الاسلاموية هي من أدوات الامبريالية

مولود مدي في الأحد 23 يوليو 2017


 من المسلمات عند أنصار الاحزاب الاسلاموية أن الإسلام كدين يتعرض لمؤامرة غربية استعمارية، مؤامرة يخوضها الغرب ” الكافر ” عن طريق جمعيات وأحزاب لتفكيك القيم الاجتماعية والأخلاقية للمسلمين و نشر الانحلال الخلقي في المجتمعات الاسلامية اضافة الى محاولة تغريب العالم الاسلامي و نشر الثقافة الغربية في الحياة، عن طريق شعارات يسمّونها خادعة مثل التنوير والعقلانية و الحريّة وتحرير المرأة و حقوق الانسان الخ .. لكن مقابل هذه الادعاءات سنفهم مباشرة أن أنصار الاسلام السياسي يعتبرون أنفسهم المدافعين عن القيم الأخلاقية و ثقافة المجتمع المسلم و بشكل عام هم المدافعين عن الاسلام و جميع معارضيهم من علمانيين و ليبراليين و غيرهم هم دعاة الفساد و الانحلال و هم مجرد معول في يد الغرب لتحقيق أجندتهم في العالم الاسلامي, لكن للأسف ان قراءة التاريخ و الواقع في نفس الوقت يؤكد العكس فكيف ذلك ؟.

من بين نقاط الاتفاق بين أطروحات الاسلام السياسي و الامبريالية هو موضوع صراع الحضارات, الاسلام السياسي يتحمّس كثيرا لأطروحة ” هنغتون” التي تبرر تدخلات الامبريالية في الشرق الأوسط .. فالواقع و التاريخ اكدّا أكثر من مرّة أن الصراعات بين الدول و الأمم ماهي الا لأسباب استراتيجية و لتحقيق مصالح اقتصادية و سياسية, لكن الامبريالية في محاولة للتغطية على هذه الحقيقة, تزعم بأن هناك صراع بين حضارتين, الحضارة الاسلامية و الحضارة المسيحية, يعني أنها تحاول تديين الصراعات البشرية بشكل عام, الا أن في الحقيقة الصراعات البشرية لا تأخذ طابعا دينيا الا عند فشل كل طرف في تحقيق الانتصار, فيلجأ الى الدين باعتباره أحد أكبر المؤثرات في السلوك البشري, ليتم أدلجته و تسييسه ليصبح حكرا على طائفة معيّنة, و بعد ذلك يتوهم الانسان أنه من لم ينضوي تحت رايته هو كافر و مهرطق يجب قتله, لقد درست الامبريالية جيّدا تاريخ الفكر الاسلامي, و فهمت بأن المسلمين يزدادون انشاقاقا و تفريقا بعد تديين الصراعات بينهم, فلجأت أيّام الحرب الباردة الى دعم الحركات الاسلامية و المؤتمرات الاسلامية المعادية للاتحاد السوفياتي لاسقاط هذا الأخير و محاولة القضاء على نظام القطبية الثنائية و احلال مكانه النظام العالمي الجديد, فقدّمت الدعم غير المشروط للأفكار الاسلاموية دون أن تكترث بدرجة ظلاميتها و رجعيتها ما دام أنها في خدمة مصالح الامبريالية, فالغرب هو رأسمالي يبحث عن مصلحته الإقتصادية والإستراتيجية فقط ولا تهمه مذاهب الاسلام السياسي، وتناسى هؤلاء أكذوبة روجت بقوة في الماضي، وهو أن الغرب أستعمر بلداننا بهدف تبشير ديني والقضاء على الإسلام، وهذا غير صحيح، وإلا فكيف نفسر إستعمار أمريكا اللاتينية وبلدان مسيحية ضعيفة تحتوي ثروات ومواقع إستراتيجية؟، وكيف نفسر عدم إهتمام الإستعمار الأوروبي في القرن 19 وبدايات القرن 20 بشبه الجزيرة العربية التي تضم البقاع المقدسة الإسلامية؟، وينطبق نفس الأمر على اليمن الشمالي عكس الجنوبي؟، فلم تستعمر هذه المناطق إلا لأنها صحراء قاحلة لا فائدة مرجوة منها آنذاك، أي قبل إكتشاف النفط فيها، وتم ذلك في مرحلة تغير النفوذ من الإستعمار المباشر إلى نفوذ ناعم وغير مباشر، أو ما يسميه البعض بالإستعمار الجديد، لكن أستعمرت بريطانيا جنوب اليمن في عام 1838 عكس شماله لإمتلاكه ميناء عدن الإستراتيجي المتحكم في باب المندب، وهو نفس السبب الذي جعل السعودية تقوم بحربها ضد الحوثيون الموالين نسبيا لإيران خوفا من وصول ايران الى باب المندب وذلك كله خدمة لمصالح أمريكية، وليس مصالح سعودية، وتخشى أمريكا من إستخدام إيران لذلك النفود على باب المندب كأداة ضغط إيرانية على الولايات المتحدة الأمريكية، ولاعلاقة لذلك بصراعات طائفية أو دينية التي ماهي إلا غطاءات تستخدم وتوظف لكسب وتجنيد الغوغاء الذين تحركهم العواطف مثل الكثير من الإسلاميين للأسف الشديد الذين لايفهمون شيئا في الرهانات والصراعات الدولية، وهنا تظهر خطورتهم على مصالح دولهم وبلدانهم في حالة أخذهم السلطة، فحتى لو أفترضنا أن قياداتهم واعية بهذه الرهانات، إلا أنها في أغلب الأحيان هي سجينة قاعدتها الغوغائية، وستخضع لضغوطات هؤلاء الغوغاء التي تحركها الإنفعالات العاطفية لا العقل والحكمة, فيمكن لهذه الغوغائية أن تصبح مبررا لاستعمارنا من جديد, فالاستعمار ليس وليد الصدفة بل هو نتيجة من نتائج انحطاطنا و ضعف تخطيطنا, لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن وسيلة ايديولوجية تتسلل بها الى اراضي العالم الاسلامي لتسيطر عليه, فوجدت غايتها في الاسلام السياسي.

يجهل الكثير من المسلمين أن الدعم الذي يحظى به الاسلام السياسي من طرف الولايات المتحدة هو محاولة خلق جبهة سنّية بقيادة الاخوان المسلمين في مصر لمحاربة النفوذ الايراني الذي أسموه ” المد الشيعي ” و كأن الشيعة يتواجدون في ايران فقط … نعم أمريكا دعمت الاخوان و الدليل أن فور الانقلاب العسكري في مصر سارعت أمريكا لقطع مساعاداتها عن مصر, المعركة هي معركة نفوذ و استراتيجيات و مصالح فضياع الشرق الاوسط من أيدي الامريكان يعني نهاية التسلط الاسرائيلي و من ثم ضياع فرصة استغلال ثروات الشعوب المسلمة و من ثم عودة الخطر الاسلامي على المصالح الغربية الرأسمالية في العالم الاسلامي و هو بداية نهاية القيادة الأمريكية للعالم, لكن هذه النقاط لا يتعرض لها من يدعوا للكراهية و يستغبي عقله و يدّعي أن الصراع هو صراع سنّي – شيعي ناسيا ان دعم هذا الصراع هو دعم لأمريكا التي تريد نقسيم المسلمين على اسس دينية لان ذلك التقسيم يعني استحالة توحيد الصفوف المسلمة و من ثم انشغالهم بالاقتتال و اعطاء الأمان لاسرائيل لاستكمال مشروعها في ابتلاع الاراضي الفلسطينية تحت غطاء ديني, ان هذا الصراع ليس صراعا سنّيا شيعيا, لان الصراع السنّي الشيعي ليس وليد البارحة بل هو وليد انقسام الصحابة في سقيفة بني ساعدة حول من هو الأحق بمنصب الخلافة, لقد بدأ الصراع حول السياسة لكن تحوّل الى صراع ديني فمن لم يكن سنّيا فهو كافر و من لم يكن شيعيا فهو عدو للصحابي علي و غير ذلك, لكن ماذا لو لم تكن ايران شيعية و كانت صوفية أو أشعرية مثلا ؟ هل ستهتم امريكا و حليفها الاسلام السياسي بالشيعة و اعادة فتح جروح الصراع السنّي – الشيعي المليئ بالمذابح التي لا رحمة فيها و التي طالت حتى صحابة الرسول ؟.

يبدوا أن خطّة الادارة الأمريكية اليوم واضحة في ظل الصراع القائم اليوم في الشرق الأوسط وهي تحويل الصراع في المنطقة من صراع عربي-اسرائيلي يكرس المواجهة ضد اسرائيل كدولة احتلال تسلب حقوق الشعب الفلسطيني وتنفذ ضده أبشع الجرائم الانسانية وتشكل مشروعا استعماريا توسعيا يساهم في كتم ومحاربة كل نفس تحرري في المنطقة الى صراع سني- شيعي يكرس المواجهة بين الدول العربية وبين ايران وحزب الله والنظام السوري وحلفائهم، والاسلام السياسي في تحريضه المستمر على الشيعة من على كل المنابر المتاحة والترويج على أنهم الخطر الاكبر الذي يدهم المسلمين اليوم، يصب في مصلحة الخطة الامبريالية في بث أيديولوجيا مزيفة في الوعي العربي المسلم العام على أن ايران هي العدو والخطر الأكبر الذي يستوجب التحالف مع اسرائيل وأمريكا لمواجهته. والحركة الاسلامية في الداخل لم تكن بعيدة عن هذا الترويج الكاذب من على منابر المساجد ومنصاتهم الاعلامية المختلفة، بالتحريض على ايران وحزب الله وإظهار الشيعة على انهم حاقدون على الاسلام، بالشكل الذي يرضي المشروع الأمريكي ويشفي آماله التفريقية النهبوية.

وكما أن المخطط في تأجيج الصراع السني-الشيعي وهو ما تساهم به حركات الاسلام السياسي إن لم يفض إلى تفتيت المنطقة بشكل تام وتحويلها الى دوليات متحاربة ولقمة سائغة للانتشار الاستعماري، فهو له توابع تتعلق بالحل المطروحمن قبل الادارة الأمريكية والذي يشكل صلب مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تبنته الادارةالأمريكية عام 2004، والذي كان أحد أهم أهدافه المعلنة هو ربط المنطقة الممتدة بينكابول والدار البيضاء وحلب وعدن بمنظومة الناتو الاقتصادية والأمنية والسياسية والاقتصاديةوالثقافية، وهذا الحل الذي يصب في صلب المشروع هو الحل المسمى “بديمقراطية المكونات”أي بناء منطقة يتحدد الانسان فيها ويُعرف ويتفاعل مع مؤسسات الدولة حسب مكونه الطائفيأو الاثني أو الديني، وليس من خلال انتمائه الأيديولوجي كما في الدول الأوربية وأمريكا،كما تم تنفيذه في العراق ويطرح الآن كحل يلوح في الأفق للأزمة السورية، وللإسلام السياسيبالذات الدور الأكبر في تحضير أرضية خصبة لهذا المُخطط وتمكينه، عن طريق تعزيز المكونالطائفي الديني للفرد كأساس لتعريفه وتحديد تفاعله مع المنظومة السياسية ودثر المُكونالوطني الجامع للأفراد وتجريدهم من الأيديولوجيات السياسية، وهذا ما تعيه الادارة الأمريكية جيدًا وتعتمد أيما اعتماد على هذه المساعدة التي يُقدمها الاسلام السياسي.

اجمالي القراءات 4780

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2017-04-13
مقالات منشورة : 59
اجمالي القراءات : 376,242
تعليقات له : 23
تعليقات عليه : 39
بلد الميلاد : Algeria
بلد الاقامة : Algeria