الإجمــاع .. العصمة ... وهم أم حقيقة ...

في الإثنين ٠٥ - أبريل - ٢٠١٠ ١٢:٠٠ صباحاً

 

الإجمــاع .. العصمة ... وهم أم حقيقة ...

جاذبيّة الحقّ في النفوس المطمئنّة ، تسمو بها روحاً لترى ما هو دون الله تعالى آخر ، إمّا يدور في فلك الحقّ ، وإمّا ظلمات خالية من نور هذا الحقّ .. وأعمق هذه الظلمات هو تقديم الباطل حقّاً باسم الحقّ ، والاعتقاد به جزءاً من المقدّس باسم المقدّس ..

وجاذبيّة الباطل في النفوس المظلمة تُفرِغ الروحَ من هذه النفوس ، لتملأها ظلاماً مادّته أساطير التاريخ ، وعدم التمييز بين المنهج الحقّ من جهة ، وبين تاريخ الباطل وباطل التاريخ من جهةٍ أُخرى ..

إنّّ مشكلة الإنسان أنّه لا ينظر إلى العالم إلاّ من نقطة مركزيّة هي ذاته ، ولا يرى وجهه إلاّ في مرآةٍ أمامَه ، ولا يرى خلفه إلاّ من خلال مرآتين متقابلتين ، إحداهما أمامه ، والأخرى خلفه ..

لذلك فمرآة التاريخ ( المرآة الخلفيّة ) لا تؤدّي مهمتها إلاّ من خلال مقابلتها بمرآة الحاضر ( المرآة الأماميّة ) ، فالماضي مقدّمة الحاضر ، والحاضر نتيجته ، وبالتالي فحاضرنا وماضينا وُلدا من رحم الأمّة ذاته ..

.. من هنا أتوجّه إلى كلِّ غيورٍ على الحقّ وعلى الإسلام ، أن ينظر إلى رصيده الفكري المسبق الصنع ( فيما يخصّ عصبيّته المذهبيّة والطائفيّة ) من منظار الحق ، وألاّ ينظر إلى الحقّ من منظار رصيده الفكري المسبق الصنع في قوالب العصبيّات المذهبيّة والطائفيّة .. وبالتالي أن ينظر إلى التاريخ برواياته وأحداثه من منظار القرآن الكريم ودلالات صياغته اللغويّة المجرّدة عن الأهواء التاريخيّة ، وألاّ ينظر إلى القرآن الكريم من منظار هذه الأهواء ..

الإجماع الحقيقي هو اتّفاق أبناء الأمّة على أمرٍ ما ، والاعتقاد بصحته ، مع امتلاك البراهين والأدلّة ، وكلّ ذلك عن وعيٍ وإدراكٍ وحريّة كاملة ، فالإجماع على الفكر الحقّ هو إجماع الحجة والبرهان ، في ساحة الأدلّة العلميّة المنهجيّة ( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ( البقرة : 111 ) .. بينما إجماع غوغاء التقليد المذهبي والطائفي الأعمى فهو إجماعٌ عاطفي ، وبحثٌ عن مقدّمات لأهواء مسبقة الصنع ، وتمثّلٌ للمعنيين بقوله تعالى ( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) ( الزخرف : 22 ) ..

والخلاف بين البشر ناموسٌ كوني .. ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ) ( هود : 118 – 119 ) ، وإنّ الأكثريّة حسب المعايير السياسية ، لا تعني بالضرورة أحقيّة فِكريّة ، فالأحقيّة الفكريّة تأتي نتيجة امتلاك البراهين والأدلة ، وأصحاب البراهين والحجج – في كلّ زمان ومكان – ليسوا من الأكثرية ، ولذلك يصف الله تعالى أكثر الناس بأنهم ليسوا مؤمنين .. ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) ( يوسف : 103 ) .. ثم يصف الله تعالى هذه الأقليّة المؤمنة بأنّ إيمان أكثرها يلوّثه الشّركُ الخفي .. ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) ( يوسف : 106 ) ..  

والدارس بتجرّد لتاريخنا الإسلامي يرى بيقين أنّ الأمّة لم تجمع إلاّ على أمرين اثنين هما : القرآن الكريم ، والسنّة المفصِّلة للشعائر والمبيّنة للكليّات التي يحملها القرآن الكريم .. وهذا أمرٌ طبيعيٌّ فهذان الأمران يصفهما الله تعالى بالذكر ، وقد تعهّد جلّ وعلا بحفظ هذا الذكر ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) ( الحجر : 9 ) ..

فالسنّة المحفوظة التي وصفها الله تعالى بالذكر وتعهّد بحفظها هي تبيان جزئيات الكليّات التي نُزّلت في القرآن الكريم ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) ( النحل : 44 ) ، وهذه السنّة المحفوظة توارثتها الأجيال من عصر الرسول ( ص ) إلى الآن بل إلى قيام الساعة ، وهي – والقرآن الكريم – ما تجمع عليه الأمّة من أقصى السنّة إلى أقصى الشيعة ..

فجميع أبناء الأمّة متّفقون على جوهر هيآت الصلاة ، وعلى عدد ركعاتها المفروضة ، وعلى جوهر الشعائر بشكلٍ عامٍ ، وما زالوا يتوارثون هذه السنّة أباً عن جد منذ عصر الرسول ( ص ) ، سواءٌ آمنوا بكلِّ ما ورد في الصحاح ، أم لم يؤمنوا به  ، وسواءٌ آمنوا بعصمة آل البيت أم لم يؤمنوا ، وسواءٌ كانوا سنّة أم شيعة ..

وإنّ القول بأنّ الأمّة أخذت هذه السنّة ( المجمع عليها ) من كتب الصحاح ، ولولا كتب الصحاح لضاعت هذه السنّة ، وأنّ السنّة الشريفة هي عين ما جاء في الصحاح ، وأنّ ما جاء في الصحاح هو عين السنّة الشريفة ، أو أنّها أخذتها من آل البيت فقط ، وأنّ السنّة لا تؤخذ إلاّ منهم ، وأنّه لولا آل البيت لضاعت الأمّة ، هو قولٌ باطل يردّه القرآن الكريم والعقل والمنطق والتاريخ ، فهل يُعقل أنّ الأمّة لم تكن تعرف هيآت الصلاة وعدد الركعات المفروضة في كلّ صلاة وكيف تحج وَ ..... إلاّ بعد ظهور كتب الصحاح ؟ !!! .. وهل يُعقل أنّ الأمّة – منذ الجيل الأول – لم تلتزم بهذه الشعائر باستثناء آل البيت ومن دار في فلكهم ؟ !!! ..

فهل كانت الأمّة متنكّرة للسنّة وجاهلة لها باستثناء الرواة الواردين في بداية الأحاديث ، التي معظمها – كما نعلم – أحاديث آحاد ؟ !!! .. وباستثناء آل البيت الذين يُعدّون على الأصابع ؟ !!! .. ولو فرضنا جدلاً أنّ الأمر كذلك ، فكيف يُفسَّر قيام أبناء المذاهب والطوائف التي لا تعتقد بصحّةِ كلِّ ما في الصحاح بالشعائر ذاتها التي يقوم بها من يعتقدون بصحّة كلِّ حرفٍ في هذه الصحاح ؟!!! .. وكيف نُفسِّر اتّفاق أهل السنّة والجماعة مع أهل الشيعة على جوهر شعائر العبادات ؟ !!! ..

وفي هذا السياق لا أريد التوسّع في تبيان هذه الحقيقة ، فقد بيّنت في كتاب ( الحق الذي لا يريدون ) ذلك بشكلٍ مفصَّلٍ ومن خلال مئات الأحاديث في الصحيحين ، ومن خلال تعريف مفهوم الصحابة ، ومفهوم أهل البيت ، كما وردا في كتاب الله تعالى ، وفي الروايات التاريخيّة ذاتها .. ولكن ما أُريد إلقاء الضوء عليه هو : هل القول بالإجماع على الصحيحين ، وعلى عصمة آل البيت ، حقيقة أم وهم ؟ ، وهل هو قولٌ يخدم السنّة الشريفة ( سواءٌ لأهل السنّة أم الشيعة ) ، أم يخدم العصبيّات المذهبيّة ؟ ..

إنّ القول بأنّ الأمّة أجمعت على الصحيحين يردّه الواقع .. فالمعتزلة والشيعة والظاهريّة والإباضيّة وغيرهم ، لا يذهبون مذهب من يرى صحّة كلّ ما في الصحيحين ، وهؤلاء يكوّنون جزءاً من الأمّة ليس بالقليل ، ويكفي للقول بأنّ مقولة الإجماع على الصحيحين ليست صحيحة .. أمّا القول بأنّ هؤلاء ليسوا من أُمّة محمّد ( ص ) وليسوا بالمسلمين فهو هراء ، لأنّ هؤلاء يعتقدون بالقرآن الكريم وبرسالة محمد ( ص ) ويقومون بشعائر الإسلام وأركانه ، وبالتالي فإنّ إخراجهم من إطار الإسلام يعني أنّ الإسلام هو كتب الصحاح التي نتحدّث عنها ..

إذا كان هؤلاء لا يؤمنون بسنّة الرسول ( ص ) كما يُزعم ، فكيف إذاً يُصلّون الصبح ركعتين والظهر أربع ركعات وَ ..... وكيف يحجّون وكيف وكيف ، أليست جزئيات هذه الشعائر هي السنّة الشريفة التي أراد الله تعالى من رسوله ( ص ) أن يبيّنها للناس ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )  ؟ !!! ..

إنّ جوهر المشكلة يكمن في تقديم العصبيّات المذهبيّة والطائفيّة على منهج الله تعالى ، باسم منهج الله تعالى ، وبالتالي تكفير الآخر وتقييمه بناءً على بعده وقربه من هذه العصبيّات وليس بناءً على بعده وقربه من حقيقة منهج الله تعالى ، وبالتالي تفرقة الدين إلى مذاهب كلٌّ منها يضع نهجه المذهبي والطائفي وشيوخه وأئمته شركاء لله تعالى ، في الوقت الذي أمرنا الله تعالى به ألا نفعل ذلك ، وبيّن لنا فيه أنّ هذا العمل شرك .. ( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) ( الروم : 31 – 32 ) ..

فعدم النظر إلى كتاب الله تعالى ( القرآن الكريم ) وإلى الدين إلاّ بمناظير مذهبيّة ضيّقة ، وفرض – ما لم يُذكر صراحةً في القرآن الكريم – على الآخرين هو تفرقة للدين ، وبالتالي شركٌ بالله تعالى .. من هنا نرى أنّ مقولةَ إجماع الأمّة على ما في الصحيحين هي مقولة غير صحيحة ، وذلك باعتبار كلّ من يؤمن بالله تعالى ورسوله ( ص ) وكتابه ويقوم بالشعائر مسلماً ..

.. ولو طلّقنا عقولنا وأخرجنا الآخرين من الإطار الإسلامي لأنّهم لا يعتقدون بصحّةِ كلِّ ما في الصحيحين ، فسنرى أيضاً أنّ مقولةَ الإجماع على الصحيحين ليست صحيحة حتى في إطار أهل السنّة والجماعة ، وهذا ما سأتناوله في السطور التالية ..

لا أحد يستطيع القول بأنّ الأئمة الأربعة ( أبا حنيفة ، ومالك ، وأحمد ، والشافعي ) ليسوا من أهل السنّة والجماعة ، ولا أحد يستطيع أن يُنكر أنّ أبا حنيفة كان نجماً كبيراً في سماء مدرسة الرأي التي ذهب مذهبَها الكثيرون من أهل السنّة والجماعة ، ولا أحد يستطيع أن يُنكر أن أبا حنيفة خالف مضامين الكثير من الأحاديث التي نُسبت إلى الرسول ( ص ) ، لأنّها تعارض صريح القرآن الكريم والعقل والمنطق والهدف الذي نزل القرآن الكريم من أجله ، ولا أحد يستطيع أن ينكر أنّ الأئمة الآخرين خالفوا الكثير من مضامين الأحاديث ( في الصحاح ) أيضاً ، وأعرضوا عنها في مسائلهم الفقهيّة ..

وما يجب أن نعلمه هو أنّ قولنا بإعراض الأئمة عن بعض الأحاديث لا نعني به إعراضهم  عن نصوص الأحاديث بعد تخريجها على أيدي مخرجيها ، إنّما نعني الإعراض عن مضمونها الذي أخرجه المخرجون ، فمن المعلوم أنّ الإمام أبا حنيفة النعمان عاش في الفترة ( 80 – 150 ) للهجرة ، وأنّ الإمام مالك عاش في الفترة ( 93 – 179 ) للهجرة ، وأنّ الإمام الشافعي عاش في الفترة ( 150 – 204 ) للهجرة ، وأنّ الإمام أحمد بن حنبل عاش في الفترة ( 164 – 241 ) للهجرة .. بينما عاش البخاري في الفترة ( 194 – 256 ) للهجرة ، وعاش الإمام مسلم في الفترة ( 206 – 261 ) للهجرة .. 

وسأعرض فيما يلي بعضاً من هذه الأحاديث ... الحديث التالي لم يقل بصحّة مضمونه أيٌّ من الأئمة الأربعة ، بل ذهبوا إلى نقيضه ..

مسلم حديث رقم ( 2689 ) حسب ترقيم العالمية :

(( حَدَّثَنَا ....... عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ )) ..

فالأئمة الأربعة ذهبوا بما يناقض مضمون هذا الحديث ، ولذلك فالذي يقول – عندهم – لامرأته أنت طالق ثلاثاً تبين منه بينونة كبرى ، وقد خالفهم ابن حزم الظاهري ، وجعفر الصادق ، وابن تيمية ، وابن قيم الجوزيّة ، وغيرهم ..

إنّ ممّا يضع العقل في الكفّ أنّ هذا الحديث الذي لم يأخذ بمضمونه الفقهاء الأربعة ، هو حديثٌ يوافق تماماً حيثيّات الصياغة القرآنيّة الخاصّة بهذه المسألة ، وفي هذا دليلٌ على أنّ أحكام القرآن الكريم وأدلّته لم تكن المعيار الأوّل في تحديد مصداقيّة الحديث ، ومرجعيّة الأحكام ..

لماذا لم يتمّ الانتباه إلى قوله تعالى (( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ )) ( البقرة : 229 ) ، وبالتحديد إلى كلمة  (( مَرَّتَانِ )) ، التي لا يمكنها أن تعني تكرار عبارة الطلاق في مجلس واحد ، فلو كان الأمر كما ذهب الأئمة إليه لكانت هذه العبارة القرآنيّة على الشكل ( الطلاق اثنتان ) ، وقد بيّنت في كتاب ( قصّة الوجود ) الفارق الكبير بين الصياغتين ، وذلك حين شرح قوله تعالى (( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )) ( غافر : 11 ) ، وبيّنت الفارق بين هذه الصياغة القرآنيّة المطلقة ، وبين احتمال ورود هذه الصياغة على الشكل ( قالوا ربّنا أمتنا مرّتين وأحييتنا مرتين ) .. فعلى أيِّ أساسٍ تمّ ردّ هذا الحديث والعمل بخلافه ؟ !!! .. وهل الذين ذهبوا إلى أنّ طلاق الثلاث في مجلس واحد يُعدّ طلقة واحدة ( كجعفر الصادق وابن تيمية ) ليسوا من علماء الأمّة ؟ !!! ..

أنا في هذا السياق لست في موضوع عرض هذا الموضوع الفقهي ، ولكن ما أُريد قوله : هل الأئمة الأربعة ليسوا من أهل السنّة والجماعة ، وهل ردّهم لمضمون هذا الحديث يُخرجهم من الإطار الإسلامي ؟ !!! .. وهل إخراجهم من دائرة الاعتراف بمضمون هذا الحديث لا يؤثّر على إجماع أهل السنّة والجماعة ، وهم الأئمة البارزون في صياغة فقه أهل السنّة ؟ !!! .. فأين هو الإجماع على كلِّ ما في الصحيحين ؟ !!! ..

ثمّ لماذا لم يحتج المزمّرون بأنّ كلّ ما في الصحيحين صحيح على ردّ الفقهاء لهذا الحديث ؟!!! .. بل لماذا يحارب الكثير منهم كلّ من يريد الأخذ بهذا الحديث ؟ !!! .. فعلى أيِّ ميزان يبنون أفكارهم ومعتقداتهم ؟ !!! ..

وردّ أبو حنيفة مضمون حديثٍ ورد في صحيحي البخاري ومسلم ، وفيما يلي نصّ الحديث في صحيح البخاري ، الذي ورد تحت الرقم  ( 6369 ) حسب ترقيم العالمية :

(( حَدَّثَنَا ....... عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ خَرَجَتْ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا أَوْضَاحٌ بِالْمَدِينَةِ قَالَ فَرَمَاهَا يَهُودِيٌّ بِحَجَرٍ قَالَ فَجِيءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِهَا رَمَقٌ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلَانٌ قَتَلَكِ فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا فَأَعَادَ عَلَيْهَا قَالَ فُلَانٌ قَتَلَكِ فَرَفَعَتْ رَأْسَهَا فَقَالَ لَهَا فِي الثَّالِثَةِ فُلَانٌ قَتَلَكِ فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا فَدَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَتَلَهُ بَيْنَ الْحَجَرَيْنِ )) ..

وردّ أبو حنيفة مضمون الحديث التالي في صحيح البخاري ، تحت الرقم ( 2227 ) حسب ترقيم العالميّة :

(( حَدَّثَنَا ....... أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ )) ..

وردَّ أبو حنيفة مضمون الحديث التالي في صحيح البخاري رقم ( 2004 ) حسب ترقيم العالمية :

(( حَدَّثَنَا ....... قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَمَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ ....... )) ..

فهل أبو حنيفة ليس من أهل السنّة والجماعة ؟ !! .. وهل ردّه لمضامين هذه الأحاديث يضعه في دائرة الكفر ؟ !! .. أم أنّ المنهج يعاير على أقوال الرجال ، ولا يعاير الرجال أبداً على المنهج ؟ !!! .. أمّ أنّ فقه أبي حنيفة النعمان خارج ساحة سنّة الرسول ( ص ) ؟ !!! .. 

وكان الإمام مالك يضعّف مضمون الحديث التالي في صحيحي البخاري ومسلم ، نختار منهما الحديثين التاليين ..

البخاري ( 167 ) حسب ترقيم العالميّة :

(( حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا ))

مسلم ( 420 ) حسب ترقيم العالمية :

(( و حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ )) ..

وفي مضمون هذا الحديث كان يقول الإمام مالك : ( جاء الحديث ولا أدري ما حقيقته ) ، وكان يقول : ( يُؤكل صيده فكيف يُكره لعابه ) ؟ !! ..

ولم يأخذ الإمام مالك بمضمون الحديث التالي في الصحيحين :

البخاري ( 1816 ) حسب ترقيم العالمية :

(( حَدَّثَنَا ....... عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ....... ))

مسلم حديث رقم ( 1935 ) حسب ترقيم العالمية :

(( و حَدَّثَنِي ....... عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ )) ..

وسبب عدمِ أخذ مالك بمضمون هذا الحديث هو مناقضته لقول الله تعالى (( أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ( 38 ) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى )) ( النجم : 38 – 39 ) ..

ولم يعتبر الإمام مالك مضمون ما جاء في الحديث التالي :

مسلم حديث رقم ( 1984 ) حسب ترقيم العالمية :

(( حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ ....... )) ..

ولم يعتبر الإمام مالك في الرضاع مضمون ما جاء في الحديث التالي :

مسلم حديث رقم ( 2634 ) حسب ترقيم العالميّة :

(( حَدَّثَنَا ....... عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ )) ، وحجّته هي معارضة مضمون هذا الحديث لمطلق الصياغة القرآنيّة (( ....... وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ....... )) ( النساء : 23 ) ..

وعن قول عائشة رضي الله تعالى عنها ، والذي أخرجه البخاري في الحديث التالي رقم ( 222 ) حسب ترقيم العالمية :

(( حَدَّثَنَا ....... عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِي ثَوْبِهِ )) ، قال الإمام الشافعي : هذا ليس بثابت عن عائشة ..

.. ومعلومٌ أنّ الشافعيّة وكثيرين من السابقين واللاحقين يجهرون بالبسملة وذلك على الرغم من الحديث التالي وعلمهم بمضمونه :

مسلم حديث رقم ( 606 ) حسب ترقيم العالمية :

(( حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِ الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا ....... )) ..

.. ولننظر إلى الحديث التالي في صحيحي بخاري ومسلم :

البخاري ( 3336 ) :

(( حَدَّثَنِي ....... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهْلِكُ النَّاسَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ ....... ))

مسلم ( 5195 ) :

(( حَدَّثَنَا ....... قَالَ سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ ....... ))

لقد أورد هذا الحديث أيضاً الإمام أحمد في مسنده ، ولكن في نهايته يقول ابنه عبد الله عن أبيه (( اضْرِبْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْأَحَادِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي قَوْلَهُ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَاصْبِرُوا )) ، وهاهو النصّ الحرفي لهذا الحديث في مسند أحمد :

.. مسند أحمد ( 7663 ) :

(( حَدَّثَنَا ....... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يُهْلِكُ أُمَّتِي هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ اعْتَزَلُوهُمْ و قَالَ أَبِي فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ اضْرِبْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ خِلَافُ الْأَحَادِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي قَوْلَهُ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَاصْبِرُوا )) ..

وقد أستنكر أحمد بن حنبل الحديث التالي :

البخاري ( 1816 ) حسب ترقيم العالمية :

(( حَدَّثَنَا ....... عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ ....... ))

وهذه الرواية الواردة أيضاً في صحيح مسلم كما رأينا ، ردّ مضمونها معظم الفقهاء ، ولم يأخذوا به .. فأبو حنيفة ومالك لم يصحّ مضمون هذا الحديث عندهما ، ولا يُوجد عندهما صيام الولي عن الميّت ، وعند أحمد يُوجد استحباب صيام الولي عن الميّت فقط في صوم النذر ..

وحتى شرّاح الصحاح لم يأخذوا بها على أنّها نصوصٌ لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، فعلى سبيل المثال أورد الإمام النووي في مقدّمة شرحه على صحيح مسلم ، تحت عنوان : فصل في الأحاديث المستدركة على البخاري ومسلم : (( قد استدرك جماعة على البخاري ومسلم أحاديث أخلاّ بشرطهما فيها ، ونزلت عن درجة ما التزمناه ..... )) ..

.. ولا أُريد الإطالة ، فالأمثلة كثيرة جداً ، وتحتاج إلى مجلّدات .. ولا يُوجَد من الفقهاء ، ومن مؤطِّري قواعد الفقه الإسلامي ، من يأخذ الحديث كما يأخذ القرآن الكريم ، ولا يوجد – من أهل السنّة والجماعة – من يقول بعصمةِ أيٍّ بعد الرسول ( ص ) ، ولم يدّع أحدٌ من المحدّثين أنّ عملَه معصوم ، ولم يُثبِت أحدٌ خلال التاريخ أنّ الأمّة أجمعت على غير كتاب الله تعالى ، وعلى غير السنّة التفصيليّة لكليّات الشعائر الواردة في كتاب الله تعالى ..

فهل الأئمة الأربعة ، وشرّاح الأحاديث ، وغيرهم الكثير من أهل السنّة والجماعة ، ليسوا من أهل السنّة والجماعة ، ويوصفون بالكفر والزندقة ؟ !! .. وهل خروجهم من دائرة من يعتقدون بصحّة مضمون كلِّ ما في الصحاح ، لا يخلُّ بمقولة إجماع أهل السنّة والجماعة على صحّة كلِّ ما ورد في الصحيحين ؟ !!! ..

.. من هنا نرى أنّ مقولةَ الإجماع على صحيحي البخاري ومسلم ، هي عصبيّة مذهبيّة ، لا يُدرك قائلوها حقيقة الصحيحين ، ولا حقيقة السنّة الشريفة ، ولا مصلحة الإسلام ..

فهل القول بأنّ كلَّ الروايات في الصحيحين صحيحة هو خدمة للسنّة الشريفة ؟ .. وهل تقديم بعض الروايات المناقضة لكتاب الله تعالى على أنّها من جوهر المنهج هو خدمةٌ لهذا المنهج ؟ !!! ..

وفيما يخصُّ الجانب الشيعي بالنسبة لعصمة آل البيت ، نرى أنّ هذه المقولة لا أساس لها في كتاب الله تعالى ، وأنّها موازية – من حيث العصبيّة المذهبيّة – لمقولة عدالة الصحابة ، عند أهل السنّة ..

العبارة ( آل البيت ) لم ترد في كتاب الله تعالى ولا لو مرّة واحدة .. فكتاب الله تعالى الذي نزّله جلّ وعلا تبياناً لكلِّ شيء (( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ )) ( النحل : 89 ) لا يُوجد فيه تبيانٌ لمسألة آل البيت ، وما ورد فيه هو مصطلح ( أهل البيت ) ، وقد ورد في موضعين ، ضمن سياق قرآني يتعلّق مرّة بامرأة إبراهيم عليه السلام ، ومرّة ضمن سياق قرآني يتعلّق بنساء النبي ( ص ) ..

فامرأة إبراهيم عليه السلام من أهل البيت .. (( وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ))  ( هود : 71 – 73 ) ..

ونساء النبي ( ص ) أيضاً من أهل البيت ..

(( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً )) ( الأحزاب : 32 – 34 ) ..

إنّنا نرى في هذا النصّ القرآني أنّ العبارة القرآنيّة (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )) ، ترد في قلب سياقٍ قرآنيٍّ خاصٍّ بنساء النبي ( ص ) ، وبالتالي لا يمكن استثناء نساء النبي ( ص ) من مفهوم ( أهل البيت ) ..

وإنّ ورود هذه العبارة القرآنيّة بهذه الصيغة ، دون الصيغة التالية : ( إنما يريد الله ليذهب عنكن الرجس أهل البيت ويطهركن تطهيرا ) ، لا يعني أبداً استثناء نساء النبي ( ص ) من أهل البيت ، إنّما كانت هذه الصياغة المطلقة لسببين :

1 – في هذه الصياغة تدخل نساء النبي تحت مفهوم أهل البيت ، ويدخل غيرهن ، فلو كانت الصياغة القرآنية بصيغة المؤنث لانحصر مفهوم أهل البيت بنساء النبي فقط .. ففي هذه الصياغة نرى إطلاقاً لمسألة ( أهل البيت ) يتجاوز نساء النبي ، دون استثنائهن من هذا المفهوم ..

2 – وردت هذه الصياغة القرآنيّة بهذه الحيثيّة لأنّ المسألة مسألةُ عرض وشرف ، وهذه المسألة تهمّ الجميع ، نساء النبي والنبي وأهل بيته ( ذكوراً وإناثاً ) على حدٍّ سواء ..

والعبارة القرآنيّة (( أَهْلَ الْبَيْتِ )) تعني انتساباً إلى بيت النبوّة والرسالة ، ونساء النبيّ ( ص ) يحملن شرف هذا الانتساب كما هو حال امرأة إبراهيم عليه السلام ، وكما تتبيّن خصوصيّتهن عن باقي النساء في بداية الصورة القرآنيّة التي ندرسها (( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ )) ، وحتى لو حُمّلت معنى مكانيّاً فإنّ نساء النبي ( ص ) لا يمكن استثنائهن لأنهنّ كنّ يعشن مع الرسول ( ص ) ..

ونسب البيوت إليهنّ في العبارتين القرآنيّتين (( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ )) ، (( وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ )) ، لا يعني أبداً استثناءهنّ من أهل البيت ، ففي القرآن الكريم يُنسب بيت الزوجيّة إلى المرأة ، وفي الصورة القرآنيّة التالية لأكبر دليلٍ على ذلك (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ ....... ))  ( الطلاق : 1 ) ..

ولذلك فالقول بأن نساء النبي مستثنيات من مفهوم أهل البيت هو قولٌ غير صحيح ، تردّه الصياغة القرآنية الخاصّة بهذه المسألة ، من جميع الزوايا التي ننظر من خلالها إلى كتاب الله تعالى ..

والقول بأنّ أهل البيت معصومون استناداً على ارتباط الإرادة الإلهيّة بإذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )) ، هو قولٌ يردّه القرآن الكريم أيضاً .. فالذي يريده الله تعالى لهم هو : (( لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ )) ، ((  وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )) ، وهاتان المسألتان لا يمكن حصرهما بالعصمة من الخطأ في التبليغ ..

ولو فرضنا جدلاً أنّ الذي يريده الله تعالى – في هذا النصّ القرآني – هو العصمة ، لما اقتضى ذلك حتميّة هذه العصمة .. لأنّ الإرادة هنا في هذا النصّ شرعيّة ( تتعلّق بالمنهج الذي يريد الله تعالى من عباده اتّباعَه ) وليست كونيّة ( تتعلّق بإيجاد الأشياء الماديّة في ساحة المادّة والمكان والزمان ) ..

ففي الإرادة الإلهيّة الكونيّة المتعلّقة بإيجاد الأشياء في عالم الخلق (( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ )) ( يـس : 82 ) ، نرى حتميّة إيجاد هذه الأشياء التي أراد الله تعالى إيجادها ، ولذلك نرى – في هذه الآية الكريمة – أنّ الله تعالى يقول (( إِذَا أَرَادَ شَيْئاً )) ولم يقل ( إذا أراد أمراً ) ..

بينما في الإرادة الإلهيّة الشرعيّة ، لا نرى حتميّة وقوع الأمور التي يريها الله تعالى للبشر ، ولا نرى حتميّة تمثّل البشر بحيثيّات هذه الإرادة ، وهذا يتعلّق – كما بيّنت في النظريّة الثانية ( القدر ) – بالحكمة الإلهيّة في امتحان البشر امتحاناً عادلاً حكيماً ، وبامتلاك الإنسان لإرادة حرّة ، يستطيع من خلالها مخالفة الإرادة الشرعيّة التي يأمر بها الله تعالى من خلال رسالاته إلى البشر ..

الله تعالى يريد أن يهدينا سنن الذين من قبلنا ، وأن يتوب علينا .. (( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ( النساء : 26 ) .. فهل جميع البشر اهتدوا ونالوا ثواب التوبة ، وتمثّلوا مضمون هذه الإرادة الشرعيّة لله تعالى ؟ !!! ..

الله تعالى يريد لنا الآخرة ، والابتعاد عن عرض الدنيا الذي نركض وراءه (( تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ )) ( الأنفال : 67 ) .. فهل كلّ البشر عملوا بمقتضيات هذه الإرادة الإلهيّة ؟ !!! ..

كذلك الأمر بالنسبة للإرادة الإلهيّة بإذهاب الرجس عن أهل البيت ( نساء النبي وغيرهن ) ، وبتطهيرهم .. فبمقدار التزام أهل البيت بإرادة الله تعالى الشرعيّة وعملهم بمقدّمات إذهاب الرجس والتطهير ، يذهب عنهم الرجس ويتطهّرون ، والعكس بالعكس ..

والحصر الذي تبيّنه كلمة (( إِنَّمَا )) في بداية الصورة القرآنيّة (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )) يتعلّق بحصر تحقّق الإرادة الشرعيّة المعنيّة في هذه الصورة القرآنيّة من خلال الالتزام بالأحكام الإلهيّة المبيّنة في النصِّ القرآني المحيط بهذه الصورة القرآنيّة ..

وورود الإرادة – في هذه الصورة القرآنيّة – بصيغة المضارع تؤكّد صحّة ما نذهب إليه ، فإرادة التطهير وإذهاب الرجس مسألة تفاعلٍ مستمرٍّ ، يتعلّق بالعمل في تحقيق الأحكام المحيطة بالنصّ ، والتي تؤدّي إلى الطهارة وإذهاب الرجس .. فالله تعالى لم يقل : ( إنّ الله أذهب عنكم الرجس آل البيت وطهّركم تطهيراً ) ، ولم يقل : ( إنّ الله عصمكم آل البيت ) ..

وحتى عصمة الرسول ( ص ) هي في جانب الرسالة ، المتعلّق بالوحي من الله تعالى ، فقوله تعالى (( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ..... )) ( الكهف : 110 ) يبيّن هذه الحقيقة ، فالعبارة القرآنيّة (( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ )) تبيّن الجانب البشري للرسول ( ص ) ، وهو ذاته الجانب الذي أذن به الرسول ( ص ) لبعضهم وعاتبه الله تعالى على ذلك (( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ )) ( التوبة : 43 ) ، بينما العبارة القرآنيّة (( يُوحَى إِلَيَّ )) تبيّن جانب الرسالة الذي هو الجانب المعصوم في شخص الرسول ( ص ) ، ولا شكّ أنّ وحي تبليغ الرسالة انتهى عند اكتمال نزول هذه الرسالة على الرسول ( ص ) ، حيث يقول تعالى (( ....... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً ....... )) ( المائدة : 3 ) ..

وهكذا نرى أنّ مفهوم عصمة آل البيت عند الشيعة ، لا يختلف عن مفهوم عدالة الصحابة عند السنّة ، وأنّ كلاهما وليد العصبيّات المذهبيّة التي تجعل التاريخ معياراً للحق لا العكس ..

أيّ عصمة وأيّ عدالة وأيّ تزكية يمكننا الجزم بها ، إذا كان الرسول ( ص ) لا يعلم الذين مردوا على النفاق ممّن كانوا يعيشون معه في بلدٍ واحد ، وربّما يصلّون خلفه مباشرة ، وربّما من أقرب المقرّبين إليه .. (( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ )) ( التوبة : 101 ) ..

الله تعالى حدّد لنا الأسوة الحسنة بجانب الرسالة في شخص الرسول ( ص ) .. (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً )) (  الأحزاب : 21 ) .. ولم يُشر إلى هذه الأسوة لمن دونه ، وفي هذا بيان صريح على عدم الجزم بعصمة أحدٍ بعده ، وبعدالة أيّ أحد بعده ..

والأهم من كلّ ذلك أنّ الله تعالى بيّن لنا في كتابه الكريم ، أنّ أيّ حديثٍ لما هو دون الله تعالى ، من الممكن أن يحمل الخطأ ، وإلاّ كيف نفهم قول الله تعالى لرسوله ( ص ) .. (( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ )) ( التوبة : 43 ) .. وكيف نفهم النصّ القرآني التالي .. (( وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ))  ( هود : 45 – 47 ) ..

إنّ العصمة في الرسل جميعاً عليهم السلام تكمن في جانب تبليغ الرسالة التي يحملونها ، وفي اتّصالهم المباشر مع الوحي ، أمّا في جانبهم البشري ، فقد رأينا كيف أنّهم بشرٌ يحملون إمكانية الخطأ .. فالعصمة تكمن في حيثيّات الوحي الذي هو رسالة الله تعالى للبشر ، وهم ليسوا أكثر من أمناء في حمل هذه الرسالة إلى البشر .. (( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ )) ( الكهف : 110 ) ..

وبالتالي فإنّ عصمة آل البيت – عند الشيعة – وعدالة الصحابة – عند السنّة – ينقضها القرآن الكريم ، والعقل والمنطق ، وحتى التاريخ ..

وحتى لو سلّمنا – جدلاً – بعصمة آل البيت ، وبعدالة الصحابة ، فما الذي يؤكّد لنا أنّ الأقوال المنسوبة إليهم قد نُقلت إلينا دون زيادةٍ أو نقصان ؟ .. إذا كان الرسول ( ص ) قد تمّ تلفيق الروايات الكاذبة ونسبها إليه ( عند السنّة والشيعة على حدٍّ سواء ) ، فكيف بمن هم دونه ؟ !!! ..

ومّما دفع عجلة التعصّب الفكري عند السنّة والشيعة ( على حدٍّ سواء ) هو جعل قوّة الدفع الفكري وإنتاجه عند كلِّ طرف رهينة لردود الأفعال على ما يقوله الطرف الآخر ، وبالنتيجة تعمّقت العصبيّات المذهبيّة عند الطرفين ، حتى أصبحت معياراً حتى لإدراك دلالات بعض النصوص القرآنيّة .. ونتيجة لذلك أصبح نقد الروايات عند أهل السنّة سبباً لتكفير ناقدها ، ولتصنيفه بالخارج من مذهب السنّة إلى مذهب الشيعة ، وأصبح نقد عصمة آل البيت وبعض الروايات المنسوبة إليهم ، وإلى الرسول ( ص ) ، سبباً – أيضاً – لتكفير الناقد وتصنيفه بالخروج من مذهب الشيعة إلى مذهب السنّة .. وكأنّ الأمّة فقدت صوابها ، ووضعت مذاهبها ورجالاتها مكان منهج الله تعالى ..

.. بالنتيجة ساقت العصبيّات المذهبيّة والطائفيّة الأمّةَ ليتمثّل معظم أبنائها قول الله تعالى .. (( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )) ( الأنعام : 159 ) ..

وساقتهم أيضاً ليتعامل معظمهم مع بعضهم داخل جسد الأمة ، ومع الآخر خارج جسدها ( فكراً وحياةً وثقافة ) وفق وصف الله تعالى للأقوام السابقين في الآية الكريمة التالية .. (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ))  ( إبراهيم : 13 ) ..

والمشكلة الكبرى تكمن في تفرّغ الكثيرين من الذين يحسبون أنفسهم معيار منهج الله تعالى ، للتنظير ولتسويق العصبيّات المذهبيّة والخصوصيّات التاريخيّة على أنّها جوهر المنهج ، وذلك عند كلّ المذاهب والطوائف ، ممّا يخلق فكراً مادته ردود الأفعال ، ومركبه الأنا الشخصيّة والمذهبيّة ، ونتيجته التي يجهلها هؤلاء المنظّرون الشرك بالله تعالى من خلال تقديم التاريخ برجالاته ومذاهبهم شركاء لله تعالى ومنهجه .. (( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )) ( الروم : 31 – 32 )

ولندع هذا الكلام النظريّ قليلاً ، ولنعد إلى الصحيحين ، وإلى بعض النصوص المنسوبة إلى آل البيت ، ونقف عند بعض الروايات فيهما لنرى هل هي صحيحة أم لا ، وهل من الممكن النظر إليها – من أيِّ منظار منطقي – على أنّها من المنهج ..

ولو فرضنا جدلاً أنَّ الأئمة الأربعة وغيرهم لم يعترضوا على مضمون أيِّ حديثٍ في الصحاح ، فهل من الممكن أن نتصوّر إجماعَ أمّةٍ – تقدّس كتاب الله تعالى وتعتبره محفوظاً – على الحديث التالي في صحيح البخاري رقم ( 4595 ) حسب ترقيم العالمية : (( حَدَّثَنَا ....... قَالَ سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا – المقصود بكذا وكذا أنّ المعوذتين ليستا من القرآن – فَقَالَ أُبَيٌّ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي قِيلَ لِي فَقُلْتُ قَالَ فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) .. وورد هذا الحديث أيضاً في صحيح البخاري تحت الرقم ( 4594 ) حسب ترقيم العالمية : (( حَدَّثَنَا ....... قَالَ سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنْ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فَقَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ قِيلَ لِي فَقُلْتُ فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) ، وقد أورد الإمام احمد في مسنده هذا الحديث بصورة أوضح تحت الرقم ( 20245 ) حسب ترقيم العالمية : (( حَدَّثَنِي ....... قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ وَيَقُولُ إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ الْأَعْمَشُ وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنْ زِرٍّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ سَأَلْنَا عَنْهُمَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقِيلَ لِي فَقُلْتُ )) ..

وإن اختيار ابن مسعود وأُبيّ للتلبيس على لسانهما ، في الصحيحين ، ليس اختياراً عشوائياً ، فهذان الرجلان هما من الرجال الذين أمر الرسول ( ص ) بأخذ القرآن عنهم ، وذلك في الصحيحين ذاتهما ، ونختار الحديث التالي من صحيح البخاري ، الذي يرد تحت الرقم ( 4615 ) حسب ترقيم العالمية : (( حَدَّثَنَا ....... سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ )) .. وعبد الله ابن مسعود الذي اختير للتلبيس على لسانه ، يُقسم في الصحيحين أنّه أعلم الناس بكتاب الله تعالى ، وهذا حديث في صحيح البخاري تحت الرقم ( 4618 ) يؤكد ذلك : (( حَدَّثَنَا ....... قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ وَلَا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ تُبَلِّغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ )) ..

ولذلك نرى أنّ الشيخ محمد الغزالي يصف هذا التلبيس على لسان ابن مسعود في كتابه ( تراثنا الفكري ) ، صفحة : ( 147 ) فيقول بالحرف الواحد : [[ ومن الروايات السخيفة أن يجازف شخص بإثبات آثارٍ تمسّ القرآن الكريم ، بل إنّي أعدّ ذلك من السفه المنكور ، أليس من المضحك أن ينسب إلى ابن مسعود أنّه أنكر كون المعوذتين من القرآن الكريم ؟ .. أتبلغ الحفاوة بالمرويات التافهة هذا الحدّ من الخساسة ؟ !!! .. أحياناً يخيّل إلي أنّ أصحاب المساند جمعوها أولاً مسودات تضم كلّ ما قيل ، على أن يمحو منها بعد ذلك الأساطير ثمّ ماتوا قبل أن يتموا أعمالهم !! .. ومن أمثلة ذلك ما جاء في مسند أحمد ، حديث رقم ( 25112 ) : (( حَدَّثَنَا ....... عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لَقَدْ أُنْزِلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ وَرَضَعَاتُ الْكَبِيرِ عَشْرًا فَكَانَتْ فِي وَرَقَةٍ تَحْتَ سَرِيرٍ فِي بَيْتِي فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَشَاغَلْنَا بِأَمْرِهِ وَدَخَلَتْ دُوَيْبَةٌ لَنَا فَأَكَلَتْهَا )) ]] ..

فأيُّ إجماعٍ يمكننا تصوّره على هكذا أحاديث ؟ !!! .. والمشكلة الأكبر أنّنا نجد من يدافع عن صحّة هذه الأحاديث ، ويتّهم من يُشكّك بها بالكفر والزندقة والخروج من الإسلام ..

والأحاديث التي وُضعت – في الصحاح وغيرها – لتشكّك المسلمين بكتاب الله تعالى ، ليست قليلة ، نورد منها الحديثين التاليين :

صحيح البخاري حديث رقم : ( 4563 ) حسب ترقيم العالمية : (( حَدَّثَنَا ....... قَالَ قَدِمَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَطَلَبَهُمْ فَوَجَدَهُمْ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كُلُّنَا قَالَ فَأَيُّكُمْ أَحْفَظُ فَأَشَارُوا إِلَى عَلْقَمَةَ قَالَ كَيْفَ سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى قَالَ عَلْقَمَةُ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ هَكَذَا وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونِي عَلَى أَنْ أَقْرَأَ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَاللَّهِ لَا أُتَابِعُهُمْ )) ..

البخاري حديث رقم ( 4145 ) حسب ترقيم العالمية : (( حَدَّثَنِي ....... سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ ....... )) ..

فأيُّ إجماعٍ يمكننا تصوّره على روايات تحذف الكلمات وتضيفها إلى كتاب الله تعالى ؟ !! .. وإنّ محاولات التبرير بأنّ هذه قراءات تفسيرية هي محاولات لذر الرماد في العيون ، فما لبّس على لسان علقمة في الحديث الأول ( وَاللَّهِ لا أُتَابِعُهُمْ ) ، وعلى لسان ابن عباس في الحديث الثاني ( لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ ) ، يردّ هذه التبريرات من أساسها ..

ولننظر إلى النصّ التالي الذي ننقله بحرفيّته من كتاب : ( أصول الكافي ) ، طباعة دار الأضواء في بيروت ، الجزء الأوّل ، ص : 231 : [[ عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن زرارة قال : سألت أبا جعفر عن قول الله عزّ وجل ( وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً ) ما الرسول وما النبي ؟ قال : النبيّ الذي يرى في منامه ويسمع الصوت ولا يعاين الملك ، والرسول الذي يسمع الصوت ويرى في المنام ويعاين الملك ، قلت : الإمام ما منزلته ؟ قال : يسمع الصوت ولا يرى ولا يعاين الملك ، ثمّ تلا هذه الآية (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ ولا محدَّث )) ]] ..

بالنتيجة نرى – في هذه القراءة – زيادة كلمتين هما (( ولا محدَّث )) ، وهذا مخالفٌ لصريح القرآن الكريم ، ولحفظ الله تعالى له ..

.. أليس من الثابت أن أبا سفيان أسلم سنة فتح مكة ، وأليس من الثابت أنّ الرسول ( ص ) تزوّج أم حبيبة بنت أبي سفيان سنة ست أو سبع للهجرة ، أي قبل إسلام أبي سفيان ، فكيف إذاً – أمام هذا الثابت – يمكن للأمّة أن تجمع على صحّة الحديث التالي الوارد في صحيح مسلم تحت الرقم ( 4557 ) حسب ترقيم العالمية ؟ : (( حَدَّثَنِي ....... ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ قَالَ نَعَمْ قَالَ عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُزَوِّجُكَهَا قَالَ نَعَمْ ....... )) .. كيف يقول أبو سفيان (( عِنْدِي أَحْسَنُ الْعَرَبِ وَأَجْمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ )) وهي ليست عنده ، ويعرض على الرسول ( ص ) أن يزوّجه إيّاها ، وهي زوجة للرسول ( ص ) قبل هذا العرض منذ فترة تقدّر بالسنين ؟ !!!!! ، وهل من الممكن لعاقل أن يتصوّر بطلان زواج الرسول ( ص ) لأمّ حبيبة حتى مجيء أبي سفيان ؟ !!!!! ..

ولننظر إلى النصّ التالي الذي ننقله من كتاب ( أصول الكافي ) ، الجزء الأوّل ، ص 252 : [[ عليّ بن محمد ومحمد بن الحسن ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن الحسن بن شمّون ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصمّ ، عن عبد الله بن القاسم ، عن صالح بن سهل الهمداني قال : قال أبو عبد الله عليه السلام في قوله تعالى : (( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ )) فاطمة عليها السلام ، (( فِيهَا مِصْبَاحٌ )) الحسن ،  (( الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ )) الحسين ، (( الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ )) فاطمة كوكب درّي بين نساء أهل الدنيا ، (( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ )) إبراهيم عليه السلام ، (( زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ )) لا يهوديّة ولا نصرانية ،  (( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ )) يكاد العلم ينفجر بها ، (( وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ )) إمام منها بعد إمام ، (( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ )) يهدي الله للأئمة من يشاء ، ............ ]] ..

ولننظر إلى النصّ التالي الذي ننقله بحرفيّته من كتاب ( أصول الكافي ) ، الجزء الأوّل ، ص 273 : [[ محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن أبي ولاّد قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّ وجل : (( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ )) قال : هم الأئمة عليهم السلام ]] ..

ولننظر إلى النصّ التالي الذي ننقله بحرفيّته من ذات المرجع ، ص 274 : [[ عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن موسى بن أكيل النميريّ ، عن العلاء بن سيابة ، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى : (( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ )) قال : يهدي إلى الإمام ]] ..

ولننظر إلى النصّ التالي الذي ننقله بحرفيّته من ذات المرجع أيضاً ، ص 336 : [[ الحسين بن محمد ، عن معلّى بن محمد ، عن الحسن بن عليّ الوشّاء ، عن أحمد بن عمر قال : سألت الرضا عليه السلام عن قول الله عزّ وجل : (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا )) قال : هم الأئمة من آل محمد ( ص ) وآله أن يؤدّي الإمام الأمانة إلى من بعده ولا يخصّ بها غيره ولا يزويها عنه ]] ..

إنّنا نرى تلبيس النصّ القرآني دلالات لا يحملها لا من قريب ولا من بعيد ، وتأطير دلالاته في أُطر مذهبيّة ضيّقة ، لا تؤدّي في النهاية إلاّ إلى الإعراض عن مُراد الله تعالى في كتابه الكريم ..

أليس الحديث التالي الوارد في صحيح مسلم تحت الرقم ( 3435 ) حسب ترقيم العالمية حديثاً سياسياً لا علاقة له بالمنهج ، تم وضعه بأمرٍ من الجلادين والفراعنة لخدمتهم ، وحتى يعطوا نهجهم الفرعوني صبغة مقدّسة ؟ : (( و حَدَّثَنِي ....... قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ....... قَالَ يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ )) ..

أليس النصّ التالي الذي ننقله بحرفيّته من كتاب ( أصول الكافي ) ، الجزء الأول ، ص 599 ، نصّاً تمّت صياغته في كهوف العصبيّات المذهبيّة ، وتلبيسه لعلي كرم الله تعالى وجهه ؟ .. [[ ..... أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال لأبي بكر يوماً : (( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ )) وأشهدْ [ أنّ ] محمداً ( ص ) مات شهيداً والله ليأتينّك ، فأيقنْ إذا جاءك فإنّ الشيطان غير متخيّل به ، فأخذ علي بيد أبي بكر فأراه النبي ( ص ) وآله فقال له : يا أبا بكر آمن بعلي وبأحد عشر من ولده ، إنّهم مثلي إلاّ النبوّة ، وتب إلى الله ممّا في يدك ، فإنّه لا حقّ لك فيه ، قال : ثمّ ذهب فلم يُر ]] ..

أليس النصّ التالي الذي ننقله بحرفيّته من كتاب ( أصول الكافي ) الجزء الأوّل ، ص 277 ، هو نصٌّ موضوعٌ يسيء إلى عليٍّ كرّم الله تعالى وجهه : [[ أحمد بن مهران ، عن محمد بن علي ، عن أبي عبد الله الصامت ، عن يحيى بن مساور ، عن أبي جعفر عليه السلام أنّه ذكر هذه الآية : (( فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ )) قال : هو والله عليٌّ بن أبي طالب عليه السلام ]] ..

معلومٌ – في كتاب الله تعالى – أنّ الرسول ( ص ) لا يعلم الغيب .. (( قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ )) ( الأنعام : 50 ) ، (( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) ( الأعراف : 188 ) ، (( وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ..... )) ( هود : 31 ) ، (( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ )) ( الأحقاف : 9 ) ، ومعلومٌ – في كتاب الله تعالى – أنّ الرسول ( ص ) لم يكن يعلم الذين مردوا على النفاق من أهل المدينة (( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ )) ( التوبة : 101 ) ، فكيف إذاً يمكننا أن نصدّق الكلام الموضوع على لسان الرسول ( ص ) في النصّ التالي الذي ننقله بحرفيّته من كتاب ( أصول الكافي ) ، الجزء الأوّل ، ص 511 : [[ عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن الحسن بن سيف ، عن أبيه ، عمّن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال : خطب رسول الله ( ص ) وآله الناس ثمّ رفع يده اليمنى قابضاً على كفّه ثمّ قال : أتدرون أيّها الناس ما في كفّي ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، فقال : فيها أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة ، ثمّ رفع يده الشمال فقال : أيها الناس أتدرون ما في كفّي ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، فقال : أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة ، ثمّ قال حكم الله وعدل ، حكم الله وعدل ، فريق في الجنة وفريق في السعير ]] ..

وكيف بنا أنّ نصدّق الكلام الموضوع في النصّ التالي الذي ننقله بحرفيّته من كتاب ( أصول الكافي ) ، الجزء الأول ، ص 319 : [[ عدّة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن يونس بن يعقوب ، عن الحارث بن المغيرة ، وعدّة من أصحابنا منهم عبد الأعلى وأبو عبيدة وعبد الله بن بشر الخثعمي ، سمعوا أبا عبد الله عليه السلام يقول : إني لأعلم ما في السماوات وما في الأرض ، وأعلم ما في الجنّة وما في النار ، وأعلم ما كان وما يكون ، ثمّ مكث هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه فقال : علمت ذلك من كتاب الله عزّ وجل ، إنّ الله عزّ وجل يقول : (( تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ )) ]] ..

أليس الحديثان التاليان في صحيح مسلم موضوعين لتخريب فكر الإنسان المسلم ، ولجعله متواكلاً ، بل ومقبلاً على المعاصي دون كثيرٍ من الحذر ؟ ..

مسلم حديث رقم ( 4971 ) حسب ترقيم العالمية : (( حَدَّثَنَا ....... عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِذُنُوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ فَيَغْفِرُهَا اللَّهُ لَهُمْ وَيَضَعُهَا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ....... )) ..

مسلم حديث رقم ( 4969 ) حسب ترقيم العالمية : (( حَدَّثَنَا ....... قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ هَذَا فِكَاكُكَ مِنْ النَّارِ )) ..

والأحاديث – عند السنّة والشيعة – التي ينقضها القرآن الكريم والعقل والمنطق كثيرة ، ولا مجال في هذا السياق التعرّض إلى الكثير منها ، فما أردناه هو طرح نماذج بسيطة تبيّن حقيقةً مفادها أنّ مفهوم الإجماع عند السنّة ، ومفهوم العصمة عند الشيعة ،عبارة عن وهم وليس حقيقة ..

وحتى الإجماع على السند ، وعلى عدالة الرجال – عند السنّة – وعلى عصمة آل البيت عند الشيعة ، هو إجماعٌ لا أساس له في كتاب الله تعالى ، بل ينقضه كتاب الله تعالى .. فمن هو ذاك الرجل – أو الرجال – الذي يزكّي أحداً تزكيةً لا يأتيها الباطل ، تؤهِّل المزكَّى لأن يكون عدلاً تُؤخذ عنه روايات تملك صلاحية نسخ بعض أحكام كتاب الله تعالى ، أو لأن يكون معصوماً عن الخطأ ، كما يذهب الكثيرون ؟ !! .. ألم يقل الله تعالى : ( فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) ( النجم : 32 ) ؟ .. ألم يصف الله تعالى في كتابه الكريم رسوله ( ص ) بأنه لا يعلم الذين مردوا على النفاق من جيله ، بل ومن أهل المدينة : ( وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) ( التوبة : 101 ) ؟ ..

ألم يرد في الصحيحين ذاتهما ما يبيّن أنّ الرسول ( ص ) لا يعلم حقيقة بعض أصحابه الذين يظنّ بهم خيراً ، وحقيقة ما سيفعلونه بعده ، وفي الحديثين التاليين أكبر دليلٍ على ذلك :

صحيح البخاري حديث رقم ( 6098 ) حسب ترقيم العالمية : (( حَدَّثَنَا ....... عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ عَنْهُ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمْ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ الْقَهْقَرَى ....... )) ..

صحيح مسلم ( ، حديث رقم ( 4246 ) حسب ترقيم العالمية : (( و حَدَّثَنَا ....... أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْتَظِرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ فَوَاللَّهِ لَيُقْتَطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ فَلَأَقُولَنَّ أَيْ رَبِّ مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ )) ..

ألم تبيّن روايات الصحيحين أنّ بعض أفراد الجيل الأوّل ، بل المقرّبين جداً من الرسول ( ص ) لم يثق بعضهم ببعض ثقة كاملة ، وفي معركة الجمل وصفّين أكبر دليل على ذلك ، وفي بعض الروايات التي نختار منها الحديث التالي لأكبر برهان على ما نقول :

صحيح مسلم حديث رقم ( 3302 ) حسب ترقيم العالمية : (( و حَدَّثَنِي ....... ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ قَالَ نَعَمْ فَأَذِنَ لَهُمَا فَقَالَ عَبَّاسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ الْآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ فَقَالَ الْقَوْمُ أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ وَأَرِحْهُمْ ....... )) ..

وإذا قال قائل : إنّ هذا الحديث – الذي يرد أيضاً في صحيح البخاري – ليس صحيحاً ، هروباً من وصف صاحبي الرسول ( ص ) بما ورد في هذا الحديث على لسان بعضهما ، فهذا القول دليلٌ على أنّه ليس كلّ ما في الصحاح صحيحاً ، وإذا قلنا إنّ هذا الحديث صحيح ، فهذا يؤدّي إلى أنّه ليس كلُّ رجال الجيل الأول معصومين ، وبالتالي فليست كلُّ الروايات عنهم صحيحة ، وبالتالي فليس كلّ ما في الصحاح صحيحاً ..

أليس في موروثنا التاريخي ما يبيّن أنّ بعض الرجال – في عصر جمع الحديث وقبله – تاجروا بالحديث لمنافع دنيوية ، وأخذوا الهبات والعطايا على تجارتهم هذه ، فقد ورد في الباعث الحثيث : ص 93 – 94 ، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ص 149 : أ – 149 : ب ، وتمييز المرفوع عن الموضوع ص 16 : ب ، وتوضيح الأفكار ص 76 – 77 ج 2 ، ورد النص التالي : [[ روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي ، قال : ( صلّى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة ، فقام بين أيديهم قاصٌّ فقال : حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا : حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال : قال رسول الله ( ص ) : من قال لا إله إلاّ الله خلق الله من كلّ كلمة طيراً منقاره من ذهب ، وريشه من مرجان ) ، وأخذ في قصّة نحواً من عشرين ورقة ، فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين ، وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد بن حنبل ، فقال له : حدثته بهذا ؟ ، فيقول : والله ما سمعت هذا إلاّ الساعة ، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات ، ثم قعد ينتظر بقيتها ، قال له يحيى بن معين بيده : تعال ، فجاء متوهماً لنوال ، فقال له يحيى : من حدثك بهذا الحديث ؟ ، فقال : أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ! ، فقال : أنا يحيى بن معين ، وهذا أحمد بن حنبل ، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ( ص ) ، فقال : لم أزل أسمع أنّ يحيى بن معين أحمق ، ما تحقّقت إلاّ الساعة ! ، كأن ليس فيها يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما ، وقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين !!! .. فوضع أحمد بن حنبل كمه على وجهه ، وقال : دعه يقوم ، فقام كالمستهزئ بهما ]] ..

ومنهم من كان يفتري على لسان الرسول ( ص ) تقرّباً إلى الله تعالى ، من وجهة نظره ، فقد ورد في تدريب الراوي ص 184 ، واللالئ المصنوعة ص 248 ج 2 : [[ يروي الحاكم بسنده إلى أبي عمار المروزي أنه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم : ( من أين لك ، عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة ، وليس عند أصحاب عكرمة هذا ؟ ، قال : إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن ، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ، ومغازي ابن اسحق ، فوضعت هذا الحديث حِسبة ) ]] ..

ولا يمكن لعاقل أن يتصوّر تحرّي الحقّ بشكلٍ مطلقٍ لا يأتيه الباطل أبداً ، إلاّ من قِبَل الله تعالى ، فالبشر ليسوا معصومين عن الخطأ أبداً ، والحقيقة ليست محتكرةً لشخصٍ أو مذهبٍ أو طائفة .. فما يستطيع الإنسان عمله هو مقاربة الحقيقة ، وتفعيل عقله على معيارٍ مطلقٍ هو كتاب الله تعالى ، وذلك بمنهجٍ عقليٍّ مجرّدٍ عن الأهواء والعصبيات المسبقة الصنع .. أمّا القول بأن فلاناً استطاع تحرّي الحق المطلق من بين ضباب الدس على الرسول ( ص ) ، وبأن ما صححه لا يأتيه الباطل أبداً ، وصحّته فوق العقل والحوار ، وأنّ فلاناً معصومٌ لأنّه من أهل البيت ، فهذا كلامٌ لا علاقة له بمنهج الله تعالى ، ولا بالعقل ولا بالمنطق ، وقيمته لا تختلف عن قيمة القول بأنّ كلّ ما في الصحاح ليس صحيحاً ، وعن القول بأنّ الرسالة لم تكتمل حتى بعد موت الرسول ( ص ) .. فكلا المقولتين وراءهما أهواء لا علاقة لها بالمنهج أبداً ، ولا تؤدّي إلاّ إلى الابتعاد عن المنهج الحق الذي يريدنا الله تعالى أن نتبعه ..

فالعصبيّة التي تدفع بعضهم للقول : إنّ كلّ ما في الصحيحين صحيح ، لا تختلف كثيراً – من زاوية الإساءة للسنّة الشريفة – عن العصبية التي تدفع بعضهم الآخر للقول : إنّ كلّ ما في الصحيحين ليس صحيحاً ، فكلا القولين يعبّران عن جهلٍ بمنهج الله تعالى من أساسه .. وهذان القولان لا يختلفان عن ادّعاء العصمة لأيِّ بشرٍ كان بعد الرسول ( ص ) ، وعن القول بنقصان المنهج حتى يكمله فلان من الصحابة ، أو فلان من أهل البيت ..

إنّ سوق الناس من عواطفهم الهوجاء نحو عصبيّات تُقدَّم على أنّها عين المنهج ، هو – في النهاية – عملية إلغاءٍ لعقولهم ، وبالتالي إخراجهم من قيمتهم الإنسانيّة التي خُلقوا من أجلها ، ومحاولة لحجبهم عن نور الدلالات الحق التي يحملها كتاب الله تعالى لعصرهم ..

فالذي لا يدرك أنّ إنكار الروايات المنسوبة إلى الرسول ( ص ) والتي تخالف صريح القرآن الكريم ، وبديهيّات العقل والمنطق والعلم ، هو لصالح السنّة الشريفة ، فهو متّبعٌ أعمى ، وحارسٌ جاهل لموروثات تاريخيّة يحسبها مقدّسة ومن جوهر المنهج ..

والذي لا يدرك أنّ جعل الأكاذيب الملفّقة على الرسول ( ص ) سنّة مقدّسة يكفَّر منكرها ، هو محاولة لهدم السنّة الحقّ ( عند السنّة والشيعة على حدٍّ سواء ) ، ولإبعاد الناس عن مراد الله تعالى ورسوله ( ص ) ، فهو جاهلٌ حتى بالحدّ الأدنى من المنطق ، وغارقٌ في مستنقعات التاريخ إلى أن يعود إلى رشده ..

والذي لم يدرك أنّ ادّعاء العصمة لغير الرسول ( ص ) خروجٌ على الثوابت القرآنيّة ، هو ضحيّة لأهواء تُقدّم على أنّها نصوص مقدّسة ..

فكلُّ ما لم تُوجد له في كتاب الله تعالى كليّات تبيان ، يجب الوقوف عنده ، فالله تعالى حينما يقول : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) ( النحل : 89 ) ، فإنّه يعني احتواء كتاب الله تعالى على كليّات كلِّ شيءٍ في هذا الكون ، وبالتأكيد على كليّات السنّة الشريفة ، وبالتالي فإنّ القول : إنّ السنّة مكمّلة للقرآن الكريم ، هو قولٌ يناقض صريح القرآن الكريم ، ويناقض ماهيّة السنّة الشريفة ، كونها مفصّلة ومبيّنة للكليّات التي يأتي بها القرآن الكريم ، وليس كونها مكمّلة له ، فالقرآن الكريم ليس ناقصاً ..

ما يجب أن يعلمه كلُّ متعصّب لمذهبه وطائفته هو : هل المذهب والطائفة وقول فلان وفلان وبعض ما نُسب إلى الرسول ( ص ) وقيل إنّه سنّة ، أو كلام معصوم من أهل البيت ، حجة على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ( ص ) ومعيار لهما ، أم العكس ؟ ..

أليس الخلاف على صحّة رواية منسوبة إلى الرسول ( ص ) [ سواء عند السنّة أم الشيعة ] ،هو جزئية لا ترقى إلى الكليات التي تؤثّر على العقيدة ؟ ، فكيف إذاً تدفع العصبيات المذهبية بعضهم إلى تكفير الآخرين الذين لا يعتقدون بصحة كلّ ما في الصحيحين ؟ !!! .. أو إلى تكفير من لا يعتقد بعصمة أحد بعد الرسول ( ص ) ؟ !!! .. أليس فعلهم هذا دليل على أنّ قول فلان ورأي فلان – عندهم – حجة – على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ( ص ) ؟ ..

أليس أصحاب العصبيّات المذهبيّة والطائفيّة داخل جسد هذه الأُمّة مدفوعين بتأثير الصفة التي يبيّنها الله تعالى لنا في الآية الكريمة التالية ..

( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) ( الزمر : 45 ) ..

مأساتنا أننا لم نعمل بالكلمة الأولى التي نزلت من السماء .. ( اقْرَأْ ) ( العلق : 1 ) .. فالفكر يتوارث كالعقارات وكأسماء القبائل .. مأساتنا أنّنا لم نُولد من أرحام آبائنا ، وأننا نتمثّل ما تصفه الآية الكريمة التالية .. ( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ) ( الزخرف : 22 ) .. مأساتنا أننا منقادون من عواطفنا الهوجاء إلى مستنقعات التاريخ ، ولا نذهب بعقولنا إلى كتاب الله تعالى ..

أيّها السادة تعالوا لنقف عند دلالات الآية الكريمة التالية ، التي تصف شكوى الرسول ( ص ) علينا يوم القيامة كوننا قومه ، بسبب هجراننا للقرآن الكريم ، ليس – فقط – هجران تلاوة وحفظ عن ظهر قلب كما يتصوّر الكثيرون ، وإنّما هجران تدبّر وتعقّل وعمل .. ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) ( الفرقان : 30 ) .. فالنصّ واضح وصريح ، ويعني قوم الرسول ( ص ) الذين يتكلّمون لغة القرآن الكريم ، كونهم أقدر الناس على القيام بعمليّة التدبّر والتعقّل لآياته .. ويعني كلّ القوم وليس بعضهم ، فالله تعالى يصف قول الرسول يوم القيامة بقوله  ( قَوْمِي ) ، وليس ( بعض قومي ) ، فالأمّة مقصّرة تجاه كتاب الله تعالى ، ومن أهم حيثيّات هذا التقصير ، تقديم الموروثات التاريخيّة جميعها على أنّها موازية لكتاب الله تعالى ، وبالتالي وضع حواجز بين أبناء الأمة وبين الدلالات الحق التي أنزلها الله تعالى في كتابه الكريم ، وأراد منا استنباطها واتباعها ..

 

المــهندس عـدنان الرفــاعي

كاتـب ومـفـكِّــر إســـلامي

سورية – درعــا – تلشهاب

هاتف منزل   :  252300  15  00963

هاتف جوّال  :   252300  955  00963

 

 www.thekr.net

Email : adnan@thekr.net