوسف . هذا مع أنه ممكن نظريا أن يقال ( لئن أكله الذئب إنا إذا لخاسرون ) .

3 / 2 : خرج صاحب يوسف من السجن يحمل توصية من يوسف المظلوم الى الملك ، ونسى ثم تذكر . قال جل وعلا : ( وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يوسف ) هنا يمكن حذف الجملة الاعتراضية فيقال : ( وقال الذى نجا منهما أنا أنبئكم بتأويله فارسلون ). ولكن الجملة الاعتراضية ( وادّكر بعد أمة ) تشير الى فارق زمنى عاناه يوسف البرىء فى السجن .

3 / 3  ـ فى نهاية السورة قال جل وعلا فى خطاب مباشر للنبى محمد عليه السلام :( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) يوسف ). جملة ( ولو حرصت ) إعتراضية . يمكن أن يقال ( وما أكثر الناس بمؤمنين ) . مجىء هذه الجملة نستفيد منها حرص النبى على هداية قومه ، مع تكرار التأكيد له بألا يحرص على أمل مستحيل . وقد جاءت الاشارة الى حرصه عليه السلام على هدايتهم فى آيات كثيرة منها الصريح كقوله جل وعلا : (إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37)  النحل )، ومنها الضمنى كقوله جل وعلا : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)  فاطر ) (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (6) الكهف ) (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِلشعراء ) (مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) طه )( ) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إل عمران  ) ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ )(41) المائدة ) (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) الانعام ) .

5 ـ لكى يستبقى أخاه دبر يوسف لاتهامه بالسرقة بعد ان أعلم أخاه بخطته ، قال جل وعلا : (فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُواْ ـ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم ـ مَّاذَا تَفْقِدُونَ ؟ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ )( يوسف ـ 71 ـ ). السياق أن يقال (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُواْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ ؟  ). جىء بالجملة الاعتراضية ( وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم ) فى مناسبة رائعة للسياق الدرامى فى القصة . وقد كتبنا من قبل فى باب ( علوم القرآن ) عن الدراما فى سورة يوسف . هذه الجملة الاعتراضية تعطى صورة حركية رائعة فى المشهد .

4 ـ  نفس التصوير الدرامى فى وصف مشركى قريش وهم يستمعون القرآن الكريم ، يقول جل وعلا : (نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ـ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى ـ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا  ) ( الاسراء 47 ). عبارة ( وإذ هم نجوى ) جملة إعتراضية ، وهى هنا تعطى صورة حركية لوضعهم وهم يتآمرون .

5 ـ وفى قصة ولادة مريم : ( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) آل عمران  ) . عبارة ( والله أعلم بما وضعت ) جملة إعتراضية .

مدخل لعلم جديد فى القرآن الكريم : ( الجملة الاعتراضية ) : ( 2 من 2 )

تابع نماذج للجملة الاعتراضية :

سبحان الله

1 ـ تأتى أحيانا جملة أساسية ، كقوله جل وعلا : ( وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِوَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) يونس ) ( قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (68) يونس ) ( إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) النساء  ) ( وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) الانعام ) ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) التوبة ) ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) الانبياء ) ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) المؤمنون )

2 ـ وتأتى أحيانا جملة إعتراضية بين جملتين أساسيتين ، كقوله جل وعلا : ( وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) البقرة ) ( وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) النحل)( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) الانبياء )

فى القرآن وحده

يقول جل وعلا ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً (46) الاسراء )  : بدون كلمة ( وحده ) جاء هذا المعنى فى سورتى لقمان (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)) والجاثية (   يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)). أى ولوا على أدبارهم نفورا .  ولكن كلمة ( وحده ) فى آية 46 من سورة الاسراء مع كونها إعتراضية إلا إن معناها وموقعها فى غاية الروعة . لأنها تفيد أنك اذا ذكرت الله ( وحده ) فى القرآن ( وحده ) ولوا على أدبارهم نفورا . أى لا إله إلا الله ( وحده ) ولا حديث إلا حديث الله فى القرآن ( وحده ) ، وهذا ما جاء فى سورة الجاثية : ( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) الجاثية )

كما يقولون :

قال جل وعلا : (قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌـ كَمَا يَقُولُونَ ـ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ) ( الاسراء 42 ـ  ) . ( كما يقولون ) فى الآية جاءت جملة إعتراضية لتؤكد عدم الاعتراف بتلك ألالهة . 

بما قدمت أيديهم

قال جل وعلا عن المنافقين : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (62) النساء ) . جملة ( بما قدمت أيديهم ) إعتراضية . ولكنها توضح أنه إذا حدثت لهم مصيبة فهى عقاب لهم وبما كسبت أيديهم . قال جل وعلا فى قاعدة حاكمة (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)  الشورى  ). وهى تسرى على النبى محمد نفسه ، قال له ربه جل وعلا (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً (79) النساء  )

فى الشهادة :

فى إدمانهم الكذب نفاقا كان منافقو المدينة يأتون للنبى محمد يشهدون أنه رسول الله ، مع ان الله جل وعلا وصفهم بالكفروأنهم فى الدرك الأسفل من النار ـ إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم ( النساء 145 : 146 ) . يقول جل وعلا عنهم : (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) المنافقون ) . قوله جل وعلا (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) جملة إعتراضية . جىء بها تأكيدا على أنه عليه السلام رسول الله . وقد جىء بها بين شهادة المنافقين ـ وهم يقولونها بما يخالف عقيدتهم ) وبين شهادة الله جل وعلا فيهم وهى أنهم كاذبون فيما يزعمونه من الايمان بأنه رسول الله . ولا ننسى أن هؤلاء المنافقين من ( الصحابة ) ، شهد الله جل وعلا عليهم بالكذب مرارا ، ولكن أئمة الدين السنى يجعلونهم عدولا  ومعصومين من الكذب . ومن يهاجمهم يكون كافرا بالدين ( السُّنّى ).!

غير أولى الضرر

يقول جل وعلا : ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95) النساء ) . ( غير أولى الضرر ) جاءت إعتراضية . لأن من لديه عذر من الرجال والنساء لا حرج عليه فى موضوع الجهاد الحربى ( القتال ) ، قال جل وعلا فى سياق القتال فى سورة ( الفتح ) : ( لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ  ) (17) ).

ولو حرصتم

فى تعذر العدل بين النساء قال جل وعلا : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (129) النساء) جملة ( ولو حرصتم ) إعتراضية ، وهى فى موضعها تماما ، لذا ترتب عليها الحكم الشرعى ( فلا تميلوا كل الميل ) .

( ـ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ ـ  لَّوْ تَعْلَمُونَ ـ عَظِيمٌ ـ )

 عن القرآن الكريم قال جل وعلا : (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ـ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ ـ  لَّوْ تَعْلَمُونَ ـ عَظِيمٌ ـ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ) ( الواقعة  75 ـ  )

هنا جملة إعتراضية هى ( وإنه لقسم عظيم ) وداخلها جملة إعتراضية اخرى هى ( لو تعلمون ). السياق أن يقال ( فى اقسم بمواقع النجوم انه لقرآن كريم ) . جىء بجملة اعتراضية فى تعظيم القسم ، وفى داخلها جملة اعتراضية أخرى تحوى حقيقة علمية لم يكن العرب يعلمونها ، وهى أننا لا نرى النجوم ولكن نرى الضوء الواصل الينا من مواقعها التى تتغير بحكم حركتها ، أو لأن بعضها يبعد عنا مليارات السنين الضوئية وقد انفجرت وتحولت الى ثقب أبيض أو ثقب أسود ، ولكن لا يزال ضوؤها يصل الينا من موقعها القديم قبل إنفجارها وتحولها لثقب أو شبح .

وهو الحق من ربهم

قال جل وعلا : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ـ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ـ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) ( محمد 2 ). لم يقل جل وعلا ( وآمنوا بمحمد ) لأن الايمان بمحمد هو كفر ، إذ لا إيمان بشخص حتى لو كان شخص النبى . الايمان هو بالوحى الذى صار به هذا الشخص نبيا مرسلا. الايمان بالرسول أو الرسالة . لذا قال جل وعلا ( وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ) كان يمكن طبقا للسياق أن يقال : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) لكن جىء بالجملة الاعتراضية ( وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ) وصفا للقرآن الكريم تأكيدا على انه الحق من الله جل وعلا .  

وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ

قال جل وعلا : (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ـ  وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ ـ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ) ( آل عمران 135 ). السياق أن يقال (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) . جىء بالجملة الاعتراضية : ( وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ ) حثا على التوبة .

وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ

 ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التوبة ).السياق أن يقال:( وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ). جىء بالجملة الاعتراضية : ( وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ ) حثا على الجهاد بالنفس والمال .

يَحْفَظُونَهُ

عن ملائكة حفظ وتسجيل وكتابة الأعمال قال جل وعلا : ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ  ) ( الرعد 11 ). السياق أن يقال (: ( لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ  ). ولأنهم من أمر الله الله جل وعلا أمرهم بحفظ وتسجيل الأعمال ، بحيث إذا مات الانسان وفنى جسده بقى عمله محفوظا مكتوبا فى كتاب أعماله تأتى به نفسه يوم القيامة . لذا جاءت كلمة ( يحفظونه ) إعتراضية ولكن فى محلها. وعن ملائكة تسجيل وحفظ الأعمال يقول جل وعلا :( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَاماً كَاتِبِينَ (11) الانفطار ) (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)  الزخرف  ) (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)  ق  ).

وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ

عن القرآن الكريم قال جل وعلا : (  وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ـ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ـ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ  ) ( الشعراء 210 : 212 ). هى جملتان إعتراضيتان قوله جل وعلا : (وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ )

وَمَا يَنبَغِي لَهُ

عن خاتم النبيين عليهم جميعا السلام قال جل وعلا : (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ـ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ـ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ) ( يس 69  ). قوله جل وعلا (وَمَا يَنبَغِي لَهُ ) هو جملة إعتراضية .

عَلَى حُبِّهِ

قال جل وعلا عن الابرار : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ـ عَلَى حُبِّهِ ـ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) ( الانسان 8  ). جملة ( على حبه ) إعترضية ، يمكن ان يقال ( ويطعمون الطعام مسكينا ويتيما وأسيرا )، بمعنى أى نوع من الطعام ، ربما من ردىء الطعام . جاءت كلمة ( على حبه ) وصفا للطعام المبذول ، وانه الذى يحبه الأبرار ويفضلونه ، ويطعمون منه المحتاجين . ونظير ذلك قوله جل وعلا فى صفات الأبرار : ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (92) آل عمران )(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ )(177)  البقرة ).

أهلكناها

كررت قريش طلب آيات حسية بديلا عن القرآن الكريم ، وتكرر الرفض من رب العزة ، ومن أسباب الرفض أن الآيات الحسية لم تجعل السابقين يؤمنون فأهلكهم الله ، ولو انزل الله جل وعلا لقريش آية حسية فن يؤمنوا . قال جل وعلا عنهم : (بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ (5) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ ـ أَهْلَكْنَاهَا ـ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ)( الأنبياء 6 ). جملة ( أهلكناهم ) إعتراضية ، وهى فى محلها تماما . ونظير ذلك قوله جل وعلا عن طلبهم آية حسية : ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمْ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمْ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) الانعام )

 أن تميد بهم

(وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ )( الأنبياء 31 ). الجبال هى رواسى الكرة الأرضية وبها تتثبت القشرة الأرضية التى نعيش عليها . جاءت كلمة (أن تميد بهم  ) إعتراضية ولكنها توضح وظيفة الجبال رواسى الأرض . وعن الجبال قال جل وعلا (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً (7) النبأ )

 وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ

عن إلقاء اصحاب الجحيم فيها كأكوام الزبالة قال جل وعلا : (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قَالُوا ـ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ـ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ) ( الشعراء 94 : 98  ) . جملة ( وهم فيها يختصمون ) إعتراضية تعطى حركة للصورة .

أخيرا : فى السخرية
والجملة الاعتراضية تأتى أحيانا للسخرية . ونعطى لها أمثلة :
1 ـ كانت اللحظة الصعبة فى حياة المنافقين عندما يتحتم القتال ، عندئذ يسارعون بتقديم الأعذار الوهمية حتى لا يشاركوا فى القتال ، وينتظرون النتيجة فإذا فاز المؤمنون بالنصر والغنائم تحسروا على ما فاتهم من الغنائم والنصر ، أما إذا أصابت المؤمنين الهزيمة استبشروا بالسلامة لأنفسهم ، والله جل وعلا يصور نفسيتهم فيقول : ( وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّه لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ) النساء 72 : 73 ) . الجملة الاعتراضية الساخرة هنا هى قوله جل وعلا : ( كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ). سخريتها فى الاشارة الى محاولة المنافقين التحبب للمؤمنين ، مع أن تصرفاتهم تقول العكس .

 2 ــ وفى غزوة أحد انتهز بعضهم الفرصة فى أن النبي لم يسمع رأيهم بالانتظار فى المدينة وخرج للقاء المشركين عند جبل (أُحُد ) حسب رأى الأغلبية المؤمنة المتحمسة . ولذلك رأوها حجة مناسبة للتخلف فى المدينة . فلما انهزم المسلمون فى أحد رأوها فرصة أخرى فى التشفي والانتقام للنبي والمؤمنين . ونزل القرآن يرد عليهم وعلى أقوالهم ومنها قوله سبحانه وتعالى : ( الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ( آل عمران 168 ). أى أن القرآن يرد عليهم بأن الموت هو المصير الحتمي لكل إنسان ، ولن يستطيع الهرب منه ، وأولئك المنافقون لن يستطيعوا الإفلات من الموت ، ولكن هذا الرد الجاد احتوى على جملة اعتراضية ساخرة وهو قوله تعالى : " ـ وقعدوا ـ " ، أى يصف حال أولئك " الفلاسفة"بأنهم فى داخلهم جبناء جبنوا عن المواجهة ،وبعد انتهاء المعمعة أخذوا يتشدقون ويزايدون وينتقدون متناسين إنهم آخر من يتكلم فى الحرب وابعد من يشارك فيها .

3 ــ ومنه هذا الذى نسى نفسه ونسى خلقه وممّ جاء فأخذ ينكر البعث ، قال عنه جل وعلا : (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا ـ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ـ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ  ) ( يس 78  ).  جملة ( ونسى خلقه ) إعتراضية ساخرة ، تذكّر بما جاء فى نفس السورة فى الآية السابقة : (أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77)  )

ودائما : صدق الله العظيم .

اجمالي القراءات 5097

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (3)
1   تعليق بواسطة   عثمان محمد علي     في   السبت 02 ديسمبر 2017
[87608]

اعتقد انها ( 2 من 2)


استاذنا  دكتور -منصور - ربنا يبارك فيك ...



اعتقد ان المقالة ( 2- من 2) وليست (1 من 2) .....وهل إعادة كتابة المُقدمة نفسها فى المقالتين مُتعمد ، ام يحتاج إلى تصحيح ؟؟؟



تحياتى .



2   تعليق بواسطة   سعيد علي     في   السبت 02 ديسمبر 2017
[87609]

المقال يبدأ من : مدخل لعلم جديد فى القرآن الكريم : ( الجملة الاعتراضية ) : ( 2 من 2 )


صحيح دكتور عثمان فالمقال يبدأ من : مدخل لعلم جديد فى القرآن الكريم : ( الجملة الاعتراضية ) : ( 2 من 2 ) .



يبد أن الدكتور أحمد من فرط حماسه نشر المقاليين في مقال واحد .. لا بأس فهو موضوع جديد و رائع كالعادة و لفهم المقال الثاني لا بد من الرجوع للمقال الأول .



3   تعليق بواسطة   آحمد صبحي منصور     في   السبت 02 ديسمبر 2017
[87610]

حدث سهو أحبتى ..


على رأى سامح ابنى : بدايات الشيخوخة ..

أرجو أن تلاحقونى بالتصحيح ، فأنا أعمل فى أكثر من موضوع .. من متابعة الرد على الفتاوى والايميلات وبرنامج لحظات قرآنية ومتابعة الموقع واستكمال كتب لم انته من مقالاتها .. وساعات اكتب فى موضوع فيقفز عقلى المشاغب الى موضوع آخر ، بدا من خلال آية قرآنية ... وفى كل مرة ينتابنى العجز أمام روعة القرآن الكريم .!

أكرمكم الله جل وعلا ..

أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4383
اجمالي القراءات : 41,174,686
تعليقات له : 4,660
تعليقات عليه : 13,558
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي