فقد نبي الله يعقوب لبصره من الحزن:
تغريبة بني إسرائيل 5 - عودة الإخوة

محمد خليفة في الجمعة 19 فبراير 2016


الجزء الثالث : بداية الإرتحال إلى الحدود الشرقية من مصر

                                         وقد جاء وصفها في الآيات من   80  إلى  98

تغريبة بني إسرائيل

 

المقصود بتغريبة بني إسرائيل، هو تركهم لبلادهم في أرض كنعان، من حيث ينتشر الجدب والجفاف وقسوة الظروف المعيشية، والإلتجاء إلى الغرب، إلى حيث يتوافر الطعام لهم ولأنعامهم، وإلى حيث الآمان الذي يوفره لهم وجود واحد منهم - نبي الله يوسف -  على رأس السلطة، والإطعام من الجوع والأمان[1] من الخوف هما شقي الرحا اللذان يطحنان المرء إذا ما إفتقدهما .

وقد تعني التغريبة ..، أنهم بعد أن تركوا الأرض التي تربوا عليها، وفيها مراتع صباهم، وفيها أيضا قبور أبائهم، وديارهم وديار الجدود، مجالس السمر الليلية حول النيران المتخافتة، جلسات القضاء العرفية التي تفض فيها المنازعات، وتعقد فيها الصفقات ، وتتم فيها الزيجات والمفارقات، هذه كلها تتحول إلى مكونات وجدانية تبني جبالا من الذكريات، التي يتوازن بها الإنسان، يستدعيها إذا كان في الأمر ضرورة لإستجلاء أبعاد حدث مماثل وإثراء لخبراته ومعارفه، ويهرب إليها إستـنتاقا لإنبعاثات السعادة في تداعياتها .

فإن حدث  وتكالبت عليهم مصائب الدهر، وطحنتهم أحجار الرحا بين فكيها، فما من بد والأمر كذلك، إلا بالإقلاع عن المكان هربا إلى مكان آخر غريبا عنهم، كالباحث عن ضياء خافت يعطي بصيصا من رجاء في هذا المجهول اللذين يسعون إليه، أملا في تحسن الأحوال بعد التغريبة.

وتغريبة بني إسرائيل، تم لها شقها الأول -  حدوث الجدب والجفاف الملزم لمغادرة المكان -   وكان لظهور يوسف المفاجئ نجما في سماء الأحداث، ومخططا عاما لها، الأثر الحتمي في الإسراع بإكمال شقها الثاني

وهي الرحيل عن الديار في تغريبة طويلة، قدرت بمئات من السنين، حتى قدر لهم العودة المترددة الواجفة مع نبي الله موسى.

وتغريبة بني إسرائيل ، والتي نتحدث عنها حدثت أثناء وجود يوسف في بلاد غريبة قريبة  ، قائدا عاما لمسيرة الإنقاذ من مجاعة حتمية ، لولا فضل الله ، وهو على رأس السلطة ،ولا يعلوه فيها إلا ملك البلاد ، وكان نبي الله يوسف قد بدأ مخطط استدعاء أهله جميعا وتوطينهم معه – حيث كان يقيم – بمجرد ما أن وقعت عيناه على إخوته في أول قدوم لهم يسألون الميرة ، ولم يكن ليوسف من بد من هذه الفعلة الطيبة ،  لأنه وفيُّ بأهله بارُ بهم، كان عزيزاً عليه ما أعنتهم حريصاً عليهم وهو بهم رؤوف رحيم.

توجب لإنفاذ هذه التغريبة، أن تتم على مراحل ثلاث - بعد نجاح تنفيذ خطة جلب الأخ الشقيق - وأيضا أن تكون لها مقدمات، بدأت منذ الطفولة في مراتع الصبا في صحاري كنعان، حيث كان يقطن نبي الله يعقوب، وقد ورد ذكرها في أوائل الآيات من سورة يوسف، التي تصف وبعمق شديد، الأسباب التي تكون قد دعت لأن يصفها الحق بأنها آيات للسائلين ..!!

وبعد هذا الإستعراض المفصل للمقدمات، نعرج إلى النتائج، والتي تضمنت خطة جلب الأخ الشقيق، ثم الإرتحال إلى الحدود الشرقية من مصر إلى حيث المأوى والآمان، وقد جاءت وكما سبق أن نوهنا على ثلاثة مراحل :

 

1.  المرحلة الأولي: عودة إخوته إلي ديارهم بعد استبقاء أخيه 

     ( الآيات من 80 إلى87 )

2.  المرحلة الثانية : أمر نبي الله يعقوب أبناءه بالتحسس عن يوسف وأخيه

     ( الآيات من 88 إلى 93 )

3.  المرحلة الثالثة : كشف يوسف عن شخصيته واستدعاء أهله أجمعين

     ( الآيات من 94 إلى 99 )

لم يكن لنبي الله يوسف إلا إنتظار أقدار الله، بقيام إخوته بخطوات كلا المرحلتين الأولى والثانية، ثم الشروع في عمل خطوات المرحلة الثالثة، والتي فيها ظهرت، حنكة يوسف وفطنته وذكائه وألمعيته، وتجلت أيضا عفوه عما بدر من إخوته، ثم فيها أيضا حدث الإعجاز الخاص بكلا النبـيين الكريمين برد البصر إلى نبي الله يعقوب بعد إلقاء القميص

( قميص الشفاء ) الذي أرسله نبي الله يوسف خصيصا لهذا الغرض، ثم إتمام التغريبة بوصول بني إسرائيل إلي مشارف مصر، وخروج يوسف لإستقبالهم .

 

المرحلة الأولى للإرتحال : عودة إخوة يوسف إلى ديارهم بعد إستبقاء أخيه

 

{ فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) }

 

الآية 80

" فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُخَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْقَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَافَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِيأَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ "

بدأت الاية هنا بحرف التعجيل " ف " أي أن الإجراء الذي سوف يتخذ بعد ورود الكلمة الأولي يأتي فورياً بين إنقضاء زمن الآية السابقة.

والإجراء هنا أنهم إستيئسوا منه، لم تقل الكلمات فلما يئسوا لأن الإستيئاس أكبر وأعمق وأكثر تأكيداً من اليأس فقد حاولوا بالتعظيم والإستعطاف والإسترحام وعرض الحلول البديلة ثم خلع صفات الإستحسان أن يثنوا العزيزعـن أخذ اخيهم لكنه قطع عليهم خط الرجعة بقول معاذ الله أن نكون من الظالمين.

وهنا وصلوا إلي مرحلة ما بعد اليأس وهي الإستيئاس بعدها خلصوا إلي أنفسهم يعني استخلصوا أنفسهم من المشهد السابق ومن الجموع المحتشدة وصاروا منفردين يتناجون وهي من النجوي وهم أفضل ما يقوم بها أو يمكن أن يذهب القول إلي أنهم نجوا بأنفسهم من الموقف المتأزم ونجيا هنا تكون من النجاه.

وسواء كانت نجيا من النجوي أو من النجاه أو منهما معاً فإن ما يهمنا هو الإستطراد مع كلمات الآية ،" قَالَ كَبِيرُهُمْ "

وكبيرهم هذا هو - أغلب الظن - من قدم بديل التخلص منه بإلقاءه في الجب بدلاً من قتله، وهو أغلب الظن الذي قدَّم القميص الملطخ بالدم الكذِب إلي أبيه،- وهو ما أطلق عليه قميص البلاء - وهنا في هذه الآية كان هو بذاته أكثر من حمل هم العودة إلي أبيه دون الإلتزام بما تعاهدوا مع أبيهم عليه ودون  الأخ الذي أؤتمن عليه وتعهد بإعادته سالماً.

وهو أيضا أغلب الظن ما سوف يقدم قميص الشفاء إلي أبيه بعد إنكشاف شخصية يوسف.

هذا هو كبيرهم الذي أراد أن يذكرهم ويذكر نفسه بالعهد الذي قطعوه علي أنفسهم مع أبيهم بإعادة هذا الأخ إليه هذا العهد الذي تم توثيقه مع الله، والله شاهد عليهم فقد ضيعوا هذا الأخ كما ضاع منهم يوسف من قبل بإدعائهم التفريط في الحفاظ عليه فهذه ستكون علي الأب أقصي من الأولى، وسوف تعيد أحزان فقد يوسف إلي ذهن الأب وتقضي علي كل أسباب الإطمئنان إليهم فقد تعهدوا بالحفاظ علي الأخوين وتم فقدانهم لهذين الأخوين فبأي وجه يقابل أباه.

 

وصرح بأنه سوف يمكث في هذه الأرض حتي يعلم أبوه بما حدث ويثق في حدوثه ويسامح الجميع لأنهم لا دخل لهم فيما حدث عندها سوف يعود بعد الحصول علي إذن الأب وتسامحه، والبديل الآخر الذي ينتظره هذا الأخ هو حكم الله في هذا الأمر سواء بالنجاح في المساعي لإطلاق سراح أخوه فيعود معه حراً طليقاً محرراً من عبوديته أو تجري عليه المقادير بالموت وهو حكم الله لكي لا يواجه نظرات أبيه اللائمة أو أي حكم آخر ترتضيه وتقدره العناية الإلهية.

وهو راضي بأي حكم وأي بديل من هذه البدائل لأنها من الله وحكم الله، والله دائماً حكمه خير فهو خير الحاكمين.

 

الآية 81

" ارْجِعُواإِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَاشَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ "

مازال الأخ الكبير يتكلم إلي إخوته ويوصيهم بعد أن يتركوه ويعودوا إلي ديارهم أن يهرعوا إلي أبيهم ليبادروه قبل أن يتساءل عن غياب الأخ الذي إستأمنهم عليه وأخذ عليهم المواثيق بإعادته سالماً معافا وذلك ليبلغوه عن سبب الغياب، ونصحهم بأن يترفقوا بالرجل ويتلطفوا في إبلاغه قدر الإمكان وقولهم يا أبانا إنما هي من الإستهلال الترقيقي، وإننا أيضاً أولادك ويهمنا أمرك كما أن أمرنا يهمك، وإجابة تساؤلك الذي تنطق به عيناك ولهفتك في البحث بيننا عن الأخ الغائب واضحة، ذلك أن ابنك هذا الذي تفتقده (سرق) وتم القبض عليه متلبساً بالسرقة لم يقولوا أنه أتهم بالسرقة فالبينة علي السرقة كانت واضحة والدليل كان قاطعاً ولا تنفع فيها شفاعة ولا في الرد عنه أي بدائل.

 

ثم إستطردت الكلمات

"وَمَاشَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا "

أي أن ما تقوله ليس نقلاً عن مخلوق ولا هو حديث مفتري بل هو (علم شهادة) ولا يوجد يقين أكثر من علم الشهادة فهم يضعون أنفسهم ليس في موقف المشاهدة بل في موقف الشهود والشهود ليس عليهم إلا أن يكونوا صادقين في وصفهم للموقف ولا يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا ذكروها في شهادتهم.

 

لقد شهدوا كل الذي حدث ويكاد الصدق أن يتسرب من خلال كلماتهم وإجماعهم علي مقولة واحدة لهي دليل علي صدقهم هذا بالنسبة لأنفسهم لكن إجماعهم علي مقولة واحدة ليست دليل صدق فقد أضاعوا يوسف ثم أجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأجتهدوا أن يبلغوا أباهم أن الذئب أكله فإجماعهم علي وصف واحد ليس دليل صدق فهم يعلمون ذلك جيداً ويعلمون أن أباهم قد قاسي من ويلات هذا الموقف من قبل عند غياب يوسف.

 

هنا هم صادقين في إدعائهم وفي دعواهم، ففعلاً قد تمت مظاهرالسرقة وتم إستخراج المسروق من وعاء أخيهم وثبتت عليه تهمة السرقة كل ذلك شهدوه بأنفسهم ولم يكونوا يعلمون بالطبع أن شيئاً من هذا يمكن أن يحدث، فلم يكن في مقدورهم ولا في إستطاعه بشر أن يلم بالغيب ولا يعلم هل دسها أحداٌ له؟ أو هي حيلة أو مكيدة ليمنعوا عنا الميرة ... ونحن بخبرتنا بأخلاق أخونا لا نشهد عليه بالسرقة ولكنا شهدنا أيضاً أن صواع الملك المفتقد قد أخرجه رجال الأمن من متاع أخونا وأنه الآن قد صار عبداً مملوكاً لأننا إرتضينا تطبيق شريعتنا علي السارق وهذه شهادتنا حينها بما قد علمنا من شريعتنا ولم نكن وقتها نعلم الغيب أو باتضاح أن أخانا هو السارق.

كان هذا كله وصية الأخ الأكبر أو رئيس الرحلة إلي أخوته، ولكن ولأن هناك سابق موقف مع أبيهم فكان الذي قدره الأخ الأكبر أن أباهم لن يصدقهم لذا أوصي إخوته بما أوصاهم به.

 

 

الآية 82

" وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا  وَإِنَّا لَصَادِقُونَ "

القرية هي مكان الإنتاج ولابد من وجود المسؤول على رأس العمل (أصول المتابعة الدقيقة) أي أن يوصيهم بأن يستشهدوا بمرافقيهم في القافلة من أهلهم وجيرانهم فهم شهود الحدث.

وجاءت " وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ " بمعنى إسال أهل القرية أو أي أحِد من أهلها فكلهم رأوا الحدث وكانوا علي رؤوس الأشهاد بعد آذان المؤذن بالسرقة.

وهى - أي القرية -  وإن كانت جماداً إلا أنها وضعت في موقف المساءلة أي أن حتي الجماد شهد الذي حدث ويمكن أن يشهد عليه إن كان لديك القدرة علي مخاطبة الجماد.

وأيضاً العير وهو كناية عن القوافل وهي من غير العاقل فالمقصود ركبنا هذه العير وأقبلنا فيها أي أننا كنا جزءا منها.

ووصف المكان بالقرية إنما يعني أن التوزيع كان يتم بعيداً عن العمران وعن المدينة فيما يمكن أن يكون قرية البضائع الملحقة بالجمارك في عصورنا الحالية وقبل أن ينتظروا إجابة الأب صاروا يؤكدون له أنه ليس في حاجة لسؤال الجماد ولا الحيوان ولا الناس ولا الشهود وإنما فقط يصدقهم فقد أصدقوه القول هذه المرة.

 

الآية 83

" قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا  فَصَبْرٌ جَمِيلٌ  عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا  إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ "

 

جاءت الثماني كلمات الأولي في هذه الآية بنفس نصها وترتيبها في آية سابقة وهي الآية 18

 

وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ  قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًافَصَبْرٌ جَمِيلٌ  وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ (18)

 

لكن الموقف مختلف  ، ففي الآية 18

كان الفعل قد تم فعلاً بترتيب وتدبير مسبق من إخوة يوسف وكان للتخلص منه وهو كيد بشري كان ناتج الحقد والحسد لذا جاءت  " سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ " أما في الآية 83

هنا إخوة يوسف لم يقوموا بشيء من الفعل ، بل الفعل كله كان من فعل يوسف بوحي من الله وهو كيد إلهي يؤدي إلي الخير وإلي إجتماع يوسف مع أخوه تمهيداً لإجتماع يوسف مع أبويه وباقي إخوته تأويلاً لرؤيا يوسف في أول السورة لكن ومع تجربة الأب في ضياع يوسف ويقينه الحسي والإحساس بأن في الأمر مكيدة من إخوته فقد سحب ذلك الإحساس الذى إستيقنه فى التجربة السابقة علي التجربة الحالية لدرجة أنه إستخدم نفس الألفاظ.

قال   " بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا  فَصَبْرٌ جَمِيلٌ  "

 

إلا أن الملاحظ أن عجز الآية إختلف في الآيتين :

في الآية 18 وليقين الأب بوجود شيء غير طبيعي في الأمر فقد أردفت الكلمات " وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ "

مما يعنى أنه يطلب العون من الله في تقبل وقع صدمة فقد يوسف ويطلب منه الإستعانة به علي ما سوف يحدث من مصاعب ومتاعب في المستقبل.

بمعني أنه يستعين بالله في تجنيد قوي الصبر في النفس ويعينه علي تحمل ما سوف يجيء في المستقبل من الأحداث.

 

أما هنا في الآية 83

فإن إحساس الأب مختلف فهو في هذا الموقف قد لمس الصدق في قول أبناءه، لكن تجربة فقد يوسف جعلته يبادر في حديثه بتهمة الشك لكن كلماته هنا إحتوت دعاء ورجاء من الله أن يأتي بأولاده جميعاً الضائع قديماً وهو يوسف والضائع حديثاً وهو أخوه والضائع تطوعاً وهو أخوهم الكبير أي أن الأب يفتقد ثلاثة من أبناءه لذا جاءت صيغة الجمع، ولم تأتي صيغة المثني كما قد يتبادر إلي الذهن.

هذه الأمنية بأن يجمعه الله بأولاده إنما جاءت من باب  " زد يا كرب ، فكلما زاد الكرب كلما هان "

فقد إستشعر الأب أنه فقد أولاده الثلاثة هي المحنة الحبلي بالمنحة لذا توجه بالدعاء الذي كله رجاء

" عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا "

 

وجاء دعائه بإستخدام أربعة من الأسماء الحسني

الله    ثم       هو      ثم       العليم   ثم       الحكيم

وإستخدامه لصفة العليم هي أن العلم ذاتي منه وهو عليم بكل شيء محيط به وهو حكيم فيما يجريه من تصرفات.

 

الآية 84

" وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ "

 

وتولي عنهم تعني أنه ذهب بعيداً عنهم، أو تواري قليلاً أو حتي أعطاهم ظهره، لكي يتحدث حديثاً لا يودهم أن يسمعوه كأنه يحدث نفسه بعد هنيهة " وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ "

أنه جعل من الأسف كياناً ينادي أو بما يعني بأيها الأسف هلم إلي وأنقذني مما أنا فيه من المصائب التي توالت علي، إنه هنا يذكر مصيبة فقد يوسف كأكبر مصيبة قابلته في حياته وتهون معها كل المصائب أو تصغر أمامها كل مصيبة مهما عظمت وهي حيلة نفسية معروفة في علم النفس، أنه لكي يخفف الإنسان علي نفسه وقع مصيبة ما يذكر مصيبة أكبر جابهما في حياته فتهون معها أو مع ذكرها كل مصيبة، أو يمكن أن يقارن مصيبته بمصيبة أخري أكبر حدثت علي أحد من ذويه المقربين كأن يقارن مثلاً إصابته بالمرض بأحد معارفه الذي أصيب بمرض عضال لا شفاء منه أو يكون الموت نهايته المحتمة المنتظرة .... فتهون مصيبته عليه ومن منا خالي من الإصابة بالمصائب والمثل الشعبي يقول     " من رأي إبتلاء غيره هانت عليه بلواه "

 

المقصود أن يعقوب صار ينادي في نفسه ذكري مصيبة فقد يوسف لتهون عليه المصيبة الجديدة في فقد إبنيه الأصغر والأكبر، لكن الآية تشير إلي أن نتيجة هذا الإستدعاء أن تعاظم الحزن إلي درجة لم تحتملها أعصاب نبي الله يعقوب لا لشيء إلا لأنه إختزنها في نفسه ولم يفرج عنها أو تنفس بها أو باح عنها لمخلوق فكان من نتيحة ذلك أن فقد بصره أو فقد القدرة علي الإبصار.

 

تناولت الآية هنا الوصف بكلمات قلائل  " .. وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ .."

أي أن السبب في فقد الإبصار كان كتم الحزن داخل النفس ، وتدل " فَهُوَ كَظِيم ٌ" علي هذا المعني

فيقال مثلاً كظمت القربة أي أحكمت رباطها أو أحكمت رباط عنقها جداً حتي أنه لا تسمح بنقطة ماء واحدة بالتسرب، بما يعني أنه حزن جداً ولم ينفس عن هذا الحزن بآهة حارة، أو زفرة ساخنة، أو آنة شاكية، أو كلمة باكية، بل إحتملها في نفسه مما أودي ببصره وإبصاره.

 

وهذه حقيقة علمية تعرفها الدوائر الطبية أن الحزن الشديد قد يهاجم أي تجمع عصبي في الجهاز الإنساني فيصيبه بالتلف، فيمكن أن يفقده القدرة علي الكلام فالإصابة قد ألمت بالحنجرة، أو بفقد القدرة علي الإستماع فالإصابة قد نالت من الأذن، وفي حالتنا هذه كانت الإصابة في العين..

فأشارت كلمات الحق إلي طبيعة هذا الفقد الإبصاري ووصفه وصفاً دقيقاً بأن جاءت " ..وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ.."

أي أن علاقة فقده للبصر كانت ذهاب لون العين وهذه حقيقة طبية أخري يعلمها أطباء العيون.[2]

 

الآية 85

" قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِين "

 

سوف نلحظ هنا أن الرد جاء بعد تريث من إخوة يوسف، أي أنهم سمعوا ما قاله أبوهم ووعوه جيداٌ، مع أن همسه به يكاد أن يكون لنفسه، وجاء ردهم متأففاً من بقاء أبيهم لازال يذكر تلك الواقعة التي لا تريد أن تنمحي من ذاكرته فهو يرددها علي مسامعهم ، ونضحت كلماتهم المستنكرة بالملل وبالزهق من تكرار نفس الكلمات.

يعني يا أبانا لازالت تذكر يوسف، ولازالت متحفظاً بذكري آلام فقده، ولازالت مصراً علي ترديد هذه الكلمات علي مسامعنا، يا أبانا إن هذه الذكري الأليمة لن يأتي منها علينا و عليك إلا بكل ما هو مؤلم وضار.

ألا تري أن هذه الذكريات المرة قد تؤدي بك إلي الهلاك أو قد تؤدي بك إلي ذهاب العقل (الحرض هو الذائب عشقاً أو ألماً)

ألا تري أن ذكرك ليوسف يستدعي لك من الألم والمرار، قد يؤدي بك إلي ما لا تحمد عقباه من فقد العقل أو الجنون أو قد يؤدي إلي هلاكك موتاً وحزناً.

 

الآية 86

" قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "

هنا أيضاً نلاحظ أن لهجة الرد بها شيء من الحدة حيث يقول يعقوب لأولاده..    هل شكوت إليكم؟   هل طلبت منكم العون؟     هل لجأت لكم لتنقذوني مما أنا فيه؟     لا والله والكلمات علي لسان نبي الله  يعقوب إنما أشكو شكواي وأعرض أحزاني وأنفس عن همي بالتناجي مع الله.

والشكوي إلي الله عبادة وفي كل مواقف يعقوب كان يرد الأمر إلي الله ويطلب الإستعانة منه

" وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ "            آية 18

ويطلب من الله أن يلهمه جميل الصبر مرتان    " فَصَبْرٌ جَمِيلٌ "      آية 18 & آية 83

ثم هنا جاءت إضافة جديدة     " وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "                        آية 86

وهذه نتيجة منطقية لما جاء في في الآية 68 وكان الحديث وقتها عن يعقوب

" شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ "

 

أي أن يعقوب يعلم من العلم الذي علمه الله أن كل الذي يحدث إنما هو يؤدي إلي ناتج واحد كله خير فقد جاءت الآية 6

" وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ "

وهذه مقصود بها نبي الله يعقوب كما أشرنا في شروح أول السورة ولذا فهو - أى يعقوب - يعلم يقيناً من إشارات رؤيا يوسف أن الخير قادم، واللقاء حتمي، وأن القافلة سوف تسير مهما نبحت الكلاب.

 

الآية 87

" يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ  إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ "

 

مازال يعقوب يتكلم ، بدءاً من الآية السابقة وتوقف فيها أو هو أنهاها بحسم (بأنه يعلم من الله ما لا يعلمون) وكأنه يريد قفل المناقشة في هذا الموضوع، لكنه بدأ موضوعاً جديداً وتوجيه النصح بأنهم عليهم أن يبدأوا عملية بحث دائبة مخلصة، وإستخدم كلمة " تحسسوا " أي أنه لابد وأن يستعمل كل ما هو محسوس وملموس من القرائن والشواهد فضلاً عن إستخدام خواص الإستشعار من المنطق والمتوقع وإعمال الفكر كل ذلك يجند في عملية البحث، وفيها أيضاً التعاقب الهاديء المصر علي الوصول إلي الهدف.

 

ونلاحظ أنه ينصح بأن تكون عملية البحث عن يوسف وأخيه قد يتبادر سؤال إلي الذهن لماذا لم يجمع في طلب البحث أخاهم الثالث وهو أيضاً غائب ولماذ قصر الطلب علي يوسف وأخيه فقط كما أشار إلي ذلك سابقاً في الآية 83

".. عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا .. "   فقد جاءت بصيغة الجمع

وجواب ذلك أن الأخ الثالث قد تخلف في مصر نزولاً علي رأيه، وخشية من مقابلة الأب بعد أن أخذ عليهم موثقاً من الله، فهو أي الأخ الأكبر قد خجل من مواجهة أبوه فقد كان قرار عدم الرجوع نابع من نفسه لكنه حر أن يعود وقتما شاء، أما الحال مع يوسف الضائع قديماً وأخوه الضائع حديثاً هما الجديران بالبحث الدائم الدؤوب والحواس كلها في حالة إستنفاركامل.

وإستمراراٌ في النصيحة لهم بعدم اليأس ليس فقط اليأس المطلق لكنه يأس من رَوح الله وهي ليست رُوح الله فالفارق بين الكلمتين بائن، فأولهما تجيء من الترويح والتنفيس عن النفس والتخفيف عنها بإقتراب حدوث الفرج إنما اليأس فلا يجب أن يكون، والإسترواح من الكرب الخانق بما ينسم علي الأرواح من رَوح الله الندي مشتملاً علي اليقين بالتخفيف من الله والترويح منه، فلا يفعل ذلك - أى اليأس من روح الله - إلا من هم آمنوا بالأسباب وليس برب الأسباب ومسببها وهو خروجُ عن الملة ونفورُ من الإعتقاد وهو الكفر بعينه.

 

ونأتي للمرحلة التالية حيث نستكمل معا أحداث تغريبة بني إسرائيل في مرحلتها الثانية.



[1]
حيث يقول الحق في سورة قريش    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  { لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) }

 

[2]يقال أن رجلاً كانت عنده جاريتان واحدة بيضاء رومية والأخرى سوداءافريقية فقال لهما تفاخرا شعراُ

فقالت البيضاء:

ألم ترى أن البدر لا شئ مثله        وأن تراب الفحم حمل بدرهم

            وأن رجال الله بيض وجوههم        وأن سواد الوجه مثوي جهنم

فقالت السوداء:

        ألم تري أن المسك لا شيء مثله       وأن تراب الجير حمل بدرهم

        ولولا سواد العين ما كان ضوئها       وأن بياض العين لا شيء فاعلمى

طبعاً السوداء هي الأبلغ لأنها أتت بأشياء واقعية أم البيضاء فقد أتت بأشياء معنوية فالبدر لا يقرن بالجمال حقيقة لكنه معني. أيضاً رجال الله ليسوا بيض الوجوه من الناحية الخلقية ولكنه النور الذي ينبعث من وجوههم.

الشاهد أن السوداء أشارت إلي أن أهم ما في عملية الإبصار هو سواد العين وأن بياض العين لا شيء فاعلمي

المسك : دهن بني اللون غامقة يصل إلي درجة السواد ، طيب الرائحة عند التطيب به شديد الإلتصاق بالجسم قليل التطاير فيبقي طويلا ، ويستخرج من غزال المسك من غدة خاصة بجوار الكبد يستخدمها الذكر في نداء أنثاه في موسم التزاوج

اجمالي القراءات 5572

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2011-11-20
مقالات منشورة : 103
اجمالي القراءات : 1,173,858
تعليقات له : 5
تعليقات عليه : 106
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt