ليتفقهوا فى الدين

في الثلاثاء 10 فبراير 2009

1 ـ يقول تعالى "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ : 9/ 122 ".
دائما نفهم هذه الآية الكريمة على أنها دعوة لطلب العلم والرحلة إليه للتفقه فيه ، وقلما يخلو موضوع عن أهمية طلب العلم فى الإسلام من الاستشهاد بهذه الآية بل والبدء بها ، وفى القرآن آيات كثيرة عن أهمية العلم والعقل ، ولكن هذه الأية الكريمة تتحدث عن موضوع آخر هو الجهاد بالقتال فى سبيل الله تعالى .

2 ـ ولو فهمنا أن تلك الآية الكريمة تدعو المؤمنين للنفرة والرحلة طلبا للعلم لواجهنا سؤالا محيرا ، فالآية الكريمة نزلت على المؤمنين فى المدينة ، بل إن الإشارة إلى المدينة المنورة جاءت فى الآية (120) قبلها " (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ) "، والسؤال المحير هنا ، إذا كانت النفرة فى الآية الكريمة طلبا للعلم ، فهل يعنى ذلك أن يطلب المؤمنون الرحلة خارج المدينة للتفقه فى الدين بينما الرسول عليه الصلاة والسلام يعيش بينهم وهو منبع العلم بالدين ؟
ثم إلى أين يتجهون للتفقه فى الدين والوحى ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
وهل كان فى ذلك الوقت مركز للتفقه فى الدين فى الجزيرة العربية وخارجها غير المدينة ؟

3 ـ إن منبع الخطأ فى فهم الآية الكريمة يرجع إلى سوء فهم لمعنى كلمة الدين فى قوله تعالى " لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ " .. فقد فهموا كلمة الدين هنا بأنها تعنى دين الإسلام ولكنها فى هذه الآية بالتحديد تعنى "الطريق ".
وكلمة الدين فى أصلها اللغوى هى الطريق .. وتعنى مجازا الطريق الذى يسلكه الإنسان فى علاقته بالخالق جلا وعلا .. وفى نفس المعنى تأتى أيضا كلمات " الصراط " و"السبيل" و"الطريق" إلى الله .. وجاءت كلمة الدين بمعنى الطريق فى العبادة فى سورة " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) أى لكم طريقكم ولى طريقى .
ونفس المعنى فى قوله تعالى يعلمنا فى سورة الفاتحة " اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )
أى فالإسلام هو الطريق المستقيم يتمسك به من يريد أن يكون من الذين أنعم الله جل وعلا عليهم ، ويقول تعالى " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) : 6: 153 "،و(السُّبُلَ ) جمع لكلمة (سبيل ) والصراط والسبيل هنا بمعنى الطريق وبمعنى الدين ..
إذن فكلمة (الدين) تعنى الطريق بالمعنى الحسى المادى وتعنى أيضا الطريق بالمعنى المعنوى .. وجاءت كلمة الدين فى أغلب الآيات القرآنية بمعنى الطريق المعنوى ، وجاءت فى قوله تعالى " لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ " بمعنى الطريق المادى الحسى .
والتفقه فى الدين أى الطريق ـ معنويا كان أم ماديا حسيا ـ يعنى التعرف عليه ومعرفة خباياه .

4 ـ وقد فهم الناس كلمة التفقه خطأ نظرا لشيوع اسم الفقه علما على العلوم الشرعية فقط مع أن القرآن استعمل كلمة التفقه ومشتقاتها بالمعنى الأعم الذى يدل على المعرفة بكل شىء .. وهكذا فمن اختلاط المعنى فى كلمتى التفقه والدين شاع بين الناس أن آية " وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً " تحث على طلب العلم و" التفقه فى الدين " حتى لو كان ذلك خارج المدينة فى عصر الرسالة .

5 ـ والفهم الصحيح للآية يبدأ بالتدبر في سياقها، أى ما جاء قبلها وما جاء بعدها من آيات . والسياق هو الأصل لفهم مصطلحات القرآن الكريم .
الله تعالى يقول :" مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )
إذن يحث الله تعالى المؤمنين على الصمود مع النبى فى القتال الدفاعى عن المدينة ، حيث كان يتطلب هذا القتال الدفاعى تأمين المدينة و ما حولها ومطاردة المعتدين من البدو و المهاجمين الذين يقطعون الصحراء للاغارة على المدينة.وهذا استمر الى أواخر عصر النبى ، فنحن هنا فى سورة التوبة وهى من أواخر ما نزل من القرآن الكريم. وفيها تردد التحريض الالهى للمؤمنين بأن ينفروا دفاعا عن أنفسهم ، وفى هذه الايات يحثهم الله تعالى على الصمود مع النبى ويعدهم بالأجر العظيم نظير معاناتهم فى القتال معه إذ هم قطعوا مع النبى واديا وأنفقوا فى سبيل الله مالا أو أصابهم جوع أو عطش أو تعب ..
وقد يسأل سائل ماذا إذا ساروا فى أحد الأودية أو الطرقات بجميع الجيش فخرج عليهم كمين ؟ والاجابة تأتى فى الآية التالية تقول :" "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ : 9/ 122 "، فالآية هنا تعلم المؤمنين إرسال وحدات قتالية استطلاعية تستكشف الطريق ، فتخرج من كل فرقة من فرق الجيش طائفة " للتفقه فى الدين " أى لتتعرف على الطريق ثم تعود لتنذر القوم لعلهم يحذرون .
وبعدها قال تعالى :"( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ )" أى تخاطب المؤمنين فى المدينة وقد كان حولهم أعراب منافقون ومشركون يحيطون بهم ويتآمرون على قتالهم وتأمرهم بالغلظة عليهم فى القتال حتى لا يكونوا مصدر تهديد للمدينة . وهذا ما حدث منهم فعلا بعد موت النبى محمد عليه السلام ، أى بعد مرور عام تقريبا من نزول هذه الآية ،إذ تجمع أولئك الأعراب المنافقون و المشركون فقاموا بأول هجوم على المدينة فيما يعرف فى التاريخ بحركة الردة.

6 ـ إن كلمة " نفر" لم تأت فى القرآن إلا بمعنى التحرك للقتال ، وهذا هو معنى قوله تعالى " لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ " أي ليتحركوا للتعرف على الطريق فى القتال .