خلق سيدنا آدم عليه السلام :
الإنسان في القرآن الكريم

خالد اللهيب في الثلاثاء 05 فبراير 2013


الإنسان في القرآن الكريم

حينما يَذكرُ اللهُ القادر فوق عباده (قتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (7) عبس ، وقعها عظيم في نفس من خاف مقام ربه وخاف الله العزيزالجبار فتهتزأركانه وفرائسه ويخر ساجدا ، طالبا العفو والمغفرة لمجرد أنه إنسان من ضمن سائر الناس ، متسائلا لما هذا الأمر وهذا الوصف من الله الحليم الغفّار وهوالرحمن الرحيم .

وهذا البحث يختص بكلمة الإنسان دون سائرالكلمات الأخرى المرادفة لها والدالة عليها مثل إبن آدم ، الناس ، بشرا وغيرها ، والمراد من كلمة الإنسان أي جنس الإنسان كنوع مخلوق بذاته .

كلمة الإنسان تعني الكائن الظاهر، عكس كلمة الجن التي تعني الكائن الخفي ويقال أن الإنسان ما سمي بإنسان إلا لأنه ينسى وجاءت من الأنس أي الملاطفة وحسن المعشر بعكس الوحشة والغلظة التي يتصف بها الحيوان .

 كلمة الإنسان وردت 58 مرة في القرآن الكريم وتنقسم الى 4 مجموعات :

المجموعة الاولى : وردت بها كلمة الإنسان وتتحدث عن خلق الإنسان الأول ، آدم عليه السلام ، دون ذم أو مدح ، و تصف حالة الإنسان منذ ما قبل خلقه الى يوم خلقه من تراب والقيام بتعليمه .

المجموعة الثانية : وتتحدث عن خلق الإنسان عبر التزاوج ، من يوم التلقيح الى يوم خلوده في الجنة أو في النار، دون أن تمدحه أو تذمه وتشكل قصة الإنسان كاملة.

المجموعة الثالثة : وتتحدث عن صفات الانسان كصفات عامة أصيلة بالذات الإنسانية ، فوصفته بصفات سيئة وغير محمودة على الإطلاق .

و المجموعة الرابعة : وصفت الإنسان أيضا بالسوء من الأوصاف إلا أنها إستثنت ، (إِلاَّ الْمُصَلِّينَ)22 المعارج في الأية الأولى و(الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) في الأية الثانية و(الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) في الأية الثالثة.   

من هنا يتضح أن الكلمات المادحة والمثنية والمرتبطة بكلمة الإنسان لم تذكر أبدا ولا مرة واحدة في القرآن الكريم ، بل وصف الله العزيز العليم الإنسان بقوله تعالى (قتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (7 ) عبس ، كصفة عامة نهائية تدمغ بها الذات الإنسانية ، وصدق من قال ( إن الإنسان أسود الرأس) .

  

المجموعة الاولى ، مرحلة ما قبل خلق الإنسان:(هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) الإنسان ، يتساءل رب العالمين جل في علاه والتساؤل لنا ، هل أتي على الإنسان في وقت من الأوقات لم يكن شيئا مذكورا ؟ هل بمعنى قد أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ، يؤكد ذلك رب العالمين جل في علاه (أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) مريم ، والمراد من كلمة الإنسان أي جنس الإنسان ، الذات الإنسانية ، ونفهم من الأية الكريمة أن الإنسان في البدئ لم يكن شيئا موجودا لكي يذكر، ونفهم أيضا أنه بعد خلقه ، كان شيئا ولكنه أقل من أن يذكر فهو شيئ بلا قيمة ، فلا يذكر.

-- مرحلة خلق الإنسان الأول أدم عليه السلام من دون أب وأم ، من الطين :

 (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) السجدة ، بيّن لنا الله سبحانه وتعالى أنه خلق الإنسان الأول من طين ، حيث أثبتت الدراسات العلمية أن جسم الإنسان ومادة الطين لهما ذات  العناصر الكيميائية ، (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ (12) المؤمنون ، وأن جسم الانسان يتكون من 6 عناصر رئيسية  وهي : الأكسجين ,الكربون , الهيدروجين , النيتروجين , الكالسيوم , و الفسفور وعناصر أخرى أقل أهمية  ، كذلك أثبتت الدراسات العلمية أن التربة على إختلاف مراحل تكوينها وأنواعها لها ذات العناصرالتي يتكون منها جسم الإنسان .

كما أن جسم الإنسان يتكون 65 % منه من الماء ، مصداقا لقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) الفرقان .

بيّن لنا الله العزيز القديرعبر مساحة القرآن الكريم مراحل تكوين الإنسان من طين إلا أنه لا يخرج عن كونه طينا (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (26) الحجر ، والحمأ هو الطين الأسود المنتن ، (خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) الرحمن .

خلق الإنسان عبر أطوار(وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) نوح ، وعلى هذا تم (خَلَقَ الإِنسَانَ (3) الرحمن ، وفي أحسن تقويم ، (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) التين .

ما يمكن قوله عن عملية الخلق هذه الآتي :

1- أن الله سبحانه وتعالى قد أثنى على نفسه بقوله تعالى (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) ، فكل ما خلقه الله جل جلاله ،(ما نعلم و ما لا نعلم )، هو حسن الخلق ، كامل الصفات التي تؤهله ليمثل دوره في الوجود على أكمل وجه ، فكل ما خلقه الله العزيز القدير كان بقدر وحكمة ، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) القمر، والخلق هو إيجاد الشيئ من العدم ، من لا شيئ .

 بينما الإنسان المخلوق لا يمكنه الخلق (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) الحج ، فمن الناس من يتعبد ويتوجه بالعبادة والدعاء وطلب العون والنصرة لمن هم دون الله العزيز القدير، (الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)  كالأوثان والصالحين والصحابة والأولياء والأنبياء وهو كفربالله العزيز القدير ، فهؤلاء الذين يُتوجه إليهم بالدعاء ، ليس لديهم القدرة على خلق أضعف المخلوقات كالذباب ولواجتمعوا وتكاتفوا وتظافروا ، بل الذباب وعلى ضعفه و وهنه يسلبهم بعض الأشياء ولا يستطيعون انقاذه واسترجاعه ، ضعف الطالب والمطلوب .

وصفة الخلق لا تكون إلا لله عزوجل(..أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) الأعراف ، لله عز وجل الخلق المطلق وحيث لا يكون الشيئ شيئا ، إلا إذا أوجده الله الخالق البارئ فيُوجدُ الشيئ المراد إيجاده عبرأمره(كن فيكون) فلهُ الخلقُ والأمرُ وحده جل في علاه ، بينما يجتهد الإنسان بكل ما أوتي من قوة لإختراع ، أو صناعة ، عبر تجميع المواد الاولية ولولا أن خُلقت هذه المواد الأولية من قبل الله الخالق البارئ عز وجل و وضعها بين يدي الإنسان ، لعجز الإنسان عن صناعة أي شيئ لإنتفاء المادة الأولية الضرورية لعملية التصنيع .

يقال أن فلانا خلاقا وهذا من باب المبالغة ، إذ سمح لنا الله العزيز الحكيم أن نستخدم بعض صفاته و أسمائه ، كقوله تعالى ، (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) المؤمنون ، هوالخالق جل في علاه وهم خالقون من حيث الشكل والمبالغة ، (..قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) الرعد، فشتان ما بين خلق الله الخالق البارئ وخلق ما دونه من الناس ، كالفرق بين الأعمى والبصير والظلمات والنور، وعلى هذا فهوالخلاق العليم  سبحانه وتعالى (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (86) الحجر .

2 - الإعجاز في خلق الإنسان : إن خلق الإنسان وإعطائه صفات وخصائص جسمانية وعقلية و نفسية من قبل الله عزوجل هي عملية خلق كبيرة وعظيمه وبالتالي عظمة المخلوق متأتية من عظمة الخالق ، البعض يعتبر أن الإنسان أفضل مخلوقات الله عز و جل خلقا وتكوينا ، وهذا يجانبه الصواب حيث يقول عز من قائل ، (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (57) غافر، على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيئ ولا تقاس أي مسألة لديه بالصعوبة أوالسهولة إذ جل في علاه إذا أراد شيئا ، قال كن فيكون ، فالصعوبة والسهوله مرتبطة بمخلوقات الله سبحانه وتعالى ، له الخلق المطلق والأمر المطلق ، إلا أنه يبين لنا عبر مقايسنا نحن أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الانسان بالنسبة لنا.   

3 - تنوع عملية الخلق : من سنن الله العزيزالحكيم ، أنه يتنوع في خلقه لكافه الأجناس تدليلا لمطلق قدرتة على الخلق في الوجود ، مثالنا هنا ، الإنسان حيث خلقه الله العزيز القادر من :

                 أ - تراب (آدم عليه السلام  بلا أب ولا أم ، عبر كن فيكون .

                ب – عبر التزاوج الناس جميعا ، من أب و أم .

                ت – من أم دون أب ( عيسى عليه السلام ).                

أما نظرية دارون التي تقول بأن اصل الإنسان ينحدر من فصيلة القرود وقد تطور عبرالزمن إلى أن أخذ وضعه الحالي ، فقد ثبت علميا بما لا يرقى إلى الشك ، خطأ هذه النظرية وعدم صحتها ، هذا ما أعلنه عدد من علماء بعض الجامعات الأمريكية في عام 2009 حيث إكتشفوا هيكلا عظميا ، بوادي عفار بإثيوبيا ، لإنسان عاش قبل 4.4 مليون سنة وهو أقدم هيكل عظمي يكتشف حتى الأن وقد كان يمشي منتصبا ، كما أنه ثبت علميا أن خلية الإنسان بها 46 كروموزوم وقد تشكلت من 23 كروموزوم من الذكر و 23 كروموزم من الأنثى لتشكل معا 46 كروموزوما في نواة الخلية الواحدة ،  بينما في القرود فكل خلية حية داخل نواتها بها 48 كروموزوما و بالتالي لا صلة قربى بين الإنسان و القرود بل خلية نبات البطاطا لها نفس عدد كروموزومات الإنسان .

وقد خلق الله العزيز الحكيم الإنسان في أحسن تقويم ، (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)  التين ، تقويم من أقام و إقامة الشيء أي أوجده وحكمه وجعله مستقيما دون إعوجاج وعلى أحسن صورة ، فالله هوالقيوم أي الواجد ، المتحكم ، المسيطرعلى كل شيئ وفي كل الأوقات (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) 255 البقرة .

الرحمن سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام ، علمه البيان أى أعطاه القدرة على  أن يظهر ويبيّن ويعبرعن نفسه وإرادته ويحول إرادته و رغبته الى مشيئه على أرض الواقع كفعل ينفذ ، (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) سورة الرحمن ، تقدمت عملية تعليم القرآن على عملية خلق الإنسان وذلك لعظمة القرآن ، (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) ، علمه تعليما ، بينما خلق الإنسان أي جعله وكونه ، بينما هنا علمه ، أي هنالك تعليم وليس خلق فقط وجعله ناطقا متحدثا ، والبيان أعلى مرتبة من النطق والكلام ، يقال ، من البيان لسحرا ، أي تسحر اللألباب والعقول من جزالتها وحكمتها وجمالها ، وعلماء العلوم الطبيعية عرفوا الإنسان بأنه حيوان ناطق مما يشير الى أهمية النطق وقدرته على إظهار مكنونات النفس الإنسانية .

لم يكتف ربنا العزيز الحكيم في تعليم الإنسان القرآن والبيان ، بل علم الإنسان بالقلم والقلم تعبير مجازي ، والأقلام لها خصائص فريدة غير محددة ولا منتهية من العطاء وتطويرالإنسان من بداية القراءة و الكتابة الى العمليات الحسابية و حفظ المعرفة الإنسانية والعلوم وإنتقالها من جيل الى جيل و هو مصطلح يمثل الوسائل التعليمية لتطوير الفكرالإنساني ، (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) العلق ، علم الإنسان الأول آدم عليه السلام الأسماء كلها عند خلقه ، و زاد الله سبحانه و تعالى ذريته من بعده علما بالذي لم يكن يعلمه من المسائل والأمورعبرالرسل والكتاب ، علمه كافة العلوم و المعارف ، (عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) العلق ، فالإنسان لم يكن ليعلم لولا أن علمه الله سبحانه وتعالى، ومازال يعلمه الى الأن ، عبرإلهامه وفتح الأمورالغيبية المجهولة من العلوم الإنسانية والعلمية والدينية فهوالفتاح العليم ، (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) سبأ.

كانت هذه المجموعة الأولى لكلمة الإنسان ، وما إرتبط بها من الصور والتي شكلت في مجموعها خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام دون أب وأم .(سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) 36 يس

نكمل إنشاء الله تعالى في المقال القادم .

اجمالي القراءات 15606

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2011-12-18
مقالات منشورة : 87
اجمالي القراءات : 458,631
تعليقات له : 72
تعليقات عليه : 103
بلد الميلاد : Lebanon
بلد الاقامة : Lebanon