لا مشكلة في القرآن.. وإنما في العقليّة السلفيّة الماضويّة:
الباحث السّوري سامر إسلامبولي في حوار مع جريدة "الوقت" البحرينية

سامر إسلامبولي في الخميس 08 فبراير 2007


="FONT-SIZE: 14pt; FONT-FAMILY: 'Traditional Arabic'">     الباحث السّوري سامر إسلامبولي عناية مركّزة في دراسة النصوص التأسيسية للإسلام، وتحديداً القرآن الكريم ونصوص السّيرة النبوية ومتعلقاتهما، وذلك من منطلق إيماني بحت، فهو يؤمن أن المسلمين أقاموا حضارتهم المتقدّمة التي كانت نواةً لحضارة الغرب؛ انطلاقاً من آلية التفاعل مع النصّ القرآني وبحسب الإمكانات المعرفية المتوافرة حينئذ. ويذهب إسلامبولي أن مشكلة النصّ القرآني اليوم متأتية من العقل السلفي وأمراض الاتباعيّة التي لا تهيئ الأرضية المناسبة للتفاعل المناسب مع القرآن. وفي حين يؤكّد إسلامبولي على خصوصية القرآن وأنها نابعة من بنيته ذاتها، فإنه ينتقد مشروع محمد أركون في مقاربة القرآن والإيمانيات ويراه مشروعا فاشلا. الجزء الأول من الحوار يركّز على جملة من القضايا الخاصة بدور القرآن وتأثيره النهضوي ومعنى الاكتمال والخاتمية التي جاء بها.

 

القرآن.. الموقع والدور

1س- ليس من الإفراط ولا الاختزال القول بأن القرآن الكريم يحتلّ مركزًا محورياً داخل الحضارة الإسلامية. ما هو البعد/ الأبعاد التي تؤهل نصّا لغوياً ليحظى بهذه المحورية ؟

  ج - النصّ اللغوي حتى يصيرَ محوراً لثقافة مجتمع ينبغي أن تتحقق به عدة أبعاد، أهمها: بُعدٌ غيبي متمثلاً بتعالي وعظمة الجهة التي صدر النص منها، وبُعدٌ إيماني، متمثلاً بإيمان الناس بالبُعد الغيبي للنص، وبُعدٌ فكري فلسفي متمثلاً باحتواء النص للأجوبة عن الأسئلة الفطرية الثلاثة[كيف،لماذا،أين]، وبُعدٌ تعبدي متمثلاً بإشباع غريزة التدين عند الإنسان التي تظهر من خلال استخدام النص في إقامة الشعائر التعبدية, والخشوع والذكر والخوف والدعاء والابتهال والتعظيم، وبُعدٌ نفسي متمثلاً بحصول السعادة والسرور من جراء تفاعل الإنسان مع النص. ويضاف إلى الأبعاد السابقة بالنسبة للنص القرآني بُعدٌ نهضوي، وبُعدٌ خاتمي، وبُعدُ الكمال والصلاحية, وبُعدٌ علمي.

2 س- كيف يمكن توضيح أن تقوم حضارة كبرى وتزدهر على مدى قرون؛ وتنتج إسهامات معرفية وحضارية؛ انطلاقاً من نصّ يُقال بأنه يتميز بالرمزية والكثافة اللغوية، والإشارية العامة؟

  ج - لقد استطاع العرب المسلمون إنشاء حضارة كبرى ازدهرت على مدى قرون، وأنتجت إسهامات معرفية وحضارية كانت بذوراً ونواةً للحضارة الغربية فيما بعد. وهذه النهضة والحضارة لم تنشأ من النصّ ذاته، بدليل أن النص مازال موجوداً الآن كما كان، ولكن المجتمع العربي والإسلامي الحالي متخلف على الأصعدة كافة! فالنهضة والحضارة نشأت من خلال تفاعل المجتمع العربي الأول مع النص القرآني بصورة واعية حسب المستوى المعرفي حينئذ، فأخذ من النص القرآني منطلقاته ومرتكزاته وأسقطها على أرض الواقع، فالنهضة لابد لها من عاملين أساسيين وهما الفكر والإنسان الفاعل، ولا يمكن أن يُستغنى عن أحدهما أبداً, فعندما تفاعل المجتمع الأول الذي زامن نزول النص مع النص الذي يحتوي على فكر كلي مستنير استطاع أن يُنشئ نهضةًً وحضارةً كبرى. والذي حصل فيما بعد أن المجتمعات اللاحقة عوضاً عن أن تتفاعل مع النص مباشرة وتسقطه على الواقع؛ قامت بإعادة تفاعل المجتمع الأول وأسقطته على معطيات واقع جديد، ومن الطبيعي ألا ينشأ نهضة أو حضارة من تفاعل سابق انتهى مفعوله، ولا بد من تفاعل حي جديد مع النص القرآني حسب الأدوات المعرفية الجديدة، عندئذ ممكن أن نعود إلى إنشاء نهضة وحضارة!

 

الثابت والمتغيّر

3س- لماذا لا يؤدي هذا النص دوره النهضوي مجدداً اليوم؟

  ج - النص حتى يصلح للتفاعل الجديد لكلّ مجتمع؛ ينبغي أن تكون بنيته قائمة على الثابت والمتغيّر ليضمن التواصل والتطوّر، لذلك أتى النص المتعلق بالجانب المتغيّر بصيغة الرمز والمجاز والإشارة ليغطي ويواكب المستوى المعرفي لكلّ مجتمع ويظهر مصداقيته بواسطة العلم من خلال الآفاق والأنفس في كلّ مجتمع، وهكذا تتوالى وتتراكم شهادات المصداقية للنصّ القرآني في كل مجتمع  [سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق]. فالمشكلة ليست في النص القرآني، وإنما في عقلية الإنسان الحالي والثقافة السلفية الماضوية التي تحكم المجتمع, فنحن نعاني من أمراض اجتماعية خطيرة متمثلة بإتباع الآباء والأكثرية والنظرة الأحادية للأمور، ورفض الآخر وعدم التعايش معه ، واحتكار فكرة الخلاص والنجاح في الدنيا والآخرة، وغياب المنهج العلمي في التعامل مع الأمور، ونفي مفهوم الأسباب والعلل في حصول الأحداث, وغير ذلك من الأمراض والآفات الاجتماعية. فالدور النهضوي الآن مناط بتفاعل الإنسان وبصورة علمية وواعية مع النص القرآني, وفهمه من خلال إسقاطه على محله من الخطاب مستخدمين في ذلك أرقى الأدوات المعرفية التي وصل إليها المجتمع الإنساني.

4   س- كيف تفسّر تراجع التعاطي النهضوي مع النصّ؟ أهي الدورة الخلدونية، أم الترتيبات والاستحقاقات الموضوعية الضاغطة؟

  ج - هلاك الدول أمر غير محدّد بزمن معين أو بتوالي عدة أجيال، وإنما هو قانون إلهي يحكم حياة وموت الأمم من خلال تعاطي هذه الأمة لمعطيات قانون الحياة أو الموت، فممكن للأمة أن تطيل عمرها النهضوي من خلال الأخذ بقوانين استمرار النهضة المتمثلة بالفكر الكلي والقيم والأخلاق والعلم، فالأمة التي ترفع من شأن الأخلاق والقيم وتجعلها سائدة وحاكمة على المجتمع وتستخدم العلم في بنية المجتمع يطول عمرها وتدفع عن نفسها قانون الموت من أن يطولها عاجلاً وذلك من باب دفع أقدار الحق بالحق للوصول إلى الحق. إذاً الأمة هي التي تختار السير في طريق الحياة أو الموت، ولا علاقة للأحداث السياسية والمؤامرات والضغوط العالمية في عدم نهضة أمة معينة، فلولا القابلية للاستعمار والمرض لما تحلل المجتمع وتفكك. فالنهضة تكون من داخل الأمة من خلال إيجاد فكر كلي نهضوي يحمله المجتمع ويتفاعل معه ويتحول إلى الفاعلية لذلك قال تعالى: [ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ] والتغيير لا يكون بقطع الرؤوس، وإنما بتغيير ما بالنفوس من مفاهيم الحقد والكره والعداء والأنانية ليحلّ محلها مفهوم الحب والسلام والتعايش والتعاون والتماسك في عملية عمران الأرض والخلافة فيها للوصول إلى سعادة المجتمع وتحقيق الأمن والعدل له.

 

 

 

القرآن: النص والعلوم الحديثة

   5س- كيف يمكن التفريق أو التمييز بين نص أدبي جميل (هو بشري في النهاية) ونص آخر مقدس؟

   ج-  إن التمييز بين نص أدبي وآخر مقدس يبدأ من مسألة الإيمان أولاً بمصدرية النص، وإذا حصل هذا الإيمان بقدسية النص من خلال البرهان العقلي العلمي عليه؛ لم يعد الأمر متاح للمقارنة بين نصّ إلهي وآخر بشري على الأصعدة كافة. رغم أن الصور الأدبية الجمالية ليست مقصداً بحد ذاتها في النص الإلهي وإنما تمّ استخدام أرقى أسلوب أدبي فني لصياغة النص المقدس ليحتوي مضموناً مقصوداً من قبل الإله العظيم. وصار النص المقدس بهذه المواصفات مقياساً ومعياراً يتم على موجبه قياس مدى رقي وعلو النصوص الأدبية البشرية مع بقائها دونه بصورة دائمة.

 6 س- وهل يمكن، أو يصح، تطبيق إمكانات عالم النصوص الحديثة (الشعرية، الأسطورية..) على النصوص المقدسة؟ هل بالإمكان اكتشاف عناصر داخلية مميزة لمستوى وعالم النص المقدس؟ وما هي الوسائط المنهجية التي يحق لنا من خلالها قراءة النصوص المقدسة بوصفها نصوص أديان لا نصوصاً أدبية؟

 ج-   لا يصحّ تقويم وقياس النص المقدس بمعايير أدبية وضعية متغيرة لأنه ليس نصاً أدبياً أصلاً، ولا يهدف هذا الجانب، وإنما يهدف الهداية للناس والنهضة بهم. والنص القرآني قد احتوى في بنيته وسائط منهجية ممكن أن يستخدمها الباحث في دراسته إذا اكتشفها، لأن النص القرآني متميّز في بنيته وتناوله للأمور, ومن أهم الوسائط المنهجية في القرآن هي ربط الخطاب القرآني بمحله من الواقع، فهو يدفع الباحث إلى النزول إلى الواقع ليعلم مصداقية النصّ القرآني من خلال تطابق الدال مع المدلول عليه للوصول إلى الدلالة العلمية, وفي حال لم يتم التطابق بين الدال والمدلول عليه يطلب النص القرآني من الباحث إعادة البحث مرة أخرى وتغيير طريقة البحث والحصول على أدوات معرفية أدق وأرفع مستوى من الأولى وتغيير طريقة نظرته إلى النص, ومتابعة البحث وهو على ثقة أن المطابقة أمر لازم إيمانياً وعلمياً وإلا انتفى عن النص صفة القداسة لاختلافه مع محل الخطاب من الواقع. وهذا لا يمكن أن ينطبق على كلام الله عز وجل أبداً، لأن المتكلم عن الفعل هو الفاعل نفسه. وموضوع إيجاد الوسائط المنهجية لدراسة النصّ المقدس موضوع كبير جداً ويكفي ما أشرت إليه من وجود ذلك في بنية النص ذاته, فالله عز وجل أنزل مفاتيح النص مع النص ذاته، وهذا ينطبق على النص القرآني فقط كونه نصاً خاتمياً نزل بلغة عربية علمية قائمة أيضاً على الثابت والمتغير, لذا هو الوحيد الممكن قراءته قراءة معاصرة متجدّدة حسب الأدوات المعرفية المتنامية.

 

النصّ والخطاب

7 س- تطرح الألسنية الحديثة مفهومي النص والخطاب، وبعض الباحثين يقيم تفريقا بين النص القرآني، والخطاب القرآني، مفضلاً استخدام الثاني لوصف مرحلة التلفظ الأولية للقرآن من قبِل النبي (ص). ولا شك أن لهذا الاستخدام لحظات انتربولوجية ونفسية على ضوء التمييز الواقع بين الخطاب الشفهي والخطاب الكتابي، وما ينتجه كلا الخطابين من فهم وذاكرة وعقل متفاوت. فما هو رأيكم بهذه التفرقة؟ وهل ترونها مجدية على صعيد القرآن وظاهرة الوحي الإلهي عموماً؟

  ج - لا شك أن وقع دلالة مفهوم الخطاب أقوى على النفس من وقع مفهوم النص، وذلك لأن مفهوم الخطاب يدل على وجود متكلم وآخر مُخاطَب مما يعطي للخِطاب صفة الحياة ويشعر المُخاطَب بالمسؤولية ويشارك المتكلم إلى حدّ معين بصياغة المفهوم، بينما مفهوم النصّ يدل على السكون وغياب المتكلم وانتفاء التفاعل معه, ويشعر القارئ للنص أنه يُملى عليه إملاءً. أما ربط مفهوم الخطاب بالمرحلة الزمنية الأولى التي نزل النص فيها؛ فأنا أرى أنّ الخطاب مستمر لكلّ الناس عبر الزمان والمكان من خلال وجود وحفظ الرسالة الإلهية الموجهة لكل الناس، لذا ينبغي التعامل مع الخطاب القرآني بصورة فاعلة لأنه حقيقةً هو موجّه لنا ومطلوب من كلّ إنسان ومجتمع أن يتفاعل معه وكأنه نزل الآن علينا, ومطلوب منا تنزيله على أرض الواقع عملياً حسب معطيات الواقع، وترتيبه حسب سُلّم الأولويات والحيثيات التي نعيشها, وقد صدق من وصف الخطاب القرآني بأنه خطابٌ حييٌ من حييٍ إلى أحياء!

القرآن والمشروع الأركوني

9س- السعي قائم اليوم لإدخال القرآن في ميدان البحث التاريخي والانتربولوجي والألسني الحديث. أبرز الأمثلة على ذلك ما نجده عند محمد أركون فيما يسميه بالإسلاميات التطبيقية، وهو يطبق هذه المنهجية على كافة خطابات الوحي، معتقدا أن ذلك هو الطريق لإنهاء تاريخ الكراهية بين الأديان. ما هي أسس ومنطلقات المشروع الأركوني؟

  ج- إن أهم أسس مشروع أركون في عملية نقد العقل الإسلامي تبدأ من نفي وجود مسلمات إيمانية، وإعادة كلّ المسائل للدراسة مرة ثانية بواسطة الأدوات المعرفية الحديثة مجتمعةً، وخاصة علم اللسانيات. وقد قام فعلاً في تطبيق ذلك على النص القرآني مستفيداً من مدرسة الاستشراق الألمانية بقيادة العالم "نولدكه" وجماعته، ووصل إلى أن النصّ القرآني قد تمّ تقديم أو تأخير بعض نصوصه عن مكانها الأصلي، وزحزحة بعض النصوص إلى سور أخرى لا يحتملها السياق اللغوي من حيث الأحداث كما زعم!! وقد ذكر أن الأمر أكبر من ذلك بكثير كونه قد اطلع على دراسات هذه المدرسة الاستشراقية وقد أصابه الذهول والعجب مما رأى!  لذا يرى أركون أن الأمر الديني برمته، من وجود الله إلى ظاهرة الوحي ونزول الرسالات وإمكانية وجود اليوم الآخر وما سوى ذلك من الغيبيات؛ ينبغي أن يُعاد دراستها في التراث الديني الإنساني كله دون استثناء في كلّ اللغات المكتوبة، وعند كل الملل والطوائف للوصول إلى فكر إنساني علمي موحّد!

 

     مشروع فاشل

10س- وهل استطاع هذا المشروع أن ينجز عطاءً علمياً في مقارباته للقرآن الكريم، حيث ينظر إليه باعتباره يمثل بنية أسطورية؟

ج- لقد قام أركون بنقض كثير من المواضيع الإسلامية دون إيجاد بديل لها, فإلى هذا التاريخ لم يكتب بحثاً إيجابياً يدفع الأمة إلى النهضة والبناء, وإنما يكتفي بالنقض ويطالب المثقفين الإسلاميين بتعلم بضعة لغات ودراسة التراث الإسلامي كله ومن ثم نقده. فمشروع أركون هو مشروع على الورق فقط لا واقع له، ويحتاج إلى جيوش من الباحثين والعلماء في كافة الاختصاصات، ومئات من السنوات للقيام بهذا العمل! والذي ستكون نهايته الفشل ! لأنه وَهم على أرض الواقع, ولن يتم حسم الأمر لأنه مرتبط بحرية الإنسان وإيمانه, والمشكلة ليست في ثبوت هذه القضايا أم لا، وإنما المشكلة بالإجرام والاستبداد والاستعباد والاستعلاء. مع العلم أن قضايا الإيمان قد تمّ الحكم على قطعية وجودها وأحقيتها في كلّ مجتمع عبر الزمان بما يناسب أدواتهم المعرفية، وظهر لهم اليقين والمصداقية في الواقع، وعندما جاء المجتمع اللاحق أخذ هذه الحقائق إيماناً وأعاد أيضاً البرهنة عليها حسب المستوى المعرفي له, فأضاف شهادته لشهادة من سبقه, وهكذا تتراكم البراهين على مصداقية هذه الأمور من مجتمع إلى آخر بما يقيم الحجة كاملة على كل مجتمع كما أخبر الرب تبارك وتعالى [سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق]، ولكن المجرمين يغطون الحقيقة ويجحدونها قال تعالى :[ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا].

    لذا أنا أرى أن مشروع أركون دعوة للضياع والتشكيك في كل الثوابت, ومحاولة إثباتها مرة ثانية وهكذا تستمر المجتمعات بإثبات ما هو ثابت, وبالتالي يبقون طوال عمرهم يجترّون الأدلة والجري خلف كلّ جديد من العلوم الناشئة, وسوف يتجاوزهم قطار النهضة ولن يعملوا شيئاً أبداً. وهذا لا يعني أن لا أستفيد من الأدوات المعرفية الحديثة والعلوم الإنسانية, بل الواجب علينا أن نواكب بل ونساهم في دفع عجلة التقدّم والرقي في كافة العلوم, ونستخدمها في عملية النهضة بالإنسان.

 خلود القرآن والاكتمال

11س- آية الإكمال في القرآن الكريم (اليوم أكملت لكم دينكم....)، تعد عند المفسرين كاشفةً عن حقيقة الإسلام بكونه ديناً كاملاً وخاتماً. ما المقصود بإكمال الدين الوارد في الآية القرآنية هذه، هل هو كمال من حيث المضمون؛ بمعنى أنه تضمّن كل شيء، أم هو متعلق بمسألة إبلاغ كل ما كان يجب على الدين الكامل إيصاله للإنسان، كما يذهب إلى ذلك الشيخ محمد مجتهد شبستري، أم أن هناك معنى آخر لهذا الكمال؟

 ج - إن كلمة الإكمال تدلّ على أنّ الشيء المعني باكتماله هو أمر قد تمّ الابتداء به سابقاً، وهذا مشاهد ومعلوم في الواقع من كون أن الإسلام دين الله الذي ارتضاه للناس جميعاً بدأ نزوله منذ أول رسول أرسله الخالق إلى الناس, سواء أكان نوحاً (ع) أم من قبله، واستمر نزول الشرع الإسلامي مع بعثة كل رسول جديد بجانب نزول شرع قومي عيني ظرفي خاص لكلّ قوم حسب معطيات واقعهم، فإذا تغيّر الواقع وتطوّر في اتجاه النهضة والمعرفة اقتضى ذلك بعثة رسول جديد ينزل عليه بعضٌ من الشرع الإسلامي ليضاف إلى ما سبق ويتم رفع بناء الشرع الإسلامي مع تقليص وتعديل و نسخ أجزاء من الشرع القومي العيني، وهكذا استمرّت حركة الشرع بمحوريه الإسلامي والتاريخي, فالإسلامي يتم نموّه نحو الإنسانية والعالمية، والشرع التاريخي يتقلص ويتم نسخه تدريجياً إلى أن تم اكتمال بناء الشرع الإسلامي، فاقتضى ذلك إزالة كلّ الشرع التاريخي المرتبط بالقومية والعينية ليحلّ محله بصورة كاملة الشرع الإسلامي ذو الصفة الإنسانية والعالمية، واقتضى ذلك إنهاء دور الأنبياء وتوقيف عملية بعثهم.

12 س- هذا يعني أن الاكتمال الوارد هنا موجّه أساسا إلى الإسلام في عمومه؟

 ج- نعم ! مفهوم الاكتمال للدين أمر موجه إلى اكتمال بناء الشرع الإسلامي، وهو نظام كلي متعلق بحركة الفرد في المجتمع، وحركة المجتمع ككلّ على أرض الواقع، وكان ذلك من خلال تشريع منطلقات ومرتكزات وخطوط ثابتة, وترك للإنسان - بصفته الفردية والاجتماعية - صلاحية التحرّك وفق المحور الثابت بحركة حنيفية تتجه دائماً إلى الأعلى منجذبةً إلى المحور الثابت كلما ابتعدت عنه تعود إليه. فالشرع الإسلامي ذو صفة إنسانية وعالمية, وهو شرع مرتبط بالكون آفاقاُ وأنفساً، والكون بشقيه قائم على محور الثابت والمتغير, فالشرع نزل بذات المواصفات من كونه قائماً على الثابت والمتغير، والكون مستقر على نظامه ووصل إلى صفة الخاتمية من حيث النظام فكان الشرع الإسلامي كذلك قد نزل بصورة خاتمية وتم الانسجام مع الكون لوحدة المصدر (الخالق تعالى).

13س- وكيف تقارب الخاتمية مع إطار الفهم المتقدّم للاكتمال؟

   ج- صفة الخاتمية ظهرت في النص القرآني مثل خاتمية أبجدية اللغة العربية من كونها مؤلفة من تسعة وعشرين مقطعاً صوتياً استطاع الإنسان أن يستخدمها من خلال تركيبها مع بعضها بصورة متغيرة متنامية، مع وجود موت وحياة المسميات, فتموت أسماؤها معها لاستغناء الإنسان عنها ووجود البديل المناسب نتيجة التطور نحو الأمام. فاللغة العربية - أبجدية ونظاماً - هي ثابتة غير قابلة للزيادة لاكتمالها, بينما استخدامها في حركة متغيرة متنامية تخضع لعملية التطور والموت والحياة للكلمات. وكذلك النظام العشري الحسابي فهو نظام قد اكتمل من حيث الأسس، ولا يحتاج الإنسان لعملية الزيادة عليه بشيء لأنه نظام يغطي كل الاحتياجات, ويقوم الإنسان باستخدامه بصورة متغيّرة في الواقع حسب المعطيات, وكذلك اكتمال الشرع الإسلامي في واقع الحال لم يترك للإنسان مجالاً لأن يزيد عليه في نظامه الثابت، وإنما ترك له التحرك ضمن هذا النظام بصورة متغيّرة تخضع لعملية التطور، ومن هذا الوجه تمّ ولادة مقولة : [ثبات النص القرآني وتحرك المعنى] وصفة الاكتمال مثلها مثل اكتمال كأس بالماء، فمن يستطع في واقع الحال أن يزيد الماءَ في هذا الكأس الممتلئ المختوم؟! وكذلك الشرع الإسلامي الخاتمي, وإن لم تصدّق! فحاول أن تزيد فيه شرع ثابت كلي يضمن الحركة في المتغيرات ويصلح لكل الناس عبر الزمان والمكان, ويقبله جميع المجتمعات الإنسانية دون زيادة أو نقصان أو تعديل, فإن فعلت (ولن تفعل) فنحن نقبل منك هذه الزيادة!

 

اجمالي القراءات 11163

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2007-01-08
مقالات منشورة : 134
اجمالي القراءات : 2,058,090
تعليقات له : 354
تعليقات عليه : 825
بلد الميلاد : Syria
بلد الاقامة : Syria