ج1 ب2 ف 2 : خرافات التزكية فى الأديان المحمدية

آحمد صبحي منصور في الإثنين 05 يناير 2015


 كتاب (التصوف والحياة الدينية فى مصر المملوكية )

 الجزء الأول : العقائد الدينية فى مصر المملوكية بين الاسلام والتصوف .

  الباب الثانى :  تقديس الولي الصوفي في مصر المملوكية

الفصل الثانى :  التزكية بين الاسلام والتصوف

خرافات التزكية فى الأديان المحمدية 

  ملاحظة  :

1 ــ تم توسيع مبحث التزكية ليكون فصلا مستقلا ، وذلك لمواجهة التوسع الإجرامى فى إستخدام الاسلام العظيم فى الطموحات السياسية والاقتصادية ، بدخول الوهابية السنية والشيعة وتنافسهم مع الصوفية فى هذا الحضيض .!!

2 ـ ولا مجال فى هذا الفصل لعقد مقارنات بين التزكية فى الدين الصوفى وفى الدين الشيعى أو السنى ، ولكن التركيز هنا على التزكية فى الاسلام ، ومن ثمّ تناقضها مع التزكية لدى الصوفية . وما يقال هنا ردا على التصوف فى توضيح التزكية الاسلامية يعتبر أيضا ردا على السنيين والشيعة فى تزكية أنفسهم وأئمتهم .

أولا :

1 ــ التزكية فى الأديان الأرضية هى مدح النفس أو الغير ، وحين تسود ينتج عنها الرياء الدينى والتدين السطحى والاحتراف الدينى . وهذا الاحتراف الدينى يتم إستغلاله سياسيا من قٍبل الحاكم المستبد ، فى إستخدام ( رجال الدين ) فى قهر الشعب ، يركب رجال الدين الذين يركبون الشعب . وحين يضعف الحالم المستبد يطمح بعض المشتغلين بهذا الدين الأرضى بزعم التميز عن الغير والاستعلاء عليهم  وأنهم وحدهم المُختارون من لدن الله جل وعلا  متحدثين باسم دينه ، وانهم وحدهم المُخوّلون  باسم الله جل وعلا بالحُكم على الناس والتحكم فى الناس  . وهذا هو السائد فى بلاد المسلمين ( المحمديين ) . تخلصت منها اوربا فحصرت دينها الأرضى فى الكنيسة ، ولكن لا يزال المحمديون  أسرى لأديانهم الأرضية من السّنة والتشيع والتصوف، ولا تزال تزكية النفس والغير أهم ملامح دينهم الأرضى .  

2 ــ أما التزكية فى الدين الالهى فلا مجال فيها للرياء والاحتراف وإبتغاء رضى الناس ، بل تقوم على خشية الله جل وعلا بالغيب ، أى فى الخلوة بعيدا عن الناس ، أو بالتعبير القرآنى:( إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) الملك )( الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)) الأنبياء ). هذا المتقى الذى يقوم بتزكية نفسه بنفسه ومحاسبتها قبل يوم الحساب يؤمن أن الله جل وعلا الشهيد على كل شىء ، وأنه جل وعلا يرى كل شىء ، ليس ممّن  قال فيهم جل وعلا ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) العلق )( يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108)النساء ) . تتأسّس تزكية النفس خلال حياتها فى هذه الدنيا فى بإستمرار التمسك بالايمان الخالص بالله جل وعلا لا إله غيره وعمل الصالحات وإجتناب السيئات .هى التقوى التى يتمسك بها المؤمن الى لحظة الوفاة ، فتأتيه الملائكة الموت تبشره بنجاحه فى تزكية نفسه وأنه أصبح من أولياء الله جل وعلا الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنزن ، وأن مثواه الخلود فى الجنة .

 3 ــ  وقد انتهينا إلى أنه لا يوجد في الحياة العملية  ولي لله تعالى كشخص معروف ، وإنما الولي أو الولاية مجموعة صفات عامة تزيد وتنقص ، وطالما كان الإنسان حياً فلا يُقطع بحكم دائم على إنسان ما بالولاية ، لأن الحكم لله وحده الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور ، وهو أعلم بنا من أنفسنا جلا وعلا. 

وإذا كانت مزاعم الصوفية بالولاية منكورة مرفوضة من القرآن ، فلقد  ذكر القرآن الكريم نوعاً آخر من الأولياء ، مختلفاً عن النوع الأول تمام الاختلاف – وذلك هو ولي الشرك المعبود من دون الله أو المعبود مع الله . ولى الشرك هذا يتفق مع مزاعم الصوفية والسنيين والشيعة فى تزكية أوليائهم وأئمتهم ، ويحقق إعجازا للقرآن الكريم الذى أوضح معالم الشرك فى كل زمان ومكان قبل وبعد نزول القرآن ، ثم جاء السنيون والشيعة والصوفية بعد نزول القرآن بثلاثة قرون يكررون نفس الملامح  فى تقديس الولى التى أنبأ بها رب العزة من قبل ,.  

ثانيا : ردّ السنيين على تزكية الصوفية لأوليائهم

1 ـ والغريب أن يُنكر السنيون على الصوفية تزكية أوليائهم ، مع إن السنيين يفعلون نفس الشىء فى تزكية أئمتهم .   وقد صاغ السنيون هذا الانكار في صيغة أحاديث صنعوها، تحتجُّ بطريق غير مباشر على الصوفية فى تزكية أنفسهم . منها :  أنه عليه الصلاة والسلام قال لمن مدح رجلاً أمامه ( ويحك قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح ، ثم قال : إن كان أحدكم لابد مادحاً فليقل أحسب فلاناً ولا أزكي على الله أحداً ، حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك ..) وفي حديث آخر يقال ( أنه عليه السلام سمع قائلة تقول لطفل مات ( هنيئاً لك عصفور من عصافير الجنة)  فغضب وقال : وما يدريك أنه كذلك . والله إني رسول الله وما أدري ما يصنع بي ، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً لها لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم ) وعندما مات عثمان بن مظعون قالت أم سلمة : هنيئاً لك الجنة ، يقال ( فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال ( وما يدريك أنه كذلك ) فكانت أم سلمة تقول بعد ذلك والله لا أزكي أحداً بعد عثمان . وفي حديث آخر عن رجل من أهل الصفة استشهد فقالت أمه ( هنيئاً لك عصفور من عصافير الجنة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت في سبيل الله ) وينسبون للنبي عليه السلام أنه قال لها ( وما يدريك . لعله كان يتكلم بما لا ينفعه ويمنع ما لا يضره ..). وأن النبى عليه السلام دخل على بعض أصحابه وهو عليل فسمع امرأة تقول ( هنيئاً لك الجنة ) وينسبون للنبي قوله ( من هذه المتألية على الله تعالى ) ؟؟ فقال المريض : هي أمي يا رسول الله وزعموا أن النبي قال ( وما يدريك لعل فلاناً كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل مما لا يغنيه ..).

2 ــ ولم يكتف السنيون بذلك بل صنعوا أقوالا نسبوها لكبار الصحابة ، منها هذا القوال المنسوب لأبى بكر و على ابن ابى طالب ، قالوا إن أبا بكر وعلا كانا إذا مدحهما شخص قالا ( اللهم أغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني خيراً مما يظنون ) ، وقالوا إن عمر قال لمن اثني عليه ( أتهلكني وتهلك نفسك ) ، وأنه كان يقول ( لو نادى مناد ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلاً  واحداً ، لخفت أن أكون ذلك الرجل ) ، ونفس المعنى نسبوه لأبى بكر، قال : ( لو كانت إحدى قدمي في الجنة لم آمن مكر الله تعالى ) وأن  ابن مسعود كان إذا خرج من منزله يتبعه الناس فيلتفت إليهم قائلا ( علام تتبعوني ؟ فو الله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما تبعني منكم رجلان ) .  ويدخل فى ذلك قول منسوب لمحمد بن على بن أبى طالب ( ابن الحنفية ) يقول : ( والله لا أزكي أحداً غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي الذي ولدني. )

3 ــ وهذه الأقوال المنسوبة للنبي وغيره عن طريق السنيين حملت إحتجاجا على الصوفية فى تزكية أنفسهم ، وفيها النهي عن تزكية الناس للمتوفى مهما بلغت مكانته.

 ثالثا : ونلاحظ الآتى على الرد السُّنّى :

1 : التشابه بينها لأن صانعيها أرادوا تأكيد إحتجاجاتهم على خصومهم الصوفية عبر تكرار الروايات .

  2 ــ  والقارىء لهذه الروايات فى عصر تسيد التصوف لا بد أن يقارن بين تقديس الأولياء الصوفية فى عصره وتلك الأقاويل السابقة المصنوعة والمنسوبة للنبى وكبار الصحابة . وهذه براعة لصانعى هذه الأحاديث لا شك فيها .

  3 ـ ولكنّ الاكتفاء السنى بصناعة تلك الأحاديث ردا على الصوفية تحمل ملمحا سلبيا للسنيين الذين إتخذوا القرآن مهجورا . إذ كان يكفيهم الرد على الصوفية من خلال القرآن الكريم ، لو كان القرآن حاضرا فى قلوبهم .

  4 : التجاهل السنى للقرآن فى الرد على الصوفية أوقع السنيين فى خطأ أعظم. ففى القرآن الكريم رد على كل من يزكى نفسه بالتقوى ، وفيه الرد على المشركين الذين يتخذون البشر أولياء من دون الله جل وعلا ، وهو جل وعلا وحده الولى الحميد ، وليس للناس غيره من ولى ولا شفيع . لم يلتفت السنيون الى كثرة الآيات القرآنية التى خكمت بكفر من يؤمن بالأولياء مخالفا للأمر الالهى بإخلاص الدين لله جل وعلا وحده لا شريك له .

  5 ـــ مع تجاهل السنيين للقرآن فقد قصروا فى ردهم المصنوع بالأحاديث على ناحية واحدة ، وهى تزكية النفس بالتقوى ودخول الجنة . وتجاهل السنيون أن الصوفية لم يزكوا أنفسهم بالتقوى البشرية ودخول الجنة مثل الكذابين من البشر، ولكن زكوا أنفسهم بالصفات الالهية التى ترفعهم فوق مستوى البشر. زكّوا أنفسهم بمزاعم الاتحاد بالله جل وعلا وحلول الاله فيهم وجلوسهم فى حضرته وإستمدادهم العلم اللدنى منه جل وعلا مباشرة ، و الوحى المباشرة من الله بالهاتف ورؤية الله جل وعلا مناما وفى اليقظة ، بل وتحكمهم فى يوم الدين ، وترفعهم عن الجنة والنار أو ترفعهم عن تأدية العبادات الاسلامية من صلاة وصيام وحج ، لأنهم بزعمهم يريدون الاستغراق فى الاتحاد بالله والفناء فيه ، وأن الاسلام هو دين العوام وليس دين ( الخواص ) ،أى رفعوا أنفسهم فوق الأنبياء والى مستوى الألوهية .  الرد علي كل هذا ميسور من القرآن الكريم ، ولكن لم يقم به السنيون لأنهم ــ أى السنيين ــ لم يكتفوا بهجر القرآن والتكذيب به ، وإنما آمنوا بحديث آخر معه ، وهذا خلافا لقوله جل وعلا ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) المرسلات ) (أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) الأعراف ) (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) الجاثية ). كانوا يصنعون تلك الأحاديث فى إطار صناعة دينهم السّنى الأرضى ، وجاء الصوفية على آثارهم يهرعون ، يصيغون أحاديث يؤسسون بها دينهم الأرضى الصوفى، وكتب الأحاديث المشهورة إمتلأت بتلك الأحاديث ( الصوفية ). ولقد صنع البخارى ت 256 الحديث ( القدسى ) الفاجر ( من عادى لو وليا آذنته بالحرب ) والذى يجعل فيه الولى الصوفى جزءا من الله جل وعلا . ( كنت يده .. كنت رجله ..الخ ) .  

6 ــ على أن بعض الصوفية قام بصناعة أحاديث تعزز التصوف وعقائده مثل ( عبدى أطعنى تكن عبدا ربانيا تقول للشىء كُن فيكون ) ( أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين وكنت نبيا وآدم لا ماء ولا طين ) ( رب أشعث أغبر لو أقسم على لأبرّه ) وغيرها كثير ، ولم يحتج عليها فقهاء الحنابلة الذين كتبوا مؤلفات فى الأحاديث الموضوعة ، مثل ابن الجوزى فى ( الموضوعات ) وابن تيمية فى ( أحاديث القُصّاص ) وابن القيم الجوزية فى ( المنار المنيف فى الصحيح والضعيف ) . ومن دراسة لنا فى هذه المؤلفات إتّضح أن أولئك الفقهاء الحنابلة لم يتعرضوا بالنقد للأحاديث ( الصوفية ) التى صنعها الصوفية من قبل فى القرن الثالث الهجرى مع بداية التصوف ، وتم تدوينها فيما عرف بكتب الصحاح .بل لم يتعرضوا للأحاديث التى ملأ الغزالى بها كتبه ، وأشهرها ( الإحياء )  . اهتموا فقط بالأحاديث الموضوعة فى عصرهم .

7 ــ : تجاهل السنيين للقرآن الكريم فى الرد على الصوفية ومزاعمهم بتقديس الولى الصوفى يرجع أيضا لأنهم آمنوا بالتصوف السّنى ، وقبلها آمنوا بتقديس الولى الصوفى وكراماته ، وتردد هذا فى كتابات ابن تيمية وابن القيم والبقاعى ثم ابن عبد الوهاب .  

8 ـ الأهم مما سبق أن السنيين والشيعة سبقوا الصوفية فى تزكية أئمتهم . وهذا يحتاج لبعض التوضيح .

اجمالي القراءات 5359

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4142
اجمالي القراءات : 36,866,016
تعليقات له : 4,461
تعليقات عليه : 13,159
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي