محور اللُّغة هو الواقع والتّفكير

سامر إسلامبولي في الإثنين 26 فبراير 2007


xcl; وتراكم هذا الأمر وتنامى إلى أن بدأ الإنسان يضيف صوتاً إلى آخر ليدل على حدث أو ظاهرة طبيعية وبذلك العمل منه كان نقطة تحول هامَّة في حياته إذ بدأ ظهور الكلمات الثّنائية وتراكمت وتنامت نتيجة تفاعل الإنسان فطرة كأسر وجماعات من جنسه إلى أن تعقدت العلاقات الجماعية وتوسعت واحتاج الإنسان إلى تنظيم أمور حياته وتأمين معيشته وتأمين الأمن له وتسخير الأشياء والتّطور فبدأ بعملية التّفكير التي لازمها مُباشرة توسع اللُّغة لتكون حاملاً ووسيطاً وميداناً لعملية التّفكير وبدأت المرحلة الثّالثة المتعلقة بالحياة الاجتماعية للإنسان فتم ظهور الكلمات الثّلاثية الأصوات لتكون بداية العلم والتّطور عند الإنسان كمجتمع فكانت اللُّغة العربية تفاعل فطري فيزيائي فلسفي اجتماعي للإنسان مع الواقع بصُورة فطرية واعية ولذلك أخذت اللُّغة العربية صفات الواقع من حيث النّظام الذي يحكمه، فكما أنَّ الواقع قائم على قوانين كُلِّيَّة ثابتة وأخرى جزئية متغيرة كذلك اللُّغة العربية قامت على الثّابت والمتغير، والواقع قائم على نظام العلاقات الجدلية فظهر ذلك القانون في كلمات اللُّغة العربية من علاقة النّقيض وعلاقة التّضاد وعلاقة التّلاؤم والانسجام.

1 ـ علاقة جدلية تناقضية فكرية:

الحق والباطل، العدل والظّلم، الحُرِّيَّة والاستعباد....

2 ـ علاقة جدلية تناقضية داخلية بنيوية:

وهي قائمة في بنية الأشياء وتكون من خلال صراع ثنائي داخلي في الأشياء يُؤدِّي بها إلى التّطور والتّغير والهلاك لتسمح لغيرها بالظّهور وانعكس ذلك على اللُّغة العربية فظهر ما يسمى موت الكلمات وحياتها، ويكون ذلك من خلال انتهاء وظيفة ودور الكلمة كاستخدام في الواقع، وذلك مرتهن بتطور الواقع، فإذا انتهى استخدام شيء من الأدوات أو الأشياء أو السُّلُوك يهمل هذا الشّيء وبإهماله تهمل الكلمة التي تدل عليه إلى أن تتلاشى وتموت ثقافياً ولا يعد لها استخدام في المجتمع اللاحق وتعود إلى دلالتها التّجريدية ليحل محلها شيء آخر وكلمة جديدة تأخذ محل الأولى وهكذا دواليك.

3 ـ علاقة جدلية ثنائية ضدية تعاقبية خارجية:

وتكون هذه العلاقة بين ظواهر الأشياء فقط لا علاقة لها في بنية الشّيء ذاته، وهذان الثّنائيان يتعاقبان في حركتهما لا يلتقيان معاً بصُورة كُلِّيَّة وإنَّما يلتقيان بنقطة تكون هي نهاية الأول وبداية الثّاني وهكذا دواليك: مثل:

اللّيل والنّهار، السّاخن والبارد، الفتح والإغلاق......الخ.

نلاحظ أن قانون الثّالث المرفوع لا ينطبق على هذه المسألة لوُجُود حالة ثالثة للظّواهر هي بَيْنَ بَيْنَ. فالكتاب لا مفتوح ولا مغلق. والوقت لا ليل ولا نهار. والماء لا ساخن ولا بارد. وإنَّما هم في مرحلة ثالثة وسطى تمثل نقطة الالتقاء بينهما ليحل الآخر محل الأول ولكن بصُورة تدريجية متواصلة دون انقطاع. فقانون الثّالث المرفوع إذاً لا يتناول الظّواهر للأشياء وإنَّما يتناول الحكم على الأشياء فعلاقته بقانون التّناقض الفكري فقط. فالكتاب إما موجود أو غير موجود. وظهرت هذه العلاقة الثّنائية الضّدية التّعاقبية في اللُّغة كونها مرآة للواقع، فكل الكلمات التي تدل على الظّواهر أخذت صفة الضّدية التّعاقبية مثل:

(كتب ـ بتك)، (در ـ رد)، (زل ـ لز)، (دس ـ سد).....الخ.

فهذه الثّنائيات الضّدية في اللُّغة هي تعاقبية وكل واحد منهما قائم بالآخر لأنهما يستمدان وُجُودهما من بعضهما، والحركة بينهما حركة تعاقبية فكل عملية(لز) هي (زل) من جهة أخرى وإلا لا يتحقق
حركة (اللّز
).

4 ـ علاقة جدلية تلاؤمية انسجامية تعايشية بين الزّوجين من جنس واحد:

 ولكن مختلفين من حيث النّوع. نحو: الذّكر والأنثى، الموجب والسّالب. وظهرت هذه النّاحية في اللُّغة في الكلمات التي تدل على التّلاؤم والتّفاعل الذي ينتج عنه التّعايش والفاعلية.

وهناك مسألة ينبغي التّنبه لها وهي وُجُود كلمات في اللُّغة العربية يصح أن تقرأها من الوجهين دون أن يتغير اللّفظ ولا المعنى نحو: ليل، باب، قاق، دود، كوك، صوص، توت، بوب، زيز......

ومرد ذلك راجع إلى أن هذه الكلمات تدل على ظاهرة فيزيائية معينة يكون عملية ظهورها هي ذات عملية ذهابها بصُورة لازمة نحو: ظاهرة قدوم اللّيل وذهابه.

ل: حركة بطيئة متصلة لازمة.

ي: جهد خفيف ممتد.

ل: حركة بطيئة متصلة لازمة.

لاحظ دلالة أصوات الأحرف المؤلفة منها كلمة (ليل) في الواقع وكيف أن صفة مجيء اللّيل هي ذاتها صفة ذهابه. وكذلك دلالة كلمة (باب) فصفة إغلاقه هي ذاتها صفة فتحه مع الاختلاف في الاتِّجاه.

وهناك مسألة أخرى في اللُّغة العربية كظاهرة لغوية وهي صفة وُجُود صُورتين متضادتين في الواقع للفظة واحدة مع العلم أن كل كلمة لها دلالة واحدة فقط، ولكن ممكن أن تكون هذه الدّلالة اللُّغوية تتحقق في الواقع بصُورتين نحو كلمة: عبد، خفي، وراء، قسط..الخ.

فكلمة (وراء) من التّورية للشّيء وهذه الدّلالة لابُدَّ أن تأخذ بُعداً في الواقع قد يكون من جهة الأمام والمستقبل، وقد يكون من جهة الخلف والماضي.

كلمة: (عبد) تدل على عمق متجمع منته بدفع شديد، وهذه دلالة أصوات أحرف الكلمة. ولا يمكن أن تحدد دلالتها إلاَّ إذا أضيفت لصُورة معينة لاحتمالها أكثر من صُورة نحو: عبد الرّحمن، عبد الشّيطان. ومن هذه الصّور الاحتمالية في التّطبيق ظهرت صُورة الشّدة وصُورة اللّين.

كلمة: (قسط) تدل حسب دلالة أصوات أحرفها على عملية التّجزئة والقسمة ولابد لهذه الدّلالة من صُورة محددة لاحتمالها أكثر من صُورة قال تعالى: (فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين). بمعنى عملية تجزئة وقسمة تطبيق الحكم العادل في الواقع لما فيه من يسر للعباد وإعطاء إمكانية التّطبيق للحكم العادل.

قال تعالى [ وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً ] أي الذين يقومون بعملية التّجزئة والقسمة في عملية إسلامهم لله عز وجل، فيأخذون منه ما يوافق هواهم ومصالحهم الشّخصية، ويعرضون عن أمور أخرى تخالف هواهم ولا تحقق مصالحهم
ولا تشبع نزواتهم وفي النّهاية هم يمارسون (إسلام تقسيطي
).

قال تعالى: [ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعضه ] وفي فلسفة الإنسان وتفاعله مع الواقع وصل إلى قاعدة أن لابد لكل فعل من فاعل ضرورة، وكل بداية لها نهاية ومآل، فظهر ذلك في اللُّغة العربية مُباشرة، فكل فعل في الجملة لابد له من فاعل وجوباً إما ظاهراً أو مستتراً. وكذلك كل مبتدأ لابُدَّ له من خبر وجوباً. وفي الواقع لا يُوجد ظاهرتان لهما نفس الوظيفة، فكل ظاهرة لها وظيفة فانعكس ذلك في اللُّغة العربية تحت مقولة:

[ إذا اختلف اللّفظ اختلف المعنى ضرورة، وأي زيادة في المبنى على صعيد الكلمة أو الجملة أو تغيير من تقديم أو تأخير يؤثر في المعنى ].

وفي الواقع يُوجد ظاهرة التّرادف لمجموعة من الأشياء المترابطة مع بعضها ضمن منظومة واحدة نحو منظومة الشّمس والكواكب الأحد عشر. فانعكس ذلك في اللُّغة العربية وظهر نظام المنظومات تحت اسم التّرادف الذي يدل على علاقة الكلمات المختلفة لفظاً والمتداخلة دلالاتها مع بعضها في أشياء والمختلفة في أشياء أخرى حسب حركة الأحرف ونهاية الكلمة. نحو كل كلمة تبدأ بحرف (الغين) تدل في عموم حركتها ابتداء على السّتر والغياب، وتجيء بقية الأحرف لتعطي للكلمة وجهة مختلفة في الدّلالة لعملية السّتر والغياب كيف تمت في الواقع، ومجموع هذه الكلمات تسمى منظومة خاضعة لنظام واحد وتُؤدِّي وظيفة واحدة بصُور مختلفة في الواقع. مثلاً:

غاص، غاب، غرق، غطس، غفل، غرور، غبن، غنم، غيم، غامق، غيط....

فكل هذه الكلمات هي مترادفة من حيث أنها ذات علاقة مع بعضها في أصل الدّلالة ولكنها مختلفة في صُور ظهور هذه الدّلالة في الواقع نتيجة اختلاف الأحرف المتبقية التي تلت حرف (الغين).

مثال آخر على المنظومة اللُّغوية هو منظومة (قط) فكل كلمة تبدأ بهذين الحرفين تدل في عمومها على وقف أو قطع شديد منته بدفع وسط متوقف ويأتي الحرف الثّالث ليحدد صفة الدّفع في الواقع كيف انتهت وما مآلها: نحو: قطع، قطف، قطم، قطل، قطر، قطب، قطن،..الخ.

ومنظومة (السّين) فكل كلمة تبدأ بحرف (السّين) تدل في أصلها وعمومها على الحركة المتصلة اللا محددة ابتداء سواء استمرت أم وقفت. نحو: سار، سبق، سبح، سبى، سمى، سبر......

وهكذا كل الكلمات العربية فهي مؤلفة من مجموعة منظومات خاضعة في النّهاية للمنظومة العامَّة مثلها مثل المنظومة الكونية تماماً.

لذا لا يمكن فصل الجزء على حدة ودراسته بصُورة منفردة، ومن هذا الوجه كانت الكلمة في اللُّغة العربية لا يتم ظهور دلالتها إلا إذا وضعناها ضمن جملة. لأنَّ الكلمة وحدها لها دلالة فيزيائية فقط أو عقلية ولا يمكن فهم المقصود منها إلا إذا تم إسقاطها على صُورة عند المخاطب، ومن هذا الوجه كان لكل مجتمع استخدامات للكلمات بصُور مُرتبطة في زمانهم ثقافياً وعلمياً.

ومن الأمثلة الهامَّة على أنَّ اللُّغة العربية تعتمد على الواقع هو أسلوب الخطاب الذي استخدمه العرب القدامى عندما يتكلمون عن جمع من النّاس فيهم نساء فيستخدمون الخطاب الذّكوري ويقصدون به كل النّاس بما فيهم النّساء نحو: يا أيها النّاس. جاء القوم.....الخ.

ولمعرفة سبب ذلك الخطاب يجب الرّجوع إلى محل الخطاب الذي هو الواقع لمعرفة علاقة الذّكر بالأنثى فطرياً واجتماعياً كيف هي؟

إذا بحثنا في طبيعة حركة ووظيفة كل من الرّجل والمرأة في الواقع نجد أنَّ الرّجل هو بمثابة مركز الدّائرة التي تمثل المرأة محيطها وينتج عن هذه العلاقة بينهما أولاد يطوفون حول المركز ضمن محيط الدّائرة. وإذا أسقطنا ذلك على الواقع نلاحظ أنَّ المركز والمحيط يشكلان الدّائرة برمتها ويكون المركز هو المسؤول عن ربط جميع نقاط المحيط به بصُورة لازمة. وتحقق ذلك في حركة الرّجل المركزية في أسرته من حيث تأمين الرّعاية والعناية الأمنية والاقتصادية والاجتماعية لأفراد أسرته فالرّجل دائماً في مقدمة الحياة الاجتماعية بالنّسبة للأسرة، وحركة الرّجل تمثل حركة الأسرة بكاملها، فعندما نخاطب الرّجل (مركز الدّائرة) يتضمن الخطاب ضرورة الأسرة كونها تمثل محيط الدّائرة المُرتبطة بالمركز، فيكون أي خطاب للأب أو للرّجل أو للنّاس يدخل في سياقهً المرأة والأولاد واقعا، وهذا الخطاب الذّكوري لغة ليس هو تفضيل النّوع الذّكري على النّوع الأنثوي وإنَّما هو خطاب يعكس علاقة ووظيفة الرّجل بالمرأة في الواقع من كون الذّكر يشكل الحماية والعناية والمسؤولية والقيادة للأسرة خارجياً ويؤمن سهولة قيام المرأة بوظيفتها داخل الأسرة من تربية ورعاية وعناية وإدارة وفق قيادة الرّجل ليُوجدا مع بعضهما علاقة جدلية تكاملية.

فأي خطاب لغوي يأتي بصياغة ذكورية نحو: الذين، آمنوا، النّاس، القوم، الإنسان..الخ يكون المقصد منه الرّجل والمرأة على حد سواء. وأي تجمع نسائي مهما بلغ عدده إذا وجد خلاله رجل واحد تحول الخطاب لغة إلى الصّياغة الذّكورية. أما إذا أراد المتكلم تحديد خطابه للنّساء فقط فيستخدم الصّياغة الأنثوية. ومن هذا الوجه جاء الأسلوب اللُّغوي الذّكوري ليدل على الخالق وصفاته ليس كجنس وإنَّما كدور وعمل الخالق في الواقع من كونه الرّب المدبر المنعم الذي يقود النّاس إلى الفلاح ويدير أمورهم كمركز للوُجُود كله ولذلك يتم استخدام صفة الأب على الخالق لتدل على وظيفة الأب المركزية بالنّسبة لأسرته وليس صفة الوالد.

إذاً أسلوب الخطاب الذّكوري في اللُّغة العربية ليس هو تفضيل لنوع على آخر، وإنَّما هو يعكس وظيفة ودور وعلاقة الذّكر والأنثى في الحياة الاجتماعية كونهما يشكلان مع بعضهما الجنس الإنساني مثل علاقة محيط الدّائرة بمركزها وعلاقة المركز بالمحيط، فلا يمكن أن يكون المحيط هو المركز، ولا يمكن للمركز أن يكون المحيط، فلكل منهما دوره ووظيفته التي يكمل بها الآخر ليشكلا مع بعضهما الدّائرة.


 

اجمالي القراءات 11830

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
التعليقات (2)
1   تعليق بواسطة   آية محمد     في   الأربعاء 28 فبراير 2007
[3340]

الميراث فى الإسلام

الأخ سامر...السلام عليكم
تعجبنى جدا كتاباتك لما فيها من معرفة ووعي وفى نفس الوقت حب لدين الله الإسلام. أرى إنك متأثر بكتابات الدكتور شحرور...فهل هذا صحيح؟ الدكتور شحرور عبقري وفخر لكل الأمة الإسلامية وأتمنى أن تكمل مسيرته.

فقط لى سؤال...لماذا لم تكتب عن الإرث فى الإسلام؟ أنت أكيد تعلم أن موضوع الإرث من الأمور التى بنيت على الفكر الذكوري وضاعت فيه حقوق الأنثى وذلك بالتلاعب على كلمة "ولد". فياحبذا لو نسمع رأيك فى هذا الموضوع أيضا من خلال مقالة.

2   تعليق بواسطة   سامر إسلامبولي     في   الأربعاء 28 فبراير 2007
[3376]

الوصية أصل والميراث استثناء

الوصية أصل والميراث استثناء
السلام عليكم أخت آية المحترمة
شكراً لتواصلك الثقافي مع مقالاتي .
- نعم !! أنا متأثر بفكر الدكتور شحرور !!وأتبنى منهجه في البحث والدراسة , مع مخالفتي له في بعض التطبيقات العملية مثل : عورة المرأة على المحارم , وعورة المرأة على الأجانب , وإرجاعه دلالة الجيوب لجسم المرأة !!!. وقد رددت عليه في كتابي المعنون [ المرأة ( مفاهيم ينبغي أن تصحح) ] .
- بالنسبة لمسالة الإرث في الإسلام فقد قام الدكتور شحرور بدراسة الموضوع بصورة مستفيضة في كتابه ( نحو أصول فقه جديدة للفقه الإسلامي ) . واعتمد على أن الأصل في تشريع الميراث هو الوصية وليس الأحكام الإرثية , وانطلق من أساس العدل والمساواة النسبية , وفرق بين كل من دلالة والد وأب , وولد وابن , وأنثى ونساء ............
وقام بتحليل رياضي فلسفي لغوي لنصوص الميراث ووصل إلى بحث إنساني راقي ورائع جداً .
وشكراً لك
ودمتم


أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-08
مقالات منشورة : 134
اجمالي القراءات : 4,322,774
تعليقات له : 354
تعليقات عليه : 834
بلد الميلاد : Syria
بلد الاقامة : Syria