أثر التصوف في الشعر في العصر المملوكي :

آحمد صبحي منصور في الثلاثاء 04 اغسطس 2015


كتاب : أثر التصوف  المعمارى والثقافى والاجتماعى فى مصر المملوكية

الفصل الثانى  :( أثر التصوف الثقافى فى مصر المملوكية )

أثر التصوف في الشعر في العصر المملوكي :

 1ــ الأغراض ::ــ

المدح أثر التصوف في المديح عظيم فابتكروا شعر الحب الإلهي والمدح النبوي والتشويق للأماكن المقدسة ثم مدح المريد لشيخه ، هذا بالإضافة إلى ما قام به بعض الشعراء من إنكار على الصوفية:

المزيد مثل هذا المقال :

الحب الإلهي :ــ تطور في القرن السابع وبلغ الذروة على يد عمر بن الفارض وتابعه أخرون كابن الصباع القوصي والدريني والقسطلاني )[1] ومحمد بن إسرائيل ) [2] وشرح الكاساني قصدية ابن الفارض في مجلدين  )[3]..

المديح النبوي :ــنافس الحب الإلهي كسبيل للوجد الصوفي ، ولعلنا لا نجد شاعرا كبيرا في العصر لم يقل في المديح النبوي . وقد عرفت بعض القصائد بالبديعيات وهي ضرب من النظم   حول المديح النبوي وضمنوه أبوابا من البديع ) [4] ..وأعجب المماليك بالمدائح النبوية فكان السلطان قايتباي لا يلتفت لمن يمدحه بالشعر ويقول لو اشتغل بالمدح النبوي كان أعظم من هذه المسالك ) [5].. وعنى الأمير على بن أمير ... بالمدائح النبوية فوجد في تركته لما مات خمسة وتسعون مجلدا كلها مدائح )[6].

ومن الصعب حصر الشعراء المادحين للنبي عليه السلام ولكن نقسمهم إلى نوعين :ــ شعراء صوفية تخصصوا في المدائح النبوية أو أكثر شعرهم فيه ، مثل احمد بن مسعود المادح )[7] ومحمد البديوي المادح [8] وسراج الدين التكريتي [9] والفيومي  وابن سيد الناس [10].،وابن عامرية  [11] وابن حنا وأحمد الخواص [12] وابن الزين  [13] وشمس الدين الطبندي [14]..

وهناك قصائد صوفية ، قالها أكثرية من الشعراء المشهورين كالشاب الظريف وابن نباتة الإسرائيلي [15] من الصوفية وغيرهم [16] .

والبوصيري أشهر المادحين. ومدائحه تنقسم على قسم نظمه قبل ان يحج وقسم بعده ، وفيه قال الهمزية والبردة التي أثبت المحققون كذب أن تتسبب في شفاء صاحبها  [17] . وقد وضع الصوفية لقراءتها شروطا لم يوضع مثلها للقرآن، مثل الوضوء والتوجه الى القبلة وتصحيح الألفاظ والعلم بمعانيها . وعن طريق البردة استمر المغاربة الصوفية والشاذلية فى رغج العسش بعد انهيار الدولة الفاطمية ، فاحتكروا نسخها وتأجيرها وقراءتها في حلقات الأذكار والأفراح ونشروها في العالم الإسلامي .[18] ، وشرحها الحلبي وخمسها [19] ، وعاش ابن عرب من نسخها . وبسبب شهرتها عارضها ـ أى صاغ على منوالها ـ الشعراء المشاهير مثل صفي الدين الحلي وابن جابر الأندلسي وابن حجة الحموي [20] .

ومن خلال المدائح شوّق الشعراء للأماكن المقدسة حيث ابتدأوا به الشعر النبوي [21]..

المـريد وشيخه :ــالبوصيري مدح أشياخه المرسى الشاذلي  [22] ومدح ابن عطاء شيخه المرسي  [23] ، ومدح آخرون البدوي ، ومدح أبوالعز بن حبيب شيخه صالح بن نجم المصري [24]  ، ولا يلزم ان يكون الممدوح حيا يرزق ، فالبوصيرى ــ مثلا ـ  مدح السيدة نفيسة ...

ولقد خيم الركود على العصر المملوكي بأثر التصوف وانعكس ذلك على الوصف الشعري بإغفالهم الأمور واكتفوا بوصف التافه منها [25]....

التـغــــــزل بالـمــذكــــــر ...غرض شعري قديم ولكن ساد في العصر المملوكي بأثر التصوف حتى غلب المديح عند بعض شعراء فتغزل الشعراء في قاض مليح وفي فقيه وفي محدث وفي إمام ومريد وفقير [26] .. وتصدرت قصائد الغزل بالمذكر قصائد المدح  [27] .

وفى التغزل بالنساء كانوا يذكرون المرأة بالمذكّر ، كأنها شاب ، ولم يعد ذلك عيبا كشأن الفساد حسن حين يعُمّ ويستشرى.  وقد روى ابن شاكر الكتبى قصائد للقاضي ابن خلكان يتغزل فيها بالمردان )[28].

ونمثل ــ في الختام ــ بالشاب الظريف وهو شاعر عريق فى التصوف ، فأبوه هو الصوفي الشهير العفيف التلمساني . يقول الشاب الظريف يتغزل فى قاضي القضاة [29]

صدودك هل له أمد قريب    ووصلك هل يكون بلا رقيب

قضاة الحُسن ما صُنعى بطرف  تمنى مثله الرشأ الرتيب

 رمى فأصاب قلبي باجتهاد         صدقتم كل مجتهد مصيب

ويتغزل فى قاضى القضاة حسام الدين الرازى فيقول :

لى من هواك بعيده وقريبه   ولك الجمال بديعه وغريبه

يا من أُعيذ جماله بجلاله   حذرا عليك من العيون تصيبه

هل من حرمة او رحمة لمتيم  قد قلّ فيك نصيره ونصيبه

أؤلف القصائد فى هواك تغزلا  حتى كأن بك النسيب نسيبه 

المفجع هنا ان الشاب الظريف يتغزل فى " قاضى القضاة ". !!

 هذا او اذا كان التصوف قد أثر في ( إتّجاه ) و( كمية ) بعض الأغراض كالمديح والغزل بالذكران ، فانه ابتدع اغراضا جديدة كالحشيشة والتوسل بالأولياء والدعوة للتصوف ،  وأثر ذلك في ناحية أخرى حيث أثار الفقهاء فهاجموا الصوفية بالشعر ..ونعطى بعض التفصيل مع التنويه على أهمية هذه الموضوعات وحاجتها لأبحاث متعمقة .

الحشيشة :ــ اكتشاف صوفي أثار عاصفة فقهية وشعرية بين التأييد من المدمنين والاحتجاج من المعترضين، واحتلت مكان الخمر فى العصر العباسى ، واشتركت كعنصر ـ في أخيلة شعراء الشذوذ الجنسي  والمجون ....

قال ابن الصاحب الصوفي : ..

فى خمار الحشيش معنى رامي      يا أهيل العقول والافهام

حرموها من غير عقل ونقل            وحرام تحريم غير الحرام [30]

وردّ عليه الفقيه  الزركشي ( 745 ــ 794 ) فى كتابه ( زهر العريش فى تحريم الحشيش ) يفنّد رأيه :( [31])

قل لمن قال فى الحشيش جهلا    أو عنادا لمحكم الأحكام

فى خمار الحشيش سرُّ خفىُّ       دقّ تعبيره عن الأفهام

حرموها من غير عقل ونقل     وحرام تحريم غير الحرام

أو ما قلت ان فيها خمارا          وهو قاض بوصفها بالحرام

إن حفظ العقول يطلب عقلا      وهو فرض فى شريعة الاسلام

وفى التوسل الصوفى :

يقول ابن ناشي فى التوسل وتقديس بعض الأولياء الصوفية [32] :

قد كان في الدنيا شيوخ صوالح   اذا دهم الناس الدواهي توسلوا

مفرج منهم في البلاد وشيخنا     أبونا أبو الحجاج ذاك المبجل

وشيخ شيوخ الأرض كان بأرضنا  ابو الحسن الصباغ ذاك المدلل

ويقول العيدروس  فى التوسل بروّاد التصوف [33] :

يا رب بالشيخ الجنيد وخاله      وشقيق والشبلي وشهرة حاله  

وبحبيب العجمي وداود فتى        طىّ  وبصرى وطبب وصاله

وبتسترى الدار سهل وما سرى   بشراه فى الاسرار ومن سلساله

وبزهد ابراهيم صفوة أدهم            وتقبيل الضافى على افضاله   

ويقول العيدروس فى التوسل بالرسول :

يا رسول الله عونا ومدد     انتم الوالد والعبد ولد

يا رسول الله فى جاهك ما       يبلغ القاصد أفضل ما قصد

يا رسول الله مالى عتد          غير حبك ويا نعم العتد

يا رسول الله قوّم أودى         فلكم قوّمت بالدين أود

يا رسول الله هل من نظرة     تصلح القلب سريعا والجسد

يا رسول الله هل من حذبة    تجذب العبد الى التهجى الجدد

يا رسول الله كن لى شافعا   انت والله شفيع لا تُرد

وهذا كُفر شنيع .!!

انكار الفقهاء والشعراء على الصوفية :

إنحلال الصوفية الدينى العقيدى والسلوكى أثار عليهم عاصفة من الاحتجاج أو ( الانكار ) بتعبير العصر المملوكى . وانعكس هذا على الشعر المملوكى .

الطريف ان شعر الفقهاء يتضح من خلال قراءته، بسبب غلبة الاسلوب الفقهى عليه كما يظهر من شعر الزركشى فى الرد على ابن الصاحب فى موضوع الحشيش. على أن كثيرا منهم لم يعلن نسبة القصيدة لنفسه ، ربما خوفا من نفوذ الصوفية ، ومع ذلك فنبرة الفقه والوعظ سمة واضحة..

والشعر ــ فى الإنكار على الصوفيةــ قد ركز على مظاهر التصوف المملوكي وتعرض لها بالسخرية ــ وذلك يوجد لدى أكثر الشعراء الأصليين ــ واما بالتفنيد والرد ــ وذلك واضح في شعر الفقهاء خاصة . ومع ذلك فان هناك فارقا ملحوظا بين الفقهاء والشعراء ، فالشعراء المملوكيون تأثروا بعصرهم وانحلاله وظهر ذلك في شعرهم الساخر اما الفقهاء فقد ارتقوا بالشعر والفاظه ومعانيه حتى في معرض السخرية .ونعطى بعض التفاصيل :

انكار الفقهاء على الصوفية :

وقد أثار الفقهاء انحرافات الصوفية ، وقد سبقت الاشارة الى رد الزركشي على ذلك الصوفى الذي نادى بحل الحشيش . وحفل شعر الفقهاء بالإنكار على السماع الصوفي بما فيه من غناء ورقص طعام ومآدب وأعراض مع ذلك عن القرآن الكريم..

يقول فقيه  :

متى سمع الناس في دينهم            بأن الغُنا سُنّة  تتبــــــــــع

وأن يأكل المرء اكل البعير         ويرقص في الجمع حتى يقع

ولو كان طاوى الحشا جائعا      لما دار من طرب واستمع 

وقالوا سكرنا بحب الاله          وما أسكر القوم إلا القصع

كذلك البهائم إن  أُشبعت                يرقّصُها ريُّها والشبع

الى ان يقول

ويُسكره الناى ثم الغُنا    و"يس " لو تُليت ما إنصدع

فيا للعقول ويا للنُهى               ألا مُنكر منكم للبدع

تُهان المساجد بالسماع       وتُكرّمُ عن مثل ذاك البيع [34]

وقال فقيه آخر ، وقد روى السخاوى هذا الشعر على انه (لأحد السادة الأوائل)(التبر المسبوك 220 : 221 ) وواضح انه فقيه حنبلى :

الضرب بالطار والتشبيب بالقصب   شيئان قد عرفا باللهو والطرب

انى لأعجب من قوم وطيشهم         وان أمرهم من اعجب العجب

إن نقروا الطار أمسوا يرقصون له  شبه القرود ألا سحقا لمرتكب

صوفية أحدثوا فى ديننا لعبا    وخالفوا الحق دين المصطفى العرب

من اقتدى بهم قد ضل مثلهم       سحقا لمذهبهم لو كان من ذهب

اهل المراقص لا تأخذ بمذهبهم  فقد تمادوا على التمويه والكذب

اُنكر عليهم إذا ما كنت مقتدرا   واضرب ظهورهم بالسوط والخشب 

 ويقارن فقيه آخر، يبّن حالهم حين سماع القرآن وحين الغناء فيقول :

تُلى الكتاب فأطرقوا لا خيفة             لكنه أطراق ساه لاهي

وأتى الغناء فكالحمير تناهقوا           والله ما رقصوا لأجل الله

دفُّ ومزمار ونغمة شادن                فمتى رأيت عبادة بملاهى

ثقل الكتاب عليهم لما رأوا                 تقييده بأوامر ونواهى

ورأوه أعظم قاطع للنفس عن       شهواتها يا ويحها المتناهى

وأتى السماع موافقا أغراضها      فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه

ويقارن السماع بالخمر فيقول

ان لم يكن خمر الجسوم فانه   خمر العقول مماثل ومضاهى

فانظر الى النشوان عند شرابه   وانظر الى النشوان عند ملاهى

وانظر الى تمزيق ذا أثوابه         من بعد تمزيق الفؤاد اللاهى

واحكم فأى الخمرين أحق              بالتحريم والتأثيم عند الله ؟

وقال فقيه آخر يائسا ساخرا

برئنا الى الله من معشر  بهم مرض من سماع الغُنا

وكم قلت يا قوم أنتم على   شفا جرف ما به من بنا

وتكرار ذا النصح منا لهم      لنعذر منهم الى ربنا

فلما استهانوا بتنبيهنا     رجعنا الى الله فى أمرنا

فعشنا على سُنّة المصطفى  وماتوا على ( تنتنا تنتنا ) ( أى نغمة الموسيقى )

ويردد فقيه آخر يأسه منهم فيقول

فدع صاحب المزمار والدف والغنا  وما اختاره عن طاعة الله مذهبا

ودعه يعش فى غيّه وضلاله        على ( تاتنا ) يحيا ويبعث أشيبا

وفى ( تنتنا ) يوم المعاد  نجاته      الى الجنة الحمراء يدعى مقربا

وقد أورد ابن القيم الجوزية فى كتابه ( إاثة اللهفان ) قصيدة طويلة يهجو الانحرافات الصوفية فى عصره ـ ولا ينسبها لنفسه ، وواضح انه صاحبها ، ومنها : [35]

لبسوا الدلوق مرقعا وتقشفوا       كتقشف الأقطاب والأبدال

عمروا ظواهرهم بأثواب التقى  وحشوا بواطنهم من الأدغام

ويقول عن طريقهم الصوفى

إن قلت قال الله قال رسوله                 همزوك همز المنكر المتعالى

ويقول قلبى قال لى عن سره           عن سرّ سرّى عن صفا أحوالى

عن حضرتى عن فكرتى عن خلوتى عن شاهدى عن واردى عن حالى

عن صفو وقتى عن حقيقة مشهدى    عن سرّ ذاتى عن صفات فعالى

دعوى إذا حققتها ألفيتها                       ألقاب زور لفّقت بمحال

جعلوا المرا فتحا وألفاظ الخنا           شطحا وصالوا صولة الادلال

إنكار الشعراء على الصوفية :

ولا ريب أن الانكار الفقهى الشعرى على الصوفية قد حفز الشعراء الآخرين فكانت لهم لمحات شعرية متفرقة فى الانكار على الصوفية وبعض مظاهر التصوف ، لا ينبغى إغفالها .

فابن النقيب إعترض شعرا على إستخدام الصوفية الكيمياء للتحايل : فقال :

يا طالب الكيمياء مجتهدا    أو ما تملُّ السؤال والطلبا

دع ابن حيان والشذور وما أُلغز فيها ودونك العتبا

 ( عيون التواريخ : مخطوط 2 / 384 ).

وللصوفية تعبيراتهم الخاصة فى عقائدهم فى الحلول والاتحاد ووحدة الوجود ، ولهم مصطلحاتهم ، وهم يقولونها بإعتبارها دينا ، ولكن الشاعر المصرى المملوكى ـ الظريف خفي الظل ـ البهاء زهير يحاكيهم ساخرا ـ يقول ، وما أروعه :

رفعت رايتي على العشاق             واقتدى بى جميع تلك الرفاق

وتنحى اهل الهوى عن طريقي       وانثنى عزم من يروم لحاقي

سرتُ في الحب سيرة لم يسرها     عاشق في الورى على الاطلاق

ودعانى أجول فى كل ارض             وطبولى يضربن فى الآفاق

مثُل العاشقون فوق بساطى             فى مقام الهوى وتحت رواقى

ضربت سكّة المحبة باسمى                و دعت لى منابر العشاق

كان للقوم في الزجاجة باق           انا وحدى شربت ذاك الباقي

شربة لا أزال اسكر منها              ليت شعري ماذا سقاني الساقي

أنا فى الحب ألطف الناس معنى       دمث الخلق ذو حواش رقاق

........... الخ .... وهي طويلة )[36]

يبدو انه تأثر بأمين الدين الديسرى ت 680  الذي تهكم بأصحاب الاتحاد فأجاد :

متُّ في عشقي معشوقا انا            ففؤادي من فراقي في عنـــا

غبت عني فمتى يجمعني             انا من وجدى منى في فنـــا

أيها السامع تدرى ما الذي        قلت ؟ والله فــ أدرى انـــــــا  [37])

وسادة العصر المملوكى كانوا المماليك والصوفية . لذا يقول شهاب الدين المالكى ينصح من يريد السعادة من أهل عصره بتقليد المماليك أو الانخراط فى التصوف :

إذا شئت أن تحيا حياة سعيدة  ويُستحسنُ الأقوام منك المُقبحا

تزيا بزى التُّرك واحفظ لسانهم وإلا فجانبهم وكن متصولحا ( إنباء الغمر لابن حجر : 2 / 210 )

 والبوصيري كان شاعرا صوفيا ولكن اضطر لهجاء بعض الصوفية من الكتاب والقضاء فيقول )[38]

تنسّك معشر منهم وعُدّوا           من الزهاد والمتورعينا

وقيل لهم دعاء مستجاب           وقد ملأوا من السحت البطونا

وما أخشى على اموال مصر          سوى من معشر يتأولونا

وما أروع البيت الأخير الذى ينطبق على مصر فى كل عصر.

وفى واقعة الأمير المملوكى يلبغا السالمى مع صوفية خانقاة سعيد السعداء وقد إكتشف إنحرافاتهم وفضحهم وعاقبهم ، يقول شاعر :

يا أهل خانقاة الصلاح أراكم    ما بين شاك للزمان وشاتم

يكفيكموا ما قد أكلتم باطلا     من وقفها وقد خرجتم بالسالمى ( خطط المقريزى 4 / 274 ، تاريخ ابن الفرات 9 / 2 / 406 )

وكان النُصيبى شاعرا ظريفا ، وقد إجتمع فى مجلس مع الشيخ الصوفى الحريرى الذى حكى كرامة له انه رأى هرّة تقرأ سورة يس ، فقال النصيبى متهكما : وكان غراب يقرأ سورة السجدة فإذا جاء عند آية السجدة ّسجد وقال: سجد لك سوادى وإطمأن بك فؤادى.( الوافى بالوفيات 1 / 164 ، الطالع السعيد فى أخبار الصعيد للأدفوى : 354 )

 وقد أدخل بعضهم المذاهب الصوفية في الشعر  .

فالحقيقة المحمودية أدخلت في شعر المديح ، وأدخلوا عقائد الحلول والاتحاد في شعر ابن الفارض وغيره ، حيث عبر بعضهم عن الحب الإلهي بتعبير حسى حتى لتحسبه من شعراء التغزل فى المرأة . ويقول أحدهم [39]

لما رأيتك مشرقا في ذاتي      بدلت من حالى ذميم صفاتي

وكان الشرنوبي   ينظم الموشحات الغريبة في معالم  الطريق الصوفى [40] ..

في الأسلوب والمسار : ـــ

1 ــ لبعض الباحثين رأي طيب في الشعر الصوفي [41] وهو رأي صحيح في بعض نواحيه . ومع تحفظنا الدينى على مدائح البوصيرى إلّا أننا نقول من وجهة نظر أدبية نقدية أنها تحوى الصدق في المشاعر ، وهذا عكس الاسفاف فى بقية شعره . ومثله ابن برشق المادح يقول فيه ابن حجر "وكانت مدائحه في الأعيان سافلة وفي المدائح النبوية في الأوج  ) [42] .فالمنهج العلمي لا يناسبه التعميم في الأحكام ، فقد كان من الصوفية من نظم في الحب الإلهي بأسلوب علمي ولغة دارجه يقول ابن حجر عن ابن البصيص " وكان ينظم نظما عاريا من الاعراب على طريق الصوفية ) [43]  ، فالرأي الأقرب للصواب أن كل شاعر صوفي تأثر بمدى ثقافته وموهبته ، واذا كان الشعر الصوفي معبرا عن كل صوفي فإن التصوف نفسه ككل قد أثر على أسلوب الشعر المملوكي ومساره ، فكان ــ خصوصا  في أواخر العصر وسيادة التصوف ــ كما قال أحد الباحثين ( تقليدا لا استقلال فيه وصدى لا حياة فيه وصورة معكوسة في الأيام الخالية وأجدر به اذا كان كذلك الا ان يكون فيه ابتكار ولا تجديد )[44]   .

2 ــ وشاع التضمين الشعرى فى العصر المملوكى ، والتضمين هو أن يدخل الشاعر في أبيانه بيتاً (أو أبياناً) مشهورة، وكأنه يستشهد بها، وعادة ما يضع ما ضمن بين قوسين، كما أنه قد يضمن شعره الأمثال أو الحكم السائرة ليعطيه رونقاً وقوة..ولكن هذا التضمين فى العصر المملوكى كان يعكس التقليد فى الحياة العلمية التى صارت ترديدا لما سبق وشرحا له وتلخيصا للشرح . أى عاش العصر المملوكى عالة على التراث العباسى فى الفقه والحديث والتفسير والتصوف ..وفى الشعر ايضا ، بل كانوا يضعون ما يقتبسونه من السابقين فى شعرهم دون مراعاة للتناسق فى المعنى أو وحدة الموضوع ، لأن الذى غلب ذعليهم هو التناسق اللفظى بين شعرهم و ما يضاهيه لفظا وقافية من أقوال السابقين أو من القرآن الكريم . والتعمق فى هذا الموضوع يخرج عن المنهج ، لذا نكتفى بالاشارة الى ديوان ابن نباته ( 686 : 768 ) ونعطى أمثلة : صفحات 392 ، 425 ، 462 ، 476 ، 477 .

3 ـ وبصمات التصوف واضحة في الشعر المصري بوجه عام وقد عدّ احمد امين من خصائص الشعر المصري العناية غالبا بالجناس اللفظي والذوبان في الحب وتسلط النغمة الحزينة  )[45] . وتلك آثار صوفية ..

العقائد والتعبيرات الصوفية فى الشعر المملوكى

وقد تردد في الأشعار المملوكية عقائد وتعبيرات التصوف .

ففي ديوان البوصيري:  [46]

واختفى منهم على قرب مرآه     ومن شدة الظهور الخفاء 

والكرامات منهم معجزات         حازها عن نوالك الأولياء

وسلام على ضريحك تحصل به           منه قربة وعساء.

 وله :

توسل به في كل ما انت طالب فكم نلت بالتوسل مطالبا

على أننى ما زلت من بركاته   غنيا وفى نعمائه متقلبا

وله

واستمطر البركات من دعواته حيث استقل سحاب راحته الندى

وله

معنى الوجود الذى قام الوجود به   وهل بغير المعانى قامت الصور

وله

وما هو إلا كيمياء سعادة         ووصفي لتلك الكيمياء شذور

وله:

ولم تفته من الأوراد ناشئة في   ليلة قام يحييها ولا سحر

وله :

 قرن الوزارة بالولاية فهو في    حبل من التقوى ومن إحرام   

وفي ديوان الشاب الظريف يقول فى تأليه أبيه الشيخ عفيف الدين التلمسانى   [47]

                    يا حاضرا غابت عشاقه         عن كل ماض في الزمان وآت

إلى أن يقول  : وأرى الوجود بأسره رجع الصدى     وأرى وجودك منشأ الأصوات

وفي ديوان االبهاء زهير :  ) [48]

لك في الأرض دعاء       سدّ آفاق السماء

يسّر الله للقياك               سرور الأولياء

وله يُحاكى أسلوب الاتحاد الصوفى ولكن بطريقته الظريفة الخفيفة :

انا في الحقيقة انتمو     وهذا اعتقادي فيكمو

فالحب منى فيّ        والاعراض منكمو عنكمو

وفى ديوان ابن نباته )[49]

من له في طريق الزهد             حال وفي المشكلات كشف

وله:

يا شيخ اهل العلم والزهد      سادات أهل الرفق والرقعة  

لي خوفة ضاعت وانت الذي         نلبس من عرفانه الخرقة

قد وصف ابن الخيمس سبحة سوداء ) [50] 

ويقول ابن كميل  )[51]

قلت لما جاءنى صباحا        يسئل عيني عن المنامات

يا سائل العين عن كراها        صبحت بالخير والكرامات

وظهر أثر علم الحرف الصوفي بالشعر في أواخر العصر خاصة وذلك بالتأريخ بحروف الجمل . فنظم الجعبرى قصيدة ذكر فيها الخلفاء كلا منهم بلقب وعمره ومدة خلافته بحروف الجمل )[52]

وقال آخر على سبيل المثال : )[53]

ان الرفاعي امام الاولياء      لا ثم كف خير خلق الله

مولده وعمره وموته          أرّخه غيبا   بشير الله 578

ورقم 578 هو حساب جملة ( بشير الله ) وهو فى نفس الوقت تاريخ وفاة الشيخ الصوفى  الرفاعى .

 ومن ناحية أخرى أدى شيوع الرمز الصوفي الى الجهل وظهور الشعراء الأميين الذين يسترون جهلهم بقول كلام مُبهم غريب ، يزعمونه رمزا صوفيا . ومن هؤلاء الشيخ ابي النجا الفوى الصوفي ، وقد كانت له موشحات غريبة منها (أيها النموس يطلع كاقادوس ملا واندق روس ..... الخ )[54] .

وذكر شعراء أميون من غير الصوفية كالأمير بيبرس الفارقاني وابن الربيع الخياط وابن أسد وغيرهم [55]...



[1]
ــ على صامى حسين : ابن الصباغ القوصى 223 ، 223

[2]ــ زغلول سلام : الأدب في العصر المملوكي 2ر 111

[3]ــ الوافى بالوفيات 2/ 140   

[4]ــ زغلول سلام 1ر 228 ، 2ر 110 ، 111

[5]ــ النور السافر للعيدروس 15

391 الدرر الكامنة 3ر 99

 392 ـ الصفدى : نكت الهميان 115 : 116

 :  393 : النجوم الزاهرة 12 / 116

394 ــ  عقد الجان مخطوط وفيات 712 لوحة 466

 

395 ــ  البدر الطالع للشوكانى 1ر 37 / 2ر 251

396 ــ  السلوك 4ر 1ر 816

 

397 ــ  الدرر الكامنة 1 / 264 و الضوء اللامع 2ر 262

398 ــ السلوك 4ر 1ر 816

399 النجوم الزاهرة 15 / 490 تاريخ ابن اياس 2ر 229

 

  

   

[15]ــ  راجع ديوان ابن نباتة 1 ، 3 ، 4 ، 180 :  ـ 183 290، : 293 ، 372 ، 375 ، 428 : 429 و ديوان الشاب الظريف 56 : 154 المنهل الصافي 1 ؟ 31

[16]ــ   المنهل الصافي 3ر 348 ، 5ر 279 ، الدرر الكامنة 1ر 25 ، 2ر 385 ، 3ر 23  ، التبر المسبوك 22 ، 11، 111 الضوء اللامع 4ر 252 الوافى بالوفيات 1ر 266 الذيل على رفع الأصر 134

 

[17]ــ  كيلانى مقدمة ديوان البوصيرى 25 : 27 انظر المنهل الصافى 4ر 687 ، 688

[18]ــ  نفس المرجع السابق : كيلانى

[19]ــ المنهل الصافي 3ر 437

[20]ــ عقد الجمان وفيات 830 لوحة 201

[21]ــ ضحى الاسلام 4ر 203 زغلول سلام الأدب في العصر المملوكي 1ر 231 رزق سليم:  صفى الدين الحلى  66

[22]ــ ديوان البوصيري 201 : 212 المنهل الصافي 3ر 75 قوات الوفيات 2ر 485 : 486

408 ـ  ديوان البوصيري 38 ، 61 ، 77 ، 330 ختام الجواهر السنية 84 وما بعدها ، ديوان البوصيري 59

  ـ  

[24]ــ النجوم الزاهرة 11 ، 193

[25]ــ حمودة:  صفحات عصر السيوطى 137

[26]ــ المستظرف 2ر 199 : 203 راجع الأبيات فيها وديوان ابن نباتة 115 ، 187 ، 268 ، 269 الشاب الظريف 69 ، 70 ، 76 وما بعدها ..

[27]ــ ابن نباتة:  القصائد المؤيدات والناصريات وغير ذلك ، وديوان البهاء زهير 101  ،

[28]ــ فوات والوفيات 1ر 101 : 8 : 1 ..

414 ـ ديوان الشاب الظريف 32 ، 33 ومثلها 68

   

[30]ــ البداية والنهاية لابن كثير 13 ر 314

[31]ــ زهر العريش فى تحريم الحشيش مخطوط في ص 1  

[32]ــ تاريخ ابن الفرات 8ر 74

[33]ــ النور السافر للعيدروس  28 ، 37

[34]ــ الصفدى : شرح لامية العجم  1 / 106

420 : السخاوى : التبر المسبوك 220 : 221

[35]ــ إغاثة اللهفان 1 ــ 232 ، 233 ، 235  

[36]ــ ديوان البهاء زهير 81 ، 111

[37]ــ قوات الوفيات 214

[38]ــ ديوان  البوصيرى 103 ، الوافى بالوفيات 3/  106

[39]ــ كامل حسين دوريات القاهرة 16 / 69

[40]ــ الغزى الكواكب السائرة 1 / 284

[41]ــ ظهر الإسلام 4 / 237 ، على صافى حسين :  ابن الصباغ القوصى 225

[42]ــ الدرر الكامنة 2 / 237   

[43]ــ الدرر الكامنة   4 / 377

[44]ــ حمودة :  صفحات من عصر السيوطى   135

[45]ــ قاموس العادات والتقاليد 249

[46]ــ ديوان البوصيري 5 ، 28 ، 29 ، 37 : 39 ، 49 ، 38 ، 80 ، 88 ، 100 ، 120

[47]ــ الديوان 76 : 77 وفيها تعبيرات أخرى

[48]ــ الديوان 10 ، 111 ، 87

[49]ــ الديوان 319 ، 329 ، 333 ، 355 ، 370 ، 161

[50]ــ التاريخ مخطوط 2 ــ 340

[51]ــ التبر المسبوك 111

[52]ــ العصر مخطوط 6 ــ 1 ــ 41 : 42

[53]ــ السيوطى :  مخطوطة :  نزول الرحمة في التحدث بالنعمة : ص 1

[54]ــ الشعرانى الطبقات الصغرى 15

[55]ــ رزق سليم مجلة الرسالة 825 ــ 777 : 778 سنة 17

اجمالي القراءات 4912

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 2721
اجمالي القراءات : 21,465,175
تعليقات له : 3,554
تعليقات عليه : 11,064
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي