ما كل هذا الاستبداد والقسوة مع ليليان داوود؟

سعد الدين ابراهيم في السبت 16 يوليو 2016


من القرارات المعيبة التى اهتزت لها الأوساط الإعلامية فى مصر والوطن العربى قرار الحكومة المصرية بالترحيل القسرى للإعلامية اللبنانية ليليان داوود فى أواخر شهر يونيو ٢٠١٦.

ففى نفس اليوم الذى انتقلت فيه ملكية القناة التليفزيونية، ONTV إلى رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، تم فصلها، وبعد قرار الفصل بدقائق، سارع زوّار من أحد الأجهزة الأمنية بمُباغتة ليليان داوود فى منزلها، وترحيلها إلى مطار القاهرة الدولى، ثم فى أول طائرة متوجهة إلى العاصمة اللبنانية بيروت. وإلى وقت كتابة هذا المقال (صباح الاثنين، الرابع من يوليو ٢٠١٦ لم يكن قد صدر أى بيان من الحكومة المصرية، يشرح مُبررات ذلك القرار، ولا الطريقة العنيفة التى تم بها تنفيذ قرار الترحيل. هذا، رغم أن السيدة ليليان داوود، العربية ـ اللبنانية الأصل، كانت متزوجة من مصرى، ولها منه بنت صغيرة لم تتجاوز السنوات الخمس من عمرها.

إن معرفتى بالسيدة ليليان داوود اقتصرت على الظهور معها فى ثلاثة برامج تليفزيونية، لم يتجاوز أى منها ساعة، ربما كانت تسبقها عدة دقائق للدردشة حول موضوع المُقابلة التليفزيونية، أو حول شؤون عامة أخرى تتعلق ببلدها لبنان، الذى يحبه العرب جميعاً، ويلجأون إليه حينما تضيق بهم أنظمة بلادهم الحاكمة.

وكانت السيدة ليليان داوود تتميز بالذكاء، والوقار، وتنوع المعارف، والتواضع الشديد. وكان الحديث إليها والحوار معها مصدر مُتعة دائماً. وفى خلال سنة من إقامتها فى مصر، كانت ليليان قد قرأت وتعلمت عن مصر، ربما أكثر وأعمق من معظم المثقفين المصريين.

واختلطت معرفة ليليان داوود عن الشأن المصرى العام بحب حقيقى لمصر والمصريين. وكانت تعتقد، فعلاً، وحقاً، أن مصر هى العمود الفقرى للأمة العربية، وأنها الأهم فى حماية الوطن العربى.

ومثل كثير من العرب الذين يُقيمون فى مصر، فإنهم سرعان ما يتماهون مع مصر، وينفعلون فرحاً، أو بهجة، أو حُزناً، لكل ما يُفرح أو يُحزن المصريين. وإذا كانت السيدة ليليان داوود قد فعلت ذلك، أو بدر منها ما ينم عن ذلك فى أدائها الإعلامى، فليكن تقييمها وحسابها هو بواسطة جماعتها المرجعية، أى بواسطة الإعلاميين أنفسهم، وليس الأجهزة الأمنية. فنحن لم نبرأ بعد من تداعيات ومُضاعفات الاقتحام الأمنى لمبنى نقابة الصحفيين المصريين، ولا من تداعيات ومُضاعفات مقتل الباحث الإيطالى ريجينى.

إن تخبط الأجهزة الأمنية فى الحالات الثلاث ـ ريجينى، نقابة الصحفيين، ليليان داوود ـ قد أعاد إلى أذهان كثير من المُراقبين فى الداخل والخارج هواجس عودة «الدولة العميقة» إلى الفضاء العام فى مصر. والمقصود بالدولة العميقة فى هذا السياق، هو سطوة الأجهزة المُخابراتية والمباحثية فى رسم وتنفيذ السياسات العامة، من وراء ستار ـ أى بدون رقابة برلمانية أو شعبية.

والأدهى من ذلك أن أصواتاً متزايدة بدأت تنتقد الرئيس عبدالفتاح السيسى نفسه لثلاثة أسباب على الأقل. أولها، أنه يُفاجئ المصريين بقرارات مصيرية تخص حاضر المصريين ومستقبل أجيال قادمة من أبنائهم، دون أن يتم حولها حوار مُسبق. وآية ذلك مشروع قناة السويس الجديدة، ومثلث التنمية، ومشاريع تنمية سيناء.

ومن هذه القرارات المُفاجئة أيضاً، ذلك الخاص بتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، أو مع دولة اليونان الصديقة، أو ما أعلن عنه بشأن اتفاق مع روسيا لبناء محطة نووية عملاقة فى منطقة الضبعة، على الساحل الشمالى، بين الإسكندرية ومرسى مطروح.

وللأمانة، فإن معظم ما تنطوى عليه هذه القرارات الجمهورية من مشروعات، لا يشك كثيرون فى جدواها. ولكن النقد الهامس هو حول الانفرادية الرئاسية فى اتخاذها. وكأن التفويض الذى كان المصريون قد منحوه للرئيس السيسى لمُحاربة الإرهاب الإخوانى، قد تم توسيعه ليشمل تفويضاً عاماً شاملاً لكل شؤون مصر الداخلية والخارجية.

وما جعلنا نذكر كل هذه الأمور التى تتجاوز شخص الإعلامية ليليان داوود، هو أسلوب الانفراد والمُباغتة. صحيح أن الرئيس عبدالفتاح السيسى، هو رجل عسكرى، وربما كان أسلوب السرية والمُباغتة مطلوب فى تنفيذ الخطط العسكرية، ولكن للحياة المدنية قواعدها وآلياتها، وعنوانها هو الشفافية والعلنية، حتى تتم المُراجعة والمُحاسبة، بواسطة الخُبراء فى الحد الأدنى، وبواسطة الأجهزة الرقابية، وعلى رأسها البرلمان، الذى يمُثل الشعب، صاحب السيادة.

وعودة لموضوع المقال، وهو الإعلامية ليليان داوود، وأسلوب المُفاجأة والمُباغتة الذى تم به، وهو يتنافى لا فقط مع الحد الأدنى من التحضر والإنسانية، ولكنه يتنافى أيضاً مع التقاليد المصرية العميقة والعريقة فى التعامل مع ضيوفها عموماً، ومع ضيوفها من الإخوة والأخوات العرب خصوصاً.

فالذى اتخذ قرار مُباغتة السيدة ليليان داوود وترحيلها من مصر، أياً كان موقعه فى هرم السُلطة، هو مدين لنا، الرأى العام المصرى، بحق المعرفة. وهو مدين لتلك الإعلامية الفاضلة باعتذار شخصى. وأفضل من ذلك، دعوتها للعودة إلى وطنها الثانى مصر، وإلى الملايين من المُعجبين الذين كانوا ينتظرون برامجها الجادة بالشوق والإعجاب. ولا حول ولا قوة إلا بالله

وعلى الله قصد السبيل

اجمالي القراءات 4321

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-03-23
مقالات منشورة : 217
اجمالي القراءات : 1,849,484
تعليقات له : 0
تعليقات عليه : 410
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt