الحديـث النبـوي مــادة تاريخيـة لا قدسية لهــا:
الباحث السّوري سامر إسلامبولي فـي حوار مع «الوقت»:الجزء 2

سامر إسلامبولي في السبت 17 فبراير 2007


: 0cm; PADDING-LEFT: 0cm; PADDING-BOTTOM: 0cm; PADDING-TOP: 0cm" valign="top">

الوقت - نادر المتروك:
    يجزم الباحثُ السّوري سامر إسلامبولي بأن السيرة النبوية هي سيرة المجتمع النهضوي الذي أقامه النبي الكريم، فلا يمكن استطلاع هذه السيرة إلا من خلال القرآن الكريم الذي كتبَ سيرة النبي، كما يقول إسلامبولي، داعياً إلى إعادة مقاربة السّيرة انطلاقاً من التفريق الدقيق بين مقامات النبي الكريم، ومنه يفرّق إسلامبولي بين مفهومي الحديث والسنة، نافياً القداسة عن الحديث وناظراً إليه باعتباره سبباً في اغتيال العقل المسلم، حيث وُلد علم الحديث وعلم الإسناد في ظلّ ظروف أيديولوجية تحاربية بين المذاهب الناشئة. ويرى إسلامبولي أنّ الطريق الأفضل لتصحيح هذا الموروث الخاطئ هو النظر إلى التراث الفقهي الطائفي على أنه ‘’مادة تاريخية تخضع للدراسة’’ وأنّ كلّ الفاعلين في هذا التراث هم ‘’ بالنسبة إلينا أموات، فما ينبغي أن نجعل الأموات قادة لنا في أمورنا الحالية’’. فيما يلي الجزء الثاني من هذا الحوار.
 ؟  على رغم ظهور معالم أولية للنقد الروائي في أوساط المحدثين الأوائل، إلا أن هناك دعوات متكررة لإعادة توظيف المكتسبات النقدية الحديثة لمقاربة السّيرة النبوية خصوصا. كيف تنظرون إلى ذلك؟
-
السيرة النبوية ليست رواية ملحمية أو أسطورية يتم روايتها عبر الأجيال، وعرضها بقالب أدبي يرفع من شأن صياغتها التصويرية! إنها قصة ولادة مجتمع وبنائه وترسيخ أساس النهضة والحضارة به! فسيرة النبي العظيم ليست سيرة فرد واحد قَدَّمَ أموراً لمجتمعه على صعيد الاكتشافات أو الاختراعات أو بعض النظريات أو بعض الانتصارات العسكرية. ومعظم منْ تناول سيرة النبي العظيم كان يكتب ما يُسمى السّيرة الذاتية للنبي، من ولادةٍ وطفولةٍ إلى مرحلة الرجولة، وزواجه وبدء الوحي وتأريخ بعض الأحداث، وذكر الغزوات التي قام بها... إلى الوفاة. وقسم آخر توجّه إلى ما يُسمى ‘’فقه السيرة’’، فتناولَ السّيرة الذاتية وأخذ يستنبط منها بعض العِبر والعظات. ولكن.. سيرة النبي العظيم هي سيرة ميلادِ مجتمع جديد نهضوي، ولا يمكن أن يُدرَس أحدهما من دون الآخر.
سيرة «ميلاد مجتمع»
؟ ولكن كيف توضّح الدمج بين سيرة النبي وميلاد المجتمع الجديد؟
-
لقد تمّ ذلك الدمج واقعياً، وكانت سيرته (ص) منطلقة من أسس القرآن العظيم، واستصحابه في كلّ خطوة في صراعه الثقافي مع الثقافة الجاهلية، فكان القرآن حاضراً بصورةٍ دائمة قائداً ومعلماً وموجّهاً يقود المعركة الثقافية على أوجها: (قل يا أيها الكافرون لكم دينكم ولي دين)، فدراسة سيرة النبي العظيم هي دراسة سيرة ميلاد مجتمع جديد، وهذا يقتضي استحضار النصّ القرآني كونه القائد والموجّه والمعلم في عملية التغيير والصّراع الثقافي، وهذا يدفعنا إلى استخدام أهم العلوم الإنسانية التي وصَلَ إليها الإنسانُ لدراسة النص القرآني وإسقاطه على الواقع للوصول إلى مجتمع نهضوي، وذلك من أجل التفاعل مع النصّ القرآني الذي احتوى السّيرة الحقيقية للنبي العظيم. فلا حاجة لأن يقوم أحدٌ بكتابة سيرة لهذا النبي (ص) بعد أن كتبها الله عز وجل، وإنما نحن بحاجةٍ إلى منْ يستخلص هذه السيرة النبوية من القرآن تحت اسم: سيرة ميلاد مجتمع نهضوي إنساني.
مصطلح «السنة» مستحدث
؟ نشرَ الباحثُ حيدر حبّ الله أخيرا دراسة أكاديمية حول ‘’نظرية السّنة في الفكر الإمامي الشيعي’’، استقصى فيها تطوّرات الموقف الإمامي النخبوي من السّنة. وفي حيّز أخير من الدراسة؛ تطرّق سريعا إلى أبعاد الدّراسات الخاصة بالسنة النبوية في وسط أهل السنة والجماعة، وقد أشار إليكم باعتباركم منتجين في هذا المجال. ما هي الأطر المعرفية التي تعتقد بضرورتها في صدد تكوين نظرية سليمة للسنة النبوية أو السنة المعصومة؟
-
إنّ مصطلح السنة النبوية لا وجود له في القرآن بهذه الصورة الارتباطية مع النبي، وإنما وُجِدَ مضافاً إلى الله عز وجل: (ولن تجد لسنة الله تبديلا)، فلم يأت أيّ نصّ يأمر باتباع سنة النبي أبداً، مما يدلّ على أن هذا المفهوم مستحدث وليس مفهوماً قرآنياً فعلى ماذا يدل مفهوم السنة النبوية؟ قال الفقهاء: السنة هي المندوب مقابل الواجب. وقال الأصوليون: السنة هي ما يصلح لأن يكون دليلاً شرعياً لاستنباط الحكم منه. وقال أهل الحديث: السنة هي كلّ ما وردَ عن النبي من أقوال وأعمال وإقرار، وأخباره المتعلقة بحياته وشخصه وغزواته. وقال الشيعة الإمامية : السنة هي ما ورد عن النبي والإمام المعصوم من أقوال وأعمال وإقرار. وعندما وضع الأصوليون المصادرَ التشريعية ذكروا السنة من بين المصادر وجعلوها في المرتبة الثانية، فقالوا: مصادر التشريع الأصلية أربعة: القرآن، السنة، الإجماع، القياس. وعند التعامل مع مفهوم السنة نجد أن الحديث النبوي أو قول الإمام المعصوم يحلّ محلّ السّنة وكأن السنة هي الحديث، والحديث هو السنة! مع العلم أنه لا يوجد في القرآن أبداً أمرٌ باتباع حديث النبي، والموجود هو حديث الله عز وجلّ: (ومن أصدق من الله حديثا).
؟ ولكن ماذا تقولون في نحو قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني)؟
-
كلا! هذا النصّ لا يدلّ على سنة النبي ولا حديثه، وإنما يدلّ على الأمر باتباع الرسول، وهذا الأمر بالاتباع موجّه إلى الرسالة وليس إلى شخص الرسول. انظرْ قوله تعالى: (قل تعالوا أتلُ ما حرّم ربكم عليكم)، وقوله (وما على الرسول إلا البلاغ المبين). لذا ينبغي فهم دلالات النصوص القرآنية بصورةِ منظومةٍ واحدةٍ منسجمةٍ مع بعضها، وقد تعرّضتُ لشرح النصوص التي يستدلّ بها منْ يقول بوحي السنة النبوية أو الحديث وبيّنتُ خطأ ذلك الاستدلال في كتابَي (تحرير العقل من النقل) و( القرآن بين اللغة والواقع). لذا ينبغي التفريق بين مفهوم السنة ومفهوم الحديث وعدم الدمج بينهما. فالسنة: هي الطريقة العملية الثابتة المستمرة على ما هي عليه. مثل سنة الله عزّ وجل في الخلق. أما الحديث فهو: قول جديد. مثل النصّ القرآني؛ حديث الله. فمنْ يعتمد ويؤمن بأن السنة النبوية وحي من الله عز وجل نجد أنه أثناء التطبيق ينتقل إلى مفهوم الحديث النبوي! ويتصدّر كافة أبحاثه بصورةٍ سطحية وهزلية، فالسنة غير الحديث، ولكلٍّ مفهومه الخاص به.
أين السنة النبوية؟
؟ السؤال: أين إذن السنة النبوية؟ وبمعنى آخر أين طريقة النبي في تعامله مع القرآن وإسقاطه على الواقع؟
-
قطعاً ليست السنة هي الأحاديث النبوية. نجد سنة النبي موجودة في فحوى النصّ القرآني، فقد أخذ النبي سنته من خلال تفاعله مع القرآن ذاته وإسقاطه على الواقع، فسنة النبي انبثقت من القرآن لتعود إليه دراسةً وفقهاً وتطبيقاً، فهي منهج عقلاني علمي صاغت المنطق عند النبي حتى صار خلقه القرآن تفكيراً وتطبيقاً. فسنة النبي منبثقة من الحكمة الموجودة في النصّ القرآني، ونحن قطعاً ملزمون باتباع الحكمة في تعاملنا مع القرآن وهذه الحكمة لا يمكن أن نحصل عليها من خلال سيرة النبي الذاتية لانتفاء حفظها في الواقع، غير أن النبي لم يذكر تلك القواعد والمنطلقات القرآنية أثناء علاجه للأحداث، ناهيك عن عدم استنفاده للحكمة والمقاصد القرآنية. فلا مناصَ من العودة إلى الحكمة الموجودة في النصّ القرآني ذاته وتفعيلها حسب الأدوات المعرفية المعاصرة.
مقامات النبي الثلاثة
؟ هذا الأمر يفتح موضوع الأوضاع أو المقامات المختلفة في شخصية النبي. فكيف تنظر إلى هذا الموضوع؟
-
النبي العظيم له ثلاثة مقامات ينبغي التمييز بينها: 1- مقام بشري: ويصْدُق عليه ما يصْدُق على البشر من مرض وموت وتناول الطعام والشراب والنكاح والنسيان والخطأ: (قل إنما أنا بشر مثلكم). 2- مقام النبوة: وهو مقام اصطفاء وعلم، ودوره قيادة الناس ودعوتهم إلى الله عزّ وجل. وهذا المقام لا يلغي المقامَ البشري وإنما يُضاف له، لذلك فالعصمة في هذا المقام النبوي عصمة إرادية اكتسابية تصدر من الإيمان بالله والعلم به، وهي عصمة متاحة لكلّ الناس بصورةٍ نسبية تتناسب مع المستوى الإيماني والعلمي، والنبي في هذا المقام يكون تابعاً لرسول سابق يدعو إلى رسالته ويجتهد في تفاعله معها، ويجوز تعرّضه للقتل كما حصل مع أنبياء بني إسرائيل. 3- مقام الرسول: وهو مقام تكليفٍ بمهمةِ تلاوة الرسالة وإبلاغها كما هي تماماً، لا يحقّ له الاجتهاد فيها من حيث المبنى والتلاوة: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين). والرسول يعصمه الله عن القتل لإتمام مهمته بالرسالة، ويعصمه عن الخطأ والنسيان لمادة الرسالة. فالعصمة من الله موجّهة إلى مادة الرسالة وليس إلى شخص الرسول. ويتم حفظه من كلّ مرض نفسي أو جسمي ينقض أو يعوق توصيل الرسالة، وأيضاً هذا الحفظ موجّه لمصلحة الرسالة وليس إلى شخص الرسول: (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت). فلا يوجد كائن معصوم بذاته أبداً، لا نبي ولا رسول ولا إمام ولا عالم، الجميع بشر، ويعصمون أنفسهم إرادياً من خلال إيمانهم بالله: (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ).
بين السنة والحديث
؟ وعلى أي نحو ينعكس كلّ ذلك على موضوع السنة النبوية بوصفها مرجعية دينية أساسية؟
-
للإجابة على ذلك وبناءً على ما ذكرت؛ نضعُ النقاط على الحروف: سنة النبي: هي المنهج العقلاني العلمي الذي استقاه من الحكمة الموجودة في النص القرآني. أما حديث النبي: فهو تفاعل النبي المرتبط بالزمكان مع القرآن مستخدماً المنهج (الحكمة) للنهضة بمجتمعه وقومه. في المقابل؛ سنة الرسول: هي الطريقة الثابتة المرتبطة بالشعائر التعبّدية، وحصْراً في عدد ركعات الصلاة التي تزيد عن ركعتين، لأن أصل الصلاة موجود قبل نزول القرآن منذ أوّل رسول أرسله الله إلى الناس وتواتر ذلك عملياً، فالصلاة سنة الرسل والأنبياء، وقد ثبت ذلك في النص القرآني. وقد بينتُ ذلك في كتابي (القرآن من الهجر إلى التفعيل). أما حديث الرسول: فما ينبغي أن يكون للرسول حديثٌ خاصٌ به، وإنما يقوم بتلاوة حديث الله فقط: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين). فنبوة محمد (ص) لقومه فقط، ورسالته للناس أجمعين: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)، فمقام النبوة أمرٌ لازم لشخص النبي ينتهي دوره بوفاته ليأتي من بعده دور العلماء الراشدين، أما الرسالة فهي مستمرة ومنفصلة عن شخص الرسول تماماً، ومطلوب من الناس أن يؤمنوا بها ويتبعوها. وعليه؛ لا أجد معنى لما يُسمّى بنظرية السنة النبوية أو سنة المعصوم، فهما مفهومان مفرغان من محتواهما، وكل فئةٍ تقوم بتعبئتهما بما يخدم مصلحتها. لذا الاجتهاد والابتكار قائمان في واقع الحال لكلّ عالم رباني وباحث في أمور الدين لا يحكمه إلا رسالة الله وسنته وحديثه، وكلّ ذلك موجود في النصّ القرآني القائم على الثابت، ومنحَ الإنسانَ بصفته الخليفة حرية التحرّك بالمتغيّرات وفق المحور الثابت بحركة حنيفية صاعدة.
علم الحديث.. واغتيال العقل
؟ تتعدّد المنهجيات المختصة في نقد الحديث، فثمة منهج ينطلق على أساس علم الرجال واستهداف سلسلة الرواة، فيما هنالك مشروع نقدي يعتمد النص أو المتن الحديثي نفسه في عملية النقد. هل ترى فيهما وسيلة لإنتاج مقاربة منتجة للحديث؟
-
عندما تمّ تغييب النص القرآني من التفاعل معه في نهضة المجتمع؛ كان من الطبيعي جداً أن يحلّ محله مصدرٌ آخر ليتمّ استخدامه في عملية التشريع والتبرير لسياسات الأنظمة الحاكمة والفئات المعارضة لها حينئذ. لذلك نجد لكلّ فئةٍ مرجعية من مادة الحديث غير مقبولة للجهة الأخرى، ونجد معظم الدراسات الفقهية قد اعتمدت على مادة الحديث واستبعدت النصّ القرآني من الدراسة، إلا للبركة وإلزام المخالف لها وإضفاء صفة القداسة على متن الحديث..
ليتمّ اغتيال عقل السّامع وإمرار الحديث، ومع توسّع تلك العملية الاغتيالية، وتعقّد الأمور وُلِدَ مصطلح (علم الحديث)، وصار علماً له قواعده ونظامه، فزاد الأمر شراً وتخلفاً، وظهر تيارٌ يهتم فقط في دراسة الرواة (السند) ولا يلتفت إلى موضوع الحديث، وظهر تيارٌ آخر أضاف للاهتمام بالسند الاهتمام بمتن الحديث ولكن بصورةٍ تخدم مصالح كلّ فئة. والنتيجة هي بقاء مادة الحديث محوراً للدين الإسلامي، لها الصّدارة في واقع الحال وقاضية على القرآن والعقول
؟ أيعني كلامك أنك لا تمنح الحديث النبوي مرجعية قدسية؟
-
مادة الحديث النبوي مادة تاريخية لا قداسة لها أبداً، ومنتفٍ عنها صفة الوحي الإلهي التشريعي، وذلك لأنها نتيجة تفاعل النبي العظيم مع النصّ القرآني حسب معطيات واقعه، وحسب الأدوات المعرفية الزمكانية المتوافرة حينئذ، وهي لذلك غير ملزمة للمجتمعات اللاحقة أبداً، ومنْ يقول بغير ذلك يكون إنساناً يُغمض عيناه عن الحقيقة! فالحديث النبوي المنسوب قد أصابه التحريف زيادة ونقصاناً، فمنْ يقول بأنه وحي فهو يعتقد أن مادة الوحي قابلة للتحريف، وبالتالي لا مانع عنده من ضياع بعض من الوحي! وربما الذي ضاع أكثر من الذي بقي! فكيف نُلزم بعضنا بوحي محرف!؟ بوحي قد ضاع جزء منه!؟ كيف يكون الحديث عند فئة وحياً، وعند الفئة الأخرى التي ترفضه لعلةٍ بسنده أو متنه حسب أصولهم؛ كذباً وافتراءً!؟ كيف يكون الحديث مصدراً تشريعياً وهو مُختلف فيه، وليس محلّ تسليم من الجميع به!؟
علم الحديث.. خدعة
؟ ولماذا تحمل هذا الموقف الشديد في معارضة (علم الحديث)؟
-
علم مصطلح الحديث كذبة وخدعة كبيرة! فهو ليس علماً أصلاً سواء تعلّق ذلك بالسّند المتن، فالنتيجة واحدة: الضياع للمسلمين، وعندما جعل المسلمون مادة الحديث النبوي وحياً ومصدراً تشريعياً أُصيبوا بالتخلف والانحطاط وابتعدوا عن المنهج الرباني المتمثل بالقرآن (يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً).
فالنص القرآني قد احتوى الشرع الإسلامي كاملاً كما أخبر الرب تبارك وتعالى بذلك (اليوم أكملت لكم دينكم)، وكما أمر رسوله أن يقول (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم). فالقرآن هو المصدر الوحيد للتشريع الإلهي، وما سواه من أحاديث نُسبت للنبي أو للأئمة أو للفقهاء أو غيرهم في أي زمان ومكان، فهي مادة فقهية لا قداسة لها أبــدا، وغير ملزمة لأحد، وهي محاولة زمكانية مرتبطة بالأدوات المعرفية السائــدة حينئذ لفهم النص القرآني صَلُح بها حالهم وارتضوها لمجتمعهم.
أما نحن فقد قال الربّ جل شأنه (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون). فمادة الحديث وأقوال الأئمة والفقهاء وغيرهم على مختلف الأطياف مادة فرّقت المسلمين وألقت العداوة والبغضاء بينهم، ووقعوا في ما وقعَ فيه أهل الكتاب من الغلو والتطرف وصار لسان حالهم يردد (ولن ترضى عنك الشيعة ولا السنة حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى) أما النص القرآني فهو حبل الله المتين الذي يوحّد المسلمين على كلمةٍ سواء.
؟ وما هي النتائج الحضارية لنقد الموروث الروائي المذهبي؟ هل يمكن أن تُحدِث تقارباً فكرياً ومذهبياً؟
-
ليس المطلوب منا الآن للنهضة أن نقوم بنقد التراث كله! فالوقت لا يسمح بذلك، كما أنّ الأمر على درجةٍ من الصعوبة. إنّ هذا التراث الفقهي الطائفي ليس علماً حتى ينبغي أن أحصّله ومن ثم أتابع السير على ضوئه! إنه فقه ماضوي سلفي آبائي! إنه مادة تاريخية لا أكثر، يدرّسها المؤرخون وعلماء الاجتماع بصورة موضوعية من دون تقمّص لأحداث التاريخ، فنحن لم نكن مع النظام الحاكم حينئذ، كما أننا لم نكن مع المعارضين لهم! فنحن لا نمثل أيّ أحد منهما ولسنا امتداداً لهما! ولا ينبغي أن تقوم فئة بتقمّص دور تاريخي وتلزم الطرف الآخر بأن يتقمّص الدور الخصم له، وتُدق الطبول ويُنفخ في البوق، ويُعلن النفير وتبدأ الحرب!
ويعود المجتمع المعاصر ليعيش في حالة تقمّصية جاهلية يُحيي حرب داحس والغبراء! فعملية التواصل بين جميع الأطياف الإسلامية الحالية يكون بالرجوع إلى القرآن وتفعيله في الواقع، واستبعاد مادة الحديث من أي كائن صدرت. وأي دعوة لغير القرآن فهي دعوة طائفية مآلها الفشل، وسوف ينتج عنها الكره والبغضاء والقتال في أي لحظة يقوم باستغلالها المستبدون والمستعبدون للشعوب على صعيد الداخل أو الخارج.
؟ هل من كلمة أخيرة في ختام الحوار؟
-
أنتهز هذه الفرصة التي أتاحتها جريدة ‘’الوقت’’ لأوجه نداءً إلى المسلمين.

      أيها المسلمون! القرآن يجمعنا، بينما جعل الأحاديث النبوية وأقوال الأئمة وحياً إلهياً، والالتزام بالتفاعل الفقهي الزمكاني للسلف، وتقمّص أحداث التاريخ.. يفرّقنا.

     أيها المسلمون! كلكم أبناء آدم، وآدم من تراب، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وأنفعكم أنفعكم للناس. فلا للطائفية! ولا للعرقية والقومية! ولا للاصطفاء والفوقية! ولا للأسرة والقبيلة، ولا للعنف والإرهاب.. إنها دعوات وروابط جاهلية نتنة.

 

 

اجمالي القراءات 12494

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-08
مقالات منشورة : 134
اجمالي القراءات : 4,736,641
تعليقات له : 354
تعليقات عليه : 834
بلد الميلاد : Syria
بلد الاقامة : Syria