خطبتي جمعة :
من دون الله (1)

عبدالوهاب سنان النواري في السبت 15 اكتوبر 2016


الخطبة الأولی:

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

تبارك الذي نزل الفرقان علی عبده ليكون للعالمين نذيرا ، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا.

إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير.

له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلی الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال.

هو الذي أرسل رسوله بالهدی ودين الحق ليظهره علی الدين كله.

قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.

كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.

آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين.

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون، فإن الحديث عن الشرك والشركيات حديث مهم وطويل ولا تسعه خطبة ولا خطبتين، والحديث عن الشرك ضرورة حتمية لمعالجة ما تمارسه الأمة من مظاهر وعقائد شركية وهي لا تدري. فالغالبية يعتقدون أن الشرك إنتهی زمانه، وأننا علی أحسن حال، ولم تعد لتلك الآيات التي تتحدث عن الشرك والمشركين تلزمنا، فهي فقط للتعبد، الحرف بعشر حسنات والحسابة بتحسب.

والحقيقة أن الآيات التي تتحدث عن الشرك والمشركين بالمئات وأكثر من أن تستقصی، وقد لفتت نظري وأنا اقرأ القرآن الكريم عبارة (من دون الله) التي وردت كثيرا وباسلوب استنكاري، فقررت أن أتدبرها وأستقصي مواضعها في القرآن الكريم، وأجعلها عنوان لخطبة الجمعة ليومنا هذا.

ورددت هذه العبارة الرهيبة بهذه الصيغة حوالي سبعين مرة، ووردت بصورا أخری إلی جانب هذه الصيغة لتتعدی المائة موضع. وهناك دعوني وقبل أن أخوض في تفاصيل موضوعنا أن أوضح لكم الحكمة من وراء تكرار الآيات القرآنية في أكثر من موضع وفي أكثر من صورة، ولماذا هنا آيات لم تذكر إلا مرة أو مرتين، بينما نجد آيات أخری تكررت عشرات بل وبعضها مئات المرات؟

القرآن الكريم كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، فقط نزل بعلم وحكمة، وعلی هذا فالأمور التي لا تحتاج إلی ذكر لم يذكرها القرآن الحكيم، والأمور التي لا تتطلب إلا إلی إشارات بسيطة أشار إليها القرآن الحكيم إشارات بسيطة، والأمور الخطيرة التي تحياج إلی عشرات أو مئات التأكيدات أشار إليها القرآن الحكيم عشرات ومئات المرات.

والشرك من الأمور الخطيرة، والذنوب العظيمة التي لا تغتفر، والتي يقع فيها معظم الناس بعلم أو بدون علم، لذا كان لا بد من ورود كل تلك الآيات القرآنية التي تتحدث عنه وتحذر منه، وتوضح معالمه وعواقبه، كي لا يكون للناس علی الله تعالی حجة يوم القيامة .. وتعالوا بنا نستعرض تلك الآيات التي وردت فيها تلك العبارة الرهيبة (من دون الله) :

من الحقائق القرآنية التي أكدها رب العزة، لعباده هي: أنه ليس للناس من دون الله من ولي ولا نصير، وليس لهم من دون الله من ولي ولا شفيع، وليس لهم من دون الله وكيلا، وأنه جل وعلا الحق وما دونه الباطل، والآيات في هذا الخصوص كثيرة، نكتفي هنا بقوله تعالی: ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (البقرة 107) .. ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير (الحج 62) .

فالذين يدعون من دون الله جل وعلا، لا يخلقون شيئا بل هم مخلوقين بأصلهم، وأكثر من هذا فهم قد أصبحوا في عداد الموتی، ولا يعلمون متی سيبعثون، وفي ذلك يقول سبحانه وتعالی: والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ، أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (النحل 20-21) .

والله جل وعلا، هو مالك كل شيء، هو وحده لا شريك له، وهؤلاء الذين يتم تقديسهم وتعظيم قبورهم، والتوسل بهم، وإحياء مناسباتهم وجعلها من شعائر الله، هؤلاء ليسو شركاء الله تعالی علی الإطلاق، هؤلاء يتبعون ظنون وأوهام وأكاذيب علی الله تعالی, وفي ذلك يقول سبحانه: ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (يونس 66) .

وعلی هذا فقد جعل رب العزة، الشرك من الذنوب التي لا تغتفر، ويبين بأن من يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا، لانهم يدعون من دونه إناثا (لبيك يا فاطمة) أو بالأصح يدعون شيطانا مريدا لعنه الله، شيطانا أقسم علی نفسه بأن يتخذن من الناس نصيبا مفروضا، بأن يضلهم ويمنيهم ويجعلهم يغيروا فطرة الله تعالی، وهكذا يصنع لهم أوثان وقديسين وعقائد ما أنزل الله بها من سلطان، ليصبح من يسير في درب الشيطان (لبيك يا شيطان) خاسرا الخسران المبين، وفي ذلك يقول سبحانه: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ، إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ، لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ، ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (النساء 116-119) .

لماذا كل هذا الخسران؟ لأنهم يدعون من دون مالك الملك، أموات لا يمتلكون حتی أيسط الأشياء، فإذا ناديتهم (يا حسين) لا يسمعوا نداءك، وحتی لو سمعوا دعاءك - وهذا مستحيل - فلن يستجيبوا لك، ولن يفعلوا لك شيء، فهم قد أصبحوا تراب، ويوم القيامة سيكفرون بشركهم، وفي ذلك يقول سبحانه: ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ، إن تدعهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (فاطر 13-14) .

لهذا ورحمة بالناس يبين رب العزة أن هؤلاء الذين تدعون من دون الله جل وعلا، هم عباد مثلكم، أي أنهم أيضا عباد الله تعالی وليسو شركاءه، بل أن حالكم أحسن منهم فهم قد أصبحوا تراب بعد أن تحللت أبدانهم، فأصبحوا عاجزين عن نصرتكم والتجاوب معك، بل وحتی عاجزين عن نصرة أنفسهم، وفي ذلك يقول سبحانه: إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ، ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم ءاذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون ، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولی الصالحين ، والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (الأعراف 194-197) .

ويضرب الله جل وعلا، الأمثال للناس لعلهم يعقلون، فيقول سبحانه: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له (الحج 73) . وهم أيضا لا يملكون لكم زرقا، أنتم فقط بتلك الكرامات التي تنسبونها لتلك لأوثان الموتی، تخلقون أساطير وخرافات، وفي ذلك يقول سبحانه: إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (العنكبوت 17) .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، إنه تعالی ملك بر رؤوف رحيم.

قلت ما سمعتم، واستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، ولوالدي ووالديكم، ولسائر المؤمنين والمؤمنات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

علی كل حال، فالناس فريقين، فريق هداهم الله جل وعلا، لأنهم إهتدوا وبحثوا عن الحق، طلبا للهداية. وفريقا حقت عليه الضلالة، لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله تعالی، فساروا في متاهات الشرك وهم يحسبون أنهم مهتدون، وفي ذلك يقول سبحانه: فريقا هدی وفريقا حق عليه الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (الأعراف 30) .

وقد أورد لنا قصة هداية العديد من الأنبياء والمرسلين، وكفاحهم ونضالهم في محاربة الشركيات وما لقوه من صد وعناء من قبل المشركين، ويأتي علی رأسهم أبو الأنبياء الخليل إبراهيم (عليه السلام) وسنفرد له خطبة كاملة بإذن الله تعالی، في الأيام القادمة، ونكتفي في هذه الخطبة بذكر قصة أصحاب الكهف، وقصة ذلك الرجل الذي جاء من أقصا المدينة يسعی.

وقصة أصحاب الكهف طويلة، ولكن القرآن الحكيم أوجزها في مضمونها وغايتها بمنتهی الروعة، وفيهم يقول الحق تبارك وتعالی: إنهم فتية ءامنوا بربهم وزدناهم هدی ، وربطنا علی قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ، هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ءالهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افتری علی الله كذبا ، وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلی الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (الكهف 13-16) .

وتحكي لنا سورة (يس) عن قصة تلك القرية التي أرسل الله جل وعلا، إليها ثلاثة رسل، ومع هذا لم يلقوا أي تجاوب، وكيف بادر ذلك العبد المخلص في إعلان موقفه بكل صراحة دون مبال بمصرعه، ليلقی الجزاء الحسن من الله جل وعلا، تفاصيل طويلة أوجزها القرآن الحكيم بكل إتقان وإحسان، ليس هذا فحسب بل وخلد رب العزة كلمات ذلك المؤمن بقوله تعالی: وجاء من أقصا المدينة رجل يسعی قال يا قوم اتبعوا المرسلين ، اتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون ، ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ، ءأتخذ من دونه ءالهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ، إني إذا لفي ضلال مبين (20-24) .

وبالمناسبة وقبل أن نختم خطبتنا لهذا اليوم، نوضح الفرق بين القصص التاريخي والقصص القرآني:

- القصص التاريخي جاف ويركز علی عناصر الحدث الثلاثة: (الإنسان، الزمان، والمكان) ويدور التاريخ حول سير الملوك والقادة وغيرهم من الشخصيات المشهورة، مغفلا ومتجاهلا الناس البسطاء، فيأتي حديثه: أن فلان بن فلان، في يوم كذا، في مكان كذا، فعل كذا وكذا .. الخ.

- أما القصص القرآني فلا يهتم كثيرا بهذه التفاصيل، القرآن الكريم يركز علی الموعظة والعبرة وتعليم الدروس، في اسلوب ممتع وشيق ومعجز.

ختاما: يقول الحق تبارك وتعالی: يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ، وسبحوه بكرة وأصيلا ، هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخركم من الظلمات إلی النور وكان بالمؤمنين رحيما (الأحزاب 41-43) .

وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (غافر 60) .

ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ، ربنا وآتنا ما وعدتنا علی رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته علی الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا ، واغفر لنا وارحمنا ، أنت مولانا فانصرنا علی القوم الكافرين.

قوموا إلی صلاتكم يرحمكم الله

اجمالي القراءات 4528

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-11-03
مقالات منشورة : 84
اجمالي القراءات : 675,714
تعليقات له : 60
تعليقات عليه : 66
بلد الميلاد : Yemen
بلد الاقامة : Yemen