الشدة المستنصرية: ( 2 من 2 ): حين جاع الخليفة المستنصر والمصريون سبع سنين

آحمد صبحي منصور في الخميس 31 اغسطس 2017


الشدة المستنصرية: ( 2 من 2 ): حين جاع الخليفة المستنصر والمصريون سبع سنين

‏مقدمة :

1 ـ هذا خليفة يزعم أنه ( المستنصر بالله ) وهو شأنه شأن بقية الخلفاء ـ كفر بنعمة الله ، وكان من الذين بدلوا نعمة الله كفرا ، فحاق به وبملكه البوار ، وصار عبرة لأولى الأبصار ، وحقّ فيه قول الله جل وعلا : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) ابراهيم  ) .

2 ـ هو أطول حاكم فى تاريخ المحمديين ، وشهد بنفسه جنوده يسلبون كنوزه ويذلُّونه إذلالا ، وشهد عصره أقسى وأطول مجاعة ضربت مصر ، كان هو السبب الأكبر فيها بضعفه وفشله وعجزه عن كبح جماح جنوده . بدأت بنقصان  معتاد للنيل ، ولكن فى ظل إنهيار أمنى وحروب بين الجنود الأتراك والجنود السودان ، وصلت للريف مع تفرق الجنود السودان فى الريف المصرى يعيثون فيه فسادا ، ويمنعون الفلاحين من الزراعة ، وبهذا تحول الغلاء الى مجاعة  أسفرت عن وباء بسبب كثرة الجثث ، ومات ما لا يحصى من المصريين ، وتعرض المستنصر للجوع ، وأرسل أولاده وبناته خارج مصر. هذا هو ملخص الشدة العظمى فى عهد المستنصر الفاطمى ، والمرتبطة باسمه ( الشدة المستنصرية )  والتى إمتدت من عام 457 الى 464 ( 1065 : 1071 ) . ونعطى بعض التفصيلات :

 أولا  ـ  نورد بعض الملاحظات :

  1 : حدوث المجاعات كان خبرا عاديا فى تاريخ العصور الوسطى ، وتحدث فيها غرائب من الجوع . فى عام 334 فى بغداد ، كان الخليفة هو المطيع ، وكان رعاع الحنابلة مسيطرين على الشارع  فى بغداد ، ويرعبون الخليفة ،  قال أحدهم ‏:‏   ( سمعت المطيع لله يقول‏:‏ وقد أحدق به خلق كثير من الحنابلة حزروا ثلاثين ألفًا فأراد أن يتقرب إليهم فقال‏:‏ سمعت شيخي ابن بنت منيع يقول‏:‏ سمعت أحمد بن حنبل يقول‏:‏ إذا مات أصدقاء الرجل ذل‏.‏ ) .

بعد هذا الخبر يذكر ابن الجوزى أحداث المجاعة فى هذا العام فى بغداد : ( وفي يوم الأربعاء لأربع خلون من شعبان‏:‏ وجدت امرأة هاشمية قد سرقت صبيًا فشوته في تنور ، وهو حي ، وأكلت بعضه . وأقرت بذلك . وذكرت أن شدة الجوع حملها على ذلك ، فحُبست ثم أخرجت وضربت عنقها . ووجدت امرأة أخرى ـ هاشمية أيضًا ــ قد أخذت صبية فشقتها بنصفين ، فطبخت النصف سكباجًا والنصف الآخر بماء وملح  ، فدخل الديلم فذبحوها  ، ثم وجدت ثالثة، وقد شوت صبيًا ، وأكلت بعضه فقتلت‏.‏ .. وأكلوا الجيف ، وإذا راثت الدواب اجتمع جماعة من الضعفاء على الروث فالتقطوا ما فيه من حب الشعير فأكلوه  . وكانت الموتى مطرحين فربما أكلت الكلاب لحومهم . وخرج الناس إلى البصرة خروجًا مسرفًا فمات أكثرهم في الطريق،  ومات بعضهم بالبصرة ، وصار الضعفاء يفنى أكثرهم ، وصار العقار والدور تباع بالرغفان من الخبز ، ويأخذ الدلال بحق دلالته بعض الخبز‏.‏) وباع أحدهم مقدار حنطة بعشرة آلاف درهم‏.‏.!

2   : مهما يكن فقد كانت المجاعات فى العراق والشام حادثا عرضيا ، ولكنها كانت فى مصر جزءا مستمرا فى تاريخها الماضى . مصر صحراء قاحلة يشقها نهر النيل ، وهذا النهر سبب نعمتها وسبب نقمتها . النقمة فى أنه يجعل التاريخ المصرى يتركز حول فرعون يملك الأرض ومن عليها لأنه يتحكم فى النيل ، يقوم بالاشراف على جسوره وقنواته والرى والصرف بدولة مركزية تتحكم فى كل شىء ، من الترع والقنوات الى الفلاحين والموظفين . ومن نقمته أن هذا النيل ينحسر أو يزيد ، وفى الحالتين تتعطل الزراعة وتشتعل الأسعار ، وتختفى المحاصيل ، يتلاعب بها التجار . الفرعون القوى يسارع بالتدخل فينجح فى كبح جماح الأسعار حتى لا يتحول الغلاء الى مجاعة . على ان المجاعات فى مصر كانت ـ فى الأغلب ـ ترتبط بوجود فرعون ضعيف فاشل . ونعطى مثلا بجوهر الصقلى الذى فتح مصر للفاطميين ، يقول عنه المقريزى فى أحداث عام  359 : ( ودخل جوهر والغلاء شديد ، فزاد في أيامه ، حتى بلغ القمح تسعة أقداح بدينار‏.‏ )   إرتبط هذا بخلل فى الأمن ، فماذا فعل جوهر الصقلى ، يقول المقريزى : ( وكثر الفساد في الطرق ، فضرب جوهر أعناق جماعة ، وصلبهم في السكك‏.‏) . وفى مواجهة تلاعب التجار أحكم جوهر سيطرته على المحاصيل الزراعية وعاقب التجار الجشعين ، يقول المقريزى :  ( وفي سلخ ربيع الآخر زاد الغلاء ونزعت الأسعار .. فضبط الساحل ، وجمع القماحين في موضع واحد  ، ولم يدع كف قمح يجمع إلا بحضرته . وضرب أحد عشر رجلا من الطحانين، وطيف بهم‏.‏ ) ، ويقول : (  فجمع سماسرة الغلات في مكان‏.‏ وسد الطرق إلا طريقا واحدا ، فكان البيع كله هناك ، ولا يخرج قدح غلة حتى يقف عليه‏.‏). ولم ينس المعز الفاطمى أن يقوم بمسئولية مصر نحو الحجاز ، والذى كان تابعا لها ، يقول المقريزى : ( ...‏ وأنفذ المعز عسكرا وأحمال مال عدتها عشرون حملا للحرمين وعدة أحمال متاع‏.‏ ).  

3 ـ إختلف الحال مع هذا الخليفة العاجز الفاشل . يروى ابن كثير فى تاريخه ( البداية والنهاية 12 / 122 عن الشدة المستنصرية ، يقول (كان غلاء شديد بمصر ، فأكلوا الجيف والميتات والكلاب، فكان يباع الكلب بخمسة دنانير، وماتت الفيلة فأكلت ميتاتها، وأفنيت الدواب فلم يبق لصاحب مصر سوى ثلاثة أفراس، بعد أن كان له العدد الكثير من الخيل والدواب، ونزل الوزير يوماً عن بغلته، فغفل الغلام عنها لضعفه من الجوع، فأخذها ثلاثة نفر فذبحوها وأكلوها، فأخذوا فصلبوا فما أصبحوا إلا وعظامهم بادية، قد أخذ الناس لحومهم فأكلوها‏.‏ وظُهر على رجل يقتل الصبيان والنساء، ويدفن رؤسهم وأطرافهم، ويبيع لحومهم، فقتل وأكل لحمه‏.‏ وكانت الأعراب يقدمون بالطعام يبيعونه في ظاهر البلد، لا يتجاسرون يدخلون لئلا يخطف وينهب منهم، وكان لا يجسر أحد أن يدفن ميته نهاراً، وإنما يدفنه ليلاً خفية، لئلا ينبش فيؤكل‏.‏ )

 ثانيا :  ـ أورد المقريزى تفصيلات مزعجة فى تاريخه :(اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء ):  

1 ـ عن ارتباط بداية المجاعة بنهب جواهر المستنصر يقول المقريزى فى أحداث عام 460 : ( واشتد الغلاء بمصر ، وقلت الأقوات في الأعمال وعظم الفساد والضرر ، وكثر الجوع حتى أكل الناس الجيف والميتات ) هذا عن الجوع ، ويقول بعدها عن انهيار الأمن : ( ووقفوا في الطرقات يخطفون من يمر من الناس فيسلبونه ، ما عليه مع ما نزل بالناس من الحروب والفتن التي هلك فيها من الخلق ما لا يحصيهم إلا خالقهم‏. ) . وعن تأثير هذا على ما إشتراه التجار من منهوبات القصر الفاطمى يقول : ( وخاف الناس من النهب ، فعاد التجار إلى ما ابتاعوه من المخرج من القصر يحرقونه بالنار ليخلص لهم ما فيه من الذهب والفضة‏. فحرقوا من الثياب المنسوجة بالذهب والأمتعة من الستور والكلل والفرش والمظال والبنود والعماريات والمنجوقات والأجلة ومن السروج الذهب والفضة والآلات المجراة بالميناء والمرصعة بالجوهر شيء لا يمكن وصفه، مما عمل في دول الإسلام وغيرها‏.)‏

2 ـ واستمر الربط بين الانهيار الأمنى الذى تسبب فيه العسكر فى قول المقريزى فى أحداث العام التالى :  461 ‏ :   ( وفيها عظم الغلاء بمصر واشتد جوع الناس لقلة الأقوات في الأعمال وكثرة الفساد . ).

 وعن الجرائم المتصلة بالجوع يقول : ( وأكل الناس الجيفة والميتات ، ووقفوا في الطرقات فقتلوا من ظفروا به ) وعن غلاء الأسعار قال : (  وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط ( من الأرض ).! وبلغت رواية الماء دينارا ، وبيع دار ثمنها تسعمائة دينار بتسعين دينارا اشترى بها دون تليس دقيق‏ ) أى أقل من تليس . والتليس مكيال وقتها . وعن الغلاء مع الانهيار الأمنى قال :( وعم مع الغلاء وباء شديد ، وشمل الخوف من العسكرية وفساد العبيد‏. فانقطعت الطرقات براً وبحراً إلا بالخفارة الكبيرة مع ركوب الغرر‏... ) ( وبيع رغيف من الخبز زنته رطل في زقاق القناديل كما تباع التحف والطرق في النداء‏:‏ خراج‏!‏ خراج‏!‏ فبلغ أربعة عشر درهما وبيع أردب قمح بثمانين ديناراً‏. ثم عدم ذلك كله وأكلت الكلاب والقطط ،  فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير‏. وأبيعت حارة بمصر بطبق خبز حساباً عن كل دار رغيف ، فعرفت تلك الحارة بعد ذلك بحارة " طبق " ، وما زالت تعرف بذلك حتى دثرت فيما دثر من خطط مصر‏. وأكل الناس نحاتة النخل. ) .

وعن أكل الناس بعضهم بعضا قال : (  ثم تزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضا‏. . وكان بمصر طوائف من أهل الفساد قد سكنوا بيوتاً قصيرة السقوف قريبةً ممن يسعى في الطرقات  ، فأعدوا سلباً وخطاطيف ، فإذا مر بهم أحد شالوه في أقرب وقت ، ثم ضربوه بالأخشاب وشرحوا لحمه وأكلوه‏.‏ ) .ويروى المقريزى هذه الحكاية المرعبة  : ( قال الشريف أبو عبد الله محمد الجواني في كتاب النقط‏:‏ " حدثني بعض نسائنا الصالحات قالت‏:‏ " كانت لنا من الجارات امرأة ترينا أفخاذها وفيها كالحفر،  فتقول‏:‏ أنا ممن خطفني أكلة الناس في الشدة، فأخذني إنسان وكنت ذات جسم وسمن ، فأدخلني بيتاً فيه سكاكين وآثار الدماء وزفرة القتيل، فأضجعني على وجهي وربط في يدي ورجلي سلباً إلى أوتاد حديد عريانةً ، ثم شرّح من أفخاذي وأنا أستغيث ولا أحد يجيبني ، ثم أضرم الفحم وأسوى من لحمي ، وأكل أكلاً كثيراً ، ثم سكر حتى وقع على جنبيه لا يعرف أين هو ،  فأخذت في الحركة إلى أن تخلى أحد الأوتاد ، وأعان الله على الخلاص،  وخلصت وحللت الرباط ، وأخذت خروقا من داره ، ولففت بها أفخاذي ، وزحفت إلى باب الدار ، وخرجت أزحف إلى أن وقعت إلى الناس ، فحملت إلى بيتي ، وعرفتهم بموضعه ، فمضوا إلى الوالي فكبس. ".

3 ـ وعن حال المستنصر يقول المقريزى : ( وآل أمر الخليفة المستنصر إلى أن صار يجلس على نخ أو حصير، وتعطلت دواوينه وذهب وقاره ، وخرج من نساء قصوره ناشرات شعورهن يصحن‏:‏ " الجوع الجوع .! " وهُنّ يردن المسير إلى العراق ، فتساقطن عند المصلى، بظاهر باب النصر من القاهرة،  ومتن جوعاً‏. ..  وعُدم المستنصر القوت جملةً ، حتى كانت الشريفة بنت صاحب السبيل تبعث إليه كل يوم بقعب من فتيت من جملة ما كان لها من البر والصدقات في سني هذا الغلاء ، حتى أنفقت مالها كله ، وكان يجل عن الإحصاء في سبيل البر.  فلم يكن للمستنصر قوت سوى ما كانت تبعث به إليه وهو مرة واحدة في اليوم لا يجد غيره‏.‏ وبعث بأولاده إلى الأطراف لعدم القوت ، فسير الأمير عبد الله إلى عكا فنزل عند أمير الجيوش ، وأرسل الأمير أبا علي معه وبعث الأمير أبا القاسم والد الحافظ إلى عسقلان وسيره أولا إلى دمياط ولم يترك عنده سوى ابنه أبي القاسم أحمد‏.‏ وبعث المستنصر يوما إلى أبي الفضل عبد الله بن حسين بن شورى بن الجوهري الواعظ  ، فدخل القاهرة من باب البرقية ، فلم يلق أحداً إلى القصر ، فجاء من باب البحر ، فوجد عليه شيخاً فقال : " استأذن علي "  فقال‏:‏ " ادخل فهو وحده . " فدخل فلم ير أحداً في الدهاليز ولا القلعة ... ) وقابل الخليفة ، قال الراوى عنه : ( .. فإذا هو خلف باب المجلس ، فبكى ، وبكيت طويلا..! ) ً‏.‏

4 ـ ويحكى المقريزى غرائب تجمع بين الغلاء الفاحش وإنهيار الأمن وشيوع السلب والنهب بين الناس الذين أصابهم الجوع بالجنون . قال : ( ومن عجيب ما وقع ، أن امرأة من أرباب البيوت ، عرضت عقداً لها قيمته ألف دينار على جماعة ليعطوها به دقيقاً ، وهم يعتذرون إليها ويدفعونها ، إلى أن رق لها رجل وباعها به تليس دقيق . فحملته من مصر ،واكترت معها من يحفظه من النهّابة ، وسارت تريد منزلها بالقاهرة ، فسلمه الحملة إليها عند بابي زويلة . فلم تمش به غير قليل حتى تكاثر الناس عليها وانتهبوه منها ، فانتهبت هي أيضا منه مع النهّابة ، فصار إليها ملء يديها دقيقاً ، لم ينبها منه غيره،  فعجنته وشوته ثم مضت إلى باب القصر، ووقفت على موضع مرتفع ورفعت القرصة في يدها حتى يراها الناس ونادت بأعلى صوتها‏:‏ " يأهل القاهرة ..ادعوا لمولانا المستنصر ، الذي أسعد الله الناس بأيامه وأعاد عليهم بركات حسن نظره ، حتى تقوّمت علي هذه القرصة بألف دينار‏.‏!" . ووقف مرة بعض المياسير بباب القصر وصرخ ، إلى أن أُحضر الى المستنصر ، فلما وقف بين يديه قال‏:‏ " يا مولانا هذه سبعون قمحة وقفت علي بسبعين ديناراً كل حبة قمح بدينار في أيامك، وهو أني اشتريت إردباً بسبعين ديناراً ، فنهب مني ، ولم يبق في منه سوى ما وقع بيدي وانتهابي منه مع من نهب ، فعددت ما في يدي فجاء سبعين حبةً من قمح وإذا كل حبة بدينار‏.‏.!" . فقال المستنصر‏:‏ الآن فرج الله على الناس فإن أيامي حكم لها أنه يباع فيها القمحة بدينار‏.‏).

5 ـ وعن ارتباط المجاعة بالنزاع العسكرى بين الجنود الأتراك والمغاربة والجنود السودانيين يقول المقريزى : ( ولم يكن هذا الغلاء عن قصور مد النيل فقط ، وإنما كان من اختلاف الكلمة ومحاربة الأجناد بعضهم مع بعض‏.‏ وكان الجند عدة طوائف مختلفة الأجناس ، فتغلبت لواتة والمغاربة على الوجه البحري، وتغلب العبيد السودان على أرض الصعيد ، وتغلب الملثمة والأتراك بمصر والقاهرة وتحاربوا‏.‏ وكان قد حصل ذلك من بعد قتل اليازوري في سنة خمسين كما تقدم ، فما زالت أمور الدولة تضطرب وأحوالها تختل ورسومها تتغير من سنة خمسين إلى سنة سبع وخمسين ، فابتدأت الشدة منها تتزايد إلى سنتي ستين وإحدى وستين ، فتفاقم الأمر وعظم الخطب واشتد البلاء والكرب‏.‏ وما برح المصاب يعظم إلى سنة ست وستين . وكان أشدها مدة سبع سنين من سنة تسع وخمسين إلى سنة أربع وستين أخصبت كل شر وهلك فيها معظم أهل الإقليم‏.‏ ثم أخذ البلاء ينجلي من سنة أربع وستين إلى أن قدم أمير الجيوش بدر في سنة ست وستين كما سيأتي ذكره إن شاء الله‏.‏  فكانت السبع سنين المذكورة يمد فيها النيل ويطلع وينزل في أوقاته ،  فلا يوجد في الإقليم من يزرع الأراضي ، ولا من يقيم جسوره من كثرة الاختلاف وتواتر الحروب وانقطاع الطرقات في البر والبحر ... )، أى لم يعد العيب فى النيل بل فى الجنود المتحاربين .!

 6 ـ وفى أحداث عام 462 يقول : (  وامتدت الحرب بين الأتراك وعبيد الشراء ثمانية أشهر ، يتحاربون ليلا ونهارا ، فامتنع الناس من الحركة . وجاء النيل ووفّى ( أى وفاء النيل بما يعنى إمكانية الزراعة ) فلم يقدروا على الزرع  ، فتفاقم البلاء بالناس ، واشتد جوعهم وعظمت رزاياهم‏. ) .

7 ـ وأنتشر الوباء ، وعن كثرة الموتى فى هذا العام يقول : ( وفشا مع ذلك الموت في الناس ، فكان يموت الواحد من أهل البيت في القاهرة أو مصر فلا يمضي ذلك اليوم أو تلك الليلة حتى يموت سائر من في ذلك البيت‏. وعجز الناس عن مواراة الأموات ، فكفنوهم في الأنخاخ .  ثم عظمت شناعة الموت، وتضاعف العجز ، فصاروا يحفرون الحفائر الكبار ويلقون فيها الأموات بعضهم على بعض حتى تمتلئ الحفيرة بالرمم من الرجال والنساء والصغار والكبار ثم يهال عليها التراب‏.‏) .

8 ــ مع انهيار الأمن هرب كثيرون من مصر بما معهم من أموال رنفائس ، قال المقريزى : ( ومع هذا تكاثر انتهاب الجند للعامة واختطافهم من الطرقات فخرج أهل القوة من القاهرة ومصر يريدون بلاد الشام والعراق هرباً من الجوع والفتن فصار إلى تلك البلاد عامة التجار وأصحاب القوة ومعهم ثياب المستنصر وذخائره وآلاته التي تقدم ذكر طرف منها‏.‏

9 ـ واستمر الوباء مع الجوع حتى عام   464 ، حيث إنعدم وجود الطعام ، وإحتاج الناس لاستيراده من الخارج ، من صقلية وتونس ( المهدية ) ، قال المقريزى : (  وفيها فُقد الطعام ، فسارت التجار من صقلية والمهدية في الطعام والمرتب‏. فبيع القمح كل كيل قروي زنته تسعة أرطال بدينار نزاري،  ثم بيع بمثقالين ثم بثلاثة ثم فُقد‏. وطبخ الناس جلود البقر وباعوها رطلاً بدرهمين . وبلغ الزيت أوقيةً بدرهمين وأوقية اللحم بدرهم . وبيعت الأمتعة بأبخس ثمن،  وباع الناس أملاكهم‏. ووقع الوباء فألقى الناس موتاهم في النيل بغير أكفان‏.‏).

أخيرا : أخشى أن يعيد التاريخ نفسه فى مصر ..!  كل عام وأنتم بخير .!!

اجمالي القراءات 1946

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (1)
1   تعليق بواسطة   سعيد علي     في   الجمعة 01 سبتمبر 2017
[86997]

أين : توبي هوبر و جيمس ويلي و لوشيو فوليشي و وتيرنسي فيشر و الفريد هيتشكوك من إبن الجوزي و المقريزي




يااااااااااااااااااااالإهي !! ما أظلم الإنسان لأخيه الإنسان !! آه لو قرأ توبي هوبر و جيمس ويلي و لوشيو فوليشي و وتيرنسي فيشر و الفريد هيتشكوك و هم مشاهير مخرجي أفلام الرعب هذه القصص لنالوا أوسكار الرعب و ليذهب أليخاندروغونزاليس إيناريتو – أوسكار أفضل مخرج 2016 عن فيلم العائد - إلى أول عمل له مذيعا في WFM !!!

هذه عصور الظلام الدامس !! برغم أن معهم النور المبين القران الكريم ... لو تدبروا القران الكريم لوجدوا الرزاق الكريم يقول : ( و ألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) المهم هنا هي ( الإستقامة ) و عكس الإستقامة هو الإعوجاج و من أسف أن هناك من يحلم بعودة الإعوجاج !!

التأريخ يعيد نفسه و الأحداث تشهد بذلك !! حفظ الله مصر و أهلها – الطيبين المغلوب على أمرهم - .

سبحان الله .. ما أعظم هذا القران إنه معجزة لم يقدروها !! تغنوا به و رصدوا الجوائز الضخمة لمن – يحفظه – و يرتله و يجوده !!!! و هم أبعد ما يكونوا عنه فلا تدبر و لا عمل و فهم و لا إستيعاب و هم في فلك البعد عنه يسيرون !!

لننظر كيف يتصرف ملوك الخليج بمليارات أرض الله !! و ننظر كيف للصومال ذلك البلد الإفريقي الغني حتى عقود ماضية و هو الذي كان يخرج زكاته لإطعام ( نجد و الحجاز الفقيرة و التي – كانت – تعاني من الفقر و المجاعة و انعدام الأمن ) و ما آلت إليه اليوم من مجاعات متتالية و فقر مدقع و بالضبط كما يذكره ابن الجوزي و ابن كثير و المقريزي !!

الله جل و علا يمهل و لا يهمل لنتأمل قوله سبحانه : (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ) .

 



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 3087
اجمالي القراءات : 24,465,839
تعليقات له : 3,768
تعليقات عليه : 11,589
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي