ق 1 / ف5 : :المستحيل في التعامل مع الدول الكبري :

آحمد صبحي منصور في الإثنين 28 يوليو 2014


كتاب ( المعارضة الوهابية فى الدولة السعودية فى القرن العشرين )

الفصل الخامس : تحليل سياسة عبد العزيز وتجربة الاخوان

 :المستحيل في التعامل مع الدول الكبري :

1-في الاحلام فقط كان يستطيع عبد العزيز ان يتوسع بقواته كيف شاء في العالم ،وبعض الزعماء المساكين يعيشون في هذه الاحلام ،قد ينطقون بها في تصريحات مضحكة ،وقد يحاول احدهم التنفيذ فيهزمه الواقع .

عبد العزيز هو الذي ادرك الواقع ،الممكن فيه والمستحيل وما يبدو مستحيلا ولكن يمكن تحقيقه بكثير من الجهد ،وما يترك تحقيقه للمستقبل بشرط ان يجهز التربة للمستقبل .وبهذا هزم ما يبدو مستحيلا في تعامله مع القوة الكبري انجلترا ،فاقام مملكته قطعة قطعة بها أي بانجلتر- وبدونها، برضاها وبسخطها ،مع انه لم يرسل جنديا واحدا في مساعدتها في حربها ضد تركيا ،بل علي العكس اخذ من انجلترا راتبا شهريا .

كان يضمن لنفسه ان يتحالف مع القوة العالمية الاكبر ،ويجر خصومه للتحالف مع القوة العالمية الاضعف ،ثم حين ادرك تراجع قوة انجلترا وصعود قوة امريكا بدأ يوثق تحالفه مع امريكا ليضمن لدولته دعما اكثر فعالية ،ومن العجيب انها نفس السياسة التي تكسب بها اسرائيل بينما فشل العرب الذين حملهم الدب السوفيتي الي هزيمة 1967. والمهم ان عبد العزيز هو الذي سبق دهاة الصهاينة في هذه السياسة الدولية الناجحة فاقام دولته قبلهم بربع قرن تقريبا .

2-ولأن لكل مقام مقالا ،ولان لعبد العزيز مصالح دائمة وليست له صداقة دولية دائمة فقد تعددت مواقفه لتعبر عن مصلحته ،هذا في الوقت الذي كان ولا يزال فيه بعض الساسة العرب اسري للرؤية الاحادية مع امريكا ضد الاتحاد السوفيتي او العكس ،وفي كل الاحوال هم ضد مصالح شعوبهم .

اما عبد العزيز فله شأن اخر ،في الحرب العالمية الاولي راهن بعض العرب علي تركيا فخسروا معها وكان منهم آل الرشيد في حائل ،وراهن الشريف حسين والقوميون العرب علي كلمة الشرف لدي بريطانيا وعلي التحرير الانجلو فرنسي فكانت خسارتهم ابشع في اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور ،بينما راهن عبد العزيز ليس علي الشرف البريطاني ولكن علي الاطماع او المصالح البريطانية فانتزع الاحساء وانتزع حائل ولم تستطع بريطانيا الاعتراض ،وفي كل ذلك اعتمد عبد العزيز علي قوته الذاتية (الاخوان اساسا ) ، فلم يكن مدينا بشئ لبريطانيا .وفي خصوماته مع الادريسي وامام اليمن بشأن عسير ونجران نراهما قد راهنا علي ايطاليا فخسرا بينما راهن عبد العزيز علي مخاوف بريطانيا من النفوذ الايطالي فكسب عسير .وفي الحرب العالمية الثانية راهن البعض علي المانيا وايطاليا مثل شاه ايران ورشيد علي الكيلاني في ثورته بالعراق وامين الحسيني في فلسطين وعزيز علي المصري والملك فاروق في مصر ،فخسروا جميعا ،وراهن عبد العزيز علي الحلفاء فكسب ..واخيرا ظل الهاشميون في العراق علي ولا ئهم لبريطانيا ولم يفطنوا الي النفوذ الامريكى المتعاظم فضاعت عرشهم في العراق بينما كسب عبد العزيز امريكا ودخل معها عصر الوفرة البترولية .

3-وكان عبد العزيز بدهاء البدوي يعرف طريقه السياسي وسط الرمال التي يسير عليها سواء ان كانت رمالا متحركة خطرة ام ثابتة يستطيع اقامة ملكه عليها ،ومن هنا كان يعرف الي أي مدي يتحرك ومتي يتوقف ،أي كان يعرف حدود الممكن والمستحيل الذي يبدو ممكنا والمستحيل الصلد الذي يستعصي علي الامكان، وبالتالي كان يعرف امكانية التغيير وخلق واقع جديد علي ارض صلبة .

وهذه المعرفة كان الاخوان وسيلته اليها ،فثورية الاخوان وعدم انصياعهم لأوامره وقيامهم بالجهاد والغزو بدون اذنه كل ذلك كان اخطر رذائل الاخوان فيما يبدو ،الا ان عبد العزيز بدهائه حول هذه الرذائل الي ميزة ايجابية له ،اذ عن طريقهم يكتشف طريقه ويطرق بهم علي الابواب فاذا وجد رد الفعل ممكنا اعترف بما فعلوا وبني عليه ،اما اذا كشف له اعتداء الاخوان وجود ضوء احمر فما اسهل ان يتبرأمنهم ومن عملهم . ونجح عبد العزيز في هذا الاسلوب حتي ظن الاخوان انهم فعلا مستقلون يغزون متي شاءوا خلاف مصلحة عبد العزيز ،فلما خرج عملهم عن حدود سياستة المرسومة وتعدوا الدور الذي رسمه لهم كشر لهم عن انيابه .وهذا يفسر موقفه من الاخوان حين تركهم يغزون الحجاز فلما نجحوا  ولم يحدث رد فعل قوي كسب الحجاز وجعلهم يدفعون الثمن نفيا الي نجد . وحين صمموا علي التحرش ببريطانيا وحصونها في بسية كان موقفه مضادا للاخوان بعد ان ادرك من خلال الدق بأخوانه علي ابواب العراق والاردن انه سيقع في مواجهة مع بريطانيا قد يخسر فيها كل ما جمعه،لذلك تراجع وتخلي عن الاخوان.

4-وهذه الحنكة السياسية في تلاعبه مع بريطانيا لم تكن لتمر علي دهاة الامبراطورية البريطانية لذا ردوا عليه التحية بأحسن منها حين اقاموا حصن بسيه خلافا للمعاهدة معه وهم يعلمون انها ستخلق مشكلة بينه وبين الاخوان ،واصرت بريطانيا علي عدم تفكيك الحصن وسكتت مدة عن الانتقام بعد هجوم الدويش علي الحصن ثم ضربت الاخوان بالطائرات ،كل ذلك لتعقيد مشكلته مع الاخوان .وفي النهاية اوعزوا الي حكامهم في الكويت والعراق بمساعدة فيصل الدويش في تمرده الثاني ،وفي كل هذه التطورات كان عبد العزيز يفاوضهم مقدما علي مصير الاخوان حتي لا يجعلوا من الاخوان وزعمائهم بديلا له عند بريطانيا .وبعد ان تأكدت بريطانيا أنه هو الافضل لها في استقرار المنطقة وانه لن يكون مصدر خطر علي حكامها في الخليج والعراق وشرق الاردن وقفت معه وسلمت له الدويش والاخوان .

5-وقد استفاد حسن البنا في مصر من عبقرية عبد العزيز السياسية في تعامله مع الاخوان .اذ انشأ حسن البنا (الاخوان المسلمين )علي نسق اخوان عبد العزيز ،غير انه ادخل تغييرا يتناسب مع ظروف مصر فقد اقام الي جانب التنظيم العلني المعروف تنظيما سريا إرهابيا يقوم بالاغتيالات ،ويعلن حسن البنا التبرؤ ممن يكتشف امره منهم ويقول (ليسوا اخوانا وليسوا مسلمين ) .

6-بينما لم يستفد من عبقرية عبد العزيز اصدق اعوانه وهو فيصل الدويش ،فالدويش بطموحاته ومزايداته وغرورة بقوته لم يدرك حقائق الوضع من حوله،ولم يعرف المستحيل والممكن في التعامل مع المناخ ومع القوة المتحكمة ،فوقع في تناقض سياسي ،فنراه يهجم علي الكويت ويتهم اهله بالكفر ثم فيما بعد يسعي ذليلا لشيخ الكويت ليلجأ اليه ويرفض الشيخ مقابلته .وكان يزايد علي عبد العزيز ويتهمه في دينه لأنه يقابل الانجليز ثم يأتى الوقت الذي يلجأ فيه الدويش للانجليز .كان الدويش يطمع ان يجعله الانجليز حاكما ولم يفهم ان الانجليز لم ينسوا مواقفه السابقة ،منهم وانه لم يكن سوي اداة يؤدبون بها عبد العزيز اذا فكر في ان يتحداهم .

7-وفي صراعه مع امام اليمن يبدو جانب اخر من عبقرية عبد العزيز السياسية ،اذ ادي التنازع بينهما الي تدبير الامام احمد ابن الامام يحيي لمؤامرة لاغتيال عبد العزيز في الحرم ورد عبد العزيز التحية بأحسن منها ،عن طريق تنظيم الاخوان المسلمين الذي انشأه حسن البنا في مصر وتفرع عنه تنظيم دولي كان من اعضائه ابو الفضل الوريتلاني  الجزائري ،وكان مساعدا لحسن البنا يحوطه الغموض .واثناء الخصومة السعودية اليمنية ظهر تحرك اخواني في اليمن بمباركة حسن البنا و صهره عبد الحكيم عابدين وبجهود الفضيل الوريتلاني ،واسفر هذا التحرك في النهاية عن مشاريع تجارية وتحالفات سياسية فجرت ثورة الميثاق في اليمن سنة 1948 بقيادة ابن الوزير، ونجحت الثورة في قتل الامام يحيى .وتفاوض ابن الوزير مع عبد العزيز وعقد معه اتفاقية الطائف التي اعادت لعبد العزيز عسير ونجران وجيزان .ثم تحركت القبائل اليمنية ضد ابن الوزير فبعث يستنجد بعبد العزيز فرفض ان يرسل اليه القوات والطائرات التي طلبها فسقطت الثورة وهرب الفضيل الوريتلاني ،ورفضت السعودية استقباله ،وجدير بالذكر انه حين عقد عبد العزيز اتفاقية جدة سمع بكاءً خارج الخيمة فسأل عن الباكي فقالوا عبد الله فيلبي يبكي ويقول :هل تتاح لأحد فرصة ضم اليمن ويتركها ؟ضيعت ملك آبائك يا عبد العزيز ..!! فناداه الملك وقال له :اولا لم يملك آبائي اليمن من قبل، وما استطاع احد ان يوفر الامن في اليمن، فمن الذي يستطيع ان يحكم اليمن بزيودها وشيعتها ؟و مشاكلها؟وستري ما سيجري فيها ،ثانيا: ان حربي لم تكن لضم اليمن وانما لانهاء المطالب في عسير ونجران وجيزان وهذا ما حققناه )[11].أي عرف عبد العزيز حدود الممكن وحدود المستحيل وما يبدو مستحيلا ويمكن تغييره ،ومايبدوا ممكناً ولكنة في الحقيقة مستحيل فلم يغامر بالدخول الي اليمن وضمها ليقع في مستنقع وقع فيه فيما بعد عبد الناصر فلم يخرج منه الا الي هزيمة 1967.

8-وفي علاقته مع العراق وشرق الاردن بالذات بدأ الواقع الجديد يفرض نفسه، والذي يمتاز به عصرنا الراهن علي ثقافة العصور الوسطي، وهو تخطيط الحدود الدقيقة بين الدول بحيث تتحول التخوم الواسعة ين الدول الي اسلاك شائكة وخرائط دقيقة مفصلة، وانتهي بذلك عصر الانسياح البدوي في الرعي والغزو ، وانتهي ايضا عصر الفتح والضم .وواكب ظهور عبد العزيز قيام هذا الواقع الجديد،الا انه انتهز فرصة بعض الثغرات في هذا الجدار المستحيل فأسرع بتكوين اجزاء دولته فيما يبدو مستحيلا، لكنه يصبح بالجهد والدم والعرق ممكنا .حتي اذا طرق بأخوانه ابواب العراق والكويت فاكتشف انه من المستحيل الحقيقي ضم تلك الاجزاء فتحول عن فكرة الضم الي تخطيط الحدود بعد ان عرف السقف الاعلي الذي يمكن ان يصل اليه شمالا وشرقا،ويعد ان ادرك ان عصر جده سعود الكبير قد انتهي حيث كان يمكن الغزو والضم في ظروف اخري .

الا ان عبد العزيز لم ينس ان يحصل علي اكبر قدر ممكن من المزايا في مقابل هذا التنازل عن الضم الي الرضا بتخطيط الحدود ،وكان من المزايا الاعتراف الدولي بدولته مع مساعدات مالية وحربية .وهذا الاعتراف الدولي اصبح هو الاخر احدي المعالم الجديدة في الثقافة السياسية الدولية ،ومن هنا كان حرص عبد العزيز علي عقد معاهدة العقير مع بريطانيا .وبعد انتهاء حركة الاخوان وثقافتهم العصر اوسطية كان من مصلحة الجميع في الاعتراف المتبادل ،وكان اول بروتوكول للاتفاق هو ما تم توقيعة للصداقة بين العراق الهاشمي وعبد العزيز في مارس 1930 [12] ثم تم تطبيع العلاقات فيما بعد بين السعودية وشرق الاردن ،وبدأ في المنطقة عصر الكيانات السياسية المستقلة ،وتم اعلان المملكة دولة واحدة تحت اسم المملكة العربية السعودية بناء علي اجتماع شعبي في الطائف يوم 10/8/1932 ،ووافق عبد العزيز علي اسم المملكة، واصدر مرسوما بالشروع حالا في نظام اساسي او دستور للملكة ونظام لتوارث العرش ونظام لتشكيلات الحكومة ،ولم ينفذ من ذلك الا ولاية العهد حيث بويع سعود بن عبد العزيز في 11/5/1933 .[13]وهذا التكاسل عن اقامة دستور للمملكة وعن تشكيل مؤسسات سياسية سيؤثر علي خريطة المعارضة في عصر ما بعد عبد العزيز .

هوامش   :

1-  د.احمد صبح منصور :المرجع السابق :28.

        كشك :المرجع السابق :51:50 ،81 .

12-ام القري :العدد 308،السنة السابعة في 31/10/1930.

13-ام القري : بتاريخ 23/9/1932 .

     كشك : المرجع السابق /693:691.

اجمالي القراءات 5948

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الثلاثاء 29 يوليو 2014
[75395]

النذير والدولة الموازية


كتب فرج فودة كتابه "النذير" (1989) كدراسة لمعالجة الدولة لنمو التيار الإسلامي ما بين عامي 1982 و1987، خلص منها إلى أن التيار السلام الإسلامي "قد نجح بالفعل في تكوين دولة موازية" لها اقتصادها المتمثل في بيوت توظيف الأموال، وجيشها المتمثل في الجماعات الإسلامية المسلحة، وكيانها السياسي المتمثل في مكتب إرشاد الإخوان المسلمين رغم حظر الجماعة قانونيا. كذلك اخترق التيار الإسلامي المؤسسة الدينية الرسمية مثل دعوة شيخ الأزهر الناخبين لإعطاء أصواتهم للمطالبين بتطبيق الشريعة (أي مرشحي التحالف الإسلامي)، ومطالبة جريدة اللواء الإسلامي التي يصدرها الحزب الحاكم (الحزب الوطني الديمقراطي) للمواطنين بعدم التعامل مع البنوك القومية وقصر تعاملاتهم على البنوك الإسلامية.



2   تعليق بواسطة   لطفية سعيد     في   الثلاثاء 29 يوليو 2014
[75396]

اختراقه للإعلام الحكومي أيضا


كما اخترق أيضا الإعلام الحكومي حيث زادت الجرعة الدينية فيه من صحف ومسلسلات وخطب تلفزيونية مثل خطب الشيخ محمد متولي الشعراوي (1911-1998) التي عرّض في بعضها بعقيدة المواطنين المسيحيين. ولقد رأى فرج فودة أنه قد "تم هذا التنامي الهائل في ظل الإعلان الدائم عن تصدي الدولة لهذه التيارات، وتحت شعارات ورايات مواجهة التطرف السياسي الديني. وأن ينجح تيار ما في التنامي في ظل الغفلة، فإن ذلك يعتبر نجاحا مبررا. أما أن ينجح في ظل التنبيه وإعلان المواجهة، فإن النجاح هنا يعتبر نجاحا مضاعفا للتيار السياسي الديني، بقدر ما هو فشل مضاعف للدولة." ووجد فرج فودة تشابها بين التيار السياسي الديني في مصروالنازية في ألمانيا من حيث "نظرات الاستعلاء والعنصرية واستخدام العنف والعودة إلى الجذور،" محذرا من أن "ما يحدث في مصر الآن، وما اعتمدته التجربة النازية للوصول إلى الحكم بعد فشل المواجهة، يتمثل في التسلل إلى المؤسسات القائمة، واستخدام الديمقراطية لإسقاطها في النهاية … واستغلال ضعف هيبة الدولة، واستثمار المعاناة من الأزمة الاقتصادية. والجدير بالذكر أن النازية قد وصلت إلى الحكم في ألمانيا دون أن تحصل على الأغلبية التي تؤهلها لذلك، لأن خطوات النظام لإسقاط نفسه، كانت أوسع بكثير من خطوات النازية لإسقاطه."



أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2006-07-05
مقالات منشورة : 4246
اجمالي القراءات : 38,396,710
تعليقات له : 4,529
تعليقات عليه : 13,293
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : United State

مشروع نشر مؤلفات احمد صبحي منصور

محاضرات صوتية

قاعة البحث القراني

باب دراسات تاريخية

باب القاموس القرآنى

باب علوم القرآن

باب تصحيح كتب

باب مقالات بالفارسي