خطبتي جمعة :
ذكر الله

عبدالوهاب سنان النواري في السبت 10 سبتمبر 2016


الخطبة الأولی:

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

تبارك الذي نزل الفرقان علی عبده ليكون للعالمين نذيرا ، الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا.

الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين.

هو الذي أرسل رسوله بالهدی ودين الحق ليظهره علی الدين كله.

قرآنا عربيا لعلكم تعقلون.

كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.

آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين.

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون، فإن ذكر الله جل وعلا من أعظم العبادات وأشرفها وأكثرها استمرارية وملاصحة للمؤمن في كل أوقاته وأحواله، وفي الحث علی مداومتها يقول الحق تبارك وتعالی: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ، وسبحوه بكرة وأصيلا (الأحزاب 41-42) .

وسنحاول في هذه الساعة المباركة أن نتناول أبرز وأهم محطات ذكر الله تعالی، وما يتعلق به، وما يترتب عليه، وما يتصل به.

عن خطبتي صلاة الجمعة، يقول الحق تبارك وتعالی: يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلی ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (الجمعة 9-10) .

وذكر الله هنا هو ما يجب أن تتناوله خطبتي الجمعة، من تعظيم وتقديس وتسبيج ونزيه للحق تبارك وتعالی، وذلك لتعزير وتوطيد مكانة الله جل وعلا في قلوب المؤمنين فيزدادوا إيمانا.

وخطبتي الجمعة محطة أيمانية أسبوعية لذكر الله وحده لا شريك له، يترك فيها المؤمن كل أعماله ومصالحه الدنيوية، وينطلق لذكره سبحانه لأنه يعلم أن ذلك خير له، وحتی بعد انقضاء الصلاة والسعي في طلب الرزق فهو مطيع لأوامر ربه ذاكرا له ذكرا كثيرا.

وعن الصلاة نفسها، يقول الحق تبارك وتعالی: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري (طه 14) . وإقامة الصلاة هو أدائها علی الوجه المطلوب، والمطلوب من المؤمن أن تكون صلاته خالصة لذكر الله وحده لا شريك له.

والصلاة في جوهرها هي استدامة ذكر لله وحده لا شريك له، تكبير وحمد وتسبيح وتلاوة للقرآن الكريم، في قيام وركوع وسجود وجلوس، في أوقاتها وكيفيتها المعروفة.

وهذا كله يتم في المسجد طبعا، والمساجد كما نعرف لله تعالی، فهي البيوت التي أذن لنا الله أن نرفعها لنذكر فيها اسمه ونسبحه له فيها بالغدو والأصال، جاء ذلك في قوله تعالی: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال ، رجال لا تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله (النور 36-37) .

والحق تبارك وتعالی لا يكتفي بتوجيهه لنا بأن نذكره وندعوه جل شأنه، بل وينهانا أن نذكر أو ندعو غيره، جاء ذلك في قوله تعالی: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ، وأنه لما قام عبدالله يدعوه كادوا يكونوا عليه لبدا ، قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحدا (الجن 18-20) .

وذكر الله جل وعلا لا يكون إلا من خلال كتابه العزيز، فالقرآن هو الذكر الحكيم، وهو نور الله الذي تنشرح به الصدور، وهو أحسن الحديث كتابا تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلی ذكر الله تعالی، والهدی الذي ما بعده هدی، والذكر الذي ما بعده ذكر، وقد جاءت كل هذه المعاني في قوله تعالی: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو علی نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ، الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلی ذكر الله ذلك هدی الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (الزمر 22-23) .

بالقرآن وفي القرآن وحده نذكر الحق تبارك وتعالی وحده، قراءة تجعل بيننا وبين الذين لا يؤمنون بالأخرة حجابا مستورا، ذكر وقراءة تجعل من علی قلوبهم أكنة عن فهم القرآن، يولون علی أدبارهم نفورا، جاء ذلك في قوله تعالی: وإذا قرأت القرءان جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالأخرة حجابا مستورا ، وجعلنا علی قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرءان وحده ولو علی أدبارهم نفورا (الإسراء 45-46) .

وذكر الله جل وعلا، دافع للتوبة والاستغفار من الذنوب، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالی: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله (آل عمران 135) .

ليس هذا فحسب، بل إن ذكر الله جل وعلا، يمنع وينهی المؤمن عن الإقتراب من الفحشاء والمنكر، نفهم ذلك من قوله تعالی: اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهی عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر (العنكبوت 45) .

والإنسان بطبعه كثير النسيان، لذلك يقول له رب العزة: واذكر ربك إذا نسيت وقل عسی أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا (الكهف 24) .

ولكن المؤمن الحقيقي دائم التفكر والتذكر لله جل وعلا في كل حال وفي كل حين، وقد أشار الحق تبارك وتعالی إلی حالهم بقوله: الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلی جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار (آل عمران 191) .

 

ويعلما الحق وتبارك وتعالی آداب وأوقات ذكره جل وعلا، فيقول: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والأصال ولا تكن من الغافلين (الأعراف 205) . يأمرنا أن نذكره بكرة وأصيلا، وأن نتذلل إليه تذليلا، وفي ذلك يقول سبحانه: واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (الإنسان 25) .. واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (المزمل 8) .

كما يحثنا ويذكرنا وينذرنا ويعظنا الحق تبارك وتعالی، بأن لا تلهنا أموالنا ولا أولادنا عن ذكره جل وعلا، كي لا نكون من الخاسرين، جاء ذلك في قوله تعالی: يا أيها الذين ءامنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (المنافقون 9) .

ويعاتبنا جل جلاله، بقوله تعالی: ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون (الحديد 16) .

ومن باب المصالح والمنافع المشتركة، وهو الغني عن عباده، وحرصا منه علی نجاة عباده، يحرك الحق تبارك وتعالی هذه الغريزة فيهم، فيقول سبحانه: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (البقرة 152) . وذكر الله جل وعلا، لعباده معناه توفيقهم وتأييدهم وحمايتهم ونصرهم .. الخ.

وبهذا يصبح العبد من المفلحين ممن قال فيهم الحق تبارك وتعالی: قد أفلح من تزكی ، وذكر اسم ربه فصلی (الأعلی 14-15) .

كما يصبح العبد من المخبتين، من الذين قال فيهم الحق تبارك وتعالی: وبشر المخبتين ، الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين علی ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (الحج 34) .

يصبح المؤمن بهذا في حالة فريدة من الطمئنينة مع الله وفي الله، حالة يقول الحق سبحانه فيها: الذين ءامنوا وتطمنئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (الرعد 28) .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، إنه تعالی ملك بر رؤوف رحيم.

قلت ما سمعتم، واستغفر الله العلي العظيم لي ولكم، ولوالدي ووالديكم، ولسائر المؤمنين والمؤمنات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

في المقابل يقول الحق تبارك وتعالی، مهددا ومتوعدا كل من يتعامی عن ذكر الله: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطان فهو له قرين (الزخرف 36) .

والشيطان هو الحاظر الغائب، والشيطان يعمل بجد ونشاط ليصدنا عن ذكر الله، وهو لم يقدم استقالته، ولن يقدمها، وساليبه ماكرة، ووسائله متعددة، وفي ذلك يقول سبحانه: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (المائدة 9) .

ومتی ما ابتعد الإنسان عن ذكر الله استحوذ عليه الشيطان، فينسيه ذكر الله تماما، من خلال تقديم البدائل، فيصبح الإنسان من حزب الشيطان، ويصبح ممن قال فيهم الحق تبارك وتعالی: استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (المجادلة 19) .

وعن صفات حزب الشيطان، يقول الحق تبارك وتعالی: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلی الصلاة قاموا كسالی يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (النساء 142) .

ومن أبرز صفاتهم أنهم إذا ذكر الله وحده تشمأز قلوبهم، وإذا ذكر فلان وعلان تجدهم يستبشرون، وفي ذلك يقول سبحانه: وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالأخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (الروم 48) .

وبعد كل هذا، يحدثنا الحق تبارك وتعالی عن ما سيلقاه المعرضون عن ذكره من عذاب، فيقول سبحانه: ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (الجن 17) .

ويقول أيضا: وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ، الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (الكهف 100-101) .

وعن ما ينالونه من ضنك في الحياة الدنيا وعمی في الأخرة، يقول سبحانه: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمی ، قال رب لم حشرتني أعمی وقد كنت بصيرا ، قال كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسی ، وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بأيات ربه ولعذاب الأخرة أشد وأبقی (طه 124-127) .

ويحدثنا الحق تبارك وتعالی عن بكائهم وصراخهم في نار جهنم، مبينا حيثيات جرمهم، بقوله تعالی: قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلی خروج من سبيل ، ذلك بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (غافر 11-12) .

ختاما: يقول الحق تبارك وتعالی: يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ، وسبحوه بكرة وأصيلا ، هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخركم من الظلمات إلی النور وكان بالمؤمنين رحيما (الأحزاب 41-43) .

وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (غافر 60) .

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته علی الذين من قبلنا ، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا ، واغفر لنا وارحمنا ، أنت مولانا فانصرنا علی القوم الكافرين.

قوموا إلی صلاتكم يرحمكم الله

اجمالي القراءات 1923

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2014-11-03
مقالات منشورة : 101
اجمالي القراءات : 480,186
تعليقات له : 52
تعليقات عليه : 48
بلد الميلاد : Yemen
بلد الاقامة : Yemen