طموح تجديد علم الكلام الإسلامي

سامح عسكر في الأحد 25 نوفمبر 2012


 

علم الكلام يبحث في العقائد بأسلوب شبيه بأسلوب الفلاسفة، ويعرف بعلم التوحيد وعند التهانوي في ."كشاف اصطلاحات الفنون" سماه أصول الدين ونقل تسمية أبي حنيفة له بالفقه الأعظم، إذاً هو علم ضروري لفهم العقيدة الإسلامية خاصة ولمعرفة الله والكون عامة، وقد صُنفَت فيه المصنفات وعُقدت له مجالس العلم..إلا أنه وبالتطور العقلي والمجتمعي للإنسان اختلفت رؤيته للدين نوعاً ما، فصار الدافع النظري الذي أسس لقواعد العلم في مراحله الأولى غير ذي جدوى في عصر المعلومات والرؤى التجريبية والبراجماتية، وبالتالي فقد أصبح المسلم أحوج لطريقة مختلفة ينظر بها إلى الدين بعدما تغير الإنسان وبالتالي تغيرت الأحكام.

من الضروري معرفة أن فلسفة الدين تدعو إلى الوحدة وصهر الخلافات في الرؤى العامة واتحاد الأصول..لا أن تدعو إلى الفُرقة وتنمية الخلاف والتميز الدوني، فإذا كانت الفُرقة ظاهرة من ظواهر المجتمع فبالتالي نرى أن الرؤية الشمولية للدين يعتريها القصور والتقصير في ذات الوقت، ولنا أن نسأل هل كان علم الكلام-بصورته وأدواته وسلوكياته الحالية-سبباً مباشراً أو غير مباشر في تفرّق المسلمين؟

هذا سؤال هام ويستدعي ضرورة البحث في أهمية العقل .."البسيط".. ومقاربته مع العقل.."المُناظِر"..وعقول العامة "بسيطة"حين تصوّرها لعقائدها، ذلك لوجود فارق بين المعرفة والأخلاق لا تُدركه عقولهم، فالعامي يرى الأخلاق بدينه وإنسانيته وحين يقوم بعملية تجريد للخُلق فلا يتصور دور المعرفة لأن الأخلاق والمعرفة لديه واحد فيظن أن الخُلق معرفة، وأن العالِم لابد وأن يكون خلوقا..وهنا الفارق..لأن أهمية المعرفة تكمن في البحث عن حقائق الأشياء والموجودات، فبمجرد النظر للأخلاق بصورة المعرفة فيخلط بين الحقائق كجواهر وأعراض، ولا يتميز لديه المفهوم من المصداق..لذلك أعتقد أنه مهما قيل في علم الكلام -القاصد للتنزيه-لن يستوعبه عقل العامي إلا بإيجاز القضية لديه في فكرة أو اثنين:

الأولى: في قصور العقل البشري على الإحاطة بعالم ما وراء الطبيعة، وأن قوانين هذا العالم تُفسّر بخلاف حدسنا ومُدركاتنا.

الثانية: أن دلائل وجود الله ووحدانيته ننظرها ونرصدها في الإنسان.."أخلاقه-ثقافته-مجتمعه-سلوكه"..ثم في الطبيعة بقوانين العلة والمعلول والمُرجح والرجحان وهذه قضية يستوعبها عقل الإنسان بداهةً أنه لا رُجحان إلا بمُرجح.

من هنا نقف على بعض الأدوات "الفعّالة"حين التعامل مع عقل الإنسان، أما عقل المسلم فهو تِبعاً للعقل الإنساني وما دام مسلماً فلديه نصوصه التي يحتكم إليها ومنها إلى شرح قانون.."المحكم والمتشابه"..ومنه إلى مشاريع فكرية ترعاها الدولة بواسطة وزارة الأوقاف أن لا حديث إلا بالمُحكم، ويتم التسليم بما وُرد من صفات العقل الإنساني وحملها على تصور الأدوات والمشاريع الفكرية-عملياً.

أما بالنسبة للعقل المُناظر فعلم الكلام أولى جُل اهتمامه بالحوار والدفاع عن العقيدة عبر التأمل والبرهان، وبالتالي وحسب أهمية البرهان لمخاطبته.."العقل المنطقي للإنسان"..تكن مهمة علم الكلام، ولكن ماذا لو تبدى لنا أن بعضاً من أسس العلم بُنيت على آثار يحتمل عدم صحتها، أو فساد مدلولها؟..وماذا أيضاً لو ظهر لنا أن الحكمة من العلم كانت نظرية وليست عملية؟

أرى أن هناك ثمة خلط بين الاعتقاد والمعرفة ، وهو الذي حمل بعض المناظرين على توصيف اعتقادهم بأنه"قمة المعارف" أو"حكمة العقيدة"..فمبجرد الاعتقاد ينزع الإنسان لتجريد وتشكيل عقيدته ومن ثم يدعو إليها وينافح عنها، وهنا رصد لحالة اكتفاء معرفي توقفت عند حدود مؤثرها الأول في "الحكمة النظرية"..وبالتالي كانت"الحكمة العملية لديه مرجوحة -دون أن يشعر-رغم أن المعرفة لا حدود لها البتة، حتى مع تصورنا للعقل البسيط وطريقة التعاطي معه فالعقل المُناظر لن يغادر أودية الميتافيزيقا، وسيظل مشغول بها...

كذلك لابد لنا وأن نستذكر دور السياسة في التأثير وتشكيل عقليات المتكلمين ..ابحث عن السياسة..ليس كما يُقال ابحث عن المرأة، ولكن هذه المرة ابحث عن السياسة فهي سبب أصيل للبلاء، وهي مُرتكز كثير من –إن لم يكن كل-الفرق في تشكيل عقائدهم والدفاع عنها ضد كل مخالف، وفي تلك الحالة يبحث الإنسان عن الدليل الذي يدعمه ورأيه.. أي أن هواه سابقٌ لمعرفته، فالمؤثر العاطفي في تشكيل الرأي كبير، والمضمار السياسي يكاد يكون هو حلبة الصراع بين الفرق بأشكاله..وغالباً ما يبدأ الخلاف العقدي بخلاف سياسي كمثال ما حدث بين السنة والشيعة..وما حدث بين السنة والمعتزلة..حتى تلك الاختلافات"العقدية" التي نشأت بين مدرستي الأشعرية والماتوريدية من جهة ومدرسة "السلفية" من جهة أخرى لم تخلُ من الباعث السياسي.

ساعد في تعميق الخلاف -والذي كان منبعه سياسياً-احتكاك المسلمين بحضارات الغرب والشرق وهذه نقطة حوار سنناقشها مستقبلاً بإذن الله، ويُمكن القول أن الخلاف السياسي -مدعوماً بروح الدفاع عن العقيدة من الغزو الفكري الأجنبي- زاد من حدة الصراع وبالتالي تشكيل عقليات وطُرق تفكير شبه مستقلة، فباختلاف طُرق التفكير سيختلف التأويل حتماً..ذلك لأن الصور العقلية في الأذهان في الغالب ما تكون ثابتة ومستقرة بعدة مؤثرات منها المعلومة ومنها التاريخ-ومنه السياسة-ومنها العاطفة ومنها الخلط بين الصور العقلية الثابتة والمتغيرة، ذلك لأن الثابت منها هو حقائق خالدة ، أما المتغيرة فنطاق عملها محدود وينحصر في العالم الخارجي بأشياءة، وبالخلط بين الصورتين تنشأ حقيقة مشوّهة هي أداة الخلاف -لا شعورياً.

في الغالب نحن نتعامل مع العالم الخارجي في إطار عمل الحواس، ولكن خداع الحواس ممكن بشكل كبير، وبالتالي فدخول هذا الجانب في تشكيل الحقيقة غير مأمون العواقب ،وأعتقد أن أكثر من شغلوا أنفسهم بعلم الكلام لم يسلموا من هذا السلوك..وباعتبار ما سبق فلا يمكن القول بأن السياسة كانت مؤثراً وحيداً في صنع الخلاف، بل يجوز القول بأنها رافد أو أنها ترتبط بالخلاف حول النصوص"التأويل"بروابط روحانية لا تنفك عن عالم المادة.. كمثال ما حدث من خلاف حول الإمامة بين السنة والشيعة، فالروح لدى السنة أقرب للصحابة وللخلفاء الأربعة تحديداً، بينما هي عند الشيعة أقرب لآل بيت رسول الله ونسل علي والحسين تحديداً...وبعدم انفكاك هذا التوجه الروحاني عن عالم المادة يتم المزج حتى تتشكل حقائق مُطلقة لدى حامليها فيُنافح عنها كل منافح ويتعصب لها كل متعصب ..وأظن أنه وبزيادة رقعة التنوير العقلاني سيجري خنق هذا المزج ليتم الفصل بين عالمي الروح والمادة-في هذا الإطار-وبعدها لتفهم رأي الآخر..

لا أنسى في هذا السياق حظوظ النفس وما أدراك ما حظوظ النفس، فأكثر ما يهدم الإنسان العَجَب ومنه إلى ضعف الإيمان، ومرد ذلك إلى خُلق التواضع، لذلك أرى أن كل متواضع –حقيقةً-لا يُصبه داء الكلام بالخلاف السياسي، فبدون التواضع تنشأ الحمية والعصبية في إحياء متكرر لخُلق الجاهلية الذي كان يحاربه رسول الله..حتى لو مرة واحدة فقد لا يسلم الإنسان منها وتظل لديه حقيقة حتى حين تواضعه فيما بعد...التجريبيون هم أكثر محاربي هذا الخُلق الهدّام حتى عند من لديه بعضاً مما لديهم فهو خصم لحظ النفس، ذلك لإيمانه بأن ذاكرته"المُتخيّلة"ليست حقيقة مُطلقة إلا بإخضاعها للحِس.. وهنا الفارق الذي لابد وأن ينتبه إليه كل باحث، فخطأ الحواس ممكن ولكن فقط حين خلطه بالصورة الثابتة العقلية والتي تُعد كالحقائق المُطلقة ومنها التفكير المنطقي، أما التفكير بواقعية فيُخضع الذاكرة للشك ومنها إلى تجريد حقيقة جديدة بالتركيب والاستقراء مع مرور الوقت. 

أيضاً فالفلسفات العاملة في حقل الإلهيات لم تكن لها حدود واضحة للمعرفة ، ومنذ أن بدأ الاحتكاك بين المسلمين والغرب حتى سن المسلمون قوانين للبحث في ذات الله وصفاته، وذلك لتقييد حركة البحث وجعلها متمايزة عن أساليب الفلاسفة التي قضت بقِدم العالم مما يتعارض مع الرؤية الإسلامية والإيمانية بشكلٍ عام،وما جعل المتكلمون يسلكون هذا المسلك هو تقيدهم بالنص المتوافق مع العقل، بينما لا يعتمد الفلاسفة على نصوص معينة ويُطلقون لعقولهم العنان للبحث والنظر.

أسلوب الفلاسفة نفسه كان خطراً كبيراً على عقائد المسلمين، حيث نعتبر أن علم الكلام كان المسلمون يمارسونه دون تمييز أو تقعيد قواعد واضحة للتعاطي معه، والسائد قبل ظهور علم الكلام-كتعريف وكقواعد-هو التكيف مع النص بتأويل الفقهاء، ومع صعود حركة الترجمة في زمن الدولة العباسية نرى وقد أجبر ذلك الفقهاء على النظر بقواعد جديدة لرصد التعاطي مع العقائد بأساليب أكثر منطقية، حيث كان اعتماد الفلاسفة بشكلٍ كبير على المنطق الأرسطي كونه أكثر الأساليب شهرةً في التعاطي مع العقل الإنساني وكشفه.

إذاً فعلم الكلام كان موجود-قبل ظهوره كتعريف- ولكن كسلوك فقهي غير متخصص وغير مُقعّد بقواعد معينة تجعل في البحث عن ذات الله وصفاته أكثر اتساقاً مع العقل، ومعلوم أن معيار الاتساق من أكثر المعايير قبولاً لدى العقل في تفسير الأشياء..وعن دلالات وجوده هو قُرب زمان-ما قبل الكلام-بزمن رسول الله وصحابته وآل بيته، حيث كان عامل الفهم لم يندثر بعد، حتى مع ظهور الفِرق ولكن ظلت الأمة على وعي-شبه تام-بحقائق الدين، يدل على ذلك كثرة المؤلفات الفقهية والحديثية وكأنه لا قدسية لمنهج محدد في التعاطي مع القرآن أو السنة....

أما عن دوافع نشوء علم الكلام كقواعد فيبدو أنها كانت عن صدمة أعقبها نزعة توضيح..ولا أعتقد بالدهشة حيث كان أسلوب الفلاسفة غريباً على المسلمين،فقد يشعر الإنسان بالدهشة حين حدوث طارئ أو مستجد له جذور في وعيه عبر تكوين صورة عقلية ثابتة هي لديه حقائق مُطلقة، ولا أعتقد أنه وبجهل المسلمين بأساليب الفلاسفة كانت لديهم هذه الصورة، علاوة على اهتمام المسلمين في هذا الحين بالتجربة والعمل أكثر من البحث العقلي والنظر المُجرد، فعلى ما يبدو أن الحكمة النظرية لم تكن لها شعبية تُذكر في عقول المسلمين في صدر التاريخ الإسلامي، وأنه من كثرة غزوات المسلمين شكلت لديهم منطقاً عقلياً تجريبياً مُقيداً بفهمهم للنص.

في هذا السياق نُثبت أن الحالة المعرفية للعقل المسلم "الباحث" توقفت وجَمُدت منذ زمنٍ طويل، وذلك بظهور- ثم سيادة- طُرق التدريس القائمة على الحفظ والحشو، بينما الأصل في المعارف أن لا حدود لها البتة،فهي تتطور بتطور عقل الإنسان ومحيطه الاجتماعي..فمنذ أن نشأ علم الكلام إلى أن تم تقعيده بقواعد البحث في ذات الله والتوحيد والقضاء والقدر وغيرها من المباحث ..إلا وجرى توظيف العقل المسلم على التكيف فقط مع الموجود..هذه الطريقة وتلك القواعد لابد وأن يأتي عليها زمن لم تعد تتسق فيه مع معايير الحقيقة المختلفة، بل وبركود العقل الإنساني يجري تخصيص وتحليل متتالي ينتهي إلى التكلّف والبرود ومن ثم مجافاة الواقع والعقل معاً.

ليست كل أصول البحث في علم الكلام بحاجة لإعادة نظر، فقواعد كقواعد المحكم والمتشابه وغيرها -مما لا تستغني عن الجدل والحَجّاج -لا يمكن إعادة النظر فيها إلا عبر قواعدها العقلية والبحثية الثابتة منذ زمنٍ طويل.. أو ربما يُضاف إليها أو يُستنبط منها حسب مهارة وقوة الباحث ولا يُعد ذلك إعادة نظر إذ القواعد ثابتة فقط يجري تكييف المعارف الجديدة على القواعد القديمة أو استخراج واستقراء أخرى..هذا السلوك لا يستثني أحد، فالعلم لا يتقيد بقيود الدين أو المذهب ، وما دام علم الكلام هو دراسة بحثية عقلية للعقائد إجمالاً فلابد من وضع معارف الإنسان شتى في دائرة الاهتمام، فليس من المعقول أو من المقبول أن يُوجد أنواع وصنوف من الخير في مكانٍ ما لا نستفيد منها البتة، أو يجري نقدها ونقضها من داخل النَسَق.

أيضاً فعلم الكونيات الحديث ربما يكون قد انتصر للرؤية الكلامية التي صيغت بناءاً على النص في مواجهة براهين الفلاسفة، وأقصد بذلك أشهر قضية خلافية بينهم ألا وهي قِدم العالم وحدوثه، فالعلم الحديث يعترف بنظرية الانفجار الكبير التي تُثبت أن الكون لم يكن قديماً وأنه حادث في زمنٍ ما وبطريقة ما، ومن المؤكد أن هذا انتصار كبير للمتكلمين أعزه إلى قدسية وعصمة النص الإيماني بالعموم..لذلك فالتقدم العلمي يمكن القول عليه أن نتائجه خدمت الإيمان بالله بشكلٍ كبير، ورغم أن قضية الإيمان ليست بحاجة لبراهين عقلية إلا أن هذا مهم في مضمار الرد على المُنكرين العقلانيين.

ومع ذلك فهناك قضايا بحاجة لإعادة نظر، فمع قدوم العلم الحديث واكتشافاته وتحدياته إلا وبرزت لنا قضايا لم يؤلها المتكلمون اهتماماً كما ينبغي كمثال الرؤية الداروينية لوجود الإنسان والأنواع، أو تحديات المنطق في عصر ميكانيكا الكم التي تفترض كسر مبادئ الهوية و اجتماع النقيضين وغيرها مما يحتار له عقل الإنسان، أو التوقع التجريبي لنظرية الشواش"الفوضى الخلاقة" تلك النظرية التي تُحاكي السلوك الإنساني عبر نموذج حاسوبي....أو عبر الرؤى الفقهية المختصة بالمجتمع في عصر الإعلام والنهضة والثورة الرقمية وعلم النفس والهرمنيوطيقا، فالعلاقة بين الفقه والعقيدة ضرورية للكشف والتفسير وإذا كان الفقه يهتم بالإنسان والمجتمع ومكوناته وظروفه فالعقيدة لا تَخلُ هي الأخرى من ذات الاهتمام.

أيضاً فالفجوة التي حدثت بين المتكلمين القُدامى والجُدد لابد لها من ردود فعل عكسية تُحي علم الكلام وتُعيده للواجهة من جديد، فكما كان الاحتكاك بفلسفات الغرب والشرق قديماً باعثاً على العمل والتطوير المعرفي ..لابد من استخدام هذا الباعث مرة أخرى ولكن هذه المرة للحكمة العملية أكثر من الحكمة النظرية التي سادت الإحياء الأول لعلم الكلام..أيضاً فقدوم علم الكلام في ثوبه الجديد سيُزيح ظاهرة الفقهاء والوُعّاظ الذين احتلوا حياة الناس وأصبحوا هم الموجه الأول للشارع في العصر الحديث، رغم كون الكثير منهم يُعانون من الضعف المعرفي والانحطاط الأخلاقي وخفض مستوى الإدراك العقلي لصالح النزعة والمذهب والعِرق، كل هذا سيؤثر حتماً في مسيرة النهضة الشاملة، وأن المشروع التجديدي الكبير يستوجب النظر في الأساليب والأدوات ومنه إلى المعارف.

أخيراً هل ما قرره الفقهاء للرد على التجسيم والمجسمين يصلح لأن يكون أصلاً دون فرع؟..يعني هل يصلح أي مفهوم أو نظرية ترد على هؤلاء أن نصمها.."بالنظرية أو الفكرة المجردة"..؟..

كمثال أن تخرج نظرية يكن باعثها الأول هو الرد على فكرة ما ثم تنحرف هذه النظرية بمرور الوقت من كونها جزء من سياق لتُصبح قاعدة مستقلة بذاتها يجري عن طريقها التفسير والاعتقاد..كمثال ما قاله الإمام الطحاوي رضي الله عنه ..حيث قال.." تعالى الله عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات"..هذا القول كان في سياق الرد على المُشبهة الذين ينسبون لله المكان والحدود، ولكن فور أن تم تقعيد هذه النظرية كقاعدة مستقلة إلا و أصبحت مُدخلاً خطيراً للقول بوحدة الوجود، فظاهر النظرية لا يرى في المخلوق حداً لله لأن جميعنا -حسب هذه النظرية- حدوداً لله، بينما كان نفي الحد ثبوتاً لصحة وجوده حيث كان البديل الأسلم هو التفريق بين نسبة القول لله من حيثية الوجود -كون وجوده سبحانه مستقلاً-وبين حيثية المفهوم حيث يجري تقعيد النظرية للتعريف بالله وصفاته فيجري الخلط في الأذهان.

أيضاً كون النظرية لم تتضح بشكلٍ كافٍ عند بعض المتكلمين فيما يخص وجود الله هل يقصدونه بالفعل أم بالقوة..والظاهر أنهم يقصدون الوجود بالفعل ولكن لم تُسجل ذلك أقلامهم لاعتقادهم أن المسألة بديهية-وهي كذلك-فاكتفوا ببرهان واجب الوجود ولكن انطلاقاً من حدوث العالم وليس عبر التعرض لمفهوم الله الذي لا يقبل المفارقة لعدم القول بالوحدة،إذ المفارقة بالكُليات المنطقية وجميعها تُشكل الماهية ولا يجوز نَسب الماهية لله وبالتالي فلا مفارقة بين وجود الله وغيره كون وجودها يلزمه ثبوت الماهية وهذا مُحال على الله، ويكفي في هذا السياق أن تتعرض لمفهوم الله كونه معقولاً ثانوياً فلسفياً له وجود في الذهن واتصافه في الخارج، أي أن الإنسان لا يرى الله ولكن في ذات الوقت له وجود في ذهنه لا يجري عليه وصف..هذه المسألة غاية في الأهمية وأظن أنها بحاجة لاستقصاء أكثر من ذلك وأكتفي بالإشارة إليها وربما أتعرض لها مستقبلاً بإذن الله.

اجمالي القراءات 5628

للمزيد يمكنك قراءة : اساسيات اهل القران
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق
تاريخ الانضمام : 2012-09-25
مقالات منشورة : 653
اجمالي القراءات : 3,202,633
تعليقات له : 82
تعليقات عليه : 338
بلد الميلاد : Egypt
بلد الاقامة : Egypt