الإنسان في القرآن الكريم 5 :
وَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ – 5

خالد اللهيب في الأحد 24 فبراير 2013


وَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ – 5

أتابع البحث حول المعاني التي رافقت كلمة الإنسان في القرآن الكريم .

تحدثتُ فيما سبق عن هوى الإنسان وميله ، وأنّ الهوى والميل يقود النفس ومن ثمّ النفسُ تقود الإنسان ذاته غالبا وفي أكثر الأوقات الى المعصية ومخالفة شريعة الله جل وعلا ، الحصيف من ينه نفسه عن هواها وميلها إذا ما خالفت شريعة الله عز وجل .   

قد لا يخفى على القارئ أن أكثر الناس وقوعا لهوى أنفسهم هم رجال الدين الأرضي، (على حدّ قول الدكتور أحمد منصورحفظه الله العلي القدير) ومن يعتاشوا بإسم الدين الإسلامي، الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ،والذين ينصّبون أنفسهم المتحدثون الرسمّيون بإسم الله عز وجل ، ويدّعون القربى والتقى و أنّ دعاءهم مستجابٌ أكثرمن غيرهم ، فهم يزكون أنفسهم علنا ودون حياء لا من الله عز وجل ولا من خلقه ، إذ يقول جل في علاه ، (..هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) النجم .

هو أعلم بمن إتقى ولكن نراهم يشجّعون ويخدعون بسطاء المسلمين حينما يُلبّوا طلب الدعاء لهم عبر الفضائيات ، بدل أن يردعونهم ويُعلمونهم ويقولون كلمة الحق  ، يعتبرون أنفسهم هم صلة وصل بين الناس و رب الناس جل في علاه , ويعتبرون أنفسهم من الأولياء الصالحين لله عز وجل ، بدعائهم لبسطاء المسلمين (على أرض الواقع ) يخالفون كتاب الله عز وجل ، فهم يزكون أنفسهم باعتبار دعاؤهم وتضرعهم مستجاب عند الله سبحانه وتعالى ، يدّعون أنهم يتأسون بدعاء النبي محمد عليه الصلاة والسلام لأصحابه .

أيها الأفاضل أنتم أبعد خلق الله عز وجل عن التشبه بالنبي عليه الصلاة والسلام ، ربنا الرحمن الرحيم حث كل عبد مؤمن أن يدعوه فهو قريب ولا يقبل الصلة بينه وبين عباده وخلقه ، وها أنتم تنصبون أنفسكم صلة وصل مُعتّمُون وكافرون بالكثير من آيات الله سبحانه وتعالى حيث قال عز من قائل ، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) البقرة .

الله جل وعلا ليس قريب من عباده فقط، بل يجيب دعوة أي داع له من عباده ، أكان مؤمنا أوكافرا ، بينما أنتم ، يا من تدّعون الإيمان والصلاح والدين ، توهمون الناس بأنهم بعيدون عن رضا الله عز وجل و أنتم الأقرب إليه ، فلا تفتروا ولا تدّعوا ،(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) الأنعام ، توهمون الناس بأن دعاءكم مستجاب أكثر من دعاء العباد ، وإذا قيل لكم ، إتبعوا ما أنزل الله سبحانه وتعالى وها هو كتابه بين أيدينا ، تعالوا لنتحاكم إليه ، قلتم بل نتبع السلف الصالح ، فنحن سلفيون لا مبدعون ، نحن أصحاب نقل لا عقل ، كذلك كان قول الكافرين من قبل، (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) البقرة ، ترى فريقا منهم ، يعرضون و يتولون تاركين النقاش لأن الحجة كبلتهم وألزمتهم ، (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44) البقرة .

 ومن أكاذيبهم الكثيرة التي يعلمونها لبسطاء المسلمين هي إفتراؤهم على رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام عبر الحديث القائل : (عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ يَقُولُونَ رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ فَيُقَالُ لَهُمْ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ) رواه مسلم (269) ، بينما الله عز و جل يقول : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (24) أل عمران .

ما أشبه قول علماء السنة والسلف بقول الكافرين أيام النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، فقد قالوا (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) ينفيه ويكذبه الله عز وجل ، بل يؤكد أن من يدخل النارلا يخرج منها أبدا عبر آيات كثيرة في القرآن الكريم ، (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ(162) البقرة ، فهذه الآية الكريمة تنفي وتكذب الحديث السابق في ثلاثة نقاط :

1- من كان في جهنم فهو خالد بها ، حيث لا خروج منها أبدا ، (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ) .

2 – لا يخفف عنهم العذاب ، حيث لا شفاعة بعد دخول النار، لا بالتخفيف ولا بالخروج ، (لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) .

3- ولا هم ينظرون ، أي لا يُبحث في مسألتهم من قبل الله عز وجل، بعد أن صدر حُكمه جل في علاه ، بعد أن أعطى كل نفس فرصة الدفاع والمجادلة عن نفسها قبل صدورحُكمه سبحانه وتعالى ،(يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (111) النحل ، فالحكم قد صدر عن بيّنة من قبل الله عز وجل ولم يُظلموا ، فلا مجال للمراجعة بعد ذلك ، و (مَا يُبَدّلُ الْقَوْلُ لَدَيّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاّمٍ لّلْعَبِيدِ) 29 ق ، أما متن الحديث نفسه ، ففيه عيب وكفر بحق الله عز وجل :

4- أليس من العيب والمُعيب والكفر أن يقوم المؤمنُ (كما قال الحديث السابق) بالمناشدة والبحث عن الحق من الله عز وجل ، ألا يعني هذا أن الله لا يعرف الحق ولا يتصف بالعدل كما أنه غير مطلع ليعط الحق لكل صاحب حق .

5- ألا يعني هذا أنهم بإستقصائهم وبحثهم أن الله عز و جل قد خُفي عليه من أمر حقهم الشيئ الكثير وأن الله ظالم لعبادة ، أيها السادة  لايخفى على الله سبحانه وتعالى من شيئ (يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) غافر .

6- ألا يعني هذا أن الله عز وجل قد نسيهم وجاء من يبحث من عباده بعد قضائه بين الناس ، أليس قولهم تكذيب وكفر بقوله تعالى (..وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) مريم .

7- ألا يعني هذا بأن الله ظالم لعباده ، (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42) النساء ، هؤلاء الذين يكتبون الدين بأيديهم ويدّعون أنه  دين الله عز وجل ، عبر إفترائهم وكذبهم على لسان الصادق الأمين ، خاتم النبين محمد عليه الصلاة والسلام ، يوم القيامة سوف يُؤتى بالرسول عليه الصلاة والسلام ليشهد على كذبهم وإفترائهم ، (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا) ، يومئذ يود هؤلاء الكاذبون لو تسوى بهم الأرض في الدنيا ولم يفترواعلى نبيّه الكريم بهذه الأحاديث الكاذبة ولم يغيبوا ويكتموا آيات الله عز وجل وكتابه الكريم ، ألا يكفهم قول النبي محمد عليه الصلاة والسلام (بلغوا عني ولو آية ) ، ألا يؤكد هذا الحديث الآتي :

8 - قال (بلغوا ولم يقل أكتبوا عني) ومما يزيد الأمر وضوحا وتأكيدا ، قوله عليه الصلاة والسلام : (لا تكتبوا عني الحديث من بعدي )، فكان هنالك نهي وتأكيد على عدم جواز كتابة أحاديث النبي العادية بصفته نبيّ و بصفته إنسان كسائر الناس ، بينما لم يقل ولم يتفوه عليه الصلاة والسلام كرسول إلا بالقرآن الكريم وهذا ما كتبه بخط يده وحث المسلمين على حفظه في أعماق الصدور والعقول . 

9- لكي يُنتشر دين الله عز وجل كان لا بد من أن يُبلغ الناس بعضهم بعضا (خصوصا أن القراءة و الكتابة كانت نادرة الوجود وقت نزول القرآن) فالذي يجب أن يبلغوه كان فقط آيات الله عز وجل المجموعة بين دفّتي القرآن الكريم لا غيره ، باعتباره هو دين الله وشريعته سبحانه وتعالى ، لهذا أقل ما يبلغه المسلم لغيره هو(آية) من كتابه الكريم، فلم يقل عليه الصلاة والسلام (بلغوا عني حديثا سمعتموه مني ) وهو من خارج القرآن الكريم، بل قال (بلغوا عني ولو آية ) والآيات لا تكون إلا من القرآن الكريم .

وقد يقول قائل معترضا : كيف تنهى وأهل القرآن عن الأخذ بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام وفي الوقت عينه تستشهد بأحاديثه وتركن إليها ؟

1- نعم النبيّ عليه الصلاة والسلام كان ناطقا ومتحدثا ، إنما كلامه اليوميّ العاديّ بصفته نبيّ و إنسان يتفاعل به مع مجتمعه ومع من حوله ، لا يعد جزء من دين وشريعة الله عز وجل ، فلا يحق له أن يتقوّل على الله سبحانه وتعالى أو أن يُشرع من عنده (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) الحاقة ، وهذه المسألة قد أشبعت بحثا وتفصيلا من قبل الدكتور أحمد منصور حفظه الله العلي الكريم ومن أهل القرآن عموما .

2- ما استشهدت به من حديث ، كان ردا على من يؤمن بأحاديث النبي من خارج القرآن بصفتها جزء من الشريعة ومكملة لها .

 3- هذا الحديث (بلغوا عني ولو آية ) أكد معناه رب العالمين في أكثر من موضع و بأكثرمن أية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ..)67 المائدة ، (فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82) النحل ، فمحمد بن عبد الله هو رسول ، نبي ، مبلغ ، داعية ، بشير و نزير، فقد قال عليه الصلاة و السلام أحاديث تبيّن وتلقي الضوء على التوجه العام والمراد من قول الله عز وجل ولكنها ليست جزءا من كتاب وشريعة الله عز وجل ، كقول النبي عليه الصلاة والسلام (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، فهل نقرأ هذا القول في صلاتنا أم نفهم منه التوجه العام لمعرفة كيفية الصلاة عبر مراقبتنا لصلاته وسجوده ، ألم يحج عليه الصلاة والسلام أمام المسلمين ومعهم ، وبذلك رسّخ كيفية الصلاة والحج الذي كان معلوما به من قبل لدى العرب ولكنه نفّض عنهما ما شابهما من الضلال والبهتان عبر الزمن وأعادهما الى سيرتهما الصحيحة الأولى .

4- والرسول محمد عليه الصلاة والسلام لنا أسوة حسنة ، نسير على خطاه ونتبع منهجه (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) الأحزاب ، كذلك النبي أبراهيم والذين معه من المؤمنين لنا أسوة حسنة ، (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ.. (4) الممتحنة ، فالرسل والصالحون ومن إتّبعهم ومن سار على دربهم قديما وحديثا ، هم أسوة حسنة لكل مؤمن بكتاب الله عز وجل ، أسوة حسنة عبر التطبيق العملي لمراد الله عز وجل لما جاء في كتابه الكريم عبر إفعل ولا تفعل وعبر فهم وتطبيق مراده لمعنى الصلاة والحج والزكاة ومعاملة الآخرين وكل شأن من شؤون الحياة .

5-  الله عز وجل أمر نبيه الكريم محمدا عليه الصلاة والسلام ، حينما كان يُسألُ عن مسألة في دين الله سبحانه وتعالى ، أمرهُ أن يلتزم بما نُزّل عليه وكان الردّ يأتي من الله جل وعلا دون أن يسمح للنبي أن يُبدي حتى رأيه في المسألة قبل أن يُنزل إليه وحيها والردّ عليها ، وكان النبي ملتزما ومدركا لهذه المسألة ، فكان يطلب من سائليه مهلة زمنيا منتظرا الوحي للفصل بها ، والأمثلة كثيرة على ذلك ، يسألونك عن الساعة ، وماذا أحل لهم وماذا ينفقون ، عن الخمر والميسر، عن الأنفال والشهر الحرام ، وعن الأهلة ، فكان الجواب دائما (قل) كذا،عبر آيات محكمة منزلة من رب العلمين ، مما يؤكد أن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام لم يتحدث ولم يتلفظ بقول كرسول إلا بما أنزل عليه من رب العالمين .

6- الله جل وعلا أمرنا أن نسأل أهل الزكر إن كنا لا نعلم المعنى والمراد من آيات القرآن الكريم ، عبر آيتين كريمتين ولم يأمرنا ولا مرة أن نسأل رسوله عليه الصلاة والسلام ، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (43)،النحل ، يكمل الوحي القرآني قائلا ،(بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)النحل، مبيّنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام يبيّن ، أي يظهر ما أنزل عليه للناس ولا يكتمه أو يتقوّل من عنده وذاته ، والآية الثانية ، (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (7) الأنفال .

7- أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام ، التي وصلت إلينا إمّا أن تكون صادقة وإمّا كاذبة ولا تحتمل التوسط أو وجها آخر، والأحاديث الصادقة عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن تكون جزءا من شريعة الله عز وجل ولا من كتابه الكريم ولا هي وحي ثاني أوحي به إلى النبي ، بل هي تطبيق وتبيان عملي وفهم عميق وصحيح لما جاء في القرآن الكريم ، ألم يقل رب العالمين ،(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل ، مطلوب أن نسأل إن كنا لا نعلم ، بوجود آيات معينة أوعدم وجودها ، مطلوب أن نسأل إن كانت الآيات القرآنية ذات دلالة معينة أم لا ، مطلوب أن نسأل في حالة إلتباس المعنى المراد علينا ، مما يدلّ على أن الأصل أن نكون على علم ودراية بآيات الكتاب الكريم وما نزل به وما المعنى والقصد والمراد من الآيات القرآنية، وكيفية تطبيقها وتنفيذها على أرض الواقع ، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام :

أولا : مظهرا للوجود ومبلغا ومبيّنا لما أنزل للناس من آيات القرآن الكريم .

ثانيا : أوضح وبيّن كيفية تطبيق وتنفيذ مراد الله عز وجل المحددّ فقط في آيات القرآن الكريم عبر الأحاديث الصحيحة وهذه الأحاديث إن صحّت فهي أقرب الفهم وأعظمه لآيات الله عز وجل ومراده ، ولكن هذه الأحاديث وإن صحت مئة في المئة ليست جزءا من كتاب وشريعة الله عز وجل ، إنما هي فهم نبيّنا الكريم لآيآت الله عز وجل وهذا الفهم لايمكن أن يعارض آيات القرآن الكريم ولا العقل والمنطق السليم ولا ينجر وراء التعصب أوالشدة ولا الغلضة ولا ينحاز الى ملة أو طائفة ولا بلد أو منطقة معينة ولا يكشف الغيب ولا المستقبل القادم ، كما يتفق مع مفاهيم الإنسانية ويتفوق عليها ، إذ بعث عليه الصلاة والسلام رحمة وهدى للعالمين .

ثالثا - أنأخذ بحديث عالم وعلامة في الدين الإسلامي ولا نأخذ بحديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام ، ففي كلتا الحالتين حديث العالم العلامة والحديث الصحيح للنبي عليه الصلاة والسلام ، هما فهم خاص لمراد الله عز وجل وهما ليسا جزء من كتاب ودين الله عز وجل وإن كان مفهوم الحديث الصحيح بلا شك أكثر دقة وفهما من أي حديث آخر لأي عالم وعلامة من الناس جميعا .

رابعا - بما أن المطلوب أن نعي ونفهم مراد الله عز وجل عبر آياته الكريمة ، فلا ضير أن نأخذ بحديث عالم أو حديث النبي محمد عليه الصلاة والسلام، على أن لا نعتبرهما جزءا من دين الله عز وجل ، بل فهم معين خاص له ، ولا نستند عليهما بذاتهما دون القرآن الكريم لإثبات ما نتوصل إليه من البحث والفهم ، إنما مرجعنا وفهمنا يستند فقط لما جاء في القرآن الكريم وقد يعاون ويساند فهمنا وفكرنا حديث النبي عليه الصلاة والسلام أو حديث أي عالم معتبر مشهود له بالعلم والكفاءة كأستاذنا الفاضل أحمد منصور أو الأستاذ عدنان الرفاعي أكرمهما الله العزيز الكريم .    

خامسا - المشكلة تكمن في كيفية معرفة الحديث الصحيح من الحديث الكاذب ، فالنأخذ بالأحاديث الصحيحة وفقا لأي مذهب إسلامي كان ، والنقارن هذا الحديث مع مفهوم آيات القرآن الكريم ، فإن لم يتعارض مع المفهوم العام والخاص الدقيق لآيات القرآن الكريم ولم يعترض عليه أي عالم مسلم معتبر ومشهود له بالعلم والدقة والورع ، وكان منهجه ودستوره الوحيد كتاب الله عز وجل ، بأي وجه من الوجوه ، جاز لنا أن نعتبره من أقوال النبي محمد عليه الصلاة والسلام ولكنه لا يُمثل وليس جزء من شريعة الله عز وجل بأي شكل من الأشكال ولا يُبنى عليه في التشريع والإقرار، بل يستأنس به ويشار إليه كما يشار الى أي قول لأي عالم مسلم معتبر.

سادسا - الأحاديث التي لا تتفق مع المفهوم العام والدقيق للقرآن الكريم لا بد لنا من إعتبارها تقولا وكذبا وافتراءا على دين الله عز وجل ومحلها مزبلة التاريخ ، ونعتبرها قد وصلت إلينا وقد كتبها كاذب مفتر أراد أن يضفي عليها القوة والتأيد من الناس بأن أرجعها ونسبها الى النبي عليه الصلاة والسلام .  

سابعا - الدكتور أحمد صبحي منصور معه حق وله الحق في عدم الأخذ بالأحاديث التي وصلت إلينا ، ذلك لوضوح وسهولة المعنى والمراد من آيات القرآن الكريم ، بدليل أنه وأهل القرآن الكريم أكثر فهما وأعمق لمراد آيات الله عز وجل من كافة ما وصل إلينا من البحوث والتفاسيرعبر التاريخ الإسلامي ، على الرغم من إستبعادهم لكافة الأحاديث النبوية ، سواء صدقت أم كذبت .

ثامنا - تدبر آيات القرآن الكريم من خلال متابعة المعنى والمراد عبر القرآن الكريم ، أسهل وأوضح وأصدق من البحث فيما كتبه الآخرون وما قالوه عن لسان النبي عليه الصلاة والسلام وما لم يقله ، إذ أن أهل القرآن يستندون على مصدر واحد ثابت صادق لا يتغير ولا يتبدل ولا يكذب وهو القرآن الكريم ، بينما المذاهب الإسلامية الأخرى تعتمد على كتب الأحاديث المختلفة والمتعددة  والسيرة والتفاسير والتاريخ والبحوث وغيرها كثير وكثير من ألوان التصنيفات المختلفة ، هؤلاء الباحثون الإسلاميون والكتاب يستندون على أرض رخوة غير ثابتة ولا مستقرة وعلى أحاديث لها مراتب مختلفة من الصدق والكذب الكامل والصريح ، من هنا تأتي الأخطاء والتناقضات والتصادم فيما يكتبون والإعتراض على ما يصلون إليه .

تاسعا - هنالك صنف من الناس عملهم وسعيهم في الحياة الدنيا هو الإفتراء على دين الله عز وجل عن سابق تصميم وإرادة ، لهدم الدين الإسلامي كرها وبغضا به وبنبيه الكريم وبأهله ، ونحن نرى الكثير من الباحثين والدارسين من العلمانيّن واللادينيّن ورجال الدين الغير مسلمين ، يدرسون ويبحثون في الدين الإسلامي بعمق ومتابعة دقيقة ، لا يهدفون لمعرفة الحق من الباطل أوالهدى من الضلال أو هداية الناس للحق المبين ولكن لإضلال الناس وفتنتهم وكفرهم وإبعادهم عن دين الله عز وجل ، يصطادون في ما شبه للناس ولأتباعهم  (وليس لهم إذ أنهم يعلمون ولكن يفترون)،على أنه تعارض في القرآن الكريم ، فيبرزونه ويضخمونه ويأولونه طاعنين في دين الله عز وجل ، منفّرين الناس عن الإسلام ومبعدينهم عن الهداية ونورالحق المبين ، آخذينهم الى حضيرة الشيطان الرجيم ، وهم اليوم غير نادمين ولكننا سنراهم يوم الدين ونرى ندمهم وحسرتهم ،(..َلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (54) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (55) يونس .

يحلوا للكافرين واللادينين وللمتشددين من مدعين النصرانية واليهودية ، الصيد في أوساخ بركة أقوال السلف الغيرصالح والسيرة والتاريخ وتناقض المذاهب الإسلامية المختلفة والتكفرين وما سُمي كذبا وفتراء أقوال النبي عليه الصلاة والسلام ، فهي الأرض الخصبة والغنية بكل ألوان الفجور والمجون طعنا بهذا الدين الحنيف والصيد فيها سمين وسهل ، خاصة أنه لبس ثوب دين الله عز وجل ، فالطعن بها هو طعن في الدين الإسلامي وليس طعنا في أقوالهم ورؤياهم وما وصلوا إليه ، خاصة إدعاء المذاهب الإسلامية وأقوال المتشدّدون منهم أنهم يمثلون دين الله عز وجل على الأرض ولولاهم لقضي على هذا الدين ، هذه المذاهب والأحاديث هي الطريق السهل الذي أعطي وقدم لهم للطعن في دين الله عز وجل على طبق من الذهب الرنّان  .  

 -- وصنف آخرأكثر هدما للدين الإسلامي ولما أنزله رب العالمين ولكن عن حسن نية وجهل وتعصب وتشدد ومحبة لهذا الدين ولنبيه الكريم وأهله ، خاصة بما جاء عن السلف الصالح والغير صالح ، هدفهم هداية الناس وإعادتهم للإسلام الصحيح الذي يؤمنون به ، عبر نشر أحاديث كاذبة كتبها أسلافهم بأيديهم ، هؤلاء أكثر الناس ظلما لأنفسهم وللعباد، إذ يعتبرون أنفسهم وأقوالهم وأراءهم الممثلون الشرعيون لدين الله سبحانه وتعالى، يأخذون ويؤمنون بكل ما جاء في كتب التفسير والسيرة والتاريخ ، فأصبح دين الله عز وجل مختصرا في أقوال بشرية للنبي محمد عليه الصلاة والسلام وللصحابة وللأئمة والصالحين ، حتى الرؤيا المنامية للصحابي الجليل بلال الحبشي رحمة الله عليه ، أصبحت جزءا من الدين الإسلامي .

يعتبرون هذه الأقوال والأفعال التي كتبت ودوّنت ومنها الغث والسمين هي دين خاص لمحمد عليه الصلاة والسلام ، فهو صاحب الدين الإسلامي وليس ما أنزل للناس على محمد ، ومهما نذكرهم بأيات الله وقرآنه الكريم ، فهم معرضون عنها و لن يهتدوا أبدا  ماداموا يؤمنون ويؤثرون بكل ما جاء عن السلف دون أن يحكموا عقولهم وميزان الحق والصواب ، أولو كان السلف لا يعقلون أو كانوا بأيديهم يكتبون زورا وافتراءا ،(فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79) البقرة

لو يؤاخذ الله عز وجل الصنفين السابقين بما كسبوا وقالوا لعجل لهم العذاب ولكن يأخرهم الى موعد لن يخلفوه أبدا ، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا (58) الكهف .

(..اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) الزمر ، (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) الأعراف .

وصدق الله العظيم .

أكمل البحث في المقال القادم ، إن شاء الله تعالى .

اجمالي القراءات 2288

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2011-12-18
مقالات منشورة : 87
اجمالي القراءات : 427,595
تعليقات له : 72
تعليقات عليه : 102
بلد الميلاد : Lebanon
بلد الاقامة : Lebanon